من ج1. الي اخر / ج8.
و التالي بمشيئة الله ج9. كتاب:السيرة الحلبية في سيرة الأمين المأمون المؤلف:علي بن برهان الدين الحلبي
اولا/ من اول ج1.-------
كتاب:السيرة الحلبية في سيرة الأمين المأمون
المؤلف:علي بن برهان الدين الحلبي
السيرة الحلبية في سيرة الأمين المأمون
بسم الله الرحمن الرحيم
حمد لمن نضر وجوه أهل الحديث وصلاة وسلاما على من نزل عليه أحسن الحديث وعلى آله وأصحابه أهل التقدم في القديم والحديث صلاة وسلاما دائمين ما سارت الأئمة في جمع سير المصطفى السر الحثيث
وبعد فيقول أفقر المحتاجين وأحوج المفتقرين لعفو ذي الفضل والطول المتين على بن برهان الدين الحلبي الشافعي إن سيرة المصطفى عليه أفضل الصلاة والسلام من أهم ما اهتم به العلماء الأعلام وحفاظ ملة الإسلام كيف لا وهو الموصل لعلم الحلال والحرام والحامل على التخلق بالأخلاق العظام وقد قال الزهري رحمه الله في علم المغازي خير الدنيا والآخرة وهو أول من ألف في السير
قال بعضهم أول سيرة ألفت في الإسلام سيرة الزهري وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال كان أبي يعلمنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسراياه فيقول يا بني هذه شرف آبائكم فلا تنسوا ذكرها وأحسن ما ألف في ذلك وتداولته الأكياس سيرة الحافظ أبي الفتح ابن سيد الناس لما جمعت من تلك الدرارى والدرر ومن ثم سماها عيون الأثر غير أنه أطال بذكر الإسناد الذي كان للمحدثين به مزيد الإعتداد وعليه لهم كثير الإعتماد إذ هو من خصائص هذه الأمة ومفتخر الأئمة لكنه صار الآن لقصور الهمم لا تقبله الطباع ولا تمتد إليه الأطماع وأما سيرة الشمس الشامي فهو وإن أتى بما فيما يعد في صفائح وجوه الصحائف حسنات لكنه أتى فيها بما هو في أسماع ذوى الأفهام كالمعادات
ولا يخفى أن السير تجمع الصحيح والسقيم والضعيف والبلاغ والمرسل والمنقطع والمعضل دون الموضوع ومن ثم قال الزين العراقي رحمه الله
** وليعلم الطالب أن السيرا ** تجمع ما صح وما قد أنكرا **
وقد قال الإمام أحمد بن حنبل وغيره من الأئمة إذا روينا في الحلال والحرام شددنا وإذا روبنا في الفضائل ونحوها تساهلنا وفي الأصل والذي ذهب إليه كثير من أهل العلم الترخص في الرقائق ومالا حكم فيه من أخبار المغازي وما يجرى مجرى ذلك وأنه يقبل منها مالا يقبل في الحلال والحرام لعدم تعلق الأحكام بها فلما رأيت السيرتين المذكورتين على الوجه الذي لا يكاد ينظر إليه لما اشتملتا عليه عن لي أن ألخص من تينك السيرتين أنموذجا لطيفا يروق الأحداق ويحلو للأذواق يقرأ مع ما أضمه إليه بين يدي المشايخ على غاية الإنسجام ونهاية الإنتظام ولا زلت في ذلك أقدم رجلا وأؤخر أخرى لكوني لست من أهل هذا الشان ولا ممن يسابق في ميدانه على خيل الرهان حتى أشار علي بذلك وبسلوك تلك المسالك من إشارته واجبة الإتباع ومخالفة أمره لاتستطاع ذو البديهة المطاوعة والفضائل البارعة والفواضل الكثيرة النافعة من إذا سئل عن أي معضلة أشكلت على ذوي المعرفة والوقوف لا تراه يتوقف ولا يخرج عن صوب الصواب ولا يتعسف ولا أخبر في كثير من الأوقاف عن شيء من المغيبات وكاد أن يتخلف وهو الأستاذ الأعظم والملاذ الأكرم مولانا الشيخ أبو عبدالله وأبو المواهب محمد فخر الإسلام البكري الصديقي كيف لا وهو محل نظر والده من نشر ذكره ملأ المشارق والمغارب وسرى سره في سائر المسارى والمسارب ولي الله والقائم بخدمته في الإسرار والإعلان والعارف به الذي لم يتمار في أنه القطب الفرد الجامع إثنان مولانا الأستاذ أبو عبدالله وأبو بكر محمد البكري الصديقي
ولا بدع فإنه نتيجة صدر العلماء العاملين وأستاذ جميع الأستاذين والمعدود من المجتهدين صاحب التصانيف المفيدة في العلوم العديدة مولانا الأستاذ محمد أبو الحسن تاج العارفين البكري الصديقي أعاد الله تعالى على وعلى أحبابي من بركاتهم وجعلنا في الآخرة من جملة أتباعهم فلما أشار على ذلك الأستاذ بتلك الإشارة ورأيتها منه أعظم بشارة شرعت معتمدا في ذلك على من يبلغ كل مؤمل أمله ولم يخيب من قصده وأمله وقد يسر الله تعالى ذلك على أسلوب لطيف ومسلك شريف لا تمله الأسماع ولا تنفر منه الطباع والزيادة التي أخذتها من سيرة الشمس الشامي على سيرة أبي الفتح ابن سيد الناس الموسومة بعيون الأثر إن كثرت ميزتها بقولى في أولها قال وفي آخرها انتهى
وإن قلت أتيت بلفظه أي وجعلت في آخر القولة دائرة هكذا بالحمرة وربما أقول وفي السيرة الشامية وربما عبرت عن الزيادة القليلة بقال وعن الكثيرة بأي وما ليس بعده تلك الدائرة فهو من الأصل أعني عيون الأثر غالبا وقد يكون من زيادتي على الأصل والشامي كمايعلم بالوقوف عليهما وربما ميزت تلك الزيادة بقولى في أولها أقول وفي آخرها والله أعلم وقد يكون من الزيادة ما أقول وفي السيرة الهشامية بتقديم الهاء على الشين وحيث أقول قال في الأصل أو ذكر في الأصل أو نحو ذلك فالمراد به عيون الأثر ثم عن لي أن أذكر من أبيات القصيدة الهمزية المنسوبة لعالم الشعراء وأشعر العلماء وهو الشيخ شرف الدين البوصيري ناظم القصيدة المعروفة بالبردة وما تضمنته تلك الأبيات وأشارت إليه من ذلك السياق فإنه أحلى في الأذواق وربما أحل ذلك النظم بما يوضح معناه ويظهر تركيب مبناه وربما أذكر أيضا من أبيات تائية الإمام السبكى ما يناسب المقام وربما أذكر أيضا بعض أبيات من كلام صاحب الأصل من قصائده النبوية المجموعة بديوانه المسمى ب بشرى اللبيب بذكرى الحبيب وقد سميت مجموع ذلك
إنسان العيون في سيرة الأ المأمون
وأسأل من لا مسئول إلا إياه أن يجعل ذلك وسيلة لرضاه آمين
& باب نسبه الشريف صلى الله عليه وسلم
هو محمد صلى الله عليه وسلم ابن عبدالله ومعنى عبدالله الخاضع الذليل له تعالى وقد جاء أحب أسمائكم وفي رواية أحب الأسماء إلى الله عبدالله وعبد الرحمن وجاء أحب الأسماء إلى الله ما تعبد به وقد سمى صلى الله عليه وسلم بعبد الله في القرآن قال الله تعالى وأنه لما قام عبدالله يدعوه وعبدالله هذا هو ابن عبدالمطلب ويدعى شيبة الحمد لكثرة حمد الناس له أي لأنه كان مفزع قريش في النوائب وملجأهم في الأمور فكان شريف قريش وسيدها كمالا وفعالا من غير مدافع وقيل قيل له شيبة الحمد لأنه ولد وفي رأسه شيبة أي وفي لفظ كان وسط رأسه أبيض أو سمى بذلك تفاؤلا بأنه سيبلغ سن الشيب قيل إسمه عامر وعاش مائة وأربعين سنة أي وكان ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية وكان مجاب الدعوة وكان يقال له الفياض لجوده ومطعم طير السماء لأنه كان يرفع من مائدته للطير والوحوش في رؤوس الجبال قال وكان من حلماء قريش وحكمائها وكان نديمه حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف والد أبي سفيان وكان في جوار عبدالمطلب يهودي فأغلظ ذلك اليهودي القول على حرب في سوق من أسواق تهامة فأغرى عليه حرب من قتله فلما علم عبدالمطلب بذلك ترك منادمة حرب ولم يفارقة حتى أخذ منه مائة ناقة دفعها لإبن عم اليهودي حفظا لجواره ثم نادم عبدالله بن جدعان انتهى ملخصا
وقيل له عبدالمطلب لأن عمه المطلب لما جاء به صغيرا من المدينة أردفه خلفه أي وكان بهيئة رثة أي ثياب خلقة فصار كل من يسأل عنه ويقول من هذا يقول عبدي أي حياء أن يقول ابن أخي فلما دخل مكة أحسن من حاله وأظهر أنه ابن أخيه وصار يقول لمن يقول له عبدالمطلب ويحكم إنما هو شيبة ابن أخي هاشم لكن غلب عليه
الوصف المذكور فقيل له عبدالمطلب أي وقيل لأنه تربى في حجر عمه المطلب وكان عادة العرب أن تقول لليتيم الذي يتربى في حجر أحد هو عبده وكان عبدالمطلب يأمر أولاده بترك الظلم والبغي ويحثهم على مكارم الأخلاق وينهاهم عن دنيئات الأمور
وكان يقول لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم منه وتصيبهم عقوبة إلى أن هلك رجل ظلوم من أهل الشام لم تصبه عقوبة فقيل لعبدالمطلب في ذلك ففكر وقال والله إن وراء هذه الدار دارا يجزى فيها المحسن بإحسانه ويعاقب المسيء بإساءته أي فالمظلوم شأنه في الدنيا ذلك حتى إذا خرج من الدنيا ولم تصبه العقوبة فهي معدة له في الآخرة ورفض في آخر عمره عبادة الأصنام ووحد الله سبحانه وتعالى وتؤثر عنه سنن جاء القرآن بأكثرها وجاءت السنة بها منها الوفاء بالنذر والمنع من نكاح المحارم وقطع يد السارق والنهي عن قتل الموءودة وتحريم الخمر والزنا وأن لا يطوف بالبيت عريان كذا في كلام سبط ابن الجوزي ابن هاشم وهاشم هو عمرو العلا أي لعلو مرتبته وهو أخو عبد شمس وكانا توءمين وكانت رجل هاشم أي أصبعها ملصقة بجبهة عبد شمس ولم يمكن نزعها إلا بسيلان دم فكانوا يقولون سيكون بينهما دم فكان بين ولديهما أي بين بني العباس وبين بني أمية سنة ثلاث وثلاثين ومائة من الهجرة ووقعت العداوة بين هاشم وبين ابن أخيه أمية بن عبد شمس لأن هاشما لما ساد قومه بعد أبيه عبد مناف حسده أمية بن أخيه فتكلف أن يصنع كما يصنع هاشم فعجز فعيرته قريش وقالوا له أتتشبه بهاشم ثم دعا هاشما للمنافرة فأبى هاشم ذلك لسنه وعلو قدره فلم تدعه قريش فقال هاشم لأمية أنافرك على خمسين ناقة سود الحدق تنحر بمكة والجلاء عن مكة عشر سنين فرضى أمية بذلك وجعلا بينهما الكاهن الخزاعي وكان بعسفان فخرج كل منهما في نفر فنزلوا على الكاهن فقال قبل أن يخبروه خبرهم والقمر الباهر والكوكب الزاهر والغمام الماطر وما بالجو من طائر وما اهتدى بعلم مسافر من منجد وغائر لقد سبق هاشم أمية إلى المفاخر فنصر هاشم على أمية فعاد هاشم إلى مكة ونحر الإبل وأطعم الناس وخرج أمية إلى الشام فأقام بها عشر سنين فكانت هذه أول عداوة وقعت بين هاشم وأمية وتوارث ذلك بنوهما وكان يقال لهاشم وإخوته عبد شمس والمطلب ونوفل أقداح النضار أي الذهب ويقال لهم المجيرون لكرمهم وفخرهم وسيادتهم على سائر العرب
قال بعضهم ولا يعرف بنوا أب تباينوا في محال موتهم مثلهم فإن هاشما مات بغزة أي كما سيأتي وعبد شمس مات بمكة وقبر بأجياد ونوفلا مات بالعراق والمطلب مات ببرعاء من أرض اليمن أي قيل له هاشم لأنه أول من هشم الثريد بعد جده إبراهيم فإن إبراهيم أول من فعل ذلك أي ثرد الثريد وأطعمه المساكين وفيه أن أول من ثرد الثريد وأطعمه بمكة بعد إبراهيم جد هاشم قصي ففي الإمتاع وقصي أول من ثرد الثريد وأطعمه بمكة وفيه أيضا هاشم عمرو العلا أول من أطعم الثريد بمكة وسيأتي أن أول من فعل ذلك عمرو بن لحى فليتأمل
وقد يقال لامنافاة لأن الأولية في ذلك إضافية فأولية قصي لكونه من قريش وأولية عمرو بن لحى لكونه من خزاعة وأولية هاشم بإعتبار شدة مجاعة حصلت لقريش وإلى ذلك يشير صاحب الأصل بقوله ** وأطعم في المحل عمرو العلا ** فللمسنتين به خصب عام **
وقال أيضا ** عمرو العلا ذو الندى من لا يسابقه ** مر السحاب ولا ريح تجاريه ** ** جفانه كالجوابي للوفود إذا ** لبوا بمكة ناداهم مناديه ** ** أو أمحلوا أخصبوا منها وقد ملئت ** قوتا لحاضره منهم وباديه **
وقد قيل فيه ** قل للذي طلب السماحة والندى ** هلا مررت بآل عبد مناف ** ** الرائشون وليس يوجد رائش ** والقائلون هلم للأضياف **
وعن بعض الصحابة قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله تعالى عنه على باب بني شيبة فمر رجل وهو يقول ** يا أيها الرجل المحول رحله ** ألا نزلت بآل عبدالدار ** ** هبلتك أمك لو نزلت برحلهم ** منعوك من عدم ومن إقتار **
فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر رضي الله عنه فقال أهكذا قال الشاعر قال لا والذي بعثك بالحق ولكنه قال ** يا أيها الرجل المحول رحله ** ألا نزلت بآل عبد مناف ** ** هبلتك أمك لو نزلت برحلهم ** منعوك من عدم ومن إقراف ** **
الخالطين غنيهم بفقيرهم ** حتى يعود فقيرهم كالكافي **
فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال هكذا سمعت الرواة ينشدونه وكان هاشم بعد أبيه عبد مناف على السقاية والرفادة فكان يعمل الطعام للحجاج يأكل منه من لم يكن له سعة ولا زاد ويقال لذلك الرفادة
واتفق أنه أصاب الناس سنة جدب شديد فخرج هاشم إلى الشام وقيل بلغه ذلك وهو بغزة من الشام فاشترى دقيقا وكعكا وقدم به مكة في الموسم فهشم الخبز والكعك ونحر الجزر وجعله ثريدا وأطعم الناس حتى أشبعهم فسمى بذلك هاشما وكان يقال له أبو البطحاء وسيد البطحاء
قال بعضهم لم تزل مائدته منصوبة لا ترفع في السراء والضراء
قال ابن الصلاح روينا عن الإمام سهل الصعلوكي رضي الله عنه أنه قال في قوله صلى الله عليه وسلم فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام أراد فضل ثريد عمرو العلا الذي عظم نفعه وقدره وعم خيره وبره وبقى له ولعقبه ذكره وقد أبعد سهل في تأويل الحديث
والذي أراه أن معناه تفضيل الثريد من الطعام على باقي الطعام لأن سائر بمعنى باقي أي فالمراد أي ثريد لا خصوص ثريد عمرو العلا حتى يكون أفضل من ثريد غيره وكان هاشم يحمل ابن السبيل ويؤمن الخائف
قال وقد ذكر أنه كان إذا هل هلال ذي الحجة قام صبيحته وأسند ظهره إلى الكعبة من تلقاء بابها ويخطب يقول في خطبته يا معشر قريش إنكم سادة العرب أحسنها وجوها وأعظمها أحلاما أي عقولا وأوسط العرب أي أشرفها أنسابا وأقرب العرب بالعرب أرحاما يا معشر قريش إنكم جيران بيت الله تعالى أكرمكم الله تعالى بولايته وخصكم بجواره دون بني إسمعيل وإنه يأتيكم زوار الله يعظمون بيته فهم أضيافه وأحق من أكرم أضياف الله أنتم فأكرموا ضيفه وزواره فإنهم يأتون شعثا غبرا من كل بلد على ضوامر كالقداح فأكرموا ضيفه وزوار بيته فورب هذه البنية لو كان لي مال يحتمل ذلك لكفيتكموه وأنا مخرج من طيب مالي وحلاله مالم يقطع فيه رحم ولم يؤخذ بظلم ولم يدخل فيه حرام فمن شاء منكم أن يفعل مثل ذلك فعل واسألكم بحرمة هذا البيت أن لايخرج رجل منكم من ماله لكرامة زوار بيت الله وتقويتهم إلا طيبا لم يؤخذ ظلما
ولم يقطع فيه رحم ولم يؤخذ غصبا فكانوا يجتهدون في ذلك ويخرجونه من أموالهم فيضعونه في دار الندوة انتهى
وقيل في تسمية شيبة الحمد عبدالمطلب غير ما تقدم فقد قيل إنما سمى شيبة الحمد عبدالمطلب لأن أباه هاشما قال للمطلب الذي هو أخو هاشم وهو بمكة حين حضرته الوفاة أدرك عبدك يعني شيبة الحمد بيثرب فمن ثم سمى عبدالمطلب كذا في المواهب وقدمه على ما تقدم
وفيه أنه حكى غير واحد أن هاشما خرج تاجرا إلى الشام فنزل على شخص من بني النجار بالمدينة وتزوج بنته على شرط أنها لا تلد ولدا إلا في أهلها أي ثم مضى لوجهه قبل أن يدخل بها ثم انصرف راجعا فبنى بها في أهلها ثم ارتحل بها إلى مكة فلما أثقلت بالحمل خرج بها فوضعها عند أهلها بالمدينة ومضى إلى الشام فمات بغزة قيل وعمره حينئذ عشرون سنة وقيل أربع وقيل خمس وعشرون وولدت شيبة الحمد فمكث بالمدينة سبع سنين وقيل ثمان فمر رجل على غلمان يلعبون أي ينتضلون بالسهام وإذا غلام فيهم إذا أصاب قال أنا ابن سيد البطحاء فقال له الرجل ممن أنت يا غلام فقال أنا شيبة بن هاشم بن عبد مناف فلما قدم الرجل مكة وجد المطلب جالسا بالحجر فقص عليه ما رأى فذهب إلى المدينة فلما رآه عرف شبه أبيه فيه ففاضت عيناه وضمه إليه خفية من أمه
وفي لفظ أنه عرفه بالشبه وقال لمن كان يلعب معه أهذا ابن هاشم قالوا نعم فعرفهم أنه عمه فقالوا له إن كنت تريد أخذه فالساعة قبل أن تعلم به أمه فإنها إن علمت بك لم تدعك وحالت بينك وبينه فدعاه المطلب وقال يا أخي أنا عمك وقد أردت الذهاب بك إلى قومك وأناخ ناقته فجلس على عجز الناقة فانطلق به ولم تعلم به أمه حتى كان الليل فقامت تدعوه فأخبرت أن عمه قد ذهب به وكساه حلة يمانية ثم قدم به مكة فقالت قريش هذا عبد المطلب أي فإن هذا السياق يدل على أن عبدالمطلب إنما ولد بعد موت أبيه هاشم بغزة وكون عمه المطلب كساه حلة لا ينافى ما سبق أنه دخل به مكة وثيابه رثة خلقة لأنه يجوز أن تكون هذه الحلة ألبست له عند أخذه ثم نزعت عنه في السفر أي أو أن هذه الحلة اشتراها بمكة كما يصرح به كلام بعضهم وما وقع هنا
من تصرف الراوي على أنه يجوز أن يكون اشترى له حلتين واحدة ألبسها له بالمدينة وأخرى اشتراها بمكة وألبسها له
وفي السيرة الهشامية أن أم عبدالملطلب كانت لا تنكح الرجال لشرفها في قومها حتى يشرطوا لها أن أمرها بيدها إذا كرهت رجلا فارقته أي وإنها لا تلد ولدا إلا في أهلها كما تقدم وأن عمه المطلب لما جاءه لأخذه قالت له لست بمرسلته معك فقال لها المطلب إني غير منصرف حتى أخرج به معي إن ابن أخي قد بلغ وهو غريب في غير قومه ونحن أهل بيت شرف في قومنا وقومه وعشيرته وبلده خير من الإقامة في غيرهم فقال شيبة لعمه إني لست بمفارقها إلا أن تأذن لي فأذنت له ودفعته إليه فأردفه خلفه على بعيره ويحتاج إلى الجمع بين هذا وما قبله فقالت قريش عبدالمطلب إبتاعه أي ظنا منهم أنه اشتراه من المدينة فإن الشمس أثرت فيه وعليه ثياب أخلاق فقال لهم ويحكم إنما هو ابن أخي هاشم ولا يخالف هذا ما سبق من أنه صار يقول لمن يسأله عنه من هذا فيقول عبدي لأنه يجوز أن يكون بعض الناس قال من عند نفسه هذا عبدالمطلب ظنا منه وبعضهم سأله فأجابه بقوله هذا عبدي كما تقدم ولما دخل مكة قال لهم ويحكم إلى آخره وهاشم بن عبد مناف وبعد مناف إسمه المغيرة أي وكان يقال له قمر البطحاء لحسنه وجماله وهذا هو الحد الثالث لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الجد الرابع لعثمان بن عفان والجد التاسع لإمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنهما
ووجد كتاب في حجر أنا المغيرة بن قصي أوصى قريشا بتقوى الله جل وعلا وصلة الرحم ومناف أصله مناة اسم صنم كان أعظم أصنامهم وكانت أمه جعلته خادما لذلك الصنم وقيل وهبته له لأنه كان أول ولد لقصي على ما قيل لأن عبد مناف بن قصي أي ويسمى قصي زيدا
وعن إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه أن اسمه يزيد ويدعى مجمعا أيضا وقيل له قصى لأنه قصى أي بعد عن عشيرته إلى أخواله بني كلب في ناديهم وقيل بعد إلى قضاعة مع أمه لأنها كانت منهم
أقول لا منافاة لجواز أن تكون أم قصى من بني كلب وأبوها من قضاعة وأنها رحلت بعد موت عبد مناف إلى بني كلب ثم لما تزوجت من قضاعة رحلت إليها ولعل قضاعة كانت جهة الشام فلا يخالف ما قيل
وقيل له قصي لأنه بعد مع أمه إلى الشام لأن أمه تزوجت بعد موت أبيه وهو فطيم بشخص يقال له ربيعة بن حزام وقيل حزام بن ربيعة العذرى فرحل بها إلى الشام وكان قصي لا يعرف له أبا إلا زوج أمه المذكور فلما كبر وقع بينه وبين آل زوج أمه شر أي فإنه ناضل رجلا منهم فنضله قصي أي غلبه فغضب ذلك الرجل وعير قصيا بالغربة وقال له ألا تلحق بقومك وببلادك فإنك لست منا
وفي لفظ لما قيل له قال ممن أنا قيل له سل أمك فشكا ذلك إلى أمه فقالت له بلادك خير من بلادهم وقومك خير من قومهم أنت أكرم أبا منهم أنت ابن كلاب بن مرة وقومك بمكة عند البيت الحرام تفد إليه العرب وقد قالت لي كاهنة رأتك صغيرا إنك تلي أمرا جليلا فلما أراد الخروج إلى مكة قالت له أمه لا تعجل حتى يدخل الشهر الحرام فتخرج مع حجاج قضاعة فإني أخاف عليك فشخص مع الحجاج فقدم قصي مكة على قومه مع حجاج قضاعة فعرفوا له فضله وشرفه فأكرموه وقدموه عليهم فساد فيهم ثم تزوج بنت حليل بالحاء المهملة المضمومة الخزاعي وكان أمر مكة والبيت إليه وهو آخر من ولى أمر البيت والحكم بمكة من خزاعة فجاء منها بأولاده الآتي ذكرهم فلما انتشر ولده وكثر ماله وعلم شرفه مات حليل فرأى قصي أنه أولى بأمر مكة من خزاعة لأن قريشا أقرب إلى إسمعيل من خزاعة فدعا قريشا وبني كنانة إلى إخراج خزاعة من مكة فأجابوه إلى ذلك وانضم له قضاعة جاء بهم أخو قصي لأمه فأزاح قصي ياء خزاعة وولى أمر مكة
وقيل إن حليلا جعل أمر البيت لقصي ولا منافاة لجواز أن تكون خزاعة لم ترض بما فعله حليل من أن يكون أمر البيت لقصي فحاربهم وأخرجهم من مكة
وقيل إن حليلا أوصى بذلك لأبي غبشان بضم الغين المعجمة بعد أن أوصى بذلك لأبنته زوج قصي وقالت له لاقدرة لي على فتح البيت وإغلاقه وأن قصيا أخذ ذلك منه بزق خمر فقالت العرب أخسر صفقة من أبي غبشان
وقيل إن أبا غبشان أعطى ذلك لبنت حليل زوج قصي وأعطاه قصي أثوابا وأبعرة فكان أبو غبشان آخر من ملك أمر مكة والبيت من خزاعة
ولا يخالف ذلك ما تقدم من أن حليلا آخر من ولى أمر البيت والحكم بمكة لجواز أن يكون المراد آخر من ولى ذلك واستمر كذلك إلى أن مات قال بعضهم وكان
أبو غبشان خالا لقصي وكان في عقله شيء فخدعه قصي فاشترى منه أمر مكة والبيت بأذواد من الإبل
والجمع بين هذه الروايات من أن قصيا أخذه من أبي غبشان بزق خمر وبين أنه أخذ ذلك بأثواب وأبعرة وبين أنه أخذ ذلك بأذواد من الإبل ممكن لجواز أن يكون جمع بين الخمر والأثواب والإبل فوقع الإقتصار على بعضها من بعض الرواة تأمل ثم جمع قصي قريشا بعد تفرقها في البلاد وجعلها إثنتي عشرة قبيلة كما سيأتي ومن ثم قيل له مجمع وفي كلام بعضهم ولذلك سماه النبي صلى الله عليه وسلم مجمعا وإلى ذلك يشير قول الشاعر ** قصي لعمرى كان يدعى مجمعا ** به جمع الله القبائل من فهر **
وهذا البيت من قصيدة مدح بها عبدالمطلب مدحه بها حذافة بن غانم فإن ركبا من جذام فقدوا رجلا منهم غالته بيوت مكة فلقوا حذافة فأخذوه فربطوه ثم انطلقوا به فتلقاهم عبدالمطلب مقبلا من الطائف معه ابنه أبو لهب يقوده وقد ذهب بصره فلما نظر إليه حذافة هتف به فقال عبدالمطلب لأبي لهب ويلك ما هذا قال هذا حذافة بن غانم مربوطا مع ركب قال الحقهم وأسألهم ما شأنهم فلحقهم فأخبروه الخبر فرجع إلى عبدالمطلب فقال ما معك قال والله ما معي شيء قال الحقهم لا أم لك وأعطهم ما بيدك وأطلق الرجل فلحقهم أبو لهب فقال قد عرفتم تجارتي ومالي وأنا أحلف لكم لأعطينكم عشرين أوقية ذهبا وعشرا من الإبل وفرسا وهذا ردائي رهنا بذلك فقبلوه منه وأطلقوا حذافة فأقبل به فلما سمع عبدالمطلب صوت أبي لهب قال وأبي إنك لعاص ارجع لا أم لك قال يا أبتاه هذا الرجل معي فناداه يا حذافة أسمعني صوتك فقال ها أنا ذا بأبي أنت يا ساقي الحجيج أردفني فاردفه خلفه حتى دخل مكة فقال حذافة هذه القصيدة ومطلعها ** بنو شيبة الحمد الذي كان وجهه ** يضئ ظلام الليل كالقمر البدر **
هي القصيدة الجيدة
فإن قيل كيف قبل القوم من أبي لهب رهن ردائه على ما ذكره لهم في أن يخلوا عن الرجل مع أن رداءه لا يقع موقعا من ذلك
أجيب بأن سنة العرب وطريقتهم أن الواحد منهم إذا رهن غيره ولو شيئا حقيرا
على أمر جليل لا يغدر بل يحرص على وفاء ما رهن عليه ومن ثم لما أجدبت أرض تميم بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم عليهم ذهب سيدهم حاجب بن زرارة والد عطارد رضي الله تعالى عنه إلى كسرى ليأخذ منه أمانا لقومه لينزلوا ريف العراق لأجل المرعى فقال له كسرى أنتم قوم غدر وأخاف على الرعايا منكم فقال له حاجب أنا ضامن أن لا تفعل قومي شيئا من ذلك فقال له كسرى ومن لي بوفائك قال هذه قوسي رهينة فحمقه كسرى وجلساؤه وضحكوا منه فقيل له العرب لو رهن أحدهم شيئا لا بد أن يفي به فلما أخصبت أرض تميم بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم لهم لما وفد إليه جماعة منهم وأسلموا ومات حاجب أمر عطارد رضي الله عنه قومه بالذهاب إلى بلادهم وجاء عطارد رضي الله عنه إلى كسرى فطلب قوس أبيه فقال إنك لم تسلم إلى شيئا فقال أيها الملك أنا وارث أبي وقد وفينا بالضمان فإن لم تدفع إلي قوس أبي صار عارا علينا وسبة فدفعها له وكساه حلة فلما وفد عطارد على النبي صلى الله عليه وسلم دفعها للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يقبلها وقال إنما يلبس هذه الحلة من لاخلاق له فكانت بنو تميم تعد ذلك القوس من مفاخرهم وإلى هذا أشار بعض الشعراء وقد أحسن وأجاد وتلطف بقوله ** تزهو علينا بقوس حاجبها ** تيه تميم بقوس حاجبها **
وصار قصي رئيسا لقريش على الإطلاق حين أزاح يد خزاعة عن البيت وأجلاهم عن مكة بعد أن لم يسلموا لقصي في ولاية أمر البيت ولم يجيزوا ما فعل حليل وأبو غبشان على ما تقدم وذلك بعد أن اقتتلوا آخر أيام مني بعد أن حذرتهم قريش الظلم والبغي وذكرتهم ما صارت إليه جرهم حين ألحدوا في الحرم بالظلم فأبت خزاعة فاقتتلوا قتالا شديدا وكثر القتل والجراح في الفريقين إلا أنه في خزاعة أكثر ثم تداعوا للصلح وإتفقوا على أن يحكموا بينهم رجلا من العرب فحكموا يعمر بن عوف وكان رجلا شريفا فقال لهم موعدكم فناء الكعبة غدا فلما اجتمعوا قام يعمر فقال ألا إني قد شدخت ما كان بينكم من دم تحت قدمي هاتين فلا تباعة لأحد على أحد في دم وقيل قضى بأن كل دم أصابته قريش من خزاعة موضوع وأن ما أصابته خزاعة من قريش فيه الدية وفضى لقصي بأنه أولى بولاية مكة فتولاها قيل وكان يعشر من دخل مكة من غير أهلها أي بتجارة وكانت خزاعة قد أزالت يد جرهم عن ولاية
البيت فإن مضاض بن عمرو الجرهمي الأكبر ولى أمر البيت بعد ثابت بن إسمعيل عليه الصلاة والسلام فإنه كان جدا لثابت وغيره من أولاد إسمعيل لأمهم واستمرت جرهم ولاة البيت والحكام بمكة لا ينازعهم ولد إسمعيل في ذلك لخئولتهم وإعظاما لأن يكون بمكة بغى
ثم إن جرهما بغوا بمكة وظلموا من يدخلها من غير أهلها وأكلوا ما الكعبة الذي يهدى لها حتى إن الرجل منهم كان إذا أراد أن يزني ولم يجد مكانا دخل البيت فزنى فيه فأجمعت أي عزمت خزاعة لحربهم وإخراجهم من مكة ففعلوا ذلك بعد أن سلط الله تعالى على جرهم دواب تشبه النغف بالغين المعجمة والفاء وهو دود يكون في أنوف الإبل والغنم فهلك منهم ثمانون كهلا في ليلة واحدة سوى الشباب وقيل سلط الله عليهم الرعاف فأفنى غالبهم أي وجاز أن يكون ذلك الدم ناشئا عن ذلك الدود فلا مخالفة وذهب من بقى إلى اليمن مع عمرو بن الحرث الجرهمي آخر من ملك أمر مكة من جرهم وحزنت جرهم على ما فارقوا من أمر مكة وملكها حزنا شديدا وقال عمرو أبياتا منها ** كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ** أنيس ولم يسمر بمكة سامر ** ** وكنا ولاة البيت من بعد نابت ** نطوف بذاك البيت والخير ظاهر ** ** بلى نحن كنا أهلها فأبادنا ** صروف الليالي والدهور البواتر **
ومن غريب الإتفاق ما حكاه بعضهم قال كنت أكتب بين يدي الوزير يحيى بن خالد البرمكي أيام الرشيد فأخذه النوم فنام برهة ثم انتبه مذعورا فقال الأمر كما كان والله ذهب ملكنا وذل عزنا وانقضت أيام دولتنا قلت وما ذاك أصلح الله الوزير قال سمعت منشدا أنشدني كأن لم يكن بين الحجون البيت وأجبته من غير روية بلى نحن كنا أهلها البيت فلما كان اليوم الثالث وأنا بين يديه على عادتي إذ جاءه إنسان وأكب عليه وأخبره أن الرشيد قتل جعفرا الساعة قال أو قد فعل قال نعم فمازاد أن رمى القلم من يده وقال هكذا تقول الساعة بغتة
ومما يؤثر عن يحيى هذا ينبغي للإنسان أن يكتب أحسن ما يسمع ويحفظ أحسن ما يكتب ويحدث بأحسن ما يحفظ وقال من لم يبت على سرور الوعد لم يجد للصنيعة طعما
وصارت خزاعة بعد جرهم ولاة البيت والحكام بمكة كما تقدم وكان كبير خزاعة عمرو بن لحى وهو ابن بنت عمرو بن الحارث الجرهمي آخر ملوك جرهم المتقدم ذكره وقد بلغ عمرو بن لحى في العرب من الشرف ما لم يبلغه عربي قبله ولا بعده في الجاهلية وهو أول من أطعم الحج بمكة سدائف الإبل ولحمانها على الثريد والسدائف جمع سديف وهو شحم السنام وذهب شرفه في العرب كل مذهب حتى صار قوله دينا متبعا لا يخالف
وفي كلام بعضهم صار عمرو للعرب ربا لا يبتدع لهم بدعة إلا اتخذوها شرعة لأنه كان يطعم الناس ويكسوهم في الموسم وربما نحر لهم في الموسم عشرة آلاف بدنة وكسا عشرة آلاف حلة
وهو أول من غير دين إبراهيم أي فقد قال بعضهم تضافرت نصوص العلماء على أن العرب من عهد إبراهيم استمرت على دينه أي من رفض عبادة الأصنام إلى زمن عمرو ابن لحى فهو أول من غير دين إبراهيم وشرع للعرب الضلالات فعبد الأصنام وسيب السائبة وبحر البحيرة
وقيل أول من بحر البحيرة رجل من بني مدلج كانت له ناقتان فجدع أذنيهما وحرم ألبانهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيته في النار يخبطانه بأخفافهما ويعضانه بأفواههما
وعمرو أول من وصل الوصيلة وحمى الحامي ونصب الأصنام حول الكعبة وأتى بهبل من أرض الجزيرة ونصبه في بطن الكعبة فكانت العرب تستقسم عنده بالأزلام على ما سيأتي وأول من أدخل الشرك في التلبية فإنه كان يلبى بتلبية إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام وهي لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك فعند ذلك تمثل له الشيطان في صورة شيخ يلبي معه فلما قال عمرو لبيك لا شريك لك قال له ذلك الشيخ إلا شريكا هو لك فأنكر عمرو ذلك فقال له ذلك الشيخ تملكه وما ملك وهذا لا بأس به فقال ذلك عمرو فتبعه العرب على ذلك أي فيوحدونه بالتلبية ثم يدخلون معه أصنامهم ويجعلون ملكها بيده قال تعالى توبيخا لهم وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون وهو أول من أحل أيضا أكل الميتة فإن كل القبائل
من ولد إسمعيل لم تزل تحرم أكل الميتة حتى جاء عمرو بن لحى فزعم أن الله تعالى لا يرضى تحريم أكل الميتة قال كيف لا تأكلون ما قتل الله وتأكلون ما قتلتم
وروى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رأيت جهنم يحطم بضعها بضعا ورأيت عمرا يجر قصبه في النار وفي رواية أمعاءه أي وهي المراد بالقصب بصم القاف وفي رواية رأيته يؤذى أهل النار بريح قصبه ويقال للأمعاء الأقتاب واحدها قتب بكسر القاف وسكون المثناة الفوقية آخره ياء موحدة ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار والإندلاق الخروج بسرعة وقال صلى الله عليه وسلم لأكثم بن الجون الخزاعي واسمه عبد العزى وأكثم بالثاء المثلثة وهو في اللغة واسع البطن يا أكثم رأيت عمرو بن لحى يجر قصبه في النار فما رأيت رجلا اشبه من رجل منك به ولا بك منه فقال أكثم فعسى أن يضرني شبهه يا رسول الله قال لا إنك مؤمن وهو كافر إنه أول من غير دين إسمعيل فنصب الأوثان أي ودين إسمعيل هو دين إبراهيم عليهما الصلاة السلام فإن العرب من عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام استمرت على دينه لم يغيره أحد إلى عهد عمرو المذكور كما تقدم وفي كلام بعضهم أن أكثم هذا هو أبو معبد زوج أم معبد التي مر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الهجرة وأكثم هذا هو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت الدجال فإذا أشبه الناس به أكثم بن عبد العزى فقام أكثم فقال أيضرني شبهي إياه فقال لا أنت مؤمن وهو كافر ورده ابن عبدالبر حيث قال الحديث الذي فيه ذكر الدحال لا يصح إنما يصح ما قاله في ذكر عمرو ابن لحي
وإنما كان عمرو بن لحي أول من نصب الأثان لأنه خرج من مكة إلى الشام في بعض أموره فرأى بأرض البلقاء العماليق ولد عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح ورآهم يعبدون الأصنام فقال لهم ما هذه قالوا هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا ونستنصرها فتنصرنا فقال لهم أفلا تعطوني منها صنما فأسير به إلى أرض العرب فأعطوه صنما يقال له هبل فقدم به مكة فنصبه في بطن الكعبة على بئرها وأمر الناس بعبادته وتعظيمه فكان الرجل إذا قدم من سفره بدأ به قبل أهله بعد طوافه بالبيت وحلق رأسه عنده وكان عند هبل سبع قداح قدح فيه مكتوب الغفل إذا اختلفوا فيمن
يحمله منهم ضربوا به فعلى من خرج حمله وقدح مكتوب فيه نعم وقدح مكتوب فيه لا وذلك للأمر الذي يريدونه وقدح فيه منكم وقدح فيه ملصق من غيركم إذا اختلفوا في ولد هل هو منهم أولا وقدح فيه بها وقدح فيه ما بها إذا أرادوا أرضا يحفرونها للماء وكان هبل من العقيق على صورة إنسان
وعاش عمرو بن لحى هذا ثلثمائة سنة وأربعين سنة ورأى من ولده وولد ولده ألف مقاتل أي ومكث هو وولده من بعده في ولاية البيت خمسمائة سنة وكان آخرهم حليل الذي تزوج قصي ابنته كما تقدم
وقيل وكان لعمرو تابع من الجن فقال له اذهب إلى جدة وائت منها بالآلهة التي كانت تعبد في زمن نوح وإدريس عليهما الصلاة والسلام وهي ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر فذهب وأتى بها إلى مكة ودعا إلى عبادتها فانتشرت عبادة الأصنام في العرب فكان ود لكلب وسواع لهمدان وقيل لهذيل ويغوث لمذحج بالذال المعجمة على وزن مسجد أبو قبيلة من اليمن ويعوق لمراد وقيل لهمدان ونسر لحمير أي وكانوا هؤلاء على صور عباد ماتوا فحزن أهل عصرهم عليهم فصور لهم إبليس اللعين أمثالهم من صفر ونحاس ليستأنسوا بهم فجعلوها في مؤخر المسجد فلما هلك أهل ذلك العصر قال اللعين لأولادهم هذه آلهة آبائكم تعبدونها ثم إن الطوفان دفنها في ساحل جدة فأخرجها اللعين
وفي كلام بعضهم أن آدم كان له خمسة أولاد صلحاء وهم ود وسواع ويغوث ويعوق ونسر فمات ود فحزن الناس عليه حزنا شديدا واجتمعوا حول قبره لا يكادون يفارقونه وذلك بأرض بابل فلما رأى إبليس ذلك من فعلهم جاء إليهم في صورة إنسان وقال لهم هل لكم أن أصور لكم صورته إذا نظرتم إليها ذكرتموه قالوا نعم فصور لهم صورته ثم صار كلما مات واحد منهم صور صورته وسموا تلك الصور بأسمائهم ثم لما تقادم الزمان وماتت الآباء والأبناء وأبناء الأبناء قال لمن حدث بعدهم إن الذين كانوا قبلكم يعبدون هذه الصور فعبدوها فأرسل الله لهم نوحا فنهاهم عن عبادتها فلم يجيبوه لذلك وكان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق فأول ما حدثت عبادة الأصنام في قوم نوح فأرسله الله تعالى إليهم فنهاهم عن ذلك
ويقال إن عمرو بن لحى هو الذي نصب مناة على ساحل البحر مما يلى قديد وكانت الأزد يحجون إليه ويعظمونه وكذلك الأوس والخزرج وغسان
وذكر الشيخ عبدالوهاب الشعراني في تفسيره لبعض الآيات القرآنية عند قوله تعالى { ولله يسجد من في السماوات والأرض } أن أصل وضع الأصنام إنما هو من قوة التنزيه من العلماء الأقدمين فإنهم نزهوا الله تعالى عن كل شيء وأمروا بذلك عامتهم فلما رأوا أن بعض عامتهم صرح بالتعطيل وضعوا لهم الأصنام وكسوها الديباج والحلى والجواهر وعظموها بالسجود وغيره ليتذكروا بها الحق الذي غاب عن عقولهم وغاب عن أولئك العلماء أن ذلك لا يجوز إلا بإذن من الله تعالى هذا كلامه
وكان في زمان جرهم رجل فاجر يقال له إساف فجر بإمرأة يقال لها نائلة في جوف الكعبة أي قبلها فيها كما في تاريخ الأزرقي
وقيل زنى بها فمسخا حجرين فأخرجا منها ونصبا على الصفا والمروة ليكونا عبرة فلما كان زمن عمرو بن لحى أخذهما ونصبهما حول الكعبة أي على زمزم وجعلا في وجهها وصار من يطوف يتمسح بهما يبدأ بإساف ويختم بنائلة وذلك قبل أن يقدم عمرو بهبل وبتلك الأصنام وكانت قريش تذبح ذبائحها عندهما
وذكر أنه صلى الله عليه وسلم لما كسر نائلة عند فتح مكة خرجت منها إمرأة سوداء شمطاء تخمش وجهها وهي تنادي بالويل والثبور وكان عمرو يخبر قومه بأن الرب يشتى بالطائف عند اللات ويصيف عن العزى فكانوا يعظمونهما وكانو يهدون إلى العزى كما يهدون إلى الكعبة
وقصى هو الذي أمر قريشا أن يبنوا بيوتهم داخل الحرم حول البيت وقال لهم إن فعلتم ذلك هابتكم العرب ولم تستحل قتالكم فبنوا حول البيت من جهاته الأربع وجعلوا أبواب بيوتهم جهته لكل بطن منهم باب ينسب الآن إليه كباب بني شيبة وباب بني سهم وباب بني مخزوم وباب بني جمع وتركوا قدر الطواف بالبيت فبنى قصى دار الندوة وهي أول دار بنيت بمكة واستمر الأمر على أنه ليس حول الكعبة إلا قدر المطاف وليس حوله جدار زمنه صلى الله عليه وسلم وزمن ولاية الصديق رضي الله عنه فلما كان زمن ولاية عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه اشترى تلك الدور من أهلها وهدمها وبنى المسجد المحيط بها ثم لما كان زمن ولاية عثمان رضي الله تعالى عنه اشترى دورا أخر
وغالى في ثمنها وهدمها وزاد في سعة المسجد ثم إن ابن الزبير رضي الله عنهما زاد في المسجد زيادة كثيرة ثم إن عبدالملك بن مروان رفع جداره وسقفه بالساج وعمره عمارة حسنة ولم يزد فيه شيئا ثم إن الوليد بن عبدالملك وسع المسجد وحمل إليه أعمدة الرخام ثم زاد فيه المهدي والد الرشيد مرتين واستقر بناؤه على ذلك إلى الآن
وكانت قريش قبل ذلك أي قبل بناء منازلهم في الحرم يحترمون الحرم ولا يبيتون فيه ليلا وإذا أراد أحدهم قضاء حاجة الإنسان خرج إلى الحل
وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم لما كان بمكة إذا أراد حاجة الإنسان خرج إلى المغمس بكسر الميم أفصح من فتحها وهو على ثلثي فرسخ من مكة وهابت قريش قطع شجر الحرم التي في منازلهم التي بنوها فقد كان بمكة شجر كثير من العضاة والسلم وشكوا ذلك إلى قصي فأمرهم بقطعها فهابوا ذلك فقالوا نكره أن ترى العرب أنا استخففنا بحرمنا فقال قصي إنما تقطعونه لمنازلكم وما تريدون به فسادا بهلة الله أي لعنته على من أراد فسادا فقطعها قصي بيده وبيد أعوانه
وفي كلام السهيلي عن الواقدي الأصح أن قريشا حين أرادوا البنيان قالوا لقصي كيف نصنع في شجر الحرم فحذرهم قطعها وخوفهم العقوبة في ذلك فكان أحدهم يحدق بالبنيان حول الشجرة حتى تكون في منزله
قال وأول من ترخص في قطع شجر الحرم للبنيان عبدالله بن الزبير حين ابتنى دورا بقعيقعان لكنه جعل فداء كل شجرة بقرة فليتأمل الجمع
وأنزل قصي القبائل من قريش أي فإنه جعلها إثنتي عشرة قبيلة كما تقدم في نواحي مكة بطاحها وظواهرها ومن ثم قيل لمن سكن البطاح قريش البطاح ولمن سكن الظواهر قريش الظواهر والأولى أشرف من الثانية ومن الأولى بنو هاشم وإلى ذلك يشير صاحب الأصل في وصفه صلى الله عليه وسلم بقوله ** من بني هاشم بن عبد مناف ** وبنو هاشم بحار الحياء ** ** من قريش البطاح من عرف النا ** س لهم فضلهم بغير امتراء
قال بعضهم كان قصي أول رجل من بني كنانة أصاب ملكا ولما حضر الحج قال لقريش قد حضر الحج وقد سمعت العرب بما صنعتم وهم لكم معظمون ولا أعلم مكرمة عند العرب أعظم من الطعام فليخرج كل إسنان منكم من ماله خرجا ففعلوا فجمع من
ذلك شيئا كثيرا فلما جاء أوائل الحج نحر على كل طريق من طرق مكة جزورا ونحر بمكة وجعل الثريد واللحم وسقى الماء المحلى بالزبيب وسقى اللبن وهو أول من أوقد النار بمزدلفة ليراها الناس من عرفة ليلة النفر
ومما يؤثر عن قصي من أكرم لئيما أشركه في لؤمه ومن استحسن قبيحا نزل إلى قبحه ومن لم تصلحه الكرامة أصلحه الهوان ومن طلب فوق قدره استحق الحرمان والحسود العدو الخفى
ولما احتضر قال لأولاده اجتنبوا الخمرة فإنها تصلح الأبدان وتفسد الأذهان
وحاز قصي شرف مكة كله فكان بيده السقاية والرفادة والحجابة والندوة واللواء والقيادة
وكان عبدالدار أكثر أولاد قصي وعبد مناف أشرفهم أي لأنه شرف في زمان أبيه قصي وذهب شرفه كل مذهب وكان يليه في الشرف أخوه المطلب كان يقال لهما البدران وكانت قريش تسمى عبد مناف الفياض لكثرة جوده فأعطى قصي ولده عبدالدار جميع تلك الوظائف التي هي السقاية والرفادة والحجابة والندوة واللواء والقيادة أي فإنه قال له أما والله يابني لألحقنك بالقوم يعنى أخويه عبد مناف والمطلب وإن كانوا قد شرفوا عليك لا يدخل رجل منهم الكعبة حتى تكون أنت تفحتها له أي بسبب الحجابة للبيت ولا يعقد لقريش لواء لحربها إلا أنت بيدك أي وهذا هو المراد باللواء ولا يشرب رجل بمكة إلا من سقايتك وهذا هو المراد بالسقاية ولا يأكل أحد من أهل الموسم إلا من طعامك أي وهذا هو المراد بالرفادة ولا تقطع قريش أمرا من أمورها إلا في دارك يعنى دار الندوة أي ولا يكون أحد قائد القوم إلا أنت وذلك بسبب القيادة
فلما مات عبدالدار وأخوه عبد مناف أراد بنوا عبد مناف وهم هاشم وعبد شمس والمطلب وهؤلاء إخوة لأب وأم أمهم عاتكة بنت مرة ونوفل أخوهم لأبيهم أمه واقدة بنت حرمل أن يأخذوا تلك الوظائف من بني عمهم عبدالدار وأجمعوا على المحاربة أي وأخرج بنوا عبد مناف جفنة مملوءة طيبا فوضعوها لأحلافهم في المسجد عند باب الكعبة ثم غمس القوم أيديهم فيها وتعاقدوا هم وحلفاؤهم ثم مسجوا الكعبة بأيديهم توكيدا على أنفسهم فسموا المطيبين أي أخرجتها لهم أم حكيم البيضاء بنت
عبدالمطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم وتوءمة أبيه ووضعتها في الحجر وقالت من تطيب بهذا فهو منا فتطيب منها مع بني عبد مناف بنو زهرة وبنو أسد بن عبدالعزى وبنو تميم بن مرة وبنو الحارث بن فهر فالمطيبون من قريش خمس قبائل وتعاقد بنو عبد الدار وأحلافهم وهم بنو مخزوم وبنو سهم وبنو جمح وبنو عدي بن كعب على أن لا يتخاذلوا ولا يسلم بعضهم بعضا فسموا الأحلاف لتحالفهم بعد أن أخرجوا جفنة مملوءة دما من دم جزور نحروها ثم قالوا من أدخل يده في دمها فلعق منه فهو منا وصاروا يضعون أيديهم فيها ويلعقونها فسموا لعقة الدم
وقيل الذين لعقوا الدم فسموا لعقة الدم بنوا عدي خاصة ثم اصطلحوا على أن تكون السقاية والرفادة والقيادة لبني عبد مناف والحجابة واللواء لبني الدار ودار الندوة بينهم بالإشتراك وتخالفوا على ذلك هذا
والذي رأيتهم في المشرق فيم يحاضر به من آداب المشرق ولما شرف عبد مناف ابن قصي في حياة أبيه وذهب شرفه كل مذهب وكان قصي يحب إبنه عبد الدار أراد أن يبقى له ذكرا فأعطاه الحجابة ودار الندوة واللواء وأعطى عبد مناف السقاية والرفادة والقيادة وجعل عبد الدار الحجابة لولده عثمان وجعل دار الندوة لولده عبد مناف ابن عبدالدار ثم وليها عبد العزى بن عثمان بن عبدالدار ثم وليها ولده من بعده
والسقاية كانت حياضا من أدم توضع بفناء الكعبة وينقل إليها الماء العذب من الآبار على الإبل في المزاود والقرب قبل حفر زمزم وربما قذف فيها التمر والزبيب في غالب الأحوال لسقى الحاج أيام الموسم حتى يتفرقوا وهذا السقاية قام بها وبالرفادة بعد عبد مناف ولده هاشم وبعده ولده عبدالمطلب وكان شريفا مطاعا جوادا وكانت قريش تسميه الفياض لكثرة جوده فلما كبر عبد المطلب فوض إليه أمر السقاية والرفادة فلما مات المطلب وثب عليه عمه نوفل بن عبد مناف وغصبه أركاحا أي أفنية ودورا فسأل عبدالمطلب رجالا من قومه النصرة على عمه نوفل فأبوا وقالوا لا ندخل بينك وبين عمك فكتب إلى أخواله بني النجار بالمدينة بما فعله معه عمه نوفل فلما وقف خاله أبو سعد ابن عدي بن النجار على كتابه بكى وسار من المدينة في ثمانين راكبا حتى قدم مكة فنزل الأبطح فتلقاه عبد المطلب وقال له المنزل يا خال فقال لا والله حتى ألقى نوفلا فقال تركته في الحجر جالسا في مشايخ قريش فأقبل أبو سعد حتى وقف
عليه فقام نوفل قائما وقال يا أبا سعد أنعم صباحا فقال له أبو سعد لا أنعم الله لك صباحا وسل سيفه وقال ورب هذه البنية لئن لم ترد على ابن أختى أركاحه لأملأن منك هذا السيف فقال قد رددتها عليه فأشهد عليه مشايخ قريش ثم نزل على عبدالمطلب فأقام عنده ثلاثا ثم اعتمر ورجع إلى المدينة
ولما جرى ذلك حالف نوفل وبنوه بني أخيه عبد شمس على بني هاشم وحالفت بنو هاشم خزاعة على بني نوفل وبني عبد شمس أي فإن خزاعة قالت نحن أولى بنصرة عبدالمطلب لأن عبد مناف جد عبدالمطلب أمه حيى بنت حليل سيد خزاعة كما تقدم فقالوا لعبدالمطلب هلم فلنحالفك فدخلوا دار الندوة وتحالفوا وتعاقدوا وكتبوا بينهم كتابا بإسمك اللهم هذا ما تحالف عليه بنو هاشم ورجالات عمرو بن ربيعة من خزاعة على النصرة والمواساة ما بل بحر صوفة وما أشرقت الشمس على ثبير وهب بفلاة بعير وما أقام الأخشبان واعتمر بمكة إنسان والمراد من ذلك الأبد
وعبدالمطلب لما حفر زمزم صار ينقل الماء منها لتلك الأحواض ويقذف فيها التمر والزبيب ثم بعده قام بها ولده أبو طالب ثم اتفق أن أبا طالب أملق أي افتقر في بعض السنين فاستدان من أخيه العباس عشرة آلاف درهم إلى الموسم الآخر فصرفها أبو طالب في الحجيج عامه ذلك فيما يتعلق بالسقاية فلما كان العام المقبل لم يكن مع أبي طالب شيء فقال لأخيه العباس أسلفني أربعة عشر ألفا أيضا إلى العام المقبل لأعطيك جميع مالك فقال له العباس بشرط إن لم تعطنى تترك السقاية لأكفلها فقال نعم فلما جاء العام الآخر لم يكن مع أبي طالب ما يعطيه لأخيه العباس فترك له السقاية فصارت للعباس ثم لولده عبدالله بن عباس واستمر ذلك في بني العباس إلى زمن السفاح ثم ترك بنو العباس ذلك
والرفادة إطعام الحاج أيام الموسم حتى يتفرقوا فإن قريشا كانت على زمن قصي تخرجه من أموالها في كل موسم فتدفعه إلى قصي فيصنع به طعاما للحاج يأكل منه من لم يكن معه سعة ولا زاد كما تقدم حتى قام بها بعده ولده عبد مناف ثم بعد عبد مناف ولده هاشم ثم بعد هاشم لولده عبد المطلب ثم ولده أبو طالب وقيل ولده العباس ثم استمر ذلك إلى زمنه صلى الله عليه وسلم وزمن الخلفاء بعده ثم استمر ذلك في الخلفاء إلى أن انقرضت الخلافة من بغداد ثم من مصر
وأما القيادة وهي إمارة الركب فقام بها بعد عبد مناف ولده عبد شمس ثم كانت بعد عبد شمس لابنه أمية ثم لابنه حرب ثم لابنه أبي سفيان فكان يقود الناس في غزواتهم قاد الناس يوم أحد ويوم الأحزاب ومن ثم لما قال الوليد بن عبدالملك لخالد بن يزيد بن معاوية لست في العير ولا في النفير قال له ويحك العير والنفير عيبتي أي وعائي لأن العيبة ما يجعل فيه الثياب جدى أبو سفيان صاحب العير وجدى عتبة بن ربيعة صاحب النفير
ودار الندوة كانت قريش تجتمع فيها للمشاورة في أمورها ولا يدخلها إلا من بلغ الأربعين وكانت الجارية إذا حاضت تدخل دار الندوة ثم يشق عليها بعض ولد عبدالدار درعها ثم يدرعها إياه وانقلب بها فتحجب وهذه كانت سنة قصي فكان لا ينكح رجل إمرأة من قريش إلا في دار قصي التي هي دار الندوة ولا يعقد لواء حرب إلا فيها ولا تدرع جارية من قريش إلا في تلك الدار فيشق عنها درعها ويدرعها بيده فكانت قريش بعد موت قصي يتبعون ما كان عليه في حباته كالدين المتبع ولا زالت هذه الدار في يد بني عبدالدار إلى أن صارت إلى حكيم بن حزام فباعها في الإسلام بمائة ألف درهم فلامه عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما وقال أتبيع مكرمة آبائك وشرفهم فقال حكيم رضي الله عنه ذهبت المكارم إلا التقوى والله لقد اشتريتها في الجاهلية بزق خمر وقد بعتها بمائة ألف وأشهدكم أن ثمنها في سبيل الله تعالى فأينا المغبون
قيل وقصى هو جماع قريش فلا يقال لأحد من أولاد من فوقه قرشي ونسب هذا القول لبعض الرافضة وهو قول باطل لأنه توصل به إلى أن لا يكون سيدنا أبو بكر وسيدنا عمر رضي الله تعالى عنهما من قريش فلا حق لهما في الإمامة العظمى التي هي الخلافة لقوله صلى الله عليه وسلم الأئمة من قريش ولقوله صلى الله عليه وسلم لقريش أنتم أولى الناس بهذا الأمر ما كنتم على الحق إلا أن تعدلوا عنه لأنهما لم يلتقيا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا فيما بعد قصي لأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه يجتمع معه في مرة كما سيأتي لأن تيم بن مرة بينه وبين أبي بكر رضي الله عنه خمسة آباء وعمر رضي الله عنه يجتمع معه في كعب كما سيأتي وبين عمر رضي الله عنه وكعب سبعة آباء وقصي بن كلاب أي وإسمه حكيم وقيل عروة ولقب بكلاب لأنه كان يحب
الصيد وأكثر صيده كان بالكلاب وهو الجد الثالث لآمنة أمه صلى الله عليه وسلم ففي كلاب يجتمع نسب أبيه وأمه ابن مرة وهو الجد السادس لأبي بكر رضي الله تعالى عنه والإمام مالك رضي الله تعالى عنه يجتمع معه صلى الله عليه وسلم في هذا الجد الذي هو مرة أيضا ابن كعب أي وهو الجد الثامن لعمر رضي الله تعالى عنه وكان كعب يجمع قومه يوم العروبة أي يوم الرحمة الذي هو يوم الجمعة ويقال إنه أول من سماه يوم الجمعة لإجتماع قريش فيه إليه لكن في الحديث كان أهل الجاهلية يسمون يوم الجمعة يوم العروبة وإسمه عند الله تعالى يوم الجمعة قال ابن دحية ولم تسم العروبة الجمعة إلا منذ جاء الإسلام وسيأتى في ذلك كلام فكانت قريش تجتمع إلى كعب ثم يعظهم ويذكرهم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم ويعلمهم بأنه من ولده ويأمرهم بإتباعه ويقول سيأتي لحرمكم نبأ عظيم وسيخرج منه نبي كريم وينشد أبياتا آخرها ** على غفلة يأتى النبي محمد ** فيخبر أخبارا صدوق خبيرها **
وينشد أيضا ** يا ليتني شاهد فحواء دعوته ** حين العشيرة تبغى الحق خذلانا **
د
وكان بينه وبين مبعثه صلى الله عليه وسلم خمسمائة سنة وستون سنة وفي الإمتاع وعشرون سنة لأن الحق أن الخمسمائة والستين إنما هي بين موت كعب والفيل الذي هو مولده صلى الله عليه وسلم كما ذكره أبو نعيم في الدلائل النبوية
وقيل إن كعبا أول من قال أما بعد فكان يقول أما بعد فاسمعوا وافهموا وتعلموا واعلموا ليل داج وفي رواية ليل ساج ونهار صاح والأرض مهاد والسماء بناء والجبال أوتاد والنجوم أعلام والأولون كالآخرين فصلوا أرحامكم واحفظوا أصهاركم وثمروا أموالكم الدار أمامكم والظن غير ما تقولون أي وقيل له كعب لعلوه وإرتفاعه لأن كل شيء علا وارتفع فهو كعب ومن ثم قيل للكعبة كعبة ولعلوه وإرتفاع شأنه أرخوا بموته حتى كان عام الفيل أرخوا به ثم أرخوا بعد عام الفيل بموت عبدالمطلب وكعب بن لؤي أي بالهمزة أكثر من عدمها أي وفي سبب تصغيره خلاف ابن غالب به فهر سماه أبوه فهرا وقيل هو لقب واسمه قريش والمناسب أن يكون لقبا لقولهم إنما سمى قريشا لأنه كان يقرش أي يفتش على خلة حاجة المحتاج
فيسدها بماله وكان بنوه يقرشون أهل الموسم عن حوائجهم فيرفدونهم فسموا بذلك قريشا قال بعضهم وهو جماع قريش عند الأكثر قال الزبير بن بكار أجمع النسابون من قريش وغيرهم على أن قريشا إنما تفرقت عن فهر وفهر هذا هو الجد السادس لأبي عبيدة بن الجراح ولما جاء حسان بن عبد كلال من اليمن في حمير وغيرهم لأخذ أحجار الكعبة إلى اليمن ليبنى بها بيتا ويجعل حج الناس إليه ونزل بنخلة خرج فهر إلى مقاتلته بعد أن جمع قبائل العرب فقاتله وأسره وأنهزمت حمير ومن انضم إليهم واستمر حسان في الأسر ثلاث سنين ثم افتدى نفسه بمال كثير وخرج فمات بين مكة واليمن فهابت العرب فهرا وعظموه وعلا أمره
ومما يؤثر عن فهر قوله لولده غالب قليل ما في يديك أغنى لك من كثير ما أخلق وجهك وإن صار إليك وفهر هو ابن مالك قيل له ذلك لأنه ملك العرب ابن النضر أي ولقب به لنضارته وحسنه وجماله وإسمه قيس وهو جماعة قريش عند الفقهاء فلا يقال لأحد من أولاد من فوقه قرشي ويقال لكل من أولاده الذين منهم مالك وأولاده قرشي فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من قريش فقال من ولد النضر أي وعلى أن جماع قريش فهر كما تقدم فمالك وأولاده والنضر جده وأولاده ليسوا من قريش والنضر بن كنانة قيل له كنانة لأنه لم يزل في كن من قومه وقيل لستره على قومه وحفظه لأسرارهم وكان شيخا حسنا عظيم القدر تحج إليه العرب لعلمه وفضله وكان يقول قد آن خروج نبي من مكة يدعى أحمد يدعو إلى الله وإلى البر والإحسان ومكارم الأخلاق فاتبعوه تزدادوا شرفا وعزا إلى عزكم ولا تعتدوا أي تكذبوا ما جاء به فهو الحق
قال ابن دحية رحمه الله كان كنانة يأنف أن يأكل وحده فإذا لم يجد أحدا أكل لقمة ورمى لقمة إلى صحرة ينصبها بين يديه أنفة من أن يأكل وحده
ومما يؤثر عنه رب صورة تخالف المخبرة قد غرت بجمالها واختبر قبح فعالها فاحذر الصور واطلب الخبر وكنانة بن خزيمة بن مدركة ومدركة اسمه عمرو وقيل له مدركة لأنه أدرك كل عز وفخر كان في آبائه وكان فيه نور رسول الله صلى الله عليه وسلم أي ولعل المراد ظهوره فيه ومدركة بن إلياس بهمزة قطع مكسورة وقيل مفتوحة أيضا وقيل همزة وصل ونسب للجمهور قيل سمى بذلك لأن أباه مضر
كان قد كبر سنه ولم يولد له ولد فولد له هذا الولد فسماه إلياس وعظم أمره عند العرب حتى كانت تدعوه بكبير قومه وسيد عشيرته وكانت لا تقضى أمرا دونه
وهو أول من أهدى البدن إلى البيت وأول من ظفر بمقام إبراهيم لما غرق البيت في زمن نوح عليه السلام فوضعه في زاوية البيت كذا في حياة الحيوان فليتأمل وجاء في حديث لا تسبوا إلياس فإنه كان مؤمنا وقيل إنه جماع قريش أي فلا يقال لأولاد من فوقه قرشى وكان إلياس يسمع من صلبه تلبية النبي صلى الله عليه وسلم المعروفة في الحج قيل وكان في العرب مثل لقمان الحكيم في قومه وهو أول من مات بعلة السل ولما مات حزنت عليه زوجته خندف حزنا شديدا لم يظلها سقف بعد موته حتى ماتت ومن ثم قيل أحزن من خندف وإلياس بن مضر قيل هو جماع قريش فلا يقل لأولاد من فوق مضر قرشي ففي جماع قريش خمسة أقوال قيل قصي وقيل فهر وقيل النضر وقيل إلياس وقيل مضر ويقال له مضر الحمراء قيل لأنه لما اقتسم هو وأخوه ربيعة مال والدهما أعنى نزارا أخذ مضر الذهب الحمراء وأخذ ربيعة الخيل ومن ثم قيل له ربيعة الفرس وجاء في حديث لاتسبوا ربيعة ولا مضر فإنهما كانا مؤمنين أي وفي رواية لا تسبوا مضر فإنه كان على ملة إبراهيم وفي حديث غريب لا تسبوا مضر فإنه كان على دين إسمعيل وما حفظ عنه من يزرع شرا يحصد ندامة
أقول سيأتي في بنيان قريش الكعبة أنهم وجدوا فيها كتبا بالسريانية من جملتها كتاب فيه من يزرع خيرا يحصد غبطة ومن يزرع شرا يحصد ندامة إلى آخر ما يأتى وعن أبي عبيدة البكري أن قبر مضر بالروحاء يزار والروحاء على ليلتين من المدينة والله أعلم وكان مضر من أحسن الناس صوتا وهو أول من حدا للإبل فإنه وقع فانكسرت يده فصار يقول يا يداه يا يداه فجاءت إليه الإبل من المرعى فلما صح وركب حدا وقيل أول من سن الحداء للإبل عبد له ضرب مضر يده ضربا وجيعا فصار يقول يا يداه يا يداه فجاءت إليه الإبل من مرعاها أي لأن الحداء مما ينشط الإبل لاسيما إن كان بصوت حسن فإنها عند سماعه تمد أعناقها وتصغى إلى الحادي وتسرع في سيرها وتستخف الأحمال الثقيلة فربما قطعت المسافة البعيدة في زمن قصير
وربما أخذت ثلاثة أيام من يوم واحد وفي ذلك حكاية مشهورة ولأجل ما ذكر ذكر أئمتنا أنه مستحب
وفي الأذكار للإمام النووي رضي الله تعالى عنه باب استحباب الحداء للسرعة في السير وتنشيط النفوس وترويحها وتسهيل السير عليها فيه أحاديث كثيرة مشهورة ومضر بن نزار بكسر النون كان يرى نور النبي صلى الله عليه وسلم بين عينيه وهو أول من كتب الكتاب العربي على الصحيح والإمام أحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنه يجتمع معه صلى الله عليه وسلم في هذا الجد الذي هو نزار بن معد بن عدنان هذا هو النسب المجمع عليه في نسبه صلى الله عليه وسلم عند العلماء بالأنساب ومن ثم لما قال فقهاؤنا شرط الإمام الأعظم أن يكون قرشيا فإن لم يوجد قرشي جامعا للشروط التي ذكروها فكنانى قال بعضهم وقياس ذلك أن يقال فإن لم يوجد كناني فخزيمي فإن لم يوجد خزيمي فمدركى فإن لم يوجد مدركي فإلياسي فإن لم يوجد إلياسي فمضري فإن لم يوجد مضرى فنزاري فإن لم يوجد نزاري فمعدي فإن لم يوجد معدي فعدناني فإن لم يوجد عدناني فمن ولد إسمعيل لإن من فوق عدنان لا يصح فيه شيء ولا يمكن حفظ النسب فيه منه إلى إسمعيل
وقيل له معد لأنه كان صاحب حروب وغارات على بني إسرائيل ولم يحارب أحدا إلا رجع بالنصر والظفر قال بعضهم ولا يخرج عربي في الأنساب عن عدنان وقحطان وقيل وولد عدنان يقال لهم قيس وولد قحطان يقال لهم يمن ولما سلط الله بختنصر على العرب أمر الله تعالى أرمياء أن يحمل معه معد بن عدنان على البراق كيلا تصيبه النقمة وقال فإني سأخرج من صلبه نبيا كريما أختم به الرسل ففعل أرمياء ذلك واحتمله معه إلى أرض الشام فنشأ مع بني إسرائيل ثم عاد بعد أن هدأت الفتن أي بموت بختنصر وكان عدنان في زمن عيسى عليه السلام وقيل في زمن موسى عليه السلام قال الحافظ ابن حجر وهو أولى أي ومما يضعف الأول ما في الطبراني عن أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لما بلغ ولد معد بن عدنان أربعين رجلا وقعوا في عسكر موسى عليه الصلاة والسلام فانتهبوه فدعا عليه موسى عليه الصلاة والسلام فأوحى الله تعالى إليه لا تدع عليهم فإن منهم النبي الأمي البشير النذير الحديث إذ يبعد بقاء معد إلى زمن عيسى
عليه الصلاة والسلام ومعلوم أنه لا خلاف في أن عدنان من ولد إسمعيل نبي الله تعالى أي أرسله الله تعالى إلى جرهم وإلى العماليق وإلى قبائل اليمن في زمن أبيه إبراهيم وكذا بعث أخوه إسحق إلى أهل الشام وبعث ولده يعقوب إلى الكنعانيين في حياة إبراهيم فكانوا أنبياء على عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام
وذكر بعضهم أن من العماليق فرعون موسى عليه الصلاة والسلام ومنهم الريان بن الوليد فرعون يوسف عليه الصلاة والسلام
وكان إسمعيل بكر أبيه جاء له وقد بلغ أبوه من العمر سبعين سنة وقيل ستا وثمانين سنة ولد بين الرملة وإيليا وكان بين عدنان وإسمعيل أربعون أبا وقيل سبعة وثلاثون
وفي النهر لأبي حيان رحمه الله أن إبراهيم هو الجد الحادي والثلاثون لنبينا صلى الله عليه وسلم هذا كلامه
ولا يخفى أن إسمعيل أول من تسمى بهذا الإسم من بني آدم ومعناه بالعبرانية مطيع الله وأول من تكلم بالعربية أي البينة الفصيحة وإلا فقد تعلم أصل العربية من جرهم ثم ألهمه الله العربية الفصيحة البينة فنطق بها وفي الحديث أول من فتق لسانه بالعربية البينة إسمعيل وهو ابن أربع عشرة سنة
وفي كلام بعضهم لما خرج إبراهيم بهاجر وولدها إسمعيل إلى مكة على البراق واحتمل معه قربة ماء ومزودا فيه تمر فلما أنزلهما بها وولى راجعا تبعته هاجر وهي تقول آلله أمرك أن تدعني وهذا الصبي في هذا المحل الموحش الذي ليس به أنيس قال نعم فقالت إذن لا يضيعنا ولا زالت تأكل من التمر وتشرب من الماء إلى أن نفد الماء الحديث وكان إنزاله لهما بموضع الحجر وذلك لمضى مائة سنة من عمر إبراهيم
وكون إسمعيل أول من تكلم بالعربية البينة لا ينافى ماقيل أول من تكلم بالعربية يعرب بن قحطان وقحطان أول من قيل له أبيت اللعن وأول من قيل له أنعم صباحا ويعرب هذا قيل له أيمن لأن هودا نبي الله عليه الصلاة والسلام قال له أنت أيمن ولدى وسمى اليمن يمنا بنزوله فيه وهو أول من قال القريض والرجز وقيل سمى اليمن يمنا لأنه على يمين الكعبة وقيل إن أول من كتب الكتاب العربي إسمعيل والصحيح أن أول من كتب ذلك نزار بن معد كما تقدم وكذا كون إسماعيل أول من تكلم
بالعربية البينة لا ينافى ما قيل أول من تكلم بالعربية آدم في الجنة فلما أهبط إلى الأرض تكلم بالسريانية قيل وسميت سريانية لأن الله تعالى علمها آدم سرا من الملائكة وأنطقه بها
وقيل إن أول من كتب الكتاب العربي والفارسي والسرياني والعبراني وغيرها من بقية الإثنى عشر كتابا وهي الحميري واليوناني والرومي والقبطى والبربري والأندلسي والهندي والصيني آدم عليه الصلاة والسلام كتبها في طين وطبخه فلما أصاب الأرض الغرق وجد كل قوم كتابا فكتبوه فأصاب إسمعيل الكتاب العربي أي وأما ما جاء أول من خط بالقلم إدريس فالمراد به خط الرمل
وفي كلام بعضهم أول من تكلم بالعربية المحضة وهي عربية قريش التي نزل بها القرآن إسمعيل وأما عربية قحطان وحمير فكانت قبل إسمعيل ويقال لمن يتكلم بلغة هؤلاء العرب العاربة ويقال لمن يتكلم بلغة إسمعيل العرب المستعربة وهي لغة الحجاز وما والاها
وجاء من أحسن أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالفارسية فإنه يورث النفاق
وقد ذكر بعضهم أن أهل الكهف كلهم أعجام ولا يتكلمون إلا بالعربية وأنهم يكونون وزراء المهدى واشتهر على ألسنة الناس أنه صلى الله عليه وسلم قال أنا أفصح من نطق بالضاد قال جمع لا أصل له ومعناه صحيح لأن المعنى أنا أفصح العرب لكونهم هم الذين ينطقون بالضاد ولا توجد في غير لغتهم
وإسمعيل عليه الصلاة والسلام أول من ركب الخيل وكانت وحوشا أي ومن ثم قيل لها العراب أو لما سيأتي وقد قال صلى الله عليه وسلم أركبوا الخيل فإنها ميراث أبيكم إسمعيل عليه الصلاة والسلام
وفي رواية أوحى الله تعالى إلى إسمعيل أن أخرج إلى أجياد الموضع المعروف سمى بذلك لأنه قتل فيه مائة رجل من العمالقة من جياد الرجال فادع يأتك الكنز فخرج إلى أجياد فألهمه الله تعالى دعاء فدعا به فلم يبق على وجه الأرض فرس بأرض العرب إلا جاءته وأمكنته من نواصيها وذللها الله تعالى له فاركبوها واعلفوها فإنها ميامين وهي ميراث أبيكم إسمعيل
وذكر الحافظ السيوطي رحمه الله أن له كتابا في الخيل سماه جر الذيل في علم الخيل وفي العرائس أن الله تعالى لما أراد أن يخلق الخيل قال لريح الجنوب إني خالق منك
خلقا فأجعله عزا لأوليائي ومذلة على أعدائي وجمالا لأهل طاعتي فقالت افعل ما تشاء فقبض قبضة فخلق فرسا فقال لها خلقتك عربيا وجعلت الخير معقودا بناصيتك والغنائم مجموعة على ظهرك وعطفت عليك صاحبك وجعلتك تطيري بلا جناح فأنت للطلب وأنت للهرب
وعن وهب أنه قيل لسليمان صلوات الله وسلامه عليه إن خيلا بلقا لها أجنحة تطير بها وترد ماء كذا فقال للشياطين على بها فصبوا في العين التي تردها خمرا فشربت فسكرت فربطوها وساسوها حتى تأنست
قيل ويجوز أن يكون المراد من تلك الخيل الفرس الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم أتيت بمقاليد الدنيا على فرس أبلق جاءني به جبريل عليه الصلاة والسلام
وجاء إن الله تعالى لما عرض على آدم عليه الصلاة والسلام كل شيء مما خلق قال له اختر من خلقي ما شئت فاختار الفرس فقيل له اخترت عزك وعز ولدك خالدا ما خلدوا وباقيا ما بقوا أبد الآبدين ودهر الداهرين وهذا صريح في أن الخيل خلقت قبل آدم
وقد سئل الإمام السبكى هل خلقت الخيل قبل آدم أو بعده وهل خلقت الذكور قبل الإناث أو الإناث قبل الذكور فأجاب بأنا نختار أن خلق الخيل قبل آدم عليه الصلاة والسلام لأن الدواب خلقت يوم الخميس وآدم خلق يوم الجمعة بعد العصر وأن الذكور خلقت قبل الإناث لأمرين أحدهما أن الذكر أشرف من الأنثى والثاني حرارة الذكر أقوى من الأنثى ولذلك كان خلق آدم قبل خلق حواء فليتأمل
وقد ذكر الإمام السهيلي أن في الفرس عشرين عضوا كل عضو منها يسمى بإسم طائر ذكرها وبينها الأصمعي فمنها النسر والنعامة والقطاة والذباب والعصفور والغراب والصرد والصقر قالوا وفي الحيوان أعضاء باردة يابسة كالعظام نظير السوداء وأعضاء باردة رطبة كالدماغ نظير البلغم وأعضاء حارة يابسة كالقلب نظير الصفراء وأعضاء حارة رطبة كالكبد نظير الدم
وعن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن شيء أحب إليه بعد النساء من الخيل وجاء ما من ليلة إلا والفرس يدعو فيها ويقول رب إنك سخرتني لإبن آدم وجعلت رزقي في يده اللهم فاجعلني أحب إليه من أهله وولده وقيل لبعض
الحكماء أي المال أشرف قال فرس يتبعها فرس وفي بطنها فرس ومن ثم قيل ظهر الخيل حرز وبطنها كنز
وفي الحديث لما أراد ذو القرنين أن يسلك في الظلمة إلى عين الحياة سأل أي الدواب في الليل أبصر فقالوا الخيل فقال أي الخيل أبصر فقالوا الإناث قال فأي الإناث أبصر قالوا البكارة فجمع من عسكره ستة آلاف فرس كذلك
وأعطى الله إسمعيل القوس العربية وكان لا يرمى شيئا إلا أصابه وفي الحديث ارموا بني إسمعيل فإن أباكم كان راميا أي قال ذلك لجماعة مر عليه وهم ينتضلون فقال حسن هذا اللهو مرتين أو ثلاثا زاد في بعض الروايات أرموا وأنا مع بني فلان فأمسك الفريق الآخر فقال لهم مابالكم لا ترمون فقالوا يا رسول الله كيف نرمى وأنت معهم إذن ينضلونا قال ارموا وأنا معكم كلكم أخرجه البخاري في صحيحه زاد البيهقي في دلائل النبوة فرموا عامة يومهم ذلك ثم تفرقوا على السواء ما نضل بعضهم بعضا وقد جاء أحب اللهو إلي إجراء الخيل ارموا واركبوا وأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا وقد جاء أحب اللهو إلى الله تعالى إجراء الخيل والرمى وجاء كل شيء يلهو به الرجل باطل إلا رمى الرجل بقوسه أو تأديبه فرسه أو ملاعبته أمرأته فإنهم من الحق وجاء علموا أولادكم السباحة والرمى وفي رواية الرماية وفي رواية علموا بنيكم الرمى فإنه نكاية العدو وقد جاء تعلموا الرمي فإن ما بين الهدفين روضة من رياض الجنة وروى مرفوعا حق الولد على الوالد أن يعلمه الكتابة والسباحة والرمى وجاء من تعلم الرمي ثم نسيه فليس منا وفي رواية فهو نعمة جحدها
قال الحافظ السيوطي رضي الله عنه والأحاديث المتعقلة بالرمى كثيرة قال وقد ألفت كتابا في الرمى سميته غرس الأنشاب في الرمى النشاب وفي العرائس كان إسمعيل مولعا بالصيد مخصوصا بالقنص والفروسية والرمى والصراع والرمى سنة إذا نوى به التأهب للجهاد لقوله تعالى { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } وقوله صلى الله عليه وسلم القوة الرمى على حد قوله الحج عرفة وإلا فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما في الآية { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } قال الرمى والسيوف والسلاح وسئل الحافظ السيوطي رضي الله عنه هل ما ذكره الطبري والمسعودي في تاريخهما أن أول من
رمى بالقوس العربية آدم عليه الصلاة والسلام وذلك لما أمره الله تعالى بالزراعة حين أهبط من الجنة وزرع أرسل الله تعالى له طائرين يخرجان ما بذره ويأكلانه فشكا إلى الله تعالى ذلك فهبط عليه جبريل وبيده قوس ووتر وسهمان فقال آدم ما هذا يا جبريل فأعطاه القوس وقال هذه قوة الله تعالى وأعطاه الوتر وقال هذه شدة الله تعالى وأعطاه السهمين وقال هذه نكاية الله تعالى وعلمه الرمى بهما فرمى الطائرين فقتلهما وجعلهما يعني السهمين عدة في غربتة وأنسا عند وحشته ثم صار القوس العربية إلى إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ثم إلى ولده إسمعيل وهو يدل على أن قوس إبراهيم هي القوس التي هبطت على آدم عليه الصلاة والسلام من الجنة وأنه ادخرها لإبراهيم وهو خلاف قول بعضهم إنها غيرها أهبطت إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام من الجنة فأجاب الحافظ السيوطي رضي الله عنه بقوله راجعت تاريح الطبري في تاريخ آدم وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام فلم أجده فيه ولا تبعد صحته فإن الله تعالى علم آدم علم كل شيء
وذكر أن ابن أبي الدنيا ذكر في كتاب الرمى من طريق الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال أول من عمل القسى إبراهيم عمل لإسمعيل ولإسحق قوسين فكانا يرميان بهما وتقدم أن إسحاق جاء لإبراهيم بعد إسمعيل بثلاث عشرة وقيل بأربع عشرة سنة أي حملت به أمه سارة في الليلة التي خسف الله تعالى بقوم لوط فيها ولها من العمر تسعون سنة
وفي جامع ابن شداد يرفعه كان اللواط في قوم لوط في النساء قبل الرجال بأربعين سنة ثم استغنى النساء بالنساء والرجال بالرجال فخسف الله تعالى بهم قيل ولا يعمل عمل قوم لوط من الحيوان إلا الحمار والخنزير وكان أول من اتخذ القسى الفارسية نمرود فليتأمل الجمع
وقد يقال لا منافاة لجواز أن يكون إبراهيم عليه الصلاة والسلام أول من عمل القسى بعد ذهاب تلك القوس فالأولية إضافية ومعلوم أن إسمعيل بن إبراهيم خليل الله تعالى عليهما الصلاة والسلام أي ولم يبعث بشريعة مستقلة من العرب بعد إسمعيل إلا محمد صلى الله عليه وسلم وأما خالد بن سنان وإن كان من ولد إسمعيل على ما قيل فقال بعضهم لم يكن في بني إسمعيل نبي غيره قبل محمد صلى الله عليه وسلم إلا أنه لم يبعث
بشريعة مستقلة بل بتقرير شريعة عيسى عليه الصلاة والسلام أي وكان بينه وبين عيسى ثلاثمائة سنة وخالد هذا هو الذي أطفأ النار التي خرجت بالبادية بين مكة والمدينة كادت العرب أن تعبدها كالمجوس كان يرى ضوءها من مسافة ثمان ليال وربما كان يخرج منها العنق فيذهب في الأرض فلا يجد شيئا إلا أكله فأمر الله تعالى خالد بن سنان بإطفائها وكانت تخرج من بئر ثم تنتشر فلما خرجت وانتشرت أخذ خالد بن سنان يضربها ويقول بدا بدا بدا كل هدى وهي تتأخر حتى نزلت إلى البئر فنزل إلى البئر خلفها فوجد كلابا تحتها فضربها وضرب النار حتى أطفأها ويذكر أنه كان هو السبب في خروجها فإنه لما دعا قومه وكذبوه وقالوا له إنما تخوفنا بالنار فإن تسل علينا هذه الحرة نارا اتبعناك فتوضأ ثم قال اللهم إن قومي كذبوني ولم يؤمنوا بي إلا أن تسيل عليهم هذه الحرة نارا فأسلها عليهم نارا فخرجت فقالوا يا خالد ارددها فإنا مؤمنون بك فردها
قيل وكان خالد بن سنان إذا استسقى يدخل رأسه في جيبه فيجىء المطر ولا يقلع إلا إن رفع رأسه قيل وقدمت ابنته وهي عجوز على النبي صلى الله عليه وسلم فتلقاها بخير وأكرمها وبسط لها رداءه وقال لها مرحبا بابنة أخي مرحبا بابنة نبي صيعة قومه فأسلمت وهذا الحديث مرسل رجاله ثقات وفي البخاري أنا أولى الناس بابن مريم في الدنيا والآخرة وليس بيني وبينه نبي قال بعضهم وبه يرد على من قال كان بينهما خالد بن سنان وقد يقال مراده صلى الله عليه وسلم بالنبي الرسول الذي يأتي بشريعة مستقلة وحينئذ لا يشكل هذا لما علمت أنه لم يأت بشريعة مستقلة ولا ما جاء في رواية أخرى ليس بيني وبينه نبي ولا رسول ولا ما في كلام البيضاوي تبعا للكشاف من أن بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم أربعة أنبياء ثلاثة من بني إسرائيل وواحد من العرب وهو خالد بن سنان وبعده حنظلة بن صفوان عليهما الصلاة والسلام أرسله الله تعالى لأصحاب الرس بعد خالد بمائة سنة لأنه يجوز أن يكون كل من هؤلاء الثلاثة لم يبعث بشريعة مستقلة بل كان مقررا لشريعة عيسى عليه الصلاة والسلام أيضا كخالد بن سنان
والرس البئر الغير المطوية أي الغير المبنية كذا في الكشاف والذي في القاموس كالصحاح المطوية بإسقاط غير فإنهم قتلوا حنظلة ودسوه فيها أي وحين
دسوه فيها غار ماؤها وعطشوا بعد ريهم ويبست أشجارهم وانقطعت ثمارهم بعد أن كان ماؤها يرويهم ويكفى أرضهم جميعا وتبدلوا بعد الأنس الوحشة وبعد الإجتماع الفرقة لأنهم كانوا ممن يعبد الأصنام أي وكان إبتلاهم الله تعالى بطير عظيم ذي عنق طويل كان فيه من كل لون فكان ينقض على صبيانهم يخطفهم إذا أعوذه الصيد وكان إذا خطف أحدا منهم أغرب به أي ذهب به إلى جهة المغرب فقيل له لطول عنقه ولذهابه إلى جهة المغرب عنقاء مغرب فشكوا ذلك إلى حنظلة عليه الصلاة والسلام فدعا على تلك العنقاء فأرسل الله تعالى عليها صاعقة فأهلكتها ولم تعقب وكان جزاؤه منهم أن قتلوه وفعلوا به ما تقدم
وذكر بعضهم أن حنظلة هذا كان من العرب من ولد إسمعيل أيضا عليه الصلاة والسلام ثم رأيت ابن كثير ذكر أن حنظلة هذا كان قبل موسى عليه الصلاة والسلام وأنه لما ذكر أن في زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عته فتحت تستر المدينة المعروفة وجدوا تابوتا وفي لفظ سريرا عليه دانيال عليه الصلاة والسلام ووجدوا طول أنفه شبرا وقيل ذراعا ووجدوا عند رأسه مصحفا فيه ما يحدث إلى يوم القيامة وأن من وفاته إلى ذلك اليوم ثلاثمائة سنة وقال إن كان تاريخ وفاته القدر المذكور فليس بنبي بل هو رجل صالح لأن عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام ليس بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي بنص الحديث في البخاري
أقول قد علمت الجواب عن ذلك بأن المراد بالنبي الرسول وفيه أن هذا يبعده عطف الرسول على النبي المتقدم في بعض الروايات إلا أن يجعل من عطف التفسير والله أعلم
والفترة التي كانت بينهما أربعمائة سنة وقيل ستمائة وقيل بزيادة عشرين سنة قالت عائشة رضي الله عنها ما وجدنا أحدا يعرف ما وراء عدنان ولا قحطان إلا تخرصا أي كذبا لأن الخراص الكذاب كذا قيل
أقول لعل المراد بالكذب الغير المقطوع بصحته لأن الخرص حقيقته الحزر التخمين وكل من تكلم كلاما بناه على ذلك قيل له خراص ثم قيل للكذاب خراص توسعا وحينئذ كان القياس أن يقال إلاخرصا أي حزرا وتخمينا وعلى هذا كأن الصديقية رضي الله تعالى عنها أرادت المبالغة للتنفير عن الخوض في ذلك والله أعلم
وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم انتسب حتى بلغ النضر بن كنانة ثم قال فمن قال غير ذلك أي مما زاد على ذلك فقد كذب
أقول إطلاق الكذب على من زاد على كنانة إلى عدنان يخالف ما سبق من أن المجمع عليه إلى عدنان إلا أن يقال لا مخالفة لأنه يجوز أن يكون عمرو بن العاص لم يسمع مازاد على النضر بن كنانة إلى عدنان مع ذكره صلى الله عليه وسلم له الذي سمعه غيره وفي إطلاقه الكذب على ذلك التأويل السابق وأخرج الجلال السيوطي في الجامع الصغير عن البيهقي أنه صلى الله عليه وسلم انتسب فقال أنا محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب إلى أن قال ابن مضر بن نزار وهذا هو الترتيب المألوف وهو الإبتداء بالأب ثم بالجد ثم بأب الجد وهكذا وقد جاء في القرآن على خلافه في قوله تعالى حكاية عن سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب قال بعضهم والحكمة في ذلك أنه لم يرد مجرد ذكر الآباء وإنما ذكرهم ليذكر ملتهم التي اتبعها فبدأ بصاحب الملة ثم بمن أخذها عنه أولا فأولا على الترتيب والله أعلم
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا انتسب لم يجاوز معد بن عدنان بن أدد ثم يمسك ويقول كذب النسابون مرتين أو ثلاثا
قال البيهقي والأصح أن ذلك أي قوله كذب النسابون من قول ابن مسعود رضي الله عنه أي لامن قوله صلى الله عليه وسلم
أقول والدليل على ذلك ما جاء كان ابن مسعود إذا قرأ قوله تعالى { ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله } قال كذب النسابون يعنى الذين يدعون علم الأنساب ونفى الله تعالى علمهما عن العباد ولا مانع أن يكون هذا القول صدر منه صلى الله عليه وسلم أولا ثم تابعه ابن مسعود عليه
وقد يقال هذه الرواية تقتضى إما الزيادة على المجمع عليه وإما النقص عنه أي زيادة أدد أو نقص عدنان فهي مخالفة لما قبلها
وفي كلام بعضهم أن بين عدنان وأدد أد فيقال عدنان بن أد بن أدد قيل له أدد لأنه كان مديد الصوت وكان طويل العز والشرف
قيل وهو أول من تعلم الكتابة أي العربية من ولد إسمعيل وتقدم أن الصحيح أن أول من كتب نزار
وانظر هل يشكل على ذلك ما رواه الهيثم بن عدى أن الناقل لهذه الكتابة يعنى العربية من الحيرة إلى الحجاز حرب بن أمية بن عبد شمس وقد يقال الأولية إضافية أي من قريش وعدنان سمى بذلك قيل لأن أعين الإنس والجن كانت إليه ناظرة
قال بعضهم اختلف الناس فيما بين عدنان وإسمعيل من الآباء فقيل سبعة وقيل تسعة وقيل خمسة عشرة وقيل أربعون والله أعلم قال الله عز وجل { وقرونا بين ذلك كثيرا } أي لا يكاد يحاط بها فقد جاء كان ما بين آدم ونوح عليها السلام عشرة قرون وبين نوح وإبراهيم عليهما السلام عشرة قرون
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن مدة الدنيا أي من آدم عليه السلام سبعة آلاف سنة أي وقد مضى بها قبل وجود النبي صلى الله عليه وسلم خمسة آلاف وسبعمائة وأربعون سنة وعن أبي خيثمة وثمانمائة سنة
قلت وفي كلام بعضهم من خلق آدم إلى بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم خمسة آلاف سنة وثمانمائة سنة وثلاثون سنة
وقد جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من طرق صحاح أنه قال الدنيا سبعة أيام كل يوم ألف سنة وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم منها
وفي كلام الحافظ السيوطي دلت الأحاديث والآثار على أن مدة هذه الأمة تزيد على الألف سنة ولا تبلغ الزيادة خمسمائة سنة أصلا وإنما تزيد بنحو أربعمائة سنة تقريبا وما أشتهر على ألسنة الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكث في قبره أكثر من ألف سنة باطل لا أصل له هذا كلامه وقوله لا تبلغ الزيادة خمسمائة سنة هل يخالفه ما أخرجه أبو داود لن يعجز الله أن يؤخر هذه الأمة نصف يوم يعنى خمسمائة سنة
وفي كلام بعضهم قد أكثر المنجمون في تقدير مدة الدنيا فقال بعضهم عمرها سبعة آلاف سنة بعدد النجوم السيارة أي وهو سبعة وبعضهم أثنا عشر ألف سنة بعدد البروج وبعضهم بثلثمائة ألف وستون ألفا بعدد درجات الفلك وكلها تحكمات عقلية لا دليل عليها
وفي كلام الشيخ محيى الدين بن العربي أكمل الله خلق الموجودات من الجمادات والنباتات والحيوان بعد إنتهاء خلق العالم الطبيعي بإحدى وسبعين ألف سنة ثم خلق الله الدنيا بعد أن انقضى من مدة خلق العالم الطبيعي أربع وخمسون ألف سنة ثم خلق الله تعالى
الآخرة يعنى الجنة والنار بعد الدنيا بتسعة آلاف سنة ولم يجعل الله تعالى للجنة والنار أمدا ينتهى إليه بقاؤهما فلهما الدوام قال وخلق الله تعالى طينة آدم بعد أن مضى من عمر الدنيا سبع عشرة ألف سنة ومن عمر الآخرة التي لا نهاية لها في الدوام ثمانية آلاف سنة وخلق الله تعالى الجان في الأرض قبل آدم بستين ألف سنة أي ولعل هذا هو المعنى بقول بعضهم خلق الله آدم خلقا في صورة البهائم ثم أماتهم قبل وهم الجن واللبن والطم والرم والحس والبس فأفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء كما سيأتي
قال الشيخ محيى الدين وقد طفت بالكعبة مع قوم لا أعرفهم فقال لي واحد منهم أما تعرفني فقلت لا قال أنا من أجدادك الأول فقلت له كم لك منذ مت قال لي بضع وأربعون ألف سنة فقلت ليس لآدم هذاالقدر من السنين فقال لي عن أي آدم تقول عن هذا الأقرب إليك أم عن غيره فتذكرت حديثا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله خلق مائة ألف آدم فقلت قد يكون ذلك الجد الذين نسبنى إليه من أولئك والتاريخ في ذلك مجهول مع حدوث العالم بلا شك هذا كلامه
وفي كلام الشيخ عبد الوهاب الشعراني وكان وهب بن منبه رضي الله تعالى عنه يقول سأل بنو إسرائيل المسيح عليه الصلاة والسلام أن يحيى لهم سام بن نوح عليهما الصلاة والسلام فقال أروني قبره فوقف على قبره وقال يا سام قم بإذن الله تعالى فقام وإذا رأسه ولحيته بيضاء فقال إنك مت وشعرك أسود فقال لما سمعت النداء ظننت أنها القيامة فشاب رأسي ولحيتي الآن فقال له عيسى عليه السلام كم لك من السنين ميت قال خمسة آلاف سنة إلى الآن لم تذهب عني حرارة طلوع روحى
وسبب الإختلاف فيما بين عدنان وآدم أن قدماء العرب لم يكونوا أصحاب كتب يرجعون إليها وإنما كانوا يرجعون إلى حفظ بعضهم من بعض ولعله لا يخالفه ما تقدم من أن أول من كتب معد أو نزار
وفي كلام سبط بن الجوزي أن سبب الإختلاف المذكور إختلاف اليهود فإنهم اختلفوا إختلافا متفاوتا فيما بين آدم ونوح وفيما بين الأنبياء من السنين قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لو شاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلمه لعلمه أي لو أراد أن يعلم ذلك للناس لعلمه لهم وهذا أولى من يعلمه بفتح الياء وسكون العين
وذكر ابن الجوزي أن بين آدم ونوح شيئا وإدريس وبين نوح وإبراهيم هود وصالح وبين إبراهيم وموسى بن عمران إسمعيل وإسحق ولوط وهو ابن أخت إبراهيم وكان كاتبا لإبراهيم وشعيب وكان يقال له خطيب الأنبياء ويعقوب ويوسف ولد يوسف ليعقوب وله من العمر إحدى وتسعون سنة وكان فراقه له وليوسف من العمر ثماني عشرة سنة وبقيا مفترقين إحدى وعشرين سنة وبقيا مجتمعين بعد ذلك سبع عشرة سنة هذا
وفي الإتقان ألقى يوسف في الجب وهو ابن ثنتى عشرة سنة ولقى أباه بعد الثمانين وعاش مائة وعشرين سنة وكان كاتبا للعزيز
قيل وسبب الفرقة بين سيدنا يعقوب وسيدنا يوسف عليهما السلام أن سيدنا يعقوب ذبح جديا بين يدى أمه فلم يرض الله تعالى له ذلك فأراه دما بدم وفرقة بفرقة وحرقة بحرقة وموسى بن عمران بن منشاء وبين موسى بن عمران وهو أول أنبياء بني إسرائيل وداود يوشع وكان يوشع كهرون يكتب لموسى ويذكر أن مما أوصى به داود ولده سليمان عليهما السلام لما استخلفه يا بني إياك والهزل فإن نفعه قليل ويهيج العداوة بين الإخوان أي ومن ثم قيل لا تمازح الصبيان فتهون عليهم ولا تمازح الشريف فيحقد عليك ولا تمازح الدنئ فيجترئ عليك ولكل شيء بذر وبذر العداوة المزاح
وقد قيل المزاح يذهب بالمهابة ويورث الضغينة وقيل آكد أسباب القطيعة المزاح وقد قيل من كثر مزاحه لم يخل من إستخفاف به أو حقد عليه واقطع طمعك من الناس فإن ذلك هو الغنى وإياك وما تعتذر فيه من القول أو الفعل وعود لسانك الصدق والزم الإحسان ولا تجالس السفهاء وإذا غضبت فالصق نفسك بالأرض أي وقد جاء في الحديث إذا جهل على أحدكم جاهل فإن كان قائما جلس وإن كان جالسا فليضطجع
وممن مات من الأنبياء فجأة داود وولده سليمان وإبراهيم الخليل عليهم أفضل الصلاة والسلام ثم بعد يوشع كالب بن يوفنا وهو خليفة يوشع ثم حزقيل وهو خليفة كالب ويقال له ابن العجوز لأنه أمه سألت الله تعالى أن يرزقها ولدا بعد ما كبرت وعقمت فجاءت به وهو ذو الكفل بسبعين نبيا وأنجادهم من القتل
وإلياس ثم طالوت الملك أي فإن شمويل عليه السلام لما حضرته الوفاة سأله بنو إسرائيل أن يقيم فيهم ملكا فأقام فيهم طالوت ملكا ولم يكن من أعيانهم بل كان راعيا وقيل سقاء وقيل غير ذلك وبين داود وعيسى عليهما السلام وهو آخر أنبياء بني إسرائيل أيوب ثم يونس ثم شعياء ثم أحصياء ثم زكريا ويحيى عليهم السلام
وفي النهر لأبي حيان في تفسير قوله تعالى { ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل } كان بينه وبين عيسى من الرسل يوشع وشمويل وشمعون وداود و سليمان وشعياء وأرمياء وعزير أي وهو من أولاد هرون بن عمران وحزقيل وإلياس ويونس وزكرياء ويحيى وكان بين موسى وعيسى ألف نبي هذا كلامه وكان يحيى يكتب لعيسى وتقدم الكلام على من بين عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم
ومما يدل على شرف هذا النسب وإرتفاع شأنه وفخامته وعلو مكانه ما جاء عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال قيل يا رسول الله قتل فلان لرجل من ثقيف فقال أبعده الله إنه كان يبغض قريشا
وفي الجامع الصغير قريش صلاح الناس ولا يصلح الناس إلا بهم كما أن الطعام لا يصلح إلا بالملح قريش خالصة لله تعالى فمن نصب لها حربا سلب ومن أرادها بسوء خزى في الدنيا والآخرة
قال وعن سعد بن أبي وقاص ايضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من يرد هوان قريش أهانه الله تعالى أه أي وأشد الإهانة ما كان في الآخرة وحينئذ إما أن يراد بالإرادة العزم والتصميم أو المراد المبالغة أو يكون ذلك من خصائص قريش فلال ينافى أن حكم الله المطرد في عدله أن لا يعاقب على مجرد الإرادات إنما يعاقب ويجازى على الأفعال والأقوال الواقعة أو ما هو منزل منزلة الواقعة كالتصميم فإن من خصائص هذه الأمة عدم مؤاخذتها بما تحدث به نفسها
وعن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل قريشا أي ذكر تفضيلهم بسبع خصال لم يعطها أحد قبلهم ولا يعطاها أحد بعدهم النبوة فيهم والخلافة فيهم والحجابة فيهم والسقاية فيهم ونصروا على الفيل أي على أصحابه وعبدوا الله سبع سنين وفي لفظ عشر سنين لم يعبده أحد غيرهم ونزلت فيهم سورة من القرآن لم يذكر فيها أحد غيرهم لإيلاف قريش وتسمية
لإيلاف قريش سورة يرد ما قيل إن سورة الفيل ولإيلاف قريش سورة واحدة ولينظر ما معنى عبادتهم الله تعالى دون غيرهم في تلك المدة
وعن أنس رضي الله تعالى عنه حب قريش إيمان وبغضهم كفر
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه الناس تبع لقريش مسلمهم تبع لمسلمهم وكافرهم تبع لكافرهم وقال صلى الله عليه وسلم العلم في قريش أي وقال الأئمة من قريش وقد جمع الحافظ بن حجر طرق هذا الحديث في كتاب سماه لذة العيش في طرق حديث الأئمة من قريش
وفي الحديث عالم قريش يملأ طباق الأرض علما وفي رواية لا تسبوا قريشا فإن عالمها يملأ الأرض علما وفي رواية اللهم اهد قريشا فإن عالمها يملأ طباق الأرض علما قال جماعة من الأئمة منهم الإمام أحمد هذا العالم هو الشافعي رضي الله تعالى عنه لأنه لم ينتشر في طباق الأرض من علم عالم قريشى من الصحابة وغيرهم ما انتشر من علم الشافعي
وفي كلام بعضهم ليس في الأئمة المتبوعين في الفروع قرشي غيره وفيه أن الإمام مالك بن أنس من قريش ويجاب بأنه إنما يكون قرشيا على القول الباطل من أن جماع قريش قصى
وقد ذكر السبكى أنهم ذكروا أن من خواص الشافعي رضي الله تعالى عنه من بين الأئمة أن من تعرض إليه أو إلى مذهبه بسوء أو نقص هلك قريبا وأخذوا ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم من أهان قريشا أهانه الله تعالى هذا كلامه قال الحافظ العراقي إسناد هذا الحديث يعنى لا تسبوا قريشا فإن عالمها يملأ الأرض علما لا يخلو عن ضعف وبه يرد ما زعمه الصغائي من أنه موضوع وحاشا الإمام أحمد أن يحتج بحديث موضوع أو يستأنس به على فضل الشافعي
وقال ابن حجر الهيتمي هو حديث معمول به في مثل ذلك أي في المناقب وزعم وضعه حسد أو غلط فاحش أي وعن الربيع قال رأيت في المنام كأن آدم مات فسألت عن ذلك فقيل لي هذا موت أعلم أهل الأرض لأن الله علم آدم الأسماء كلها فما كان إلا يسير حتى مات الشافعي رضي الله تعالى عنه ورضى عنا به
ومما يؤثر عن إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه من أطراك في وجهك بما ليس
فيك فقد شتمك ومن نقل إليك نقل عنك ومن نم عندك نم عليك ومن إذا أرضيته قال فيك ما ليس فيك إذا أسخطته قال فيك ما ليس فيك وقال صلى الله عليه وسلم قدموا قريشا ولا تقدموها أي لا تتقدموها وفي رواية ولا تعالموها أي لا تغالبوها بالعلم ولا تكاثروها فيه وفي رواية ولا تعلموها أي لا تجعلوها في المقام الأدنى الذي هو مقام المتعلم بالنسبة للمعلم وقال صلى الله عليه وسلم أحبوا قريشا فإنه من أحبهم أحبه الله تعالى وقال صلى الله عليه وسلم لولا أن تبطر قريش لأخبرتها بالذي لها عند الله عز وجل
وفي السنن المأثورة عن إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه رواية المزنى عنه قال الطحاوي حدثنا المزنى قال حدثنا الشافعي رضي الله تعالى عنه أن قتادة بن النعمان وقع بقريش وكأنه نال منهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مهلا يا قتادة لا تشتم قريشا فإنك لعلك ترى منهم رجالا إذا رأيتهم عجبت ليهم لولا أن تطغى قريش لأخبرتها بالذي لها عند الله تعالى أي لولا أنها إذا علمت مالها عندالله من الخير المدخر لها تركت العمل بل ربما أرتكبت مالا يحل إتكالا على ذلك لأعلمتها به لكن في رواية لأخبرتها بما لمحسنها عندالله من الثواب وهذا دليل على علو منزلتها وإرتفاع قدرها عندالله تعالى وقال صلى الله عليه وسلم يوما يا أيها الناس إن قريشا أهل أمانة من بغاها العواثر أي من طلب لها المكايد أكبه الله تعالى لمنخريه أي أكبه الله على وجهه قال ذلك ثلاث مرات وعن سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان بالمسجد فمر عليه سعيد بن العاص فسلم عليه فقال له والله يا ابن أخي ما قتلت أباك يوم بدر وما لي أن أكون أعتذر من قتل مشرك فقال له سعيد بن العاص لو قتلته كنت على الحق وكان على الباطل فعجب عمر من قوله وقال قريش أفضل الناس أحلاما وأعظم الناس أمانة ومن يرد بقريش سواء بكبه الله لفيه هذا كلامه
والذي قتل العاص والد سعيد علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وقيل سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال قتلت يوم بدر العاص وأخذت سيفه ذا الكثيفة وقال صلى الله عليه وسلم شرار قريش خير شرار الناس وفي رواية خيار قريش خيار الناس وشرار قريش شرار الناس أي ولعله سقط من هذه الرواية قبل شرار الثانية لفظ خيار لتوافق الرواية قبلها المقتضى لذلك المقام ويحتمل إبقاء ذلك على ظاهره لأنه ممن يقتدى به فكانوا أشر ألأشرار ويكون هذا هو المراد بوصفهم بأنهم خيار شرار الناس
ثم رأيت في كتاب السنن المأثورة عن إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه ما رواه المزنى عنه خيار قريش خيار الناس وشرار قريش خيار شرار الناس وفي الحديث ولاة هذا الأمر فبر الناس تبع لبرهم وفاجرهم تبع لفاجرهم ومن ثم قال الطحاوي قريش أهل أمانة هكذا قرأه علينا المزنى أهل أمانة أي بالنون وإنما هو أهل إمامة أي بالميم وفي كلام فقهائنا قريش قطب العرب وفيهم الفتوة
ومما يدل على شرف هذا النسب أيضا ما جاء عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه إن الله اختار العرب على الناس واختارني على من أنا منه من أولئك العرب وما جاء عن وائلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الله اصطفى قريشا من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم
أقول وجاء بلفظ آخر عن وائلة بن الأسقع وهو إن الله اصطفى من ولد آدم إبراهيم عليهما السلام وأتخذه خليلا واصطفى من ولد إبراهيم إسمعيل ثم اصطفى من ولد إسمعيل نزارا ثم اصطفى من ولد نزار مضر ثم اصطفى من ولد مضر كنانة ثم اصطفى من كنانة قريشا ثم اصطفى من قريش بني هاشم ثم اصطفى من بين هاشم بني عبد المطلب ثم اصطفاني من بني عبدالمطلب والله أعلم قال وفي رواية إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسمعيل واصطفى من ولد إسمعيل كنانة واصطفى من بني كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم
وما جاء عن جعفر بن محمد عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني جبريل فقال لي يا محمد إن الله بعثني فطفت شرق الأرض ومغربها وسهلها وجبلها فلم أجد حيا خير من مضر ثم أمرني فطفت في مضر فلم أجد حيا خيرا من كنانة ثم أمرني فطفت في كنانة فلم أجد حيا خيرا من قريش ثم أمرني فطفت في قريش فلم أجد حيا خيرا من بني هاشم ثم أمرني أن أختار في أنفسهم أي أختار نفسا من أنفسهم فلم أجد نفسا خير من نفسك انتهى
وفي الوفاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى { لقد جاءكم رسول من أنفسكم } قال ليس من العرب قبيلة إلا ولدت النبي صلى الله عليه وسلم مضرها وربيعتها ويمانيها وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
إن الله خلق الخلق فاختار من الخلق بني آدم واختار من بني آدم العرب واختار من العرب مضر واختار من مضر قريشا واختار من قريش بني هاشم واختارني من بني هاشم فأنا خيار من خيار إلى خيار انتهى وقوله واختار من مضر قريشا يدل على أن مضر ليس جماع قريش وإلا كانت أولاده كلها قريشا
وعن أبي هريرة يرفعه بسند حسنه الحافظ العراقي إن الله حين خلق الخلق بعث جبريل فقسم الناس قسمين قسم العرب قسما وقسم العجم قسما وكانت خيرة الله في العرب ثم قسم العرب إلى قسمين فقسم اليمن قسما وقسم مضر قسما وكانت خيرة الله في مضر وقسم مضر قسمين فكانت قريش قسما وكانت خيرة الله في قريش ثم أخرجني من خيار من أنا منه
قال بعضهم وما جاء في فضل قريش فهو ثابت لبني هاشم والمطلب لأنهم أخص وما ثبت للأعم يثبت للأخص ولا عكس
وفي الشفاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله سبحانه وتعالى قسم الخلق قسمين فجعلني من خيرهم قسما فذلك قوله تعالى { أصحاب اليمين } { وأصحاب الشمال } فأنا من أصحاب اليمين وأنا خير أصحاب اليمين ثم جعل القسمين أثلاثا فجعلني في خيرها ثلثا فذلك قوله تعالى { فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون } فأنا خير السابقين ثم جعل الأثلاث قبائل فجعلني من خيرها قبيلة وذلك قوله تعالى { وجعلناكم شعوبا وقبائل } الآية فأنا أبر ولد آدم وأكرمهم على الله تعالى ولا فخر وجعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها بيتا ولا فخر فذلك قوله تعالى { إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت } الآية هذا كلام الشفاء فليتأمل وإلى شرف هذا النسب يشير صاحب الهمزية رحمه الله تعالى بقوله ** وبدا للوجود منك كريم ** من كريم آباؤه كرماء ** ** نسب تحسب العلا بحلاه ** قلدتها نجومها الجوزاء ** ** حبذا عقد سودد وفخار ** أنت فيه اليتيمة العصماء **
أي يظهر لهذا العالم منك كريم أي جامع لكل صفة كمال وهذا على حد قولهم لي من فلان صديق حميم وذلك الكريم الذي ظهر وجد من أب كريم سالم من نقص الجاهلية آباؤه الشامل للأمهات جميعهم كرماء أي سالمون من نقائص الجاهلية أي
ما يعد في الإسلام نقصا من أوصاف الجاهلية وهذا نسب لا أجل منه ولجلالته إذا تأملته تظن بسبب ما تحلى به من الكمالات أي معاليها جعلت الجوزاء نجومها التي يقال لها نطاق الجوزاء قلادة لتلك المعالى وهذه القلادة نعم هي قلادة سيادة وتمدح موصوفة بأنك في تلك القلادة الدرة اليتيمة التي لا مشابه لها المحفوظة عن الأعين لجلالتها
لا يقال شمول الآباء للأمهات لا يناسب قوله نسب لأن النسب الشرعي في الآباء خاصة لأنا نقول المراد بالنسب ما يعم اللغوي أو قد يقال سلامة آبائه من النقائص إنما هو من حيث أبيه أي كونه متفرعا عنه وذلك يستلزم أن تكون أمهاته كذلك وسيأتي لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات وسيأتي الكلام على ذلك مستوفى
وقال المارودي في كتاب أعلام النبوة وإذا اختبرت حال نسبه صلى الله عليه وسلم وعرفت طهارة مولده صلى الله عليه وسلم علمت أنه سلالة آباء كرام ليس فيهم مستزل بل كلهم سادة قادة وشرف النسب وطهارة المولد من شروط النبوة هذا كلامه ومن كلام عمه أبي طالب ** إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر ** فعبد مناف سرها وصميمها ** ** وإن حصلت أنساب عبد منافها ** ففي هاشم أشرافها وقديمها ** ** وإن فخرت يوما فإن محمدا ** هو المصطفى من سرها وكريمها **
بالرفع عطفا على المصطفى وسر القوم وسطهم فأشرف القوم قومه وأشرف القبائل قبيلته وأشرف الأفخاذ فخذه
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب العرب فبحبى أحبهم ومن أبغض العرب فببغضى أبغضهم
وعن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا سلمان لا تبغضنى فتفارق دينك قلت يا رسول الله كيف أبغضك وبك هداني الله تعالى قال تبغض العرب فتبغضني
وعن علي رضي الله تعالى عنه قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبغض العرب إلا منافق
وفي الترمذي عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال من غش العرب لم يدخل في شفاعتي ولم تنله مودتي قال الترمذي هذا حديث غريب وقال صلى الله عليه وسلم ألا من أحب العرب فبحبي أحبهم ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم وقال صلى الله عليه وسلم أحبوا العرب لثلاث لأني عربي والقرآن عربي وكلام أهل الجنة عربي وقال صلى الله عليه وسلم إن لواء الحمد يوم القيامة بيدي وإن أقرب الخلق من لوائي يومئذ العرب وقال صلى الله عليه وسلم إذا ذلت العرب ذل الإسلام وفي كلام فقهائنا العرب أولى الأمم لأنهم المخاطبون أولا والدين عربي
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما خير العرب مضر وخير مضر عبد مناف وخير بني عبد مناف بنوا هاشم وخير بني هاشم بنو عبدالمطلب والله ما افترق فرقتان منذ خلق الله تعالى آدم إلا كنت في خيرهما
أقول وفي لفظ آخر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله حين خلقني جعلني من خير خلقه ثم حين خلق القبائل جعلني من خيرهم قبيلة وحين خلق الأنفس جعلني من خير أنفسهم ثم حين خلق البيوت جعلني من خير بيوتهم فأنا خيرهم بيتا وأنا خيرهم نسبا وفي لفظ آخر عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله قسم الخلق قسمين فجعلني في خيرهم قسما ثم جعل القسمين أثلاثا فجعلني في خيرها ثلثا ثم جعل الثلث قبائل فجعلني في خيرها قبيلة ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها ثلثا وتقدم عن الشفاء مثل ذلك مع زيادة الإستدلال بالآيات وتقدم الأمر بالتأمل في ذلك والله أعلم وفيه أنه ورد النهى في الأحاديث الكثيرة عن الإنتساب إلى الآباء في الجاهلية على سبيل الإفتخار من ذلك لا تفتخروا بآبائكم الذين ماتوا في الجاهلية فوالذي نفسي بيده ما يدحرج الجعل بأنفه خير من آبائكم الذين ماتوا في الجاهلية أي والذي يدحرجه الجعل وهو النتن وجاء في الحديث ليدعن الناس فخرهم في الجاهلية أو ليكونن أبغض إلى الله تعالى من الخنافس وجاء آفة الحسب الفخر أي عاهة الشرف بالآباء التعاظم بذلك
وأجاب الإمام الحليمي بأنه صلى الله عليه وسلم لم يرد بذلك الفخر إنما أراد تعريف منازل أولئك ومراتبهم أي ومن ثم جاء في بعض الروايات قوله ولا فخر أي فهو من التعريف بما يجب إعتقاده وإن لزم منه الفخر وهو أشار إلى نعمة الله تعالى عليه فهو
من التحدث بالنعمة وإن لزم من ذلك الفخر أيضا وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى { وتقلبك في الساجدين } قال من نبي إلى نبي حتى أخرجت نبيا أي وجدت الأنبياء في آبائه فسيأتي أنه قذف بي في صلب آدم ثم في صلب نوح ثم في صلب إبراهيم عليهما الصلاة والسلام بدليل ما يأتي فيه وفي لفظ آخر عنه مازال النبي صلى الله عليه وسلم يتقلب في أصلاب الأنبياء أي المذكورين أو غيرهم حتى ولدته أمه أي وهذا كما لا يخفى لا ينافى وقوع من ليس نبيا في آبائه فالمراد وقوع الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم في نسبه عليه الصلاة والسلام كما علمت ضرورة أن آباءه كلهم ليسوا أنبياء لكن قال غيره لا زال نوره صلى الله عليه وسلم ينقل من ساجد إلى ساجد قال أبو حيان واستدل بذلك أي بما ذكر من الآية المذكورة أي المفسرة بما ذكر الرافضة على أن آباء النبي صلى الله عليه وسلم كانو مؤمنين أي لأن الساجد لا يكون إلا مؤمنا فقد عبر عن الإيمان بالسجود وسيأتي مزيد الكلام في ذلك وهو إستدلال ظاهري وإلا فالآية قيل معناها وتصفحك أحوال المتهجدين من أصحابك لأنه لما نسخ فرض قيام الليل عليه وعليهم بناء على أنه كان واجبا عليه وعلى أمته وهو الأصح
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان واجبا على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبله صلى الله عليه وسلم طاف صلى الله عليه وسلم تلك الليلة على بيوت أصحابه لينظر حالهم أي هل تركوا قيام الليل لكونه نسخ وجوبه بالصلوات الخمس ليلة المعراج حرصا على كثرة طاعتهم فوجدوها كبيوت الزنابير أي لأن الله عز وجل افترض عليه صلى الله عليه وسلم أي وعلى أمته قيام الليل أو نصفه أو أقل أو أكثر في أول سوة المزمل ثم نسخ ذلك في آخر السورة بما تيسر أي وكان نزول ذلك بعد سنة ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس ليلة المعراج كما سيأتي وجعل بعضهم ذلك من نسخ الناسخ فيصير منسوخات لما علمت أن آخر هذه السورة ناسخ لأولها ومنسوخ بفرض الصلوات الخمس
واعترض بأن الأخبار دالة على أن قوله تعالى { فاقرؤوا ما تيسر من القرآن } إنما نزل بالمدينة يدل على ذلك قوله تعالى { علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله } لأن القتال في سبيل الله إنما كان بالمدينة فقوله تعالى { فاقرؤوا ما تيسر } إختيار لا إيجاب
وقيل معنى وتقلبك في الساجدين وتقلبك في أركان الصلاة قائما وقاعدا وراكعا وساجدا في الساجدين أي في المصلين ففي الساجدين ليس متعلقا بتقلبك بل بساجد المحذوف
لا يقال يعارض جعل الساجدين عبارة عن المؤمنين أن من جملة آبائه صلى الله عليه وسلم آزر والد إبراهيم الخليل صلى الله على نبينا وعليه وسلم وكان كافرا
لأنا نقول أجمع أهل الكتاب على أن آزر كان عمه والعرب تسمى العم أبا كما تسمى الخالة أما فقد حكى الله عن يعقوب عليه السلام أنه قال آبائي إبراهيم وإسماعيل ومعلوم أن إسماعيل إنما هو عمه أي ويدل لذلك أن أبا إبراهيم كان اسمه تارخ بالمثناة فوق المعجمة كما عليه جمهور أهل النسب وقيل المهملة وعليه اقتصر الحافظ في الفتح لا آزر لكن ادعى بعضهم أنه لقب له لأن آزر اسم صنم كان يعبده فصار له أسمان آزر وتارخ كيعقوب وإسرائيل
قال بعضهم وقد تساهل من أخذ بظاهر الآية كالقاضي البيضاوي وغيره فقال إن أبا إبراهيم مات على الكفر وما قيل إنه عمه فعدول عن الظاهر من غير دليل
ويوافقه ما في النهر نقلا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن آزر كان اسم أبيه ويرد ذلك قول الحافظ السيوطي رحمه الله يستنبط من قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام ربنا أغفر لي ولوالدى وللمؤمنين يوم يقول الحساب وكان ذلك بعد موت عمه بمدة طويلة أن المذكور في القرآن بالكفر والتبرى من الإستغفار له أي في قوله تعالى { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه } هو عمه لا أبوه الحقيقي قال فلله الحمد على ما ألهم أي ولا يخفى أن هذا لايتم إلا إذا كان أبوه الحقيقي حيا وقت التبري منه وأن التبري سببه الموت أي موت عمه على الكفر لا الوحى بأنه يموت كافرا فليتأمل وحينئذ يكون أبوه الحقيقي هو المعنى بقول أبي هريرة أحسن كلمة قالها أبو إبراهيم أن قال لما رأى ولده وقد ألقى في النار أي على تلك الحالة أي في روضة خضراء وحوله النار لم تحرق منه إلا كتافه نعم الرب ربك يا إبراهيم وكان سنه حين ألقى في النار ست عشرة سنة كما في الكشاف وفي كلام غيره كان سنة ثلاثين سنة بعد ما سجن ثلاث عشرة سنة
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال إن قريشا كانت نورا بين يدي الله تعالى
قبل أن يخلق آدم عليه الصلاة والسلام بألفى عام يسبح ذلك النور وتسبح الملائكة بتسبيحه فلما خلق الله تعالى آدم عليه الصلاة والسلام ألقى ذلك النور في صلبه قال صلى الله عليه وسلم فأحبطني الله تعالى إلى الأرض في صلب آدم وجعلني في صلب نوح وقذفني في صلب إبراهيم عليهم الصلاة والسلام ثم لم يزل ينقلني من الأصلاب الكريمة والأرحام الطاهرة حتى أخرجني من بين أبوى لم يلتقيا على سفاح قط
أقول قوله صلى الله عليه وسلم فأهبطني ينبغي أن لا يكون معطوفا على ما قبله من قوله إن قريشا كانت نورا بين يدي الله تعالى الخ فيكون نوره صلى الله عليه وسلم من جملة نور قريش وإنه صلى الله عليه وسلم انفرد عن نور قريش وأودع في صلب نوح عليه الصلاة والسلام ألخ بل على ما يأتى من قوله كنت نوارا بين يدي ربي قبل خلق آدم بأربعة عشر ألف عام اللازم لذلك أن يكون نوره سابقا على نور قريش ويكون نور قريش من نوره صلى الله عليه وسلم
وحكمة إقتصاره صلى الله عليه وسلم على من ذكر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا تخفى وهي أنهم آباء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فمن ذرية نوح هود وصالح عليها الصلاة والسلام ومن ذرية إبراهيم إسمعيل وإسحق ويعقوب ويوسف وشعيب وموسى وهرون بناء على أنه شقيق موسى أو لأبيه وإلا فسيأتى أن نوره انتقل إلى شيث وتقدم أنه صلى الله عليه وسلم من ذرية إسمعيل
عن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كنت نورا بين يدى ربي قبل خلق آدم عليه الصلاة والسلام بأربعة عشر ألف عام ورأيت في كتاب التشريفات في الخصائص والمعجزات لم أقف على اسم مؤلفه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل جبريل عليه الصلاة والسلام فقال يا جبريل كم عمرت من السنين فقال يا رسول الله لست أعلم غير أن في الحجاب الرابع نجما يطلع في كل سبعين ألف سنة مرة رأيته إثنين وسبعين ألف مرة فقال يا جبريل وعزة ربي جل جلاله أنا ذلك الكوكب رواه البخاري هذه كلامه فلما خلق الله آدم عليه الصلاة والسلام جعل ذلك النور في ظهره أي فهو حالة كونه نورا سابق على قريش حالة كونها نورا بل سيأتي ما يدل على أن نوره صلى الله عليه وسلم سابق على سائر المخلوقات بل وتلك المخلوقات خلقت من ذلك النور آدم وذريته وحينئذ يحتاج إلى بيان وجه كون آدم خلق من نوره صلى الله عليه وسلم وجعل نوره
صلى الله عليه وسلم في ظهر آدم عليه الصلاة والسلام فقد تقدم في الخبر لما خلق الله تعالى آدم جعل ذلك النور في ظهره أي فكان يلمع في جبينه فيغلب على سائر نوره الخ مايأتى ثم انتقل إلى ولده شيث الذي هو وصيه وكان من جملة ما أوصاه به أنه يوصى من انتقل إليه ذلك النور من ولده أنه لا يضع ذلك النور الذي انتقل إليه إلا في المطهرة من النساء ولم تزل هذه الوصية معمولا بها في القرون الماضية إلى أن وصل ذلك النور إلى عبدالمطلب أي وهذا السياق يدل على أن ذلك النور كان ظاهرا فيمن ينتقل إليه من آبائه وهو قد يخالف ما تقدم من تخصيص بعض آبائه بذلك ولم تلد حواء ولدا مفردا إلا شيئا كرامة لهذا النور قيل مكث في بطنها حتى نبتت أسنانه وكان ينظر إلى وجهه من صفاء بطنها وهو الثالث من ولد آدم عليه الصلاة والسلام وكانت تلد ذكر وأنثى معا أي فقد قيل إنها ولدت لآدم أربعين ولدا في عشرين بطنا وقيل ولدت مائة وعشرين ولدا وقيل مائة وثمانين ولدا وقيل خمسمائة ويقال إن آدم عليه الصلاة والسلام لما مات بكى عليه من ولده وولد ولده أربعون ألفا ولم يحفظ من نسل آدم إلا ما كان من صلب شيث دون إخوته أي فإنهم لم يعقبوا أصلا فهو أبو البشر
وعن جابر بن عبدالله رضي الله تعالى عنهما قال قلت يارسول الله بأبي أنت وأمي أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل الأشياء قال يا جابر إن الله تعالى قد خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره الحديث وفيه أنه اصل لكل موجود والله سبحانه وتعالى أعلم
واختلف الناس في عد طبقات أنساب العرب وترتيبها والذي في الأصل عن الزبير بن بكار أنها ست طبقات وأن أولها شعب ثم قبيلة ثم عمارة بكسر العين المهملة ثم بطن ثم فخذ ثم فصيلة قال وقد نظمها الزين العراقي في قوله ** للعرب العربا طباق عدة ** فصلها الزبير وهي ستة ** ** أعم ذاك الشعب فالقبيلة ** عمارة بطن فخذ فصيلة **
أي فالشعب أصل القبائل والقبيلة أصل العمارة والعمارة أصل البطون والبطن أصل الفخذ والفخذ أصل الفصيلة فيقال مضر شعب رسول الله صلى الله عليه وسلم أي وقيل شعبه خزيمة وكنانة قبيلته صلى الله عليه وسلم وقريش عمارته صلى الله عليه وسلم وقصى بطنه صلى الله عليه وسلم وهاشم فخذه صلى الله عليه وسلم
وبنوا العباس فصيلته صلى الله عليه وسلم وقيل بعد الفصيلة العشيرة وليس بعد العشيرة شيء وقيل بعدها الفصيلة قال ثم الرهط وزاد بعضهم الذرية والعترة والأسرة ولم يرتب بينها وقد ذكرها محمد بن سعد إثنى عشر فقال الجذم ثم الجمهور ثم الشعب ثم القبيلة ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ ثم العشيرة ثم الفصيلة ثم الرهط ثم الأسرة ثم الذرية وسكت عن العترة
وفي كلام بعضهم الأسباط بطون بني إسرائيل والشعب في لسان العرب الشجرة الملتفة الكثيرة الأغصان والأوراق والقبائل بطون العرب والشعوب بطون العجم فيتأمل & باب تزويج عبدالله أبي النبي صلى الله عليه وسلم آمنة أمه صلى الله عليه وسلم وحفر زمزم وما يتعلق بذلك
قيل خرج عبدالمطلب ومعه ولده عبدالله وكان أحسن رجل في قريش خلقا وخلقا وكان نور النبي صلى الله عليه وسلم بينا في وجهه وفي رواية أنه كان أحسن رجل رئاء بكسر الراء وبضمها ثم همزة مفتوحة منظرا في قريش وفي رواية أنه كان أكمل بني أبيه وأحسنهم وأعفهم وأحبهم إلى قريش وقد هدى الله تعالى والده فسماه بأحب الأسماء إلى الله تعالى ففي الحديث أحب الأسماء إلى الله تعالى عبدالله وعبدالرحمن وهو الذبيح
وذلك لأن أباه عبدالمطلب حين أمر في النوم بحفر زمزم بئر إسمعيل عليه السلام أي لأن الله تعالى أخرج زمزم لإسمعيل بواسطة جبريل كما يأتي إن شاء الله تعالى في بناء الكعبة أخرج زمزم مرتين مرة لآدم ومرة لإسمعيل عليهما الصلاة والسلام وكانت جرهم قد دفنتها أي فإن جرهما لما أستخفت بأمر البيت الحرام وارتكبوا الأمور العظام قام فيهم رئيسهم مضاض بكسر الميم وحكى ضمها ابن عمرو خطيبا ووعظهم فلم يرعووا فلما رأى ذلك منهم عمد إلى غزالتين من ذهب كانتا في الكعبة وما وجد فيها من الأموال أي السيوف والدروع على ما سيأتي التي كانت تهدى إلى الكعبة ودفنها في بئر زمزم
وفي مرآة الزمان أن هاتين الغزالتين أهداهما للكعبة وكذا السيوف ماسان أول ملوك الفرس الثانية ورد بأن الفرس لم يحكموا على البيت ولا حجوه هذا كلامه وفيه أن هذا لا ينافي ذلك فيتأمل وكانت بئر زمزم نضب ماؤها أي ذهب فحفرها مضاض بالليل وأعمق الحفر ودفن فيها ذلك أي ودفن الحجر الأسود أيضا كما قيل وطم البئر واعتزل قومه فسلط الله تعالى عليهم خزاعة فأخرجتهم من الحرم وتفرقوا وهلكوا كما تقدم ثم لا زالت زمرم مطمومة لا يعرف محلها مدة خزاعة ومدة قصي من بعده إلى زمن عبدالمطلب ورؤياه التي أمر فيها بحفرها قيل وتلك المدة خمسمائة سنة أي وكان قصى احتفر بئرا في الدار التي سكنتها أم هانئ أخت علي رضي الله تعالى عنهما وهي أول سقاية احتفرت بمكة
فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال عبدالمطلب إني لنائم في الحجر إذ أتاني آت فقال احفر طيبة فقلت وما طيبة فذهب وتركني فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال احفر برة فقلت وما برة فذهب وتركني فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني وقال احفر المضنونة فقلت وما المضنونة فذهب وتركني فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه فجاءني فقال احفر زمزم فقلت وما زمزم قال لا تنزف ولا تذم تسقى الحجيج الأعظم وهي بين الفرث والدم عند نقرة الغراب الأعصم عند قرية النمل وقوله لا تنزف أي لا يفرغ ماؤها ولا يلحق قعرها
وفيه أنه ذكر أنه وقع فيها عبد حبشي فمات بها وانتفخ فنزحت من أجله ووجدوا قعرها فوجدوا ماءها يفور من ثلاثة أعين أقواها وأكثرها التي من ناحية الحجر الأسود
وقوله ولا تذم بالذال المعجمة أي لا توجد قليلة الماء من قولهم بئر ذمة أي قليلة الماء قيل وليس المراد أنه لا يذمها أحد لأن خالد بن عبدالله القسري أمير العراق من جهة الوليد بن عبدالملك ذمها وسماها أم جعلان واحتفر بئرا خارج مكة بإسم الوليد بن عبدالملك وجعل يفضلها على زمزم ويحمل الناس على التبرك بها
وفيه أن هذا جراءة منه على الله تعالى وقلة حياء منه وهو الذي كان يعلن ويفصح بلعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه على المنبر فلا عبرة بذمه
وقيل لزمزم طيبة لأنها للطيبين والطيبات من ولد إبراهيم وقيل لها برة لأنها فاضت
للأبرار وقيل لها المضنونة لأنه ضن بها على غير المؤمنين فلا يتضلع منها منافق وقد جاء في رواية يقول الله تعالى ضننت بها على الناس إلا عليك ولعل المراد إلا على أتباعك فيكون بمعنى ما قبله وفي رواية أنه قيل لعبد المطلب احفر زمزم ولم يذكر له علامتها فجاء إلى قومه وقال لهم إني قد أمرت أن أحفر زمزم قالوا فهل بين لك أين هي قال لا قالوا فارجع إلى مضجعك الذي رأيت فيه ما رأيت فإن يكن حقا من الله تعالى بين لك وإن يكن من الشيطان فلن يعود إليك فرجع عبدالمطلب إلى مضجعه فنام فيه فأتاه فقال احفر زمزم إنك إن حفرتها لن تندم وهي ميراث من أبيك الأعظم لا تنزف أبدا ولا تذم تسقى الحجيج الأعظم فقال عبدالمطلب أين هي فقال هي بين الفرث والدم عند قرية النمل حيث ينقر الغراب الأعصم غدا أي والأعصم قيل أحمر المنقار والرجلين وقيل أبيض البطن وعلى هذا اقتصر الإمام الغزالي حيث قال في قوله صلى الله عليه وسلم مثل المرأة الصالحة في النساء مثل الغراب الأعصم بين مائة غراب يعني الأبيض البطن هذا كلامه وقيل الأعصم أبيض الجناحين وقيل أبيض إحدى الرجلين فلما كان الغد ذهب عبدالمطلب وولده الحارث ليس له ولد غيره فوجد قرية النمل ووجد الغراب ينقر عندها بين الفرث والدم أي في محلهما وذلك بين إساف نائلة الصنمين اللذين تقدم ذكرهما وتقدم أن قريشا كانت تذبح عندهما ذبائحها أي التي كانت تتقرب بها وهذا يبعد ما جاء في رواية أنه لما قام بحفرها رأى ما رسم له من قرية النمل ونقرة الغراب ولم ير الفرث والدم فبينما هو كذلك دنت بقرة من ذابحها فلم يدركها حتى دخلت المسجد فنحرها في الموضع الذي رسم له
وقد يقال لا يبعد لأنه يجوز أن يكون فهم أن يكون الفرث والدم موجودين بالفعل فلا يلزم من كون المحل المذكور محلهما وجودهما فيه في ذلك الوقت فلم يكتف بنقرة الغراب في محلهما فأرسل الله له تلك البقرة ليرى الأمر عيانا
وذكر السهيلي رحمه الله لذكر هذه العلامات الثلاث حكمة لا بأس بها ولعل إسافا ونالة نقلا بعد ذلك إلى الصفا والمروة بعد أن نقلهما عمرو بن لحى من جوف الكعبة إلى المحل المذكور فلا يخالف ما ذكره القاضي البيضاوي وغيره إن إسافا كان على الصفا ونائلة على المروة وكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما أي ومن ثم لما جاء الإسلام
وكسرت الأصنام كره المسلمون الطواف أي السعى بينهما وقالوا يارسول الله هذا كان شعارنا في الجاهلية لأجل التمسح بالصنمين فأنزل الله تعالى إن الصفا والمروة من شعائر الله الآية ويقال إن بقرة نحرت بالحزورة بوزن قسورة فانفلتت ودخلت المسجد في موضع زمزم فوقعت مكانها فاحتمل لحمها فأقبل غراب أعصم فوقع في الفرث فليتأمل الجمع
وقد يقال لا منافاة لأن قوله في الرواية الأولى فندت بقرة من ذابحها أي ممن شرع في ذبحها ولم يتمه حتى دخلت المسجد فنحرها أي تمم ذبحها فقد نحرت بالحزورة وبالمسجد أو يراد بنحرها في الحزورة ذبحها وبنحرها في المسجد سلخها وتقطيع لحمها فقد رأينا الحيوان بعد ذبحه يذهب إلى موضع آخر ثم يقع به وعند ذلك جاء عبدالمطلب بالمعول وقام ليحفر فقامت إليه قريش فقالوا له والله لا نتركك تحفر بين وثنينا اللذين ننحر عندهما فقال عبدالمطلب لولده الحرث ذد عنى أي امنع عني حتى أحفر فوالله لأمضين لما أمرت به فلما رأوه غير نازع خلوا بينه وبين الحفر وكفوا عنه فلم يحفر إلا يسيرا حتى بدا له الطى أي البناء فكبر وقال هذا طى إسمعيل عليه السلام أي بناؤه فعرفت قريش أنه أصاب حاجته فقاموا إليه وقالوا والله يا عبدالمطلب إنها بئر أبينا إسمعيل وإن لنا فيها حقا فأشركنا معك فقال ما أنا بفاعل إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم فقالوا نخاصمك فيها فقال اجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه قالوا كاهنة بني سعد بن هذيم وكانت بأعالي الشام أي ولعلها التي لما حضرتها الوفاة طلبت شقا وسطيحا وتفلت في فمهما وذكر أن سطيحا يخلفها في كهانتها ثم ماتت في يومها ذلك وسطيح ستأتي ترجمته وأما شق فقيل له ذلك لأنه كان شق إنسان يدا واحدة ورجلا واحدة وعينا واحدة فركب عبد المطلب ومعه نفر من بني عبد مناف وركب من كل قبيلة من قريش نفر وكان إذ ذاك ما بين الحجاز والشام مفازات لا ماء بها فلما كان عبدالمطلب ببعض تلك المفاوز فنى ماؤء وماء أصحابه فظمئوا ظمأ شديدا حتى أيقنوا بالهلكة فاستقوا ممن معهم من قبائل قريش فأبوا عليهم وقالوا نخشى عن أنفسنا مثل ما أصابكم فقال عبدالمطلب لأصحابه ما ترون قالوا مارأينا إلا تبع لرأيك فقال إني أرى أن يحفر كل أحد منكم حفيرة يكون فيها إلى أن يموت فكلما مات رجل دفعه أصحابه في حفرته ثم واروه حتى يكون آخرهم رجلا
واحدا فضيعة رجل واحد أي يترك بلا مواراة أيسر من ضيعة ركب جميعا فقالوا نعم ما أمرت به فحفر كل حفيرة لنفسه ثم قعدوا ينتظرون الموت ثم قال عبدالمطلب لأصحابه والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا إلى الموت لعجز فلنضرب في الأرض فعسى الله أن يرزقنا فانطلقوا كل ذلك وقومهم ينظرون إليهم ماهم فاعلون فتقدم عبدالمطلب إلى راحلته فركبها فلما انبعثت أنفجرت من تحت خفها عين ماء عذب فكبر عبدالمطلب وكبر أصحابه ثم نزل فشرب وشرب أصحابه وملأوا أسقيتهم ثم دعا القبائل فقال هلموا إلى الماء فقد سقانا الله فاشربوا واستقوا فجاءوا فشربوا واستقوا ثم قالوا لعبدالمطلب قد والله قضى لك علينا يا عبدالمطلب والله لا نخاصمك في زمزم أبدا إن الذي سقاك الماء بهذه الفلاة لهو الذي سقاك زمزم فارجع إلى سقايتك راشدا فرجع ورجعوا معه ولم يصلوا إلى الكاهنة فلما جاء وأخذ في الحفر وجد فيها الغزالتين من الذهب اللتين دفنتهما جرهم ووجد فيها أسيافا وأدراعا فقالت له قريش يا عبدالمطلب لنا معك في هذا شرك فقال لا ولكن هلموا إلى أمر نصف بيني وبينكم والنصف بكسر النون وسكون الصاد المهملة وبفتحها النصفة بفتحات نضرب عليها بالقداح قالوا كيف تصنع قال أجعل للكعبة قدحين ولي قدحين ولكم قدحين فمن خرج قدحاه على شيء كان له ومن تخلف قدحاه فلا شيء له قالوا أنصفت فجعل قدحين أصفرين للكعبة وقدحين أسودين لعبد المطلب وقدحين أبيضين لقريش ثم أعطوها لصاحب القداح الذي يضرب بها عند هبل أي وجعلوا الغزالتين قسما والأسياف والأدراع قسما آخر وقام عبدالمطلب يدعو ربه بشعر مذكرو في الإمتاع فضرب صاحب القداح فخرج الأصفران على الغزالتين وخرج الأسودان على الأسياف والأدراع وتخلف قدحا قريش فضرب عبدالمطلب الأسياف بابا للكعبة وضرب في الباب الغزالتين فكان أول ذهب حليت به الكعبة ذلك ومن ثم جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما واله إن أول من جعل باب الكعبة ذهبا لعبدالمطلب
وفي شفاء الغرام أن عبدالمطلب علق الغزالتين في الكعبة فكان أول من علق المعاليق بالكعبة وسيأتي الجمع بين كونهما علقا بالكعبة وبين جعلهما حليا لباب الكعبة وقد كان بالكعبة بعد ذلك معاليق فإن عمر رضي الله تعالى عنه لما فتحت مدائن كسرى كان مما بعث إليه منها هلالان فعلقا بالكعبة وعلق بها عبدالملك بن مروان شمستين وقدحين من قوارير وعلق بها الوليد بن يزيد سريرا
وعلق بها السفاح صحفة خضراء وعلق بها المنصور القارورة الفرعونية وبعث المأمون ياقوتة كانت تعلق كل سنة في وجه الكعبة في زمن الموسم في سلسلة من ذهب
ولما أسلم بعض الملوك في زمنه أرسل إليها بصنمه الذي كان يعبده وكان من ذهب متوجا ومكللا بالجواهر والياقوت الأحمر والأخضر والزبرجد فجعل في خزانة الكعبة
ثم إن الغزالتين سرقتا وأبيعتا من قوم تجار قدموا مكة بخمر وغيرها فاشتروا بثمنها خمرا
وقد ذكر أن أبا لهب مع جماعة نفدت خمرهم في بعض الأيام وأقبلت قافلة من الشام معها خمر فسرقوا غزالة واشتروا بها خمرا وطلبتها قريش وكان أشدهم طلبا لها عبدالله بن جدعان فعلموا بهم فقطعوا بعضهم وهرب بعضهم وكان فيمن هرب أبو لهب هرب إلى أخواله من خزاعة فمنعوا عنه قريشا ومن ثم كان يقال لأبي لهب سارق غزالة الكعبة
وقد قيل منافع الخمر المذكورة فيها أنهم كانوا يتغالون فيها إذا جلبوها من النواحي لكثرة ما يربحون فيها لأنه كان المشتري إذا ترك المماكسة في شرائها عدوه فضيلة له ومكرمة فكانت أرباحهم تتكثر بسبب ذلك
وما قيل في منافعها أنها تقوى الضعيف وتهضم الطعام وتعين على الباه وتسلى المحزون وتشجع الجبان وتصفى اللون وتنعش الحرارة الغريزية وتزيد في الهمة والإستعلاء فذلك كان قبل تحريمها ثم لما حرمت سلبت جميع هذه المنافع وصارت ضررا صرفا ينشأ عنها الصداع والرعشة في الدنيا لشاربها وفي الآخرة يسقى عصارة أهل النار
وفي كلام بعضهم من لازم شربها حصل له خلل في جوهر العقل وفساد الدماغ والبخر في الفم وضعف البصر والعصب وموت الفجاءة ومميتة للقلب ومسخطة للرب ومن ثم جاء أنها أي الخمرة ليست بدواء ولكنها داء وجاء اجتنبوا الخمر فإنها مفتاح كل شر أي كان مغلقا وجاء الخمر أم الفواحش وفي رواية أم الخبائث وجاء في الخمر لا طيب الله من تطيب بها ولا شفى الله من استشفى بها
وقد قيل لا منافاة بين كون الغزالتين علقتا في الكعبة وسرقتا أو سرقت إحداهما
وبين كون عبدالمطلب جعلهما حليا للباب لأنه يجوز أن يكون عبدالمطلب استخلص الغزالتين أو الغزالة من التجار ثم جعلهما حليا للباب بعد أن كان علقهما
وفي الإمتاع وكان الناس قبل ظهور زمزم تشرب من آبار حفرت بمكة وأول من حفر بها بئرا قصي كما تقدم وكان الماء العذب بمكة قليلا ولما حفر عبدالمطلب زمزم بنى عليها حوضا وصار هو وولده يملآنه فيكسره قوم من قريش ليلا حسدا فيصلحه نهارا حين يصبح فلما أكثروا من ذلك وجاء شخص واغتسل به غضب عبدالمطلب غضبا شديدا فأرى في المنام أن قل اللهم إني لا أحلها لمغتسل وهي لشارب حل وبل أي حلال مباح ثم كفيتهم فقام عبدالمطلب حين أختلفت قريش في المسجد ونادى بذلك فلم يكن يفسد حوضه أحد أو اغتسل إلا رمى في جسده بداء
ثم إن عبدالمطلب لما قال لولده الحرث ذد عني أي امنع عني حتى أحفر وعلم أنه لا قدرة له على ذلك نذر إن رزق عشرة من الولد الذكور يمنعونه ممن يتعالى عليه ليذبحن أحدهم عند الكعبة
أي وقيل إن سبب ذلك أن عدى بن نوفل بن عبد مناف أبا المطعم قال له يا عبدالمطلب تستطيل علينا وأنت فذ لا ولد لك أي متعدد بل لك ولدا واحدا ولا مال لك وما أنت إلا واحد من قومك فقال له عبدالمطلب أتقول هذا وإنما كان نوفل أبوك في حجر هاشم أي لأن هاشما كان خلف على أم نوفل وهو صغير فقال له عدي وأنت أيضا قد كنت في يثرب عند غير أبيك كنت عند أخوالك من بني النجار حتى ردك عمك المطلب فقال له عبدالمطلب أو بالقلة تعيرني فلله على النذر لئن آتاني الله عشرة من الأولاد الذكور لأنحرن أحدهم عند الكعبة وفي لفظ أن أجعل أحدهم لله نحيرة
قيل إن عبدالمطلب نذر أن يذبح ولدا إن سهل الله له حفر زمزم فعن معاوية رضي الله عنه أن عبدالمطلب لما أمر بحفر زمزم نذر لله إن سهل الأمر بها أن ينحر بعض ولد فلما صاروا عشرة أي وحفر زمزم أمر في اليوم بالوفاء بنذره أي قيل له قرب أحد أولادك أي بعد أن نسى ذلك وقد قيل له قبل ذلك أوف بنذرك فذبح كبشا أطعمه الفقراء ثم قيل له في النوم قرب ما هو أكبر من ذلك فذبح ثورا ثم قيل له في النوم قرب ما هو أكبر من ذلك فذبح جملا ثم قيل له في النوم قرب ما هو أكبر من ذلك
فقال وماهو أكبر من ذلك فقيل له قرب أحد أولادك الذي نذرت ذبحه فضرب القداح على أولاده بعد أن جمعهم وأخبرهم بنذره ودعاهم إلى الوفاء وأطاعوه
ويقال إن أول من أطاعه عبدالله وكتب إسم كل واحد على قدح ودفعت تلك القداح للسادن والقائم بخدمة هبل وضرب بتلك القداح فخرجت على عبدالله أي وكان أصغر ولده وأحبهم إليه مع ما تقدم من أوصافه فأخذه عبدالمطلب بيده وأخذ الشفرة ثم أقبل به على إساف ونائلة وألقاه على الأرض ووضع رجله على عنقه فجذب العباس عبدالله من تحت رجل أبيه حتى أثر في وجهه شجة لم تزل في وجه عبدالله إلى أن مات كذا قيل
وفيه أن العباس لما ولد صلى الله عليه وسلم كان عمره ثلاث سنين ونحوها فعنه رضي الله عنه أذكر مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابن ثلاثة أعوام أو نحوها فجيء به حتى نظرت إليه وجعلت النسوة يقلن لي قبل أخاك فقبلته وقيل منعه أخواله بنوا مخزوم وقالوا له والله ما أحسنت عشرة أمه وقالوا له أرض ربك وافد ابنك ففداه بمائة ناقة وفي رواية وأعظمت قريش ذلك أي وقامت سادة قريش من أنديتها إليه ومنعوه من ذلك وقالوا له والله لا نفعل حتى تستفتي فيه فلانه الكاهنة أي لعلك تعذر فيه إلى ربك لئن فعلت هذا لايزال الرجل ياتي بإبنه حتى يذبحه أي ويكون سنة ولعل المراد إذا وقع له مثل ما وقع لك من النذر وقال له بعض عظماء قريش لا تفعل إن كان فداؤه بأموالنا فديناه وتلك الكاهنة قيل إسمها قطبة وقيل غير ذلك كانت بخيبر فأتها فاسألها فإن أمرتك بذبحه ذبحته وإن أمرتك بأمر لك وله فيه فرج قبلته فأتاها أي مع بعض قومه وفيهم جماعة من أخوال عبدالله بن مخزوم فسألها وقص عليها القصة فقالت ارجعوا عني اليوم حتى يأتي تابعي فأسأله فرجعوا من عندها ثم غدوا عليها فقالت لهم قد جاءني الخبر كم الدية فيكم فقالوا عشرة من الإبل فقال تخرج عشرة من الإبل وتقدح وكلما وقعت عليه يزاد الإبل حتى تخرج القداح عليها فضرب على عشرة فخرجت عليه فما زال يزيد عشرة عشرة حتى بلغت مائة فخرجت القداح عليها فقالت قريش ومن حضره قد انتهى رضا ربك فقال عبدالمطلب لا والله حتى أضرب عليها ثلاث مرات أي ففعل ذلك وذبح الإبل عند الكعبة لا يصد عنها أحدا أي من آدمى ووحش وطير قال الزهري فكان
عبدالمطلب أول من سن دية النفس مائة من الإبل أي بعد أن كانت عشرة كما تقدم وقيل أول من سن ذلك أبو يسار العدواني وقيل عامر بن الظرب فجرت في قريش أي وعلى ذلك فأولية عبدالمطلب إضافية ثم فشت في العرب وأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأول من ودى بالإبل عن العرب زيد بن بكر من هوازن قتله أخوه أي وأما ما قيل إن القدح بعد المائة خرج على عبدالله أيضا ولا زال يخرج عليه حتى جعلوا الإبل ثلثمائة فخرج على الإبل فنحرها عبدالمطلب فضعيف جدا
وقد ذكر الحافظ ابن كثير أن ابن عباس رضي الله عنهما سألته امرأة أنها نذرت ذبح ولدها عند الكعبة فأمرها بذبح مائة من الإبل أخذا من هذه القصة ثم سألت عبدالله بن عمر رضي الله تعالى عنهما عن ذلك فلم يفتها بشيء فبلغ مروان بن الحكم وكان أميرا على المدينة فأمر المرأة أن تعمل ما استطاعت من خير بدل ذبح ولدها وقال إن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهما لم يصيبا الفتيا ولا يخفى أن هذا نذر باطل عندنا معاشر الشافعية فلا يلزمها به شيء
وعند أبي حنيفة ومحمد يلزمها ذبح شاة في أيام النحر في الحرم أخذا من قصة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام قال القاضي البيضاوي وليس فيه ما يدل عليه
وفي الكشاف أنه صلى الله عليه وسلم قال أنا ابن الذبيحين أي عبدالله وإسمعيل وعن بعضهم قال كنا عند معاوية رضي الله تعالى عنه فتذاكر القوم الذبيح هل هو إسمعيل أو إسحق فقال معاوية على الخبير سقطتم كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه أعرابي أي يشكو جدب أرضه فقال يا رسول الله خلفت البلاد يابسة هلك المال وضاع العيال فعد على مما أفاء الله عليك يا بن الذبيحين فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينكر عليه فقال القوم من الذبيحان يا أمير المؤمنين قال عبدالله وإسمعيل قال الحافظ السيوطي هذا حديث غريب وفي إسناده من لا يعرف حاله قال بعضهم لما أحب إبراهيم ولده إسمعيل بطبع البشرية أي لا سيما وهو بكره ووحيده إذ ذاك وقد أجرى الله العادة البشرية أن يكر الأولاد أحب إلى الوالد أي وخصوصا إذا كان لا ولد له غيره أمره الله بذبحه ليخلص سره من حب غيره بأبلغ الأسباب الذي هو الذبح للولد فلما امتثل وخلص سره له ورجع عن عادة الطبع
فداه بذبح عظيم أن مقام الخلة يقتضى توحيد المحبوب بالمحبة فلما خلصت الخلة من شائبة المشاركة لم يبق في الذبح مصلحة فنسخ الأمر وفدى هذا
وجاء مما يدل على أن الذبيح إسحق حديث سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي النسب أشرف وفي رواية من أكرم الناس فقال يوسف صديق الله ابن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله عليهم الصلاة والسلام كذا روى
قال بعضهم والثابت يوسف بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم وما زاد على ذلك الراوي
وما ذكر أن يعقوب لما بلغه أن ولده بنيامين أخذ بسبب السرقة كتب إلى العزيز وهو يومئذ ولده يوسف بسم الله الرحمن الرحيم من يعقوب إسرائيل الله ابن إسحق ذبيح الله ابن إبراهيم خليل الله إلى عزيز مصر أما بعد فإنا أهل بيت موكل بنا البلاء أما جدي فربطت يداه ورجلاه ورمى به في النار ليحرق فنجاه الله وجعلت النار عليه بردا وسلاما وأما أبي فوضع السكين على قفاه ليذبح ففداه الله وأما أنا فكان لي ابن وكان أحب أولادي إلي فذهب فذهبت عيناي من بكائي عليه ثم كان لي ابن وكان أخاه من أمه وكنت أتسلى به وإنك حبسته وإنا أهل بيت لا نسرق ولا نلد سارقا فإن رددته على وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك والسلام لم يثبت
ففي كلام القاضي البيضاوي وما روى أن يعقوب كتب ليوسف من يعقوب ابن إسحق ذبيح الله لم يثبت أي ولعله لم يثبت أيضا ما في أنس الجليل أن موسى لما أراد مفارقة شعيب وذهابه إلى وطنه بمملكة فرعون بسط شعيب يديه وقال يا رب إبراهيم الخليل وإسمعيل الصفي وإسحق الذبيح ويعقوب الكظيم ويوسف الصديق رد على قوتي وبصري فأمن موسى على دعائه فرد الله عليه بصره وقوته
وذكر أن يعقوب رأى ملك الموت في منامه فقال له هل قبضت روح يوسف فقال لا والله هو حي وعلمه ما يدعو به وهو يا ذا المعروف الدائم الذي لا ينقطع معروفه أبدا ولا يحصيه غيره فرج عني
وذكر أن سبب ذبح إسحق أي على القول بأنه الذبيح أن الخليل قال لسارة إن
جاءني منك ولد فهو لله ذبيح فحاءت سارة بإسحق وكان بينه وبين ولادة هاجر لإسمعيل ثلاث عشرة أو أربع عشرة سنة وإسحق إسمه بالعبرانية الضحاك وجاء في حديث راويه ضعيف الذبيح إسحق وأن داود سأل ربه فقال أي ربي اجعلني مثل آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب فأوحى الله إليه إني أبتليت إبراهيم بالنار فصبر وأبتليت إسحق بالذبح فصبر وأبتليت يعقوب أي بفقد ولده يوسف فصبر الحديث
وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى { وبشرناه بإسحاق نبيا } قال بشر به نبيا حين فداه الله تعالى من الذبح ولم تكن البشارة بالنبوة عند مولده أي لما صبر الأب على ما أمر به وسلم الولد الأمر الله تعالى جعلت المجازاة على ذلك بإعطاء النبوة قال الحافظ السيوطى وجزم بهذا القول عياض في الشفاء والبيهقي في التعريف والإعلام وكنت ملت إليه في علم التفسير وأنا الآن متوقف عن ذلك أي كون إسحق هو الذبيح هذا كلامه وقد تنبأ كل من إسمعيل وإسحق ويعقوب في حياة إبراهيم عليهم الصلاة والسلام فبعث الله إسمعيل لجرهم وإسحق إلى أرض الشام ويعقوب إلى أرض كنعان ولا ينافي ذلك أي كون إسحق هو الذبيح تبسمه صلى الله عليه وسلم من قول القائل له يا ابن الذبيحين ولم ينكر عليه لأن العرب كما تقدم تسمى العم أبا
وفي الهدى إسمعيل هو الذبيح على القول الصواب عند علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم وأما القول بأن إسحق فمردود بأكثر من عشرين وجها ونقل عن الإمام أبن تيمية أن هذا القول متلقى من أهل الكتاب مع أنه باطل بنص كتابهم الذي هو التوراة فإن فيه أن الله أمر إبراهيم أن يذبح إبنه بكره وفي لفظ وحيده وقد حرفوا ذلك في التوراة التي بأيديهم اذبح إبنك إسحق أي ومن ثم ذكر المعافي بن زكريا أن عمر بن عبدالعزيز سأل رجلا أسلم من علماء اليهود أي ابني إبراهيم أمر بذبحه فقال والله يا أمير المؤمنين إن اليهود يعلمون أنه إسمعيل ولكنهم يحسدونكم معشر العرب أن يكون أباكم للفضل الذي ذكره الله تعالى عنه فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحق لأن إسحق أبوهم ولى رسالة في ذلك سميتها القول المليح في تعيين الذبيح رجحت فيها القول بأن الذبيح إسماعيل جواب عن سؤال رفعه إلي بعض الفضلاء
وعلى أن الذبيح إسمعيل فمحل الذبح بمنى وعلى أنه إسحق فمحله معروف بالأرض المقدسة على ميلين من بيت المقدس
وفي كلام ابن القيم تأييد كون الذبيح إسمعيل لا إسحاق ولو كان الذبيح بالشام كما يزعم أهل الكتاب لكانت القرابين والنحر بالشام لا بمكة
واستشكل كون أولاد عبد المطلب عند إرادة ذبح عبدالله كانوا عشرة بأن حمزة ثم العباس إنما ولدا بعد ذلك وإنما كانوا عشرة بهما وحينئذ يشكل قول بعضهم فلما تكامل بنوه عشرة وهو الحرث والزبير وحجل وضرار والمقوم وأبو لهب والعباس وحمزة وأبو طالب وعبدالله هذا كلامه
وأجيب عن الأول بأنه يجوز أن يكون له حينئذ أي عند إرادة الذبح ولدا ولد أي فقد ذكر أن لولده الحرث ولدين أبو سفيان ونوفل وولد الولد يقال له ولد حقيقة هذا
وذكر بعضهم أن أعمامه صلى الله عليه وسلم كانوا إثنى عشر بل قيل ثلاثة عشر وأن عبدالله ثالث عشرهم وعليه فلا إشكال ولا يشكل كون حمزة أصغر من عبدالله والعباس أصغر من حمزة وكلاهما أصغر من عبدالله على ما تقدم من أن عبدالله كان أصغر بني أبيه وقت الذبح لأنه يجوز أن يكون المراد أنه كان أصغرهم حين أراد ذبحه أي لا بقيد كونهم عشرة أو بذلك القيد ولا ينافيه كونه ثالث عشرهم لأن المراد به واحد من الثلاثة عشر وكان عبدالله كما تقدم أحسن فتى يرى في قريش وأجملهم وكان نور النبي صلى الله عليه وسلم يرى في وجهه كالكوكب الدرى أي المضئ المنسوب إلى الدر حتى شغفت به نساء قريش ولقى منهن غناء ولينظر ما هذا العناء الذي لقيه منهن
قيل إنه لما تزوج آمنة لم تبق امرأة من قريش من بني مخزوم وعبد شمس وعبد مناف إلا مرضت أي أسفا على عدم تزوجها به فخرج مع أبيه ليزوجه آمنة بنت وهب ابن عبدمناف بن زهرة بضم الزاي وإسكان الهاء وأما الزهرة التي هي النجم فبضم الزاي وفتح الهاء والزهرة في الأصل هي البياض أي وأم وهب إسمها قيلة بنت أبي كبشة أي وكان عمر عبدالله حينئذ نحو ثمان عشرة سنة فمر على امرأة من بني أسد ابن عبدالعزى أي يقال لها قتيلة وقيل رقية وهي أخت ورقة بن نوفل وهي عند
الكعبة وكانت تسمع من أخيها ورقة أنه كائن في هذه الأمة نبي أي وأن من دلائله أن يكون نورا في وجه أبيه أو أنها ألهت ذلك فقالت لعبدالله أي وقد رأت نور النبوة في غرته أين تذهب يا عبدالله قال مع أبي قالت لك مثل الإبل التي نحرت عنك وقع على الآن قال أنا مع أبي ولا أستطيع خلافه و لا فراقه وأنشد ** أما الحرام فالممات دونه ** والحل لاحل فأستبينه ** ** يحمى الكريم عرضه ودينه ** فكيف بالأمن الذي تبغينه **
قال وسن شعر عبدالله والده صلى الله عليه وسلم كما في تذكرة الصلاح الصفدي ** لقد حكم البادون في كل بلدة ** بأن لنا فضلا على سادة الأرض ** ** وأن أبى ذو المجد والسودد الذي ** يشار به ما بين نشز إلى خفض **
أي إرتفاع وإنخفاض
وعن أبي يزيد المديني أن عبدالمطلب لما خرج بإبنه عبدالله ليزوجه فمر به على إمرأة كاهنة من أهل تبالة بضم التاء المثناة فوق بلدة باليمن وقد قرأت الكتب يقال لها فاطمة بن مر الخثعمية فرأت نور النبوة في وجه عبدالله فقالت له يا فتى هل لك أن تقع على الآن وأعطيك مائة من الإبل فقال عبدالله ما تقدم
أقول قال الكلبي كانت أي تلك الكاهنة من أجمل النساء وأعفهن فدعته إلى نكاحها فأبى ولا منافاة لأنه جاز أن تكون أرادت بقولها وقع على الآن أي بعد النكاح وفهم عبدالله أنها تريد الأمر من غير سبق النكاح فأنشد الشعر المتقدم الدال على طهارته وعفته وهذا بناء على إتحاد الواقعة وأن المرأة في هاتين الواقعتين واحدة وأنه اختلف في إسمها وأنه مر على تلك المرأة في ذهابه مع أبيه ليزوجه آمنة ويدل لذلك فأتى المرأة التي عرضت عليه ما عرضت
وظاهر سياق المواهب يقتضى أنهما قضيتان وأن الأولى عند إنصرافه مع أبيه ليزوجه آمنة
وقوله قد قرأت الكتب أي فجاز أنها رأت في تلك الكتب أن النبي صلى الله عليه وسلم المنتظر يكون نورا في وجه أبيه وأنه يكون من أولاد عبدالمطلب أو أنها ألهمت ذلك فطمعت أن يكون ذلك النبي منها ويؤيد الثاني ما سيأتي عنها والله أعلم
فأتى عبدالمطلب عم آمنة وهو وهيب بن عبدمناف بن زهرة وهو يومئذ سيد بني زهرة نسبا وشرفا وكانت في حجره لموت أبيها وهب بن عبد مناف
وقيل أتى عبدالمطلب إلى وهب بن عبد مناف فزوجه ابنته آمنة وقدم هذا في الإستيعاب فزوجها لعبدالله وهي يومئذ أفضل امرأة في قريش نسبا وموضعا فدخل بها عبدالله حين أملك عليها مكانه فوقع عليها فحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم وانتقل ذلك النور إليها
قيل وقع عليها يوم الإثنين في شعب أبي طالب عند الجمرة الوسطى
أقول فيه أنه سيأتي في فتح مكة أنه نزل بالحجون بفتح الحاء المهملة عند شعب أبي طالب بالمكان الذي حصرت فيه بنو هاشم وبنو المطلب
ويمكن أن يقال ذلك الشعب الذي كان في الحجون كان محلا لسكن أبي طالب في غير أيام مني وهذا الشعب الذي عند الجمرة الوسطى كان ينزل فيه أبو طالب أيام منى فلا مخالفة والله أعلم
ثم أقام عندها ثلاثة أيام وكانت تلك السنة عندهم إذا دخل الرجل على إمرأته أي عند أهلها أي فهي وأهلها كانوا بشعب أبي طالب ثم خرج من عندها فأتى المرأة التي عرضت عليه ما عرضت فقال لها مالك لا تعرضين على اليوم ما عرضت بالأمس فقالت له فارقك النور الذي كان معك بالأمس فليس لي اليوم بك حاجة
قال وفي رواية أنه لما مر عليها بعد أن وقع على آمنة قال لها مالك لا تعرضين على ما عرضت بالأمس قالت من أنت قال أنا فلان قالت له ما أنت هو لقد رأيت بين عينيك نورا ما أراه الآن ما صنعت بعدي فأخبرها فقالت والله ما أنا بصاحبة ريبة ولكن رأيت في وجهك نورا فأردت أن يكون في وأبي الله إلا أن يجعله حيث أراد إذهب فأخبرها أنها حملت بخير أهل الأرض
أقول وفي رواية أن المرأة التي عرضت نفسها عليه هي ليلة العدوية وأن عبدالله كان في بناء له وعليه الطين والغبار وأنه قال حتى أغسل ما على وأرجع إليك وأنه رجع إليها بعد أن وقع على آمنة وانتقل منه النور إليها وقال لها هل لك فيما قلت قالت لا قال ولم قالت لقد دخلت بنور وما خرجت به
أي وفي سيرة ابن هشام مررت بي وبين عينيك غرة فدعوتك فأبيت ودخلت على آمنة فذهبت بها ولئن كنت أي وحيث كنت ألممت بآمنة لتلدن ملكا
ولا يخفى أن تعدد الواقعة ممكن وأن هذا السياق يدل على أن هذه المرأة كان عندها علم بأن عبدالله تزوج آمنة وأنه يريد الدخول بها وأنها علمت أنه كائن نبي يكون له الملك والسلطان وغير خاف أن عرض عبدالله نفسه على المرأة لم يكن لريبة بل ليستبين الأمر الذي دعاها إلى بذلك القدر الكثير من الإبل في مقابلة هذا الشيء على خلاف عادة النساء مع الرجال ولا يخالف ذلك بل يؤكده ما في الوفاء من قوله ثم تذكر الخثعمية وجمالها وما عرضت عليه فأقبل إليها الحديث والله أعلم
وعن الكلبي أنه قال كتبت للنبي صلى الله عليه وسلم خمسمائة أم أي من قبل أمه وأبيه فما وجدت فيهن سفاحا والمراد بالسفاح الزنا أي فإن المرأة كانت تسافح الرجل مدة ثم يتزوجها إن أراد ولا شيئا مما كان من أمر الجاهلية أي من نكاح الأم أي زوجة الأب لأنه كان في الجاهلية يباح إذا مات الرجل أن يخلفه على زوجته أكبر أولاده من غيرها وفي كلام بعضهم كان أقبح ما يصنعه أهل الجاهلية الجمع بين الأختين وكانوا يعيبون المتزوج بإمراة الأب ويسمونه الضيزن والضيزن الذي يزاحم أباه في إمرأته ويقال له نكاح المقت وهو العقد على الرابة وهي امرأة الأب والراب زوج الأم
وما قيل إن هذا أي نكاح امرأة الأب وقع في نسبه صلى الله عليه وسلم لأن خزيمة أحد آبائه صلى الله عليه وسلم لما مات خلف على زوجته أكبر أولاده وهو كنانة فجاء منها بالنضر فهو قول ساقط غلط لأن الذي خلف عليها كنانة بعد موت أبيه ماتت ولم تلد منه ومنشأ الغلط أنه تزوج بعدها بنت أخيها وكان اسمها موافقا لإسمها فجاء منها بالنضر
وبهذا يعلم أن قول الإمام السهيلي نكاح زوجة الأب كان مباحا في الجاهلية بشرع متقدم ولم يكن من المحرمات التي انتهكوها ولا من العظائم التي ابتدعوها لأنه أمر كان في عمود نسبه صلى الله عليه وسلم فكنانة تزوج امرأة أبيه خزيمة وهي برة بنت مرة فولدت له النضر بن كنانة
وهاشم أيضا قد تزوج أمرأة أبيه واقدة فولدت له ضعيفة ولكن هذا خارج من عمود نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنها أي واقدة لم تلد جدا له صلى الله عليه وسلم وقد قال صلى الله عليه وسلم أنا من نكاح لامن سفاح ولذلك قال الله تعالى
{ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف } أي إلا ما قد سلف من تحليل ذلك قبل الإسلام
وفائدة هذا الإستثناء أن لا يعاب نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم وليعلم أنه لم يكن في أجداده صلى الله عليه وسلم من كان من بغية ولا من سفاح ألا ترى أنه لم يقل في شيء نهى عنه في القرآن أي مما لم يبح لهم إلا ما قد سلف نحو قوله تعالى { ولا تقربوا الزنى } ولم يقل إلا ما قد سلف { ولا تقتلوا النفس التي حرم الله } ولم يقل إلا ما قد سلف ولا في شيء من المعاصي التي نهى عنها إلا في هذه وفي الجمع بين الأختين لأن الجمع بين الأختين قد كان مباحا أيضا في شرع من كان قبلنا
وقد جمع يعقوب عليه السلام بين راحيل وأختها ليا فقوله إلا ما قد سلف التفات هذا المعنى هذا كلامه فلا التفات إليه ولا معول عليه على أن قوله إن يعقوب جمع بين الأختين ينازعه قول القاضي البيضاوي إن يعقوب عليه السلام إنما تزوج ليا بعد موت أختها راحيل
وفي أسباب النزول للواحدي أن في البخاري عن أسباط قال المفسرون كان أهل المدينة في الجاهلية وفي أول الإسلام إذا مات الرجل وله امرأة جاء إبنه من غيرها فألقى ثوبه على تلك المرأة وصار أحق بها من نفسها ومن غيرها فإن شاء أن يتزوجها تزوجها من غير صداق إلا الصداق الذي أصدقها الميت وإن شاء زوجها غيره وأخذ صداقها ولم يعطها شيئا وإن شاء عضلها وضارها لتفتدى منه فمات بعض الأنصار فجاء ولد من غيرها وطرح ثوبه عليها ثم تركها فلم يقربها ولم ينفق عليها ليضارها لتفتدى منه فأتت تلك المرأة وشكت حالها للنبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى الآية { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء } الآية
وقيل توفى أبو قيس فخطب ابنه قيس امرأة أبيه فقالت إني أعدك ولدا ولكني آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمره فأتته فأخبرته فأنزل الله تعالى الآية
وعن البراء بن عازب رضي الله عنه لقيت خالي يعنى أبا الدرداء رضي الله تعالى عنه ومعه الراية فقلت أي تريد قال أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج إمرأة أبيه أن أضرب عنقه زاد في رواية أحمد وآخذ ماله
وذكر بعضهم أن في الجاهلية كان إذا أراد الشخص أن يتزوج أن يقول خطب ويقول أهل الزوجة نكح ويكون ذلك قائما مقام الإيجاب والقبول
ومن نكاح الجاهلية الجمع بين الأختين فإنه كان مباحا عندهم أي مع استقباحهم له كما تقدم
وذكر بعضهم أن قبل نزول التوراة كان يجوز الجمع بين الأختين أي ثم حرم ذلك بنزولها قال وقد افتخر رسول الله صلى الله عليه وسلم بجداته أي تحدث بنعمة ربه قاصدا به التنبيه على شرف هؤلاء النسوة وفضلهن على غيرهن فقال أنا ابن العواتك والفواطم
فعن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أجرى فرسه مع أبي أيوب الأنصاري فسبقته فرس المصطفى فقال صلى الله عليه وسلم أنا ابن العواتك إنه لهو الجواد البحر يعنى فرسه
وقال صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته أي في غزوة حنين وفي غزوة أحد أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب أنا ابن العواتك وجاء أنا ابن العواتك من سليم والعاتكة في الأصل المتلطخة بالطيب أو الطاهرة
وعن بعض الطالبين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في يوم أحد أنا ابن الفواطم أي ولا ينافيه ما سبق أنه قال في ذلك اليوم أنا ابن العواتك لأنه يجوز أن يكون قال كلا من الكلمتين في ذلك اليوم
واختلف الناس في عدد العواتك من جداته صلى الله عليه وسلم فمن مكثر ومن مقل
وقد نقل الحافظ ابن عساكر أن العواتك من جداته صلى الله عليه وسلم أربع عشرة وقيل إحدى عشرة أي وأولهن أم لؤى بن غالب واللواتي من بني سليم منهن عاتكة بنت هلال أم عبد مناف وعاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال أم هاشم وعاتكة بنت مرة بن هلال أم أبي أمه وهب أي وقيل أراد بالعواتك من سليم ثلاثة من بني سليم أبكارا أرضعنه كما سيأتي في قصة الرضاع وكل واحدة منهن تسمى عاتكة قال وعن سعد أن الفواطم من جداته عشرة
أقول وقيل خمس وقيل ست وقيل ثمان ولم أقف على من إسمه فاطمة من
جداته من جهة أبيه إلا على إثنين فاطمة أم عبدالله وفاطمة أم قصي إلا أن يكون صلى الله عليه وسلم لم يرد الأمهات التي في عمود نسبه صلى الله عليه وسلم بل أراد الأعم حتى يشمل فاطمة أم أسد بن هاشم وفاطمة بنت أسد التي هي أم علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وفاطمة أمها وهؤلاء الفواطم غير الثلاث الفواطم اللاتي قال صلى الله عليه وسلم فيهن لعلى وقد دفع إليه ثوبا حريرا وقال له أقسم هذا بين الفواطم الثلاث فإن هؤلاء فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفاطمة بنت حمزة وفاطمة بنت أسد
ثم رأيت بعضهم عد فيهن أم عمرو بن عائذ وفاطمة بنت عبدالله بن رزام وأمها فاطمة بنت الحارث وفاطمة بنت نصر بن عوف أم أم عبد مناف والله أعلم
وعن عائشة وابن عباس رضي الله تعالى عنهم وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال خرجت من نكاح غير سفاح أي زنا فقد تقدم أن المرأة كانت تسافح الرجل مدة ثم يتزوجها إن أراد فكانت العرب تستحل الزنا إلا أن الشريف منهم كان يتورع عنه علانية وإلا بعض أفراد منهم حرمه على نفسه في الجاهلية أي وفي حديث غريب خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلا أن ولدني أبي وأمي ولم يصبني من سفاح الجاهلية شيء ما ولدني إلا نكاح الإسلام
قال وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ولدني بغي قط منذ خرجب من صلب آدم ولم تزل تتنازعني الأمم كابرا عن كابر حتى خرجت من أفضل حيين من العرب هاشم وزهرة
أقول والبغايا كن في الجاهلية ينصبن على أبوابهن رايات تكون علما فمن أرادهن دخل عليهن فإذا حملت إحداهن ووضعت حملها جمعوا لها ودعوا لهم القافة ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون به شبهه فالتاط أي تعلق والتحق به ودعى ابنه لا يمتنع من ذلك والله أعلم
قال وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد جاءكم رسول من أنفسكم بفتح الفاء وقال أنا أنفسكم نسبا وصهرا وحسبا ليس في آبائي من لدن آدم سفاح كلها نكاح وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما كنكاح الإسلام أي يخطب الرجل إلى الرجل موليته فيصدقها ثم يعقد عليها
وعن الإمام السبكي الأنكحة التي في نسبه صلى الله عليه وسلم منه إلى آدم كلها مستجمعة شروط الصحة كأنكحة الإسلام ولم يقع في نسبه صلى الله عليه وسلم منه إلى آدم إلا نكاح صحيح مستجمع لشرائط الصحة كنكاح الإسلام الموجود اليوم قال فاعتقد هذا بقلبك وتمسك به ولا تزل عنه فتخسر الدنيا والآخرة
قال بعضهم وهذا من أعظم العناية به صلى الله عليه وسلم أن أجرى الله سبحانه وتعالى نكاح آبائه من آدم إلى أن أخرجه من بين أبويه على نمط واحد وفق شريعته صلى الله عليه وسلم ولم يكن كما كان يقع في الجاهلية إذا أراد الرجل أن يتزوج قال خطب وتقول أهل الزوجة نكح كما تقدم ويكون ذلك قائما مقام الإيجاب والقبول
والمراد بنكاح الإسلام ما يفيد الحل حتى يشمل التسرى بناء على أن أم إسماعيل كانت مملوكة لإبراهيم حين حملت بإسمعيل ولم يعتقها ولم يعقد عليها قبل ذلك
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها كما في البخاري إن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء نكاح كنكاح الناس اليوم أي بإيجاب وقبول شرعيين دون أن يقول الزوج خطب ويقول أهل الزوجة نكح وحينئذ يزيد على ذلك النكاح الذي كان يقال فيه ذلك ونكاح البغايا ونكاح الإستتبضاع ونكاح الجمع أي ومن أنكحة الجاهلية نكاح زوجة الأب لأكبر أولاده والجمع بين الأختين على ما تقدم وحينئذ يكون المراد ليس في نسبه صلى الله عليه وسلم نكاح زوجة الأب خلافا لما تقدم عن السهيلي ولا الجمع بين الأختين ولا نكاح البغايا وهو أن يطأ البغي جماعة متفرقين واحدا بعد واحد فإذا حملت وولدت ألحق الولد بمن غلب عليه شبهه منهم ولا الإستبضاع وذلك أن المراة كانت في الجاهلية إذا طهرت من حيضها يقول لها زوجها أرسلي إلى فلان استبعضي منه ويعتزلها زوجها ولا يمسها أبدا حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبعض منه فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب وليس فيه نكاح الجمع وهو أن تجتمع جماعة دون العشرة ويدخلون على إمرأة من البغايا ذوات الرايات كلهم يطؤها فإذا حملت ووضعت ومر عليها ليال بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها فتقول لهم قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدت فهو إبنك يا فلان تسمى من أحبت منهم فيلحق به ولدها لايستطيع أن يمتنع منه الرجل إن لم يغلب شبهه عليه
فنكاح البغايا قسمان وحينئذ يحتمل أن تكون أم عمرو بن العاص رضي الله عنه من القسم الثاني من نكاح البغايا فإنه يقال إنه وطئها أربعة وهم العاص وأبو لهب وأمية بن خلف وأبو سفيان بن حرب وادعى كلهم عمرا فألحقته بالعاص وقيل لها لم اخترت العاص قالت لأنه كان ينفق على بناتي ويحتمل أن يكون من القسم الأول ويدل على ما قيل إنه ألحق بالعاص لغلبة شبهه عليه وكان عمرو يعير بذلك عيره بذلك علي وعثمان والحسن وعمار بن يسار وغيرهم من الصحابة رضي تعالى عنهم وسيأتي ذلك في قصة قتل عثمان عند الكلام على بناء مسجد المدينة
قال وجاء أنه صلى الله عليه وسلم قال لم أزل أنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات أي وفي رواية لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الحسيبة إلى الأرحام الطاهرة
وروى البخاري بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى كنت في القرن الذي كنت فيه وقد تقدم في قوله تعالى { وتقلبك في الساجدين } قيل من ساجد إلى ساجد وتقدم ما فيه ومن جملته قول أبي حيان إن ذلك استدل به بعض الرافضة على أن آباء النبي صلى الله عليه وسلم كانوا مؤمنين أي متمسكين بشرائع أنبيائهم
ثم رأيت الحافظ السيوطي قال الذي تلخص أن أجداده صلى الله عليه وسلم من آدم إلى مرة بن كعب مصرح بإيمانهم أي في الأحاديث وأقوال السلف وبقى بين مرة وعبدالمطلب أربعة أجداد لم أظفر فيه بنقل وعبدالمطلب سيأتي الكلام فيه
وقد ذكر في عبدالمطلب ثلاثة أقوال
أحدها وهو الأشبه أنه لم تبلغه الدعوة أي لأنه سيأتي أنه مات وسنه صلى الله علهي وسلم ثمان سنين
والثاني أنه كان على ملة إبراهيم عليه الصلاة والسلام أي لم يعبد الأصنام
والثالث أن الله تعالى أحياه له بعد البعثة حتى آمن به ثم مات وهذا أضعف الأقوال وأوهاها لم يرد قط في حديث ضعيف ولا غيره ولم يقل به أحد من أئمة السنة وإنما حكى عن بعض الشيعة
قال بعضهم وقوله صلى الله عليه وسلم من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات دليل على أن آباء النبي صلى الله عليه وسلم وأمهاته إلى آدم وحواء ليس فيهم كافر لأن
الكافر لا يوصف بأنه طاهر وفيه أن الطاهرية فيه يجوز أن يكون المراد بها ما قابل أنكحة الجاهلية المتقدمة وقد أشار إلى إسلام آبائه وأمهاته صاحب الهمزية بقوله ** لم تزل في ضمائر الكون تختا ** ر لك الأمهات والآباء **
أي لأن الكافر لا يقال إنه مختار الله
والسبب الذي دعا عبدالمطلب لإختيار بني زهرة ما حدث به ولده العباس رضي الله تعالى عنه قال قال عبدالمطلب قدمنا اليمن في رحلة الشتاء فنزلنا على حبر من اليهود يقرأ الزبور أي الكتاب ولعل المراد به التوراة فقال من الرجل قلت من قريش قال من أيهم قلت من بني هاشم قال أتأذن لي أن أنظر بعضك قلت نعم ما لم يكن عورة قال ففتح إحدى منخري فنظر فيه ثم نظر في الأخرى فقال أنا أشهد أن في إحدى يديك وهو مراد الأصل بقوله في منخريك ملكا وفي الأخرى نبوة وإنما نجد ذلك أي كلا من الملك والنبوة في بني زهرة فكيف ذاك قلت لا أدري قال هل لك من شاعة قلت وما الشاعة قال الزوجة أي إنها تشايع أي تتابع وتناصر زوجها قلت أما اليوم فلا أي ليست لي زوجة من بني زهرة إن كان معه غيرها أو مطلقا إن لم يكن معه غيرها فقال إذا تزوجت فتزوج منهم أي وهذا الذي ينظر في الأعضاء وفي خيلان الوجه فيحكم على صاحبها بطريق الفراسة يقال له حزاء بالمهملة وتشديد الزاي آخره همزة منونة
وقد ذكر الشيخ عبدالوهاب الشعراني عن شيخه سيدي على الخواص نفعنا الله تعالى ببركاتهما أنه كان إذا نظر لأنف إنسان يعرف جميع زلاته السابقة واللاحقة إلى أن يموت على التعيين من صحة فراسته هذا كلامه
أي ومن ذلك أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما تزوج امرأة ولم يدخل بها فقال لزوجته ميسون أم إبنه يزيد اذهبي فانظري إليها فأتتها فنظرت إليها ثم رجعت إليه وقالت هي بديعة الحسن والجمال ما رأيت مثلها لكن رأيت خالا أسود تحت سرتها وذلك يدل على أن رأس زوجها يقطع ويوضع في حجرها فطلقها معاوية رضي الله تعالى عنه ثم تزوجها النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه وكان واليا على حمص فدعا لإبن الزبير وترك مروان ثم خاف من أهل حمص لما تبعوا مروان ففر هاربا فتبعه جماعة منها فقطعوا رأسه ووضعوها في حجر تلك المرأة ثم بعثوا بتلك الراس
إلى مروان وقتل النعمان هذا من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم لأن أمه لما ولدته وكان أول مولود ولد للأنصار بعد الهجرة على ما سيأتي حملته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا بتمرة فمضغها ثم وضعها في فيه فحنكه بها فقالت يا رسول الله ادع الله تعالى أن يكثر ماله وولده فقال اما ترضين أن يعيش حميدا ويقتل شهيدا ويدخل الجنة وهو الذي أشار على يزيد بن معاوية بإكرام آل البيت لما قتل الحسين ممن كان مع الحسين من أولاده وأولاد أخيه وأقاربه وقال له عاملهم بما كان يعاملهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم لو رآهم على هذه الحالة فرق لهم يزيد وأكرمهم ورده معهم وأمره بإكرامهم على ما سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى
ومما يروى عنه أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن للشيطان مصالى وفخوخا وإن مصاليه وفخوخه البطر بنعم الله والفخر بعطاء الله والتكبر على عباد الله وإتباع الهوى في غير ذات الله
وقد ذكر أن حمص نزل بها تسعمائة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم سبعون بدريا
وفي حياة الحيوان أن حمص لا تعيش بها العقارب وإذا طرحت فيها عقرب غريبة ماتت لوقتها قيل لطلسم بها
وفي حديث ضعيف أن حمص من مدن الجنة وقيل الحزاء هو الكاهن وقيل هو الذي يحزر الأشياء ويقدرها بظنه ويقال للذي ينظر في النجوم فإنه ينظر فيها بظنه فربما أخطأ أي لأن من علوم العرب الكهانة والعيافة والقيافة والزجر والخط أي الرمل والطب ومعرفة الأنواء ومهاب الرياح
فلما رجع عبدالمطلب إلى مكة تزوج هالة بنت وهيب بن عبد مناف فولدت له حمزة وصفية وزوج ابنه عبدالله آمنة بنت وهب أخي وهيب فولدت له رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم فكانت قريش تقول فلج عبدالله على أبيه أي فاز وظفر لأن الفلج الفاء واللام المفتوحتين والجيم الفوز والظفر أي فاز وظفر بما لم ينله أبوه من وجود هذا المولود العظيم الذي وجد عند ولادته ما لم يوجد عند ولادة غيره
أي وفي كلام ابن المحدث أن عبدالمطلب خطب هالة بنت وهيب عم آمنة في مجلس خطبة عبدالله لآمنة وتزوجا وأولما ثم ابتنيا بهما ثم رأيت في أسد الغابة ما يوافقه
وهو أن عبدالمطلب تزوج هو وعبدالله في مجلس واحد قيل وفيه تصريح بأن عبدالله كان موجودا حين قال الحبر لعبدالمطلب إن النبوة موجودة فيه وكيف تكون موجودة فيه مع إنتقالها لعبدالله وقد يقال من أين أن عبدالمطلب تزوج هالة عقب مجيئه من عند الحبر حتى يكون قول الحبر لعبدالمطلب صادرا بعد وجود عبدالله جاز أن يكون ذلك صدر من الحبر لعبدالمطلب قبل ولادة عبدالله وفيه أن هذا لا يحسن إلا لو كانت أم عبدالله من بني زهرة إلا أن يقال يجوز أن يكون عبدالله وجد من بني زهرة لجواز أن يكون عبدالمطلب تزوج من بني زهرة غير هالة فأولدها عبدالله
ثم إن قول الحبر لعبد المطلب إنه يجد في إحدى يديه الملك وإنه يكون في بني زهرة مشكل أيضا لأن الملك لم يكون إلا في أولاد ولده العباس ولا يستقيم إلا لو كان أم العباس من بني زهرة أما هالة التي هي أم حمزة أو غيرها وأم العباس ليست من بني زهرة خلافا لما وقع في كلام بعضهم أن العباس ولدته هالة فهو شقيق حمزة لأنه خلاف ما اشتهر عن الحفاظ إلا أن يقال جاز أن يكون الملك والنبوة اللذان عناهما الحبر هما نبوته وملكه صلى الله عليه وسلم لأنه صلى الله عليه وسلم أعطيهما أي كلا من الملك والنبوة المنتقلين إليه من أبيه عبدالله بناء على أن أم عبدالله من بني زهرة ولعله لا ينافيه قول بعضهم تزوج عبدالمطلب فاطمة بنت عمرو وجعل مهرها مائة ناقة ومائة رطل من الذهب فولدت له أبا طالب وعبدالله والد النبي صلى الله عليه وسلم لأنه يجوز أن تكون فاطمة هذه من بني زهرة وحينئذ لا يشكل قول الحبر إذا تزوجت فتزوج منهم أي من بني زهرة بعد قوله ألك شاعة
وقيل الذي دعا عبدالمطلب لإختيار آمنة من بني زهرة لولده عبدالله أن سودة بنت زهرة الكاهنة وهي عمة وهب والد آمنة أمه صلى الله عليه وسلم كان من أمرها أنها لما ولدت رآها أبوها زرقاء شيماء أي سوداء وكانوا يئدون من البنات من كانت على هذه الصفة أي يدفنونها حية ويمسكون من لم يكن على هذه الصفة مع ذل وكآبة أي لأنه سيأتي أن الجاهلية كانوا يدفنون البنات وهن أحياء خصوصا كندة قبيلة من العرب خوف العار أو خوف الفقر والإملاق
وكان عمرو بن نفيل يحيى الموؤودة لأجل الإملاق يقول للرجل إذا أراد أن يفعل ذلك لا تفعل أنا أكفيك مئونتها فيأخذها فإذا ترعرعت قال لأبيها إن شئت دفعتها إليك وإن شئت كفيتك مئونتها
وكان صعصعة جد الفرزدق يفعل مثل ذلك فأمر أبوها بوأدها وأرسلها إلى الحجون لتدفن هناك فلما حفر لها الحافر وأراد دفنها سمع هاتفا يقول لا تئد الصبية وخلها في البرية فالتفت فلم ير شيئا فعاد لدفنها فسمع الهاتف يسجع بسجع آخر في المعنى فرجع إلى أبيها وأخبره بما سمع فقال إن لها لشأنا وتركها فكانت كاهنة قريش فقالت يوما لبني زهرة فيكم نذيرة أو تلد نذيرا فاعرضوا على بناتكن فعرضن عليها فقالت في كل واحدة منهن قولا ظهر بعد حين حتى عرضت عليها آمنة بنت وهب فقالت هذه النذيرة أو تلد نذيرا له شأن وبرهان منير أي فاختيار عبدالمطلب لآمنة من بني زهرة عبدالله واضح من سياق قصة هذه الكاهنة
وأما إختياره لتزوجه بعض نساء بني زهرة فسببه ما تقدم عن الحبر بناء على أن أم عبدالله كانت من بني زهرة وأما جعل الشمس الشامي ما تقدم عن الحبر سببا لتزويج عبدالمطلب إبنه عبدالله إمرأة من بني زهرة ففيه نظر ظاهر إذا كيف يتأتى ذلك مع قوله إذا تزوجت فتزوج منهم بعد قوله ألك شاعة أي زوجة
ثم رأيت أبن دحية رحمه الله تعالى ذكر في التنوير عن البرقى أن سبب تزويج عبدالله آمنة أن عبدالمطلب كان يأتى اليمن وكان ينزل فيها على عظيم من عظمائهم فنزل عنده مرة فإذا عنده رجل ممن قرأ الكتب فقال له ائذن لي أن أفتش منخرك فقال دونك فانظر فقال أرى نبوة وملكا وأراهما في المنافين عبد مناف بن قصي وعبد مناف بن زهرة فلما انصرف عبدالمطلب انطلق بإبنه عبدالله فتزوج عبدالمطلب هالة بنت وهيب فولدت له حمزة وزوج إبنه عبدالله آمنة فولدت له رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا واضح لأنه أسقط قول الحبر لعبدالمطلب هل لك من شاعة إلى آخره فاحتاط عبدالمطلب فتزوج من بني زهرة وزوج ولده عبدالله منهم وحينئذ كان المناسب للبرقى رحمه الله أن يزيد بعد قوله إن سبب تزويج عبدالله آمنة قوله وتزوج عبدالمطلب هالة
& باب ذكر حمل أمه به صلى الله عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء والمرسلين
عن الزهري رحمه الله تعالى قال قالت آمنة لقد علقت به صلى الله عليه وسلم فما وجدت له مشقة حتى وضعته وعنها أنها كانت تقول ما شعرت بفتح أوله وثانيه أي ما علمت بأني حملت به ولا وجدت له ثقلا بفتح القاف كما تجد النساء إلا أني أنكرت رفع حيضتي بكسر الحاء الهيئة التي تلزمها الحائض من التجنب وأما بالفتح فالمرة الواحدة من دفعات الحيض أي والذي ينبغي أن يكون الثاني هو المراد وأستعملت المرة في مطلق الدم الذي تراه الحائض وربما يؤيده أن هذا هو المراد أن بعضهم نقل أن الحيضة بالكسر إسم للحيض قالت وربما ترفعني وتعود أي فلم يكن رفعها دليلا على الحمل أي وهذا ربما يفيد أن حيضها تكرر قبل حملها به صلى الله عليه وسلم ولم أقف على مقدار تكرره
وقد ذكر أن مريم علهيا السلام حاضت قبل حملها بعيسى عليه الصلاة والسلام حيضتين قالت آمنة وأتاني آت أي من الملائكة وأنا بين النائمة واليقظانة وفي رواية بين النائم أي الشخص النائم واليقظان فقال هل شعرت بأنك قد حملت بسيد هذه الأمة ونبيها أي وفي رواية بسيد الأنام أي اعلمي ذلك وأمهلني حتى دنت ولادتي أتاني فقال قولي أي إذا ولدتيه أعيذه بالواحد من شر كل حاسد
أي ثم سميه محمدا فإن إسمه في التوراة والإنجيل أحمد يحمده أهل السماء وأهل الأرض وفي القرآن محمد أي والقرآن كتابه وسيأتي عن محمد الباقر رضي الله تعالى عنه أن تسميه أحمد قال بعضهم ويذكر بعد هذا البيت أبيات لا أصل لها وإذا ثبت أنها قالت له ذلك بعد ولادته كان دليلا لما يقوله بعض الناس أن آمنة رقت النبي صلى الله عليه وسلم من العين
أقول ظاهر هذا السياق أنها لم تعلم بحملها إلا من قول الملك لأنها لم تجد ما تستدل به على ذلك لأنها لم تجد ثقلا وعادتها أن حيضها ربما عاد بعد عدم وجوده في زمنه المعتاد لها أي ولم تعول على مفارقة النور لعبدالله وإنتقال النور إلى وجهها على ما ذكر
بعضهم ففي كلام هذا البعض لما فارق النور وجه عبدالله انتقل إلى وجه آمنة ولا على خروج النور منها مناما أو يقظة بناء على أنه غير الحمل على ما يأتي لخفاء دلالة ما ذكر على ذلك ولعل أباه صلى الله عليه وسلم عبدالله لم يبلغها قول المرأة التي عرضت نفسها عليه اذهب فأخبرها أنها حملت بخير أهل الأرض والثقل في إبتداء الحمل الذي حمل عليه بعض الروايات كما سيأتي يجوز أن يكون بعد إخبار الملك لها لكن في المواهب في رواية عن كعب رضي الله تعالى عنه أن مجيء الملك لها كان بعد أن مضى من حملها ستة أشهر فليتأمل فإن الستة أشهر لا يقال إنها إبتداء الحمل
ونص الرواية كانت آمنة تحدث وتقول أتاني آت حين مر بي من حملى ستة أشهر في المنام وقال لي يا آمنة إنك حملت بخير العالمين فإذا ولدتيه فسيمه محمدا وأكتمى شأنك إلا أن يقال يجوز تعدد الملك أو تكرر مجيء الملك لها فليتأمل والله أعلم
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان من دلالة حمل آمنة برسول الله صلى الله عليه وسلم أن كل دابة لقريش نطقت تلك الليلة أي التي حمل فيها أي في اليوم قبلها برسول الله صلى الله عليه وسلم أي بناء على ما هو ظاهر مما تقدم أنه حين وقع عليها انتقل إليها ذلك النور وقالت حمل برسول الله صلى الله عليه وسلم ورب الكعبة ولم يبق سرير لملك من ملوك الدنيا إلا أصبح منكوسا أي ومثل هذا لا يقال من قبل الرأي
أقول دلالة الأول على مطلق الحمل به صلى الله عليه وسلم لا على خصوص حمل آمنة به صلى الله عليه وسلم حينئذ واضحة
وأما دلالة الثاني عليه فقد يتوقف فيها إلا أن يقال إن ذلك كان من علامة الحمل به في الكتب القديمة مع أن المدعى في كلام ابن عباس رضي الله عنهما إنما هو خصوص حمل آمنة به على أن السياق يدل على أن المراد علم أمه بحملها به والله أعلم
وعن كعب الأحبار رضي الله تعالى عنه أن في صبيحة تلك الليلة أصبحت أصنام الدنيا منكوسة أي ولعل ذلك كان من علامة حمل أمه به في الكتب القديمة وقول الصادق لا يتخلف وسيأتي أن عند ولادته أيضا تنكست الأصنام ولا مانع من التعدد
قال وروى الحاكم وصححه أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا
يا رسول الله أخبرنا عن نفسك فقال أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى أخي عيسى ورأت أمي حين حملت بي كأنه خرج منها نور وفي لفظ سراج وفي لفظ شهاب أضاءت له قصور بصرى من أرض الشام قال الحافظ العراقي وسيأتي أنها رأت النور خرج منها عند الولادة وهو أولى لكون طرقه متصلة ويجوز أن يكون خرج منها النور مرتين مرة حين حملت به ومرة حين وضعته أي وكلاهما يقظة ولا مانع من ذلك أو هذه أي رؤية النور حين حملت به كانت مناما كما تصرح به الرواية الآتية وتلك يقظة فلا تعارض بين الحديثين
أقول الرواية الآتية هي رواية شداد بن أوس ولفظها أنها رأت في المنام أن الذي في بطنها خرج نورا أي وهي تفيد أن ذلك النور هو نفس حملها فهو بعد تحقق الحمل ووجوده والرواية التي هنا تفيد أن النور غيره وأنه كان وقت إبتداء وجود الحمل فلا يضح حمل إحداهما على الأخرى إلا أن يقال المراد بحين حملت زمن حملها وأن النور كان هو ذلك الحمل لكن الذي ينبغي أن تكون رواية شداد التي حملت عليها الرواية الأولى حاصلة قبيل الولادة فتكون رأت النور عند الولادة مناما ويقظة تأنيسا لها
على أنه يجوز إبقاء الروايات الثلاث على ظاهرها وأنها رأت مناما أنها خرج منها نور عند إبتداء الحمل ثم رأت كذلك عند قرب ولادتها أن الذي في بطنها خرج نورا ثم رأت يقظة عند وضعه خروج النور وسيأتي في رواية عن أمه أنها قالت لما وضعته خرج معه نور وهي لا تخالف هذا الرواية الثالثة حتى تكون الرابعة فبصرى أول بقعة من الشام خلص إليها نور النبوة
وعلى أنه مرتين ناسب قدومه صلى الله عليه وسلم لها مرتين مرة مع عمه أبي طالب ومرة مع ميسرة غلام خديجة رضي الله تعالى عنها كما سيأتي وبها مبرك الناقة التي يقال إن ناقته صلى الله عليه وسلم بركت فيه فأثر ذلك فيه وبنى على ذلك المحل المسجد ولهذا كانت أول مدينة فتحت من أرض الشام في الإسلام وكان فتحها صلحا في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه على يد خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه وبها قبر سعد بن عبادة وهي من أرض حوران والله أعلم
ووقع الإختلاف في مدة حمله صلى الله عليه وسلم فعن ابن عايذ أي بالياء المثناة
تحت والذال المعجمة أنه صلى الله عليه وسلم بقى في بطن أمه تسعة أشهر كملا لا تشكو وجعا ولا مغصا ولا ريحا ولا ما يعرض لذوات الحمل من النساء أي وقد ولد عند وجود المشترى وهو كوكب نير سعيد فقد كانت ولادته صلى الله عليه وسلم عند وجود السعد الأكبر والنجم الأنور وكانت أمه صلى الله عليه وسلم تقول ما رأيت من حمل هو أخف منه ولا أعظم بركة منه
وروى ابن حبان رحمه الله عن حليمة رضي الله تعالى عنها عن آمنة أم النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت إن لإبني هذا شأنا إني حملت به فلم أجد حملا قط كان أخف على ولا أعظم منه بركة وقيل بقى عشرة أشهر وقيل ستة أشهر وقيل بسبعة أشهر وقيل ثمانية أشهر أي ويكون ذلك آية كما أن عيسى عليه السلام ولد في الشهر الثامن كما قيل به مع نص الحكماء والمنجمين على أن من يولد في الشهر الثامن لا يعيش بخلاف التاسع والسابع والسادس الذي هو أقل مدة الحمل أي فقد قال الحكماء في بيان سبب ذلك إن الولد عند إستكماله سبعة أشهر يتحرك للخروج حركة عنيفة أقوى من حركته في الشهر السادس فإن خرج عاش وإن لم يخرج استراح في البطن عقب تلك الحركة المضعفة له فلا يتحرك في الشهر الثامن ولذلك تقل حركته في البطن في ذلك الشهر فإذا تحرك للخروج وخرج فقد ضعف غاية الضعف فلا يعيش لإستيلاء حركتين مضعفتين له مع ضفعه
وفي كلام الشيخ محيى الدين بن العربي رحمه الله تعالى لم أر للثمانية صورة نجوم المنازل ولهذا كان المولود إذا ولد في الشهر الثامن يموت ولا يعيش وعلى فرض أن يعيش يكون معلولا لا ينتفع بنفسه وذلك لأن الشهر الثامن يغلب فيه على الجنين البرد واليبس وهو طبع الموت أي وقيل بل كان حمله ووضعه في ساعة واحدة وقيل في ثلاث ساعات أي وقيل بذلك في عيسى عليه السلام أي وكانت تلك السنة التي حمل فيها برسول الله صلى الله عليه وسلم يقال لها سنة الفتح والإبتهاج فإن قريشا كانت قبل ذلك في جدب وضيق عظيم فاخضرت الأرض وحملت الأشجار وأتاهم الرغد من كل جانب في تلك السنة وفي حديث مطعون فيه قد أذن الله تلك السنة لنساء الدنيا أن يحملن ذكورا كرامة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي ولم أقف على ما يجرى على ألسنة المداح من أنه صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله في بطن أمه كما نقل عن عيسى عليه السلام
أنه كان يكلم أمه إذا خلت عن الناس ويسبح الله ويذكره إذا كانت مع الناس وهي تسمع وعن شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه قال بينا نحن جلوس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل شيخ كبير من بني عامر هو مدرة قومه أي المقدم فيهم يتوكأ على عصا فمثل بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم ونسبه إلى جده فقال يا ابن عبدالمطلب إني أنبئت أنك تزعم أنك رسول الله إلى الناس أرسلك بما أرسل به إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم من الأنبياء إلا أنك فهت بعظيم وإنما كان الأنبياء والخلفاء أي معظمهم في بيتين من بني إسرائيل وأنت ممن يعبد هذه الحجارة والأوثان فمالك وللنبوة ولكن لكل حق حقيقة فأنبئني بحقيقة قولك وبدء شأنك قال فأعجب النبي صلى الله عليه وسلم بمسألته ثم قال يا أخا بني عامر إن لهذا الحديث الذي سألتني عنه نبأ ومجلسا فاجلس فثنى رجليله ثم برك كما يبرك البعير فأستقبله النبي صلى الله عليه وسلم بالحديث فقال يا أخا بني عامر إن حقيقة قولي وبدء شأني أني دعوة أبي إبراهيم عليه السلام أي حيث قال { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم } أي وعند ذلك قيل له قد استجيب لك وهو كائن في آخر الزمان كذا في تفسير أبن جرير
قال في ينبوع الحياة أجمعوا على أن الرسول المذكور ههنا هو محمد صلى الله عليه وسلم
أقول وفيه أن جبريل عليه السلام أعلم إبراهيم عليه السلام قبل ذلك بأنه يوجد نبي من العرب من ذرية ولده إسمعيل فقد جاء أن إبراهيم لما أمر بإخراج هاجر أم ولده إسمعيل عليه السلام حمل هو وهي وولدها على البراق فلما أتى مكة قال له جبريل أنزل فقال حيث لا زرع ولا ضرع قال نعم ههنا يخرج النبي الأمي من ذرية ولدك يعنى إسمعيل عليه السلام الذي تتم به الكلمة العليا إلا أن يقال الغرض من دعائه صلى الله عليه وسلم بذلك تحقيق حصوله وتقدم أن أم إسمعيل قالت لإبراهيم ما قاله لجبريل والله أعلم ثم قال وبشرى أخي عيسى وفي رواية إن آخر من بشر بي عيسى عليه السلام أي آخر نبي بشر بي من الأنبياء عيسى بدليل الرواية الأخرى وكان آخر من بشر بي عيسى لأن الأنبياء بشرت به قومها وإلى ذلك يشير صاحب الهمزية بقوله
** ما مضت فترة من الرسل إلا ** بشرت قومها بك الأنبياء **
وبشرى عيسى في قوله تعالى { وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد } أي والمبشر بهم من الأنبياء قبل وجودهم أيضا أربعة إسحق يعقوب ويحيى وعيسى قال الله تعالى في حق سارة { فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب } قيل بشرت بأن تبقى إلى أن يولد يعقوب لولدها إسحق وقال في حق زكريا إن الله يبشرك بيحيى وقال في حق مريم إن الله يبشرك بكلمة منه إسمه المسيح ثم قال وإني كنت بكر أبي وأمي وإنها حملتني كأثقل ما تحمل النساء وجعلت تشكو إلى صواحبها ثقل ما تجد ثم إنها رأت في المنام أن الذي في بطنها خرج نورا قالت فجعلت أتبع بصري النور والنور يسبق بصري حتى أضاءت له مشارق الأرض ومغاربها الحديث وستأتي تتمته في الرضاع أي وقال ابن الجوزي ممن روى عن أمه صلى الله عليه وسلم هو صلى الله عليه وسلم لما قيل له يا رسول الله ما كان بدء أمرك قال دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي قالت خرج مني نور أضاءت له قصور الشام
قال الحافظ أبو نعيم الثقل الذي وقع في هذه الرواية كان ابتداء الحمل والخفة التي جاءت فيما سبق من الروايات كانت عند إستمرار الحمل ليكون ذلك خارجا عن المعتاد كذل قال
أقول قد قدمنا أنه يجوز أن يكون هذا الثقل الواقع في إبتداء الحمل كان بعد إخبار الملك لها بالحمل فلا يخالف ما سبق وفيه ما سبق والجواب عنه لكن تقدم عن الزهري قال قالت آمنة لقد علقت به فما وجدت له مشقة حتى وضعته
ويمكن أن يكون المراد بالمشقة ما تقدم من بعض الروايات لم تشك وجعا ولا مغصا ولا ريحا ولا ما يعرض لذوات الحمل من النساء أي فمع وجود الثقل لم يحصل لها المشقة المذكورة وحينئذ لا ينافى ذلك شكواها ما تجده من ثقله والله تعالى أعلم
& باب وفاة والده صلى الله عليه وسم
عن ابن إسحق لم يلبث عبدالله بن عبدالمطلب أن توفى وأم رسول الله صلى الله عليه وسلم حامل به أي كما عليه أكثر العلماء وصححه الحافظ الدمياطي وسيأتى في بعض الروايات ما يدل على أن ذلك من علامات نبوته صلى الله عليه وسلم في الكتب القديمة قيل وإن موت والده صلى الله عليه وسلم كان بعد أن تم لها من حملها شهران وقيل قبل ولادته بشهرين وقيل كان في المهد حين توفى أبوه ابن شهرين وذكر السهيلى أن عليه أكثر العلماء فليتأمل مع ما قبله وقيل كان ابن سبعة أشهر أي وقيل ابن تسعة أشهر قيل وعليه الأكثرون والحق أنه قول كثيرين لا الأكثرين وقيل ابن ثمانية عشرة شهرا وقيل ابن ثمانية وعشرين شهرا أي وما يأتى في الرضاع من أن المراضع أبته ليتمه يخالفه لتمام زمن الرضاع وكذا يخالف القول الذي قبله لأنه لم يبق من زمن الرضاع إلا شهران وكانت وفاته بالمدينة خرج إليها ليمتار تمرا أو لزيارة أخواله بها أي أخوال أبيه عبدالمطلب بني عدي بن النجار أي ولا مانع من قصد الأمرين معا وقيل خرج إلى غزة في عير من عيرات قريش والعيرات بكسر العين وفتح المثناة تحت جمع عير وهي التي تحمل الميرة خرجوا للتجارة ففرغوا من تجارتهم وانصرفوا فمروا بالمدينة وعبدالله مريض فقال أنا أتخلف عند أخوالي بني عدي بن النجار والنجار هذا إسمه تميم وقيل له النجار لأنه اختتن بقدوم أي وهو آلة النجار وقيل لأنه نجر وجه رجل بقدوم فأقام عندهم مريضا شهرا أي وهذا أثبت من الأول ومضى أصحابه فقدموا مكة فسألهم أبوه عبدالمطلب عنه فقالوا خلفناه عند أخواله بني عدي بن النجار وهو مريض فبعث إليه أخاه الحارث وهو من أكبر أولاد عبدالمطلب كما تقدم أي ومن ثم كان يكنى به ولم يدرك الإسلام فوجده قد توفى
أي وفي أسد الغابة أن عبدالمطلب أرسل إليه إبنه الزبير شقيق عبدالله فشهد وفاته ودفن في دار التابعة بالتاء المثناة فوق والباء الموحدة والعين المهملة أي وهو رجل من بني عدي بن النجار أي فقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة ونظر إلى
تلك الدار عرفها وقال ها هنا نزلت بي أمي وفي هذه الدار قبر أبي عبدالله وأحسنت العوم في بئر بني عدي بن النجار
ومن هذا ومما جاء عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم أنه صلى الله عليه وسلم كان هو وأصحابه يسبحون في غدير أي في الحجفة فقال النبي عليه الصلاة والسلام لأصحابه ليسبح كل منكم إلى صاحبه فسبح كل رجل إلى صاحبه وبفى النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكر فسبح النبي عليه الصلاة والسلام إلى أبي بكر رضي الله عنه حتى اعتنقه وقال أنا وصاحبي أنا وصاحبي وفي رواية أنا إلى صاحبي أنا إلى صاحبي يعلم رد قول بعضهم وقد سئل هل عام صلى الله عليه وسلم الظاهر لا لأنه لم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم سافر في بحر ولا بالحرمين بحر قال وقيل قد توفى ودفن أبوه بالأبواء محل بين مكة والمدينة
أقول سيأتي أن الذي بالأبواء قبر أمه صلى الله عليه وسلم على الأصح فلعل قائل ذلك أشتبه عليه الأمر لأنه يجوز أن يكون سمعه صلى الله عليه وسلم يقول وهو بالأبواء هذا قبر أحد أبوي
وقد ذكر بعضهم في حكمة تربيته صلى الله عليه وسلم يتيما ما لا نطيل به وقد جاء ارحموا اليتامى وأكرموا الغرباء فإني كنت في الصغر يتيما وفي الكبر غريبا وقد جاء إن الله لينظر كل يوم إلى الغريب ألف نظرة والله أعلم
وأورد الخطيب عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن الله أحيا له آباه وآمن به وفي المواهب أحيا الله له أبويه حتى آمنا به قال السهيلي وفي إسناده مجاهيل وقال الحافظ ابن كثير إنه حديث منكر جدا وسنده مجهول وقال ابن دحية هو حديث موضوع قال ويرده القرآن والإجماع وعلى ثبوته يكون ناسخا أي معارضا لقوله صلى الله عليه وسلم وقد سأله رجل أين أبي فقال في النار فلما قفا أي ولى دعاه وقال له إن أبي وأباك في النار وفيه أن هذا رواه مسلم فلا يكون ذلك الحديث ناسخا أي معارضا له
أقول هو على تقدير ثبوته يكون معارضا على أن حديث مسلم هذا لم تتفق الرواة على قوله فيه إن أبي وأباك في النار وهذه اللفظة إنما رواها حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس وخالفه معمر عن ثابت عن أنس فروى بدل ذلك إذا مررت بقبر كافر فبشره بالنار
وقد نصوا على أن معمر أثبت من حماد فإن حماد اتكلم في حفظه ووقع في أحاديثه مناكير ذكروا أن ربيعة دسها في كتبه وكان حماد لا يحفظ فحدث بها فوهم فيها وأما معمر فلم يتكلم في حفظه ولا استنكر شيء من حديثه وأيضا ما رواه معمر ورد من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه فقد أخرج البزار والطبراني والبيهقي من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري عن عائذ بن سعد عن أبيه أن أعرابيا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم أين أبي فقال في النار قال فأين أبوك قال حيثما مررت بقبر كافر فبشره بالنار وهذا الإسناد على شرط الشيخين فاللفظ الأول من تصرف الراوي رواه بالمعنى بحسب ما فهم فأخطأ
وذكر الحافظ السيوطي أن مثل هذا وقع في الصحيحين في روايات كثيرة من ذلك حديث مسلم عن أنس في نفي قراءة البسملة والثابت من طريق آخر نفى سماعها ففهم منه الراوي نفى قراءتها فرواه بالمعنى على ما فهمه فأخطأ كذا أجاب إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه عن حديث نفى قراءة البسملة والذي ينبغي أن يقال يجوز أن يكون هذا أي ما في الصحيح كان قبل أن يسأل الله تعالى أن يحييه له فأحياه وآمن به كما أشار إليه الأصل أو أنه قال ذلك لمصلحة إيمان ذلك السائل بدليل أنه لم يتدارك صلى الله عليه وسلم إلا بعد ما قفا فظهر له صلى الله عليه وسلم من حاله أنه تعرض له فتنة أي يرتد عن الإسلام فأتى له بما هو شبيه بالمشاكلة مريدا بأبيه عمه أبا طالب لا عبدالله لأنه كان يقال لأبي طالب قل لإبنك يرجع عن شتم آلهتنا وقالوا له أعطنا إبنك وخذا هذا مكانه فقال أعطيكم إبنى تقتلونه إلى غير ذلك مما يأتي على أنه تقدم أن العرب تسمى العم أبا
لا يقال على ثبوت هذا الحديث وصحته التي صرح بها غير واحد من الحفاظ ولم يلتفتوا لمن طعن فيه كيف ينفع الإيمان بعد الموت
لأنا نقول هذا من جملة خصوصياته صلى الله عليه وسلم لكن قال بعضهم من ادعى الخصوصية فعليه الدليل أي لأن الخصوصية لا تثبت بمجرد الإحتمال ولا تثبت بحديث صحيح وفي كلام القرطبي قد أحيا الله سبحانه وتعالى على يديه صلى الله عليه وسلم جماعة من الموتى
وإذا ثبت ذلك فما يمنع إيمان أبويه بعد إحيائهما ويكون ذلك زيادة في كرامته
وفضيلته صلى الله وسلم ولو لم يكن إحياء أبويه نافعا لإيمانهما وتصديقهما لما أحييا كما أن رد الشمس لو لم يكن نافعا في بقاء الوقت لم ترد والله أعلم
قال الواقدي المعروف عندنا وعند أهل العلم أن آمنة وعبدالله لم يلدا غير رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقل سبط ابن الجوزي أن عبدالله لم يتزوج قط غير آمنة ولم تتزوج آمنة قط غيره ونقل إجماع علماء النقل على أن آمنة لم تحمل بغير النبي صلى الله عليه وسلم ومعنى قولها لم أحمل حملا أخف منه المفيد أنها حملت بغيره صلى الله عليه وسلم أنه خرج على وجه المبالغة
أقول هذه الرواية لم أقف عليها والذي تقدم ما رأيت من حمل هو أخف منه وفي رواية أخرى حملت به فلم أجد حملا قط أخف منه على وحمل الرؤية والوجدان على العلم الحاصل بإخبار غيرها من ذوات الحمل لها عن حالهن ممكن فلا يقتضى ذلك أنها حملت بغيره ولا ينافيه قولها أخف على لأن المراد علي فيما علمت والله أعلم
قال والحافظ ابن حجر نسب سبط ابن الجوزي في نقل الإجماع إلى المجازفة فقال وجازف سبط ابن الجوزي كعادته في نقل الإجماع ولا يمتنع أن تكون آمنة أسقطت من عبدالله سقطا فأشارت بقولها المذكور إليه
أقول وحينئذ تكون حملت بذلك السقط بعد ولادته صلى الله عليه وسلم بناء على أن والده صلى الله عليه وسلم لم يمت وهو حمل بل بعد وضعه وأنها وجدت المشقة في حمل ذلك السقط وأن إخبارها بذلك تأخر عن حملها بذلك السقط وأنها رأت في حملها بذلك السقط من الشدة ما لم تجده في حمله صلى الله عليه وسلم
وأما حملها بذلك السقط قبل حملها به صلى الله عليه وسلم فلا يتأتى لمخالفته لما تقدم من أن عبدالله دخل بها حين أملك عليها وانتقل إليها النور عند ذلك ولأنه يخرج بذلك عن كونه بكر أبيه وأمه
وأما رواية حملت الأولاد فما وجدت حملا فقال فيها الواقدي لا نعرف عند أهل العلم كما بينا ذلك في الكوكب المنير على أن إمكان حملها بسقط لا يقدح في نقل الإجماع على أنها لم تحمل بغيره صلى الله عليه وسلم لإمكان أن مراده حملا تاما
وفي الخصائص الصغرى للجلال السيوطى ولم يلد أبواه غيره صلى الله عليه وسلم والله أعلم قال وترك عبدالله جاريته أم أيمن بركة الحبشية أسلمت قديما هي وولدها أيمن وكان من عبد حبشي يقال له عبيد
أقول في كلام ابن الجوزي أنه صلى الله عليه وسلم أعتقها حين تزوج خديجة وزوجها عبيدا الحبيشي بن زيد من بني الحرث فولدت أيمن ولا ينافيه ما في الإصابة كانت أم أيمن تزوجت في الجاهلية بمكة عبيدا الحبشي بن زيد وكان قدم مكة وأقام بها ثم نقل أم أيمن إلى يثرب فولدت له أيمن ثم مات عنها فرجعت إلى مكة فتزوجها زيد بن حارثة قال البلاذري والله أعلم
قال وقد زوجها صلى الله عليه وسلم أي بعد النبوة مولاه زيد بن حارثة أي وإنما رغب زيد فيها لما سمعه صلى الله عليه وسلم يقول من سره أن يتزوج إمرأة من أهل الجنة فليتزوج بأم أيمن فجاءت منه بأسامة فكان يقال له الحب ابن الحب
وقيل أعتقها عبدالله قبل موته وقيل كانت لأمه صلى الله عليه وسلم وترك أي عبدالله خمسة أجمال وقطعة من غنم فورث ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيه أي فهو صلى الله عليه وسلم يرث ولا يورث قال صلى الله عليه وسلم نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة
ودعوى بعضهم أنه صلى الله عليه وسلم لم يرث بناته اللاتي متن في حياته فعلى تقدير صحته جاز أن يكون صلى الله عليه وسلم ترك أخذ ميراثه تعففا وسيأتى وقال ابن الجوزي وأصاب أم أيمن هذه عطش في طريقها لما هاجرت أي إلى المدينة على قدميها وليس معها أحد وذلك في حر شديد فسمعت شيئا فوق رأسها فتدلى عليها من السماء دلو من ماء برشاء أبيض فشربت منه حتى رويت وكانت تقول ما أصابني عطش بعد ذلك ولو تعرضت للعطش بالصوم في الهواجر ما عطشت أي وفي مزيل الخفاء قال الواقدي كانت أم أيمن عسرة اللسان فكانت إذا دخلت على قوم قالت سلام لا عليكم أي بدل سلام الله عليكم فرخص لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تقول سلام عليكم أو السلام عليكم هذا كلامه فليتأمل فإن هذا يقتضي أن الصيغة الأصلية في السلام سلام الله عليكم مع أن الصيغة في السلام إما السلام عليكم أو سلام عليكم وكذا عليكم السلام ولم تذكر أئمتنا تلك الصيغة
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها شرب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما وأم أيمن عنده فقالت يارسول الله اسقنى فقلت لها ألرسول الله صلى الله عليه وسلم تقولين هذا فقالت ما خدمته أكثر فقال النبي صلى الله عليه وسلم صدقت فسقاها
وذكر بعض المؤرخين أن بركة هذه من سبى الحبشة أصحاب الفيل وكانت سوداء أي لونها أسود ولهذا خرج إبنها أسامة في السواد أي وكان أبوه زيد أبيض ومن ثم كان المنافقون يطعنون في نسب أسامة ويقولون هذا ليس هو ابن زيد وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتشوش من ذلك
وقد روى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم مسرورا فقال ألم ترى أن مجززا المدجلى قد دخل على فرأى أسامة وزيدا عليهما قطيفة قد غطيا رءوسهما وقد بدت أقدامهما فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض وقد جعل أئمتنا ذلك أصلا لوجوب الأخذ بقول القائف في إلحاق النسب
قال الأبي رحمه الله والمعروف أن الحبشية إنما هي بركة أخرى جارية أم حبيبة قدمت معها من الحبشة وكانت تكنى أم يوسف كانت تخدم النبي صلى الله عليه وسلم أي وهي التي شربت بوله صلى الله عليه وسلم كما سيأتي
قيل وورث صلى الله عليه وسلم من أبيه مولاه شقران وكان عبدا حبشيا فأعتقه بعد بدر وقيل أشتراه من عبدالرحمن بن عوف وأعتقه وقيل بل وهبه عبد الرحمن ابن عوف له صلى الله عليه وسلم & باب ذكر مولده صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم
عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم مسرورا أي مقطوع السرة وجاء أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين ولد نزل جبريل عليه السلام وقطع سرته وأذن في أذنه وكساه ثوبا أبيض وولد نبينا صلى الله عليه وسلم مختونا أي على صورة المختون أي ومكحولا ونظيفا ما به قذر
أقول أي لم يصاحبه قذر وبلل فلا ينافى جواز وجود البلل والقذر بعده أي في زمن إمكان النفاس فلا يستدل بذلك على أن أمه صلى الله عليه وسلم لم تر نفاسا فإن النفاس عندنا معاشر الشافعية هو البلل الحاصل بعد الولادة في زمن إمكانه وهو قبل مضى خمسة عشر يوما لا الحاصل مع الولد والله أعلم
قال وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كرامتي على ربي أني ولدت مختونا ولم ير أحد سوأتي أي لئلا يرى أحد سوأتي عند الختان قال الحاكم تواترت الأخبار بأنه صلى الله عليه وسلم ولد مختونا وتعقبه الذهبي فقال ما أعلم صحة ذلك فكيف يكون متواترا أي وأجيب بأنه أراد بالتواتر الإشتهار فقد جاءت أحاديث كثيرة في ذلك قال الحافظ ابن كثير فمن الحفاظ من صححها ومنهم من ضعفها ومنهم من رآها من الحسان أي وقد يدعى أنه لا مخالفة بين هذه الأقوال الثلاثة لأنه يجوز أن يكون من قال صحيحه أراد صحيحة لغيرها والصحيحة لغيرها قد تكون حسنة لغيرها ومن قال ضعيفة اراد في حد ذاتها
وفي الهدى أن الشيخ جمال الدين بن طلحة صنف في أنه ولد مختونا مصنفا أجلب فيه من الأحاديث التي لا خطام لها ولا زمام ورد عليه في ذلك الشيخ جمال الدين بن العديم وذكر أنه صلى الله عليه وسلم ختن على عادة العرب
وولد من الأنبياء على صورة المختون أيضا غير نبينا صلى الله عليه وسلم ستة عشر نبيا وقد نظم الجميع بعضهم فقال ** وفي الرسل مختون لعمرك خلقة ** ثمان وتسع طيبون أكارم ** ** وهم زكريا شيث إدريس يوسف ** وحنظلة عيسى وموسى وآدم ** ** ونوح شعيب سام لوط وصالح ** سليمان يحيى هود يس خاتم **
وليس هذا من خصائص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بل غيرهم من الناس يولد كذلك
من خرافات العامة أن يقولوا لمن يولد كذلك ختنه القمر أي لأن العرب تزعم أن المولود في القمر تنفسخ قلفته فيصير كالمختون وربما قالت العامة ختنته الملائكة وبهذا يرد على ما ذكره الجلال السيوطى في الخصائص الصغرى أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم ولادته مختونا
وقيل ختن صلى الله عليه وسلم أي ختنه الملك الذي هو جبريل كما صرح به بعضهم يوم شق قلبه صلى الله عليه وسلم عند ظئره أي مرضعته حليمة قال الذهبي إنه خبر منكر وقيل ختنه جده يوم سابع ولادته صلى الله عليه وسلم قال العراقي وسنده غير صحيح أي لما عق عنه صلى الله عليه وسلم بكبش كما سيأتي
أقول وقد يجمع بأنه يجوز أن يكون ولد مختونا غير تام الختان كما هو الغالب في ذلك فتمم جده ختانه لكن ينازع فيه ما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم من كرامتي على ربي أني ولدت مختونا ولم ير أحد سوأتي أي لأجل الختان كما هو الظاهر إن صح كما قدمنا
وفي كلام بعضهم أن عيسى عليه الصلاة والسلام ختن بآلة وعلى صحته يجمع بنحو ماتقدم والظاهر أن المراد بالآلة التي ختن بها عيسى والتي ختن بها صلى الله عليه وسلم بناء على أن جده ختنه كانت بالآلة المعروفة التي هي الموسى وإلا لنقلت لأن ذلك مما تتوفر الدواعي على نقله
لايقال عدم وجود القلفة نقص من أصل الخلقة الإنسانية فقد قالوا في حكمة وجود العلقة السوداء التي هي حظ الشيطان فيه ولم يخلق بدونها بل خلق بها تكملة للخلق الإنساني لأنا نقول إنما لم يخلق بتلك القلفة ليحصل كمال الخلقة الإنسانية لأن هذه القلفة لما كانت تزال ولا بد من كل أحد مع ما يلزم على إزالتها من كشف العورة كان نقص الخلقة الإنسانية عنها عين الكمال بخلاف العلقة السوداء
وكره الحسن أن يختن الولد يوم السابع لأن فيه تشبيها باليهود أي لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما ختن ولده إسحق عليه الصلاة والسلام يوم سابع ولادته اتخذه بنو إسرائيل في ذلك اليوم سنة وختن ولده إسمعيل عليه الصلاة والسلام لثلاث عشرة سنة قال أبو العباس ابن تيمية فصار ختان إسمعيل عليه الصلاة والسلام أي في ذلك الوقت سنة في ولده يعنى العرب ويؤيده قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كانو لا يختنون الغلام حتى يدرك أي لأن الثلاثة عشر هي مظنة الإدراك ومن ثم لما سئل ابن عباس عن سنه حين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وأنا يومئذ مختون أي في أوائل زمن الختان والله أعلم
ولما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقع على الأرض مقبوضة أصابع يده يشير بالسبابة كالمسبح بها
أقول وفي رواية عن أمه أنها قالت لما خرج من بطني نظرت إليه فإذا هو ساجد قد رفع إصبعيه كالمتضرع المبتهل ولا مخالفة لجواز أن يراد بأصبعيه السبابتان من اليدين والله أعلم وفي سجوده إشارة إلى أن مبدأ أمره على القرب من الحضرة الإلهية
قال وروى ابن سعد أنه صلى الله عليه وسلم لما ولد وقع على يديه رافعا رأسه إلى السماء
وفي رواية وقع على كفيه وركتبيه شاخصا ببصره إلى السماء
أقول وفي رواية وقع جاثيا على ركبتيه ولا يخالف هذا ما سبق من أنها نظرت إليه فإذا هو ساجد لجواز أن يكون سجوده بعد رفع رأسه وشخوص بصره إلى السماء ولا مخالفة بين كونه وقع على الأرض مقبوضة أصابع يده ووقوعه على كفيه لجواز أن يكون قبض أصابعه ما عدا السبابة بعد ذلك ولا ينافيه قوله مقبوضة المنصوب على الحال لقرب زمنها من الوقوع على الأرض والإقتصار على الركبتين لا ينافى الجمع بينهما وبين الكفين
ورأيت في كلام بعضهم أنه صلى الله عليه وسلم ولد واضعا إحدى يديه على عينيه والأخرى على سوءتيه فليتأمل والله أعلم
وإلى رفع رأسه صلى الله عليه وسلم وشخوص بصره إلى السماء يشير صاحب الهمزية بقوله ** رافعا رأسه وفي ذلك الرف ** ع إلى كل سودد إيماء ** ** رامقا طرفه السماء ومرمى ** عين من شأنه العلو العلاء **
أي وضعته حال كونه رافعا رأسه إلى السماء وفي ذلك الرفع الذي هو أول فعل وقع منه بعد بروزه صلى الله عليه وسلم إلى هذا العالم إشارة إلى حصول كل رفعة وسيادة ووضعته حالة كونه رامقا ببصره إلى السماء وسر ذلك الإشارة إلى علو مرماه إذ مرمى عين الذي قصده ارتفاع مكانه الرفعة والشرف قال وقد روى أنه صلى الله عليه وسلم قبض قبضة من تراب وأهوى ساجدا فبلغ ذلك رجلا من بني لهب فقال لصاحبه لئن صدق هذا الفأل ليغلبن هذا المولود أهل الأرض أي لأنه قبض علهيا وصارت في يده والفأل بالهمز وبدونه يقال فيما يسر والنطير فيما يسوء فالفأل ضد الطيرة بكسر الطاء وقد جاء إني أتفاءل ولا أتطير وقيل له صلى الله عليه وسلم ما الفأل قال الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم وقال صلى الله عليه وسلم لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل الكلمة الحسنة والكلمة الطيبة وفي رواية وأحب الفأل الصالح
وفرق بعضهم بين الفأل والتفاؤل بأن الأول يكون في سماع الآدميين والثاني يكون في الطير بأسمائها وأصواتها وممرها وقوله لا عدوى معارض لما جاء أنه كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم إنا قد بايعناك فارجع فرجع
ولم يصافحه وجاء لا تديمو النظر للمجذومين وسيأتي الجواب عنه بما يحصل به الجمع بينه وبين ما جاء أنه أخذ بيد مجذوم فوضعها معه في القصعة وقال كل بسم الله عز وجل وتوكلا عليه وبنوا لهب بكسر اللام وسكون الهاء حي من الأزد أعلم الناس بالزجر أي زجر الطير والتفاؤل بها وبغيرها
فقد كان في الجاهلية إذا أراد الشخص أن يخرج لحاجة جاء إلى الطير وأزعجها عن أوكارها فإن مر الطائر على اليمين سمى سانحا واستبشر مريد الحاجة بقضائها وإن مر على اليسار سمى بارحا بالموحدة والراء والحاء المهملة وقعد مريد الحاجة عنها تفاؤلا بعدم قضائها أي وهذا ما فسر به إمامنا الشافعي الحديث الآتي أقروا الطير في مكامنها فعن سفيان بن عينية قال قلت للشافعي رضي الله تعالى عنه يا أبا عبدالله ما معنى هذا الحديث فقال علم العرب كان في زجر الطير كان الرجل منهم إذ أراد سفرا جاء إلى الطير في مكامنها فطيرها الحديث
ويحكى عن وائل بن حجر وكان زاجرا حسن الزجر أنه خرج يوما من عند زياد بالكوفة وهو الذي ألحقه معاوية بأبيه ابي سفيان وهو والد عبيد الله بن زياد الذي قاتل الحسين وكان أميرها المغيرة بن شعبة فرأى غرابا ينغق بالغين المعجمة أي يصيح فرجع إلى زياد وقال له هذا غراب برحلك من ههنا إلى خير فقدم رسول معاوية إلى زياد من يومه بولاية البصرة
وقد ذكر أن أبا ذؤيب الهذلي الشاعر كان مسلما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يجتمع به قال بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عليل ولما كان وقت السحر هتف بي هاتف وأنا نائم وهو يقول ** قبض النبي محمد فعيوننا ** تذري الدموع عليه بالتسجام **
قال فقمت من نومي فزعا فنظرت في السماء فلم أر إلا سعد الذابح فتفاءلت به وعلمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قبض فركبت ناقتي وحثتها حتى إذا كنت بالغابة زجرت الطير فأخبرني بوفاته صلى الله عليه وسلم فلما قدمت المدينة فإذا فيها ضجيج بالبكاء كضجيج الحاج فسألت فقيل لي قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مسجى وقد خلا به أهله وأبو هذيل هذا هو القائل ** أمن المنون وريبة تتوجع ** والدهر ليس بمعتب من يجزع ** **
وإذا المنية أنشبت أظفارها ** ألفيت كل تميمة لا تنفع ** ** وتجلدي للشامتين أريهم ** أني لريب الدهر لا أتضعضع ** ** والنفس راغبة إذا رغبتها ** وإذا ترد إلى قليل تقنع **
ومن زجر الطير ما حكاه بعضهم قال جاء أعرابي إلى دار القاضي أبي الحسين الأزدي المالكي فجاء غراب فقعد على نخلة في تلك الدار وصاح ثم طار فقال الأعرابي هذا الغراب يقول إن صاحب هذه الدار يموت بعد سبعة أيام فصاح الناس عليه وزجروه فقام وانصرف ففي سابع يوم مات هذا القاضي
وقد جاء النهى عن ذلك أي عن الزجر والطيرة في قوله صلى الله عليه وسلم أقروا الطير على مكامنها أي لا تزجروها وجاء الطير شرك وجاء من أرجعته الطيرة عن حاجته فقد أشرك أي حيث اعتقد أنها تؤثر وجاء إذا رأى أحدكم من الطيرة ما يكره فليقل اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك وفي رواية اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك ثم يمضى لحاجته وقد جاء لا عدوى ولا طيرة ولا هام وفي لفظ ولا هامة بالتخفيف زاد في رواية ولا صفر والهامة هو أنه كان أهل الجاهلية يزعمون أنه إذا قتل القتيل ولم يؤخذ بثأره يخرج له طائر يقول عند قبره اسقوني من دم قاتلي اسقوني من دم قاتلي ولا يزال يقول ذلك حتى يؤخذ بثأر القتيل كان العرب تسميه الهامة بالتخفيف وأما الهامة بالتشديد فواحدة الهوام وهي الحيات والعقارب وما شاكلها ومن ثم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في تعويذه للحسن والحسين أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة ثم يقول هكذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان يعوذ إسمعيل وإسحاق وقوله ولا صفر ذكر الإمام النووي أن المراد به حية صفراء تكون في جوف الإنسان إذا جاع تؤذيه كذا كانت العرب تزعم ذلك قال وهذا التفسير هوالصحيح الذي عليه عامة العلماء وقد ذكره مسلم عن جابر راوي الحديث فتعين إعتماده
وروى ابن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رأت أمي حين وضعتني سطع منها نور أضاءت له قصور بصرى وفي رواية أنها قالت لما وضعته خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب فأضاءت له قصور الشام وأسواقها حتى رأيت أعناق الإبل ببصرى
وفي الخصائص الصغرى ورأت أمه عند ولادته نورا خرج منها أضاء له قصور الشام وكذلك أمهات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يرين ولعل المراد يرين مطلق النور لا الذي تضيء من قصور الشام وقوله قصور الشام الخ ظاهر في أن المراد جميع الإقليم لا خصوص بصرى ولعل الإقتصار على بصرى في الروايات لكون النور كان بها أتم ومن ثم قالت حتى رأيت أعناق الإبل ببصرى أو رأت مرة وصول النور إلى بصرى خاصة ومرة جاوزها تأمل وإلى هذا النور يشير عمه العباس رضي الله تعالى عنه بقوله في قصيدته التي امتدح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم عند رجوعه صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك وقد قال له في مرجعه من تلك الغزوة يا رسول الله إني أريد أن أمتدحك فقال له رسول الله قل لا يفضض الله فاك فقال قصيدة منها ** وأنت لما ولدت أشرقت الأر ** ض وضاءت بنورك الأفق ** ** فنحن في ذلك الضياء وفي الن ** ور سبل الرشاد نخترق **
وإلى ذلك يشير صاحب الهمزية رحمه الله بقوله ** وتراءت قصور قيصر بالرو ** م يراها من داره البطحاء **
أي رؤيت قصوره ملك الروم في بلاد الروم يبصرها الذي داره بمكة قال وهذا ظاهر في أنها رأت ذلك النور يقظة وتقدم في حديث شداد أنها رأته مناما وقد تقدم الجمع أي وتقدم ما في ذلك الجمع
وذكر أن أم إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه رأت وهي حامل به أن النجم المسمى بالمشترى خرج من فرجها فوقع في مصر ثم وقع في كل بلدة منه شظية فتأول ذلك أصحاب تأويل الرؤيا بأنها تلد عالما يكون علمه بمصر أولا ثم ينتشر إلى سائر البلدان
وروى السهيلي على الواقدي أنه صلى الله عليه وسلم لما ولد تكلم فقال جلال ربي الرفيع وروى أن أول ما تكلم به لما ولدته أمه حين خروجه من بطنها الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا ولا مانع من أنه صلى الله عليه وسلم تكلم بكل ذلك والأولوية في الرواية الثانية إضافية لما لا يخفى
وقد وقع الإختلاف في وقت ولادته صلى الله عليه وسلم أي هل كان ليلا أو نهارا وعلى الثاني في أي وقت من ذلك النهار وفي شهره وفي عامه وفي محله فقيل ولد يوم الإثنين قال بعضهم لا خلاف فيه والله بل أخطأ من قال ولد يوم الجمعة أي
فعن قتادة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن يوم الإثنين فقال ذلك يوم ولدت فيه وذكر الزبير بن بكار والحافظ ابن عساكر أن ذلك كان حين طلوع الفجر ويدل له قول جده عبدالمطلب ولد لي الليلة مع الصبح مولود وعن سعيد بن المسيب ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إبهار النهار أي وسطه وكان ذلك اليوم لمضى اثني عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول أي وكان ذلك في فصل الربيع وقد أشار إلى ذلك بعضهم بقوله ** يقول لنا لسان الحال منه ** وقول الحق يعذب للسميع ** ** فوجهي والزمان وشهر وضعي ** ربيع في ربيع في ربيع **
قال وحكى الإجماع عليه وعليه العمل الآن أي في الأمصار خصوصا أهل مكة في زيارتهم موضع مولده صلى الله عليه وسلم وقيل لعشر ليال مضت من ربيع وصحح أي صححه الحافظ الدمياطي أي لأن الأول قال فيه ابن دحية ذكره ابن إسحاق مقطوعا دون إسناد وذلك لا يصح أصلا ولو أسنده ابن إسحاق لم يقبل منه لتجريح أهل العلم له فقد قال كل من ابن المديني وابن معين أن ابن إسحاق ليس بحجة ووصفه مالك رضي الله تعالى عنه بالكذب قيل وإنما طعن فيه مالك لأنه بلغه عنه أنه قال هاتوا حديث مالك فأنا طبيب بعلله فعند ذلك قال مالك وما ابن إسحاق إنما هو رجل من الدجاجلة أخرجناه من المدينة قال بعضهم وإبن إسحاق من جملة من يروى عنه شيخ مالك يحيى بن سعيد وقال بعضهم ابن إسحاق فقيه ثقة لكنه مدلس وقيل ولد لسبع عشرة ليلة خلت منه وقيل لثمان مضت منه قال ابن دحية وهو الذي لا يصح غيره وعليه أجمع أهل التاريخ
وقال القطب القسطلاني وهو إختيار أكثر أهل الحديث أي كالحميدي وشيخه ابن حزم وقيل لليلتين خلتا منه وبه جزم ابن عبدالبر وقيل لثمان عشرة ليلة خلت منه رواه ابن أبي شيبة وهو حديث معلول وقيل لإثنتي عشرة بقين منه وقيل لإثني عشرة وقيل لثمان ليال خلت من رمضان وصححه كثير من العلماء وهذا هو الموافق لما تقدم من أن أمه صلى الله عليه وسلم حملت به في أيام التشريق أو في يوم عاشوراء وأنه مكث في بطنها تسعة أشهر كوامل لكن قال بعضهم إن هذا القول غريب جدا ومستند قائله أنه أوحى إليه صلى الله عليه وسلم في رمضان فيكون مولده في
رمضان وعلى أنها حملت به في أيام التشريق الذي لم يذكروا غيره يعلم ما في بقية الأقوال قال وقيل ولد في صفر وقيل في ربيع الآخر وقيل في محرم وقيل في عاشوراء أي كما ولد عيسى عليه السلام وقيل لخمس بقين منه أي وذكر الذهبي أن القول بأنه ولد صلى الله عليه وسلم في عاشوراء من الإفك أي الكذب وفيه إن كان ذلك لأنه لا يجامع أنها حملت به صلى الله عليه وسلم في أيام التشريق وأنه مكث في بطنها تسعة أشهر كوامل لا يختص الإفك بهذا القول بل يأتي فيما عدا القول بأنه ولد في رمضان ثم رأيت بعضهم حكى أنه حمل في شهر رجب وحينئذ يصح القول المشهور ولادته في ربيع الأول
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ولد يوم الإثنين في ربيع الأول وأنزلت عليه النبوة يوم الإثنين في ربيع الأول وهاجر إلى المدينة يوم الإثنين في ربيع الأول وأنزلت عليه البقرة يوم الإثنين في ربيع الأول وتوفى يوم الإثنين في ربيع الأول قال بعضهم وهذا غريب جدا
وقيل لم يولد نهارا بل ولد ليلا فعن عثمان بن أبي العاص عن أمه رضي الله تعالى عنهما أنها شهدت ولادة النبي صلى الله عليه وسلم ليلا قالت فما شيء أنظر إليه من البيت إلا نورا وإني لأنظر إلى النجوم تدنو حتى إني لأقول لتقعن على قال ابن دحية وهو حديث مقطوع قال بعضهم ولا يصح عندي بوجه أنه ولد ليلا لقوله صلى الله عليه وسلم الثابت عنه بنقل العدل عن العدل أنه سئل عن صوم يوم الإثنين فقال فيه ولدت واليوم إنما هو النهار بنص القرآن وأيضا الصوم لا يكون إلا نهارا
وأفاد البدر الزركشي أن هذا الحديث أي المتقدم عن أم عثمان بن أبي العاص على تقدير صحته لا دلالة فيه على أنه ولد ليلا قال فإن زمان النبوة صالح للخوارق ويجوز أن تسقط النجوم نهارا أي فضلا عن أن تكاد تسقط سيما إن قلنا ولد عند الفجر لأن ذلك ملحق بالليل وإلى التردد في وقت ولادته صلى الله عليه وسلم هل هو في الليل أو النهار أشار صاحب الهمزية بقوله ** ليلة المولد الذي كان للد ** ين سرور بيومه وإزدهاء ** ** فهنيئا به لآمنة الفض ** ل الذي شرفت به حواء ** **
من لحواء أنها حملت أح ** مد أو أنها به نفساء ** ** يوم نالت بوضعه ابنة وهب ** من فخار مالم تنله النساء **
أي ليلة المولد الذي وجد فيه الفرح والإفتخار للدين بيومه وقد أضاف كلا من الليل واليوم للولادة مراعاة للخلاف في ذلك فهنيئا لآمنة الفضل الذي حصل لها بسبب ولادتها له صلى الله عليه وسلم أي لا يشوب ذلك الفضل كدر ولا مشقة الذي شرفت بذلك الفضل حواء التي هي أم البشر ومن يشفع لحواء في أنها حملت به وأنه أصابها نفاس به يوم أعطيت آمنة بنت وهب بسبب وضعه من الفخار وهو ما يتمدح به من الخصال العلية والشيم المرضية مالم يعطها غيرها من النساء
أي وقد أقسم الله بليلة مولده صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى { والضحى والليل } وقيل أراد بالليل ليلة الإسرى ولا مانع أن يكون الإقسام وقع بهما أي استعمل الليل فيهما ويدل لكون ولادته صلى الله عليه وسلم كانت ليلا قول بعض اليهود ممن عنده علم الكتاب لقريش هل ولد فيكم الليلة مولود قالوا لا نعلم قال ولد الليلة نبي هذه الأمة الأخيرة إلى آخر ما يأتي وسيأتي ما يدل على ذلك وهو وضعه تحت الجفنة
وولادته صلى الله عليه وسلم قيل كانت في عام الفيل قيل في يومه فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفيل وعن قيس ابن مخرمة ولدت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفيل ضحا فنحن لدتان قال الحافظ ابن حجر المحفوظ لفظ العام أي بدل لفظ اليوم وقد يراد باليوم مطلق الوقت فيصدق بالعام كما يقال يوم الفتح ويوم بدر وعليه فلدان معناه متقاربان في السن بالموحدة وعلى أن المراد باليوم حقيقته يكون بالنون
وفي تاريخ ابن حبان ولد عام الفيل في اليوم الذي بعث الله تعالى الطير الأبابيل فيه على أصحاب الفيل
وعند ابن سعد ولد يوم الفيل يعنى عام الفيل أي لما تقدم عن ابن حجر وعليه فيكون قول ابن حبان في اليوم تفسيرا للعام على أن المراد باليوم مطلق الوقت الصادق بالعام
وقيل ولد بعد الفيل بخمسين يوما كما ذهب إليه جمع منهم السهيلي قال بعضهم
وهو المشهور قال وقيل بخمسة وخمسين يوما وقيل بأربعين يوما وقيل بشهر وقيل بعشر سنين وقيل بثلاث وعشرين سنة وقيل بثلاثين سنة وقيل بأربعين سنة وقيل بسبعين سنة أي وعلى أنه بعد الفيل بخمسة وخمسين يوما اقتصر الحافظ الدمياطي رحمه الله وعبارة المواهب حكاه الدمياطي في آخرين وكونه في عام الفيل قال الحافظ ابن كثير هو المشهور عند الجمهور وقال إبراهيم بن المنذر شيخ البخاري رحمه الله لا يشك فيه أحد من العلماء ونقل غير واحد فيه الإجماع وقال كل قول يخالفه وهم أي وقيل قبل عام الفيل بخمس عشرة سنة قال بعضهم وهذا غريب منكر وضعيف أيضا
أقول والقول بأنه ولد قبل عام الفيل أو فيه أو بعده بعشر سنين يقتضى تضعيف ما ذكره الحافظ أبو سيعد النيسابورى أن نور النبي صلى الله عليه وسلم كان يضيء في غرة جده عبدالمطلب وكانت قريش إذا أصابها قحط أخذت بيد عبدالمطلب إلى جبل ثبير يستسقون به فيسقيهم الله تعالى ببركة ذلك النور وأنه لما قدم صاحب الفيل لهدم الكعبة لتكون كنيسته التي بناها ويقال إنها القليس كجميز لإرتفاع بنائها وعلوها ومنه القلانس لأنها في أعلى الرءوس مكان الكعبة في الحج إليها
وقد اجتهد أبرهة في زخرفتها فجعل فيها الرخام المجزع والحجارة المنقوشة بالذهب كان ينقل ذلك من قصر بلقيس صاحبة سليمان عليه السلام وجعل فيها صلبانا من الذهب والفضة ومنابر من العاج والآبنوس وشدد على عماله بحيث إذا طلعت الشمس قبل أن يأخذ العامل من عمله قطع يده فنام رجل منهم ذات يوم حتى طلعت الشمس فجاءت معه أمه وهي امرأة عجوز فتضرعت إليه في أن لا يقطع يد ولدها فأبى إلا قطع يده فقالت له اضرب بمعولك اليوم فاليوم لك وغدا لغيرك فقال لها ويحك ما قلت فقال نعم كما صار هذا الملك من غيرك إليك فكذلك يصير منك إلى غيرك فأخذته موعظتها فعفا عنه ورجع عن هذا الأمر فعند ذلك ركب عبدالمطلب في قريش إلى جبل ثبير فاستدار ذلك النور في وجه عبدالمطلب كالهلال وألقى شعاعه على البيت الحرام مثل السراج فلما نظر عبدالمطلب لذلك قال يا معشر قريش ارجعوا فقد كفيتم هذا الأمر فوالله ما استدار هذا النور مني إلا أن يكون الظفر لنا فرجعوا فلما دخل رسول صاحب الفيل إلى مكة ونظر إلى وجه عبدالمطلب خضع وتلجلج لسانه وخر مغشيا عليه
فكان يخور كما يخور الثور عند ذبحه فلما أفاق خر ساجدا لعبد المطلب أي فإن صاحب الفيل أمره أن يقول لقريش إن الملك إنما جاء لهدم البيت فإن لم تحولوا بينه وبينه لم يزد على هدمه وإن أحلتم بينه وبينه أتى عليكم فقال له عبد المطلب ما عندنا منعة ولا ندفع عن هذا البيت وله رب إن شاء منعه أي وفي لفظ قال عبدالمطلب والله ما نريد حربه وما لنا منه بذلك طاقة هذا بيت الله الحرام وبيت إبراهيم خليل الله فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه وإن لم يحل بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع عنه وأمر أبرهة رسوله أيضا أن يأتي له بسيد القوم فقال لعبدالمطلب قد أمرني أن آتيه بك فقال عبدالمطلب أفعل فجاءه راعي إبله وخيله وأخبره أن الحبشة أخذت الإبل والخيل التي كانت ترعى بذي المجاز
وفي سيرة ابن هشام بل وفي غالب السير الإقتصار على الإبل وأنها كانت مائتي بعير وقيل أربعمائة ناقة فركب عبد المطلب صحبة رسول صاحب الفيل وركب معه ولده الحارث فاستؤذن له على أبرهة أي قيل له أيها الملك هذا سيد قريش ببابك يستأذن عليك وهو صاحب عين مكة يعني زمزم وهو يطعم الناس بالسهل والوحوش في رءوس الجبال فاذن له فلما دخل ورآه أبرهة أجله وأكرمه عن أن يجلسه تحته وكره أن تراه الحبشة يجلسه على سرير ملكه فنزل عن سريره وأجلسه معه على البساط وقال لترجمانه اسأله عن حاجته فذكر إبله وخيله فذكر الترجمان له ذلك فقال للترجمان بلسان الحبشة قل له كنت أعجبتني إذ رأيتك ثم قد زهدت فيك إذ سألتني إبلا وخيلا وتركت أن تسأل عن البيت الذي هو عزك فقال له الترجمان ذلك فقال عبدالمطلب أنا رب الإبل والخيل التي سألتها الملك وأما البيت فله رب إن شاء أن يمنعه من الملك فقال أبرهة ما كان ليمنعه مني فرد عليه ما كان أخذ له وانصرف وأبرهة بلسان الحبشة الأبيض الوجه
ثم إن الفيل لما نظر إلى وجه عبدالمطلب برك كما ييرك البعير وخر ساجدا وأنطق الله سبحانه وتعالى الفيل فقال السلام على النور الذي في ظهرك يا عبدالمطلب
وفي كلام بعضهم أن أبرهة لما بلغه مجيء عبدالمطلب إليه أمر أن عبدالمطلب قبل دخوله عليه أن يذهب به إلى الفيلة ليراها ويرى الفيل العظيم وكان أبيض اللون
أقول رأيت أن ملك الصين كان في مربطه ألف فيل أبيض وكان مع الفرس في قتال أبي عبيد بن مسعود الثقفي أمير الجيش في خلافة الصديق أفيلة كثيرة عليها الجلاجل
وقدموا بين أيديهم فيلا عظيما أبيض وصارت خيول المسلمين كلما حملت وسمعت حس الجلاجل نفرت فأمر أبو عبيد المسلمين أن يقتلوا الفيلة فقتلوها عن آخرها وتقدم أبو عبيد لهذا الفيل العظيم الأبيض فضربه بالسيف فقطع زلومه فصاح الفيل صيحة هائلة وحمل على أبي عبيد فتخبطه برجله ووقف فوقه فقتله فحمل على الفيل شخص كان أبو عبيد أوصى أن يكون أميرا بعده فقتله ثم آخر حتى قتل سبعة من ثقيف كان قد نص أبو عبيد عليهم واحد بعد واحد وهذا من أغرب الإتفاقيات والله أعلم وإنما أرى عبدالمطلب الفيلة إرهابا له وتخويفا فإن العرب لم تكن تعرف الأفيال وكانت الأفيال كلها ما عدا الفيل الأعظم تسجد لأبرهة
وأما الفيل الأعظم فلم يسجد إلا للنجاشي فلما رأت الفيلة عبدالمطلب سجدت حتى الفيل الأعظم وقيل إن أبرهة لم يخرج إلا بالفيل الأعظم ولما بلغ أبرهة سجود الفيلة لعبد المطلب تطير ثم أمر بإدخال عبدالمطلب عليه فلما رآه ألقيت له الهيبة في قلبه فنزل عن سريره تعظيما لعبدالمطلب ثم رأيت العلامة ابن حجر في شرح الهمزية حاول الجواب عن هذا الذي تقدم عن الحافظ النيسابوري من أن النور إستدار في وجه عبدالمطلب إلى آخره أي قول الفيل السلام على النور الذي في ظهرك يا عبدالمطلب مع أن ولادته صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت يلزمها أن يكون النور انتقل من عبدالمطلب إلى عبدالله ثم انتقل من عبدالله إلى آمنة بأن النور وإن انتقل من عبدالمطلب لكن الله سبحانه وتعالى أكرم عبدالمطلب فأحدث ذلك النور في ظهره وفي وجهه وأطلع الفيل عليه هذا كلامه فليتأمل
وذكر بعضهم أن الفيل مع عظم خلقته صوته ضئيل أي ضعيف ويفرق أي يخاف من السنور الذي هو القط ويفزع منه
وفي المواهب والمشهور أنه صلى الله عليه وسلم ولد بعد الفيل لأن قصة الفيل كانت توطئة لنبوته ومقدمة لظهوره وبعثته هذا كلامه وفيه أنه قد يقال الإرهاصات إنما تكون بعد وجوده وقبل مبعثه الذي هو دعواه الرسالة لا قبل وجوده بالكلية الذي هو المراد بظهوره وحينئذ فقول القاضي البيضاوي إنها من الإرهاصات إذ روى أنها وقعت في السنة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أي بعد وجوده ومن ثم قال ابن القيم في الهدى إن مما جرت به عادة الله تعالى أن يقدم بين يدي الأمور العظيمة
مقدمات تكون كالمدخل لها فمن ذلك قصة مبعثه صلى الله عليه وسلم تقدمها قصة الفيل هذا كلامه
قال فلما شرع أبرهة في الذهاب إلى مكة وصل الفيل إلى أول الحرم والمواهب أسقط هذا وهو يوهم أنهم دخلوا مكة وأن الفيل برك دون البيت فليتأمل وعند وصوله إلى أول الحرم برك فصاروا يضربون رأسه ويدخلون الكلاليب في مراق بطنه فلا يقوم فوجهوا وجهه إلى جهة اليمن فقام يهرول وكذا إلى جهة الشام فعل ذلك مرارا فأمر أبرهة أن يسقى الفيل الخمر ليذهب تمييزه فسقوه فثبت على أمره
ويقال إنما برك لأن نفيل بن حبيب الخثعمي قام إلى جنب الفيل فعرك أذنه وقال ابرك محمودا وارجع راشدا من حيث جئت فإنك في بلد الله الحرام ثم أرسل أذنه فبرك
قال السهيلي رحمه الله الفيل لا يبرك فيحتمل أن يكون بروكه سقوطه على الأرض لما جاءه من أمر الله سبحانه ويحتمل أن يكون فعل البرك وهو الذي يلزم موضعه ولا يبرح فعبر بالبروك عن ذلك
قال وقد سمعت من يقول إن في الفيلة صنفا منها يبرك كما يبرك الجمل وعند ذلك أرسل الله سبحانه وتعالى عليهم الطير الأبابيل خرجت من البحر أمثال الخطاطيف ويقال إن حمام الحرم من نسل تلك الطير فأهلكتهم
وقد يقال إن هذا إشتباه لأن الذي قيل إنه من نسل الأبابيل إنما هو شيء يشبه الزرازير يكون بباب إبراهيم من الحرم وإلا فسيأتي أن حمام الحرم من نسل الحمام الذي عشش على فم الغار على ما سيأتي فيه وفي حياة الحيوان أن الطير الأبابيل تعشش وتفرخ بين السماء والأرض
ولما هلك صاحب الفيل وقومه عزت قريش وهابتهم الناس كلهم وقالوا أهل الله لأن الله معهم وفي لفظ لأن الله سبحانه وتعالى قاتل عنهم وكفاهم مؤنة عدوهم الذي لم يكن لسائر العرب بقتاله قدرة وغنموا أموال أصحاب الفيل أي ومن حينئذ مزقت الحبشة كل ممزق وخرب ما حول تلك الكنيسة التي بناها أبرهة فلم يعمرها أحد وكثرت حولها السباع والحيات ومردة الجن وكان كل من أراد أن يأخذ منها شيئا أصابته الجن واستمرت كذلك إلى زمن السفاح الذي هو أول خلفاء بني العباس
فذكر له أمرها فبعث إليها عامله على اليمن فخر بها وأخذ خشبها المرصع بالذهب والآلات المفضضة التي تساوي قناطير من الذهب فحصل له منها مال عظيم وحينئذ عفا رسمها وانقطع خبرها واندرست آثارها
وقد كان عبدالمطلب أمر قريشا أن تخرج من مكة وتكون في رءوس الجبال خوفا عليهم من المعرة وخرج هو وإياهم إلى ذلك بعد أن أخذ بحلقة باب الكعبة ومعه نفر من قريش يدعون الله سبحانه وتعالى ويستنصرونه على أبرهة وجنده وقال ** لاهم إن العبد يح ** ** مى رحله فامنع حلالك ** ** لا يغلبن صليبهم ** ومحالهم غدوا محالك **
أي فإنهم كانوا نصارى ولا هم أصله اللهم فإن العرب تحذف الألف واللام وتكتفي بما يبقى وكذلك تقول لاه أبوك تريد لله أبوك والحلال بكسر الحاء المهملة جمع حلة وهي البيوت المجتمعة والمحال بكسر الميم القوة والشدة والغدو بالغين المعجمة أصله الغد وهو اليوم الذي يأتي بعد يومك الذي أنت فيه ويقال إن عبدالمطلب جمع قومه وعقد راية وعسكر بمنى
وجمع ابن ظفر بينه وبين ما تقدم من أنه خرج مع قومه إلى رءوس الجبال بأنه يحتمل أنه أمر أن تكون الذرية في رءوس الجبال أي وخرج معهم تأنيسا لهم ثم رجع وجمع إليه المقاتلة أي ويؤيد ذلك قول المواهب ثم إن أبرهة أمر رجلا من قومه يهزم الجيش فلما وصل مكة ونظر إلى وجه عبد المطلب خضع إلى آخر ما تقدم فإسقاط المواهب كون قريش جيشت جيشا مع قومه ثم إن أبرهة أرسل رجلا من قومه ليهزم الجيش لا يحسن ثم ركب عبدالمطلب لما استبطأ مجىء القوم إلى مكة ينظر ما الخبر فوجدهم قد هلكوا أي غالبهم وذهب غالب من بقى فاحتمل ما شاء من صفراء وبيضاء ثم آذن أي أعلم أهل مكة بهلاك القوم فخرجوا فانتبهوا
وفي كلام سبط ابن الجوزي وسبب غنى عثمان بن عفان أن أباه عفان وعبدالمطلب وأبا مسعود الثقفي لما هلك أبرهة وقومه كانوا أول من نزل مخيم الحبشة فأخذوا من أموال أبرهة وأصحابه شيئا كثيرا ودفنوه عن قريش فكانوا أغنى قريش وأكثرهم مالا ولما مات عفان ورثه عثمان رضي الله تعالى عنه
أي ومن جملة من سلم من قوم أبرهة ولم يذهب بل بقى بمكة سائس الفيل وقائده
فعن عائشة رضي الله تعالى عنها أدركت قائد الفيل وسائسه بمكة أعميين مقعدين يستطعمان الناس
وأورد على هذا أن الحجاج خرب الكعبة بضرب المنجنيق ولم يصبه شيء
ويجاب بأن الحجاج لم يجيء لهدم الكعبة ولا لتخربها ولم يقصد ذلك وإنما قصد التضييق على عبدالله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما ليسلم نفسه وهذا أولى من جواب المواهب كما لا يخفى والله أعلم
وكان مولده صلى الله عليه وسلم بمكة في الدار التي صارت تدعى لمحمد بن يوسف أخي الحجاج أي وكانت قبل ذلك لعقيل بن أبي طالب ولم تزل بيد أولاده بعد وفاته إلى أن باعوها لمحمد بن يوسف أخي الحجاج بمائة ألف دينار قاله الفاكهي أي فأدخلها في داره وسماها البيضاء أي لأنها بنيت بالجص ثم طليت به فكانت كلها بيضاء وصارت تعرف بدار ابن يوسف لكن سيأتي في فتح مكة أنه قيل له صلى الله عليه وسلم يا رسول الله تنزل في الدور قال هل ترك لنا عقيل من رباع أو دور فإن هذا السياق يدل على أن عقيلا باع تلك الدار فلم يبق بيده ولا بيد أولاده بعده إلا أن يقال المراد باع ما عدا هذه الدار التي هي مولده صلى الله عليه وسلم أي لأنه كما سيأتي في الفتح باع دار أبيه أبي طالب لأنه وطالبا أخاه ورثا أبا طالب لأنهما كانا كافرين عند موت أبي طالب دون جعفر وعلي رضي الله تعالى عنهما فإنهما كانا مسلمين وعقيل أسلم بعد دون طالب فإن طالبا اختطفته الجن ولم يعلم به وإن عقيلا باع دار رسول الله صلى الله عليه وسلم التي هي دار خديجة أي التي يقال لها مولد فاطمة رضي الله تعالى عنها وهي الآن مسجد يصلى فيه بناه معاوية رضي الله تعالى عنه أيام خلافته قيل وهو أفضل موضع بمكة بعد المسجد الحرام أي واشتهر بمولد فاطمة رضي الله تعالى عنها لشرفها وإلا فهو مولد بقية إخوتها من خديجة ولعل معاوية رضي الله تعالى عنه اشترى تلك الدار ممن اشتراها من عقيل
ويدل لما قلناه قول بعضهم لم يتعرض صلى الله عليه وسلم عند فتح مكة لتلك الدار التي أبقاها في يد عقيل أي التي هي دار خديجة فإنه لم يزل بها صلى الله عليه وسلم حتى هاجر فأخذها عقيل
وفي كلام بعضهم لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة ضرب مخيمه بالحجون
فقيل له ألا تنزل منزلك من الشعب فقال وهل ترك لنا عقيل منزلا وكان عقيل قد باع منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنازل إخوته حين هاجروا من مكة ومنزل كل من هاجر من بني هاشم
وفي كلام بعضهم كان عقيل تخلف عنهم في الإسلام والهجرة فإنه أسلم عام الحديبية التي هي السنة السادسة وباع دورهم فلم يرجع النبي صلى الله عليه وسلم في شيء منها وهي أي تلك الدار التي ولد بها صلى الله عليه وسلم عند الصفا قد بنتها زبيدة زوجة الرشيد أم الأمين لما حجت
وفي كلام ابن دحية أين الخيزران أم هرون الرشيد لما حجت أخرجت تلك الدار من دار ابن يوسف وجعلتها مسجدا ويجوز أن تكون زبيدة جددت ذلك المسجد الذي بنته الخيزران فنسب لكل منهما وسيأتي أن الخيزران بنت دار الأرقم مسجدا وهي عند الصفا أيضا ولعل الأمر التبس على بعض الرواة لأن كل منهما عند الصفا وقيل ولد صلى الله عليه وسلم في شعب بني هاشم
أقول قد يقال لا مخافة لأنه يجوز أن تكون تلك الدار من شعب بني هاشم ثم رأيت التصريح بذلك ولا ينافيه ما تقدم في الكلام على الحمل من أن شعب أبي طالب وهو من جملة بني هاشم كان عند الحجون لأنه يجوز أن يكون أبو طالب انفرد عنهم بذلك الشعب والله أعلم
قال وقيل ولد صلى الله عليه وسلم في الردم أي ردم بني جمح وهم بطن من قريش ونسب لبني جمح لأنه ردم على من قتلوا في الجاهلية من بني الحارث فقد وقع بين بني جمح وبين بني الحارث في الجاهلية مقتلة وكان الظفر فيهما لبني جمح على بني الحارث فقتلوا منهم جمعا كثيرا وردم على تلك القتلى بذلك المحل وقيل ولد بعسفان انتهى
أقول مما يرد القول بكونه ولد بعسفان ما ذكره بعض فقهائنا أن من جملة ما يجب على الولى أن يعلم موليه إذا ميز أنه صلى الله عليه وسلم ولد بمكة ودفن بالمدينة إلا أن يقال ذاك بناء على ما هوالأصح عندهم والردم هو المحل الذي كانت ترى منه الكعبة قبل الآن ويقال له الآن المدعى لأنه يؤتى فيه بالدعاء الذي يقال عند رؤية الكعبة ولم أقف على أنه صلى الله عليه وسلم وقف به ولعله لم يكن مرتفعا في زمنه صلى الله
عليه وسلم لأنه إنما رفعه وبناه سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه في خلافته لما جاء السيل العظيم الذي يقال له سيل أم نهشل وهي بنت عبيدة بن سعيد بن العاص فإنه أخذها وألقاها أسفل مكة فوجدت هناك ميتة ونقل المقام إلى أن ألقاه بأسفل مكة أيضا فجيء به وجعل عند الكعبة وكوتب عمر رضي الله عنه بذلك فحضر وهو فزع مرعوب ودخل مكة معتمرا فوجد محل المقام دثر وصار لا يعرف فهاله ذلك ثم قال أنشد الله عبدا عنده علم من محل هذا المقام فقال المطلب بن رفاعة رضي الله تعالى عنه أنا يا أمير المؤمنين عندي علم بذلك فقد كنت أخشى عليه مثل ذلك فأخذت قدره من موضعه إلى باب الحجر ومن موضعه إلى زمزم بحفاظ فقال له اجلس عندي وأرسل فارسل فجىء بذلك الحفاظ فقيس به ووضع المقام بمحله الآن وأحكم ذلك واستمر إلى الآن فعند ذلك بني هذا المحل الذي يقال له الردم بالصخرات العظيمة ورفعه فصار لا يعلوه السيل وصارت الكعبة تشاهد منه والآن قد حالت الأبنية فصارت لا ترى ومع ذلك لا بأس بالوقوف عنده والدعاء فيه تبركا بمن سلف ولعل هذا محمل قول من قال أول من نقل المقام إلى محله وكان ملصقا بالكعبة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فلا ينافى أن الناقل له هو صلى الله عليه وسلم كما سيأتي لكن رأيت ابن كثير قال وقد كان هذا الحجر أي الذي هو المقام ملصقا بباب الكعبة على ما كان عليه من قديم الزمان إلى أيام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فأخره عنه لئلا يشغل المصلين عنده الطائفون بالبيت هذا كلامه
وقوله من قديم الزمان ظاهره من عهد إبراهيم على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام فليتأمل
وعن كعب الأحبار إني أجد في التوراة عبدي أحمد المختار مولده بمكة أي وهو ظاهر في أن كعب الأحبار كان قبل الإسلام على دين اليهودية
وقال وعن عبدالرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه عن أمه الشفاء أي بكسر الشين المعجمة وتخفيف الفاء وقيل بفتحها وتشديد الفاء مقصورا قالت لما ولدت آمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقع على يدي أي فهي دايته صلى الله عليه وسلم ووقع في كلام ابن دحية أن أم أيمن دايته صلى الله عليه وسلم
وقد يقال إطلاق الداية على أم أيمن لأنها قامت بخدمته صلى الله عليه وسلم ومن ثم قيل لها حاضنته وللشفاء قابلته
وقد قيل في اسم الوالدة والقابلة الأمن والشفاء وفي اسم الحاضنة البركة والنماء وفي اسم مرضعته أولا التي هي ثويبة الثواب وفي اسم مرضعته المستقلة برضاعه التي هي حليمة السعدية الحلم والسعد قالت أم عبدالرحمن فاستهل فسمعت قائلا يقول يرحمك الله تعالى أو رحمك ربك أي أو يرحمك ربك ولهذا القول الذي لا يقال إلا عند العطاس أي الذي هو التشميت بالشين المعجمة والمهملة حمل بعضهم الإستهلال الذي هو في المشهور صياح المولود أول ما يولد يقال استهل المولود إذا رفع صوته على العطاس مع الإعتراف بأنه لم يجيء في شيء من الأحاديث تصريح بأنه صلى الله عليه وسلم لما ولد عطس انتهى أي فقد قال الحافظ السيوطي لم أقف في شيء من الأحاديث يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لما ولد عطس بعد مراجعة أحاديث المولد من مظانها أي وعطس بفتح الطاء يعطس بالكسر والضم وحكى الفتح ولعله من تداخل اللغتين لكن في الجامع الصغير إستهلال الصبي العطاس وحينئذ يكون إستهلال المولود له معنيان هما مجرد رفع الصوت والعطاس وحمل هنا على العطاس بقرينة الجواب الذي لا يقال إلا عند العطاس وقد أشار إلى التشميت صاحب الهمزية رحمه الله بقوله ** شمتته الأملاك إذ وضعته ** وشفتنا بقولها الشفاء **
أي قالت له الأملاك رحمك الله أو رحمك ربك وقت وضع أمه له وفرحتنا بقولها المذكور الشفا التي هي أم عبدالرحمن بن عوف
أقول قال بعضهم ولعله صلى الله عليه وسلم حمد الله بعد عطاسه لما استقر من شرعة الشريف أنه لا يسن التشميت إلا لمن حمد الله تعالى هذا كلامه ويدل لما ترجاه ما تقدم انه صلى الله عليه وسلم حين خروجه من بطن أمه قال الحمد لله كثيرا
وفي كلام بعض شراح الهمزية ويجوز أن يكون شمت من غير حمد تعظيما لقدره صلى الله عليه وسلم وقد جاء العاطس إن حمد الله تعالى فشمتوه وإن لم يحمد فلا تشمتوه وجاء إذا عطس فحمد الله تعالى فحق على كل من سمعه أن يشمته وفي الصحيح أن رجلا عطس عند النبي صلى الله عليه وسلم وحمد الله فشمته وعطس آخر فلم يحمد الله فلم يشمته وفي حديث حسن إذا عطس أحدكم فليشمته جليسه فإذا زاد على ثلاث فهو مزكوم فلا يشمت بعد ثلاث وتمسك بذلك أي بالأمر بالتشميت بصيغة افعل التي الأصل فيها الوجوب وبقوله حتى أهل الظاهر على وجوب التشميت على كل من سمع
وذهب بعض الأئمة إلى وجوبه على الكفاية وهو منقول عن مشهور مذهب مالك رضي الله تعالى عنه أي وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ليس على إبليس أشد من تشميت العاطس
وعن سالم بن عبيدالله الأشجعي وكان من أهل الصفة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عطس أحدكم فليحمد الله عز وجل وليقل من عنده يرحمك الله وليرد عليه بقوله يغفر الله لي ولكم
ومن لطيف ما اتفق أن الخليفة المنصور وشيء عنده ببعض عماله فلما حضر عنده عطس المنصور فلم يشمته ذلك العامل فقال له المنصور ما منعك من التشميت فقال إنك لم تحمد الله فقال حمدت في نفسي فقال قد شمتك في نفسي فقال له ارجع إلى عملك فإنك إذا لم تحابني لا تحابى غيري
قال بعضهم والحكمة في قول العاطس ما ذكر أنه ربما كان العطاس سببا لإلتواء عنقه فيحمد الله على معافاته من ذلك وقال غيره لأن الأذى وهي الأبخرة المحتقنة تندفع به عن الدماغ الذي فيه قوة التذكر والتفكر أي فهو بحران الرأس كما أن العرق بحران بدن المريض وذلك نعمة جليلة وفائدة عظيمة ينبغي أن يحمد الله تعالى عليها أي ولأن الأطباء كما زعمه بعضه نصوا على أن العطاس من أنواع الصرع أعاذنا الله تعالى من الصرع وقد ينازع فيه ما تقدم وما ذكره بعض الأطباء أن العطاس للدماغ كالسعال للرئة
قال والعطاس أنفع الأشياء لتخفيف الرأس وهو مما يعين على نقص المواد المحتبسة ويسكن ثقل الرأس فيحصل منه النشاط والخفة
وفي نوادر الأصول للترمذي قال صلى الله عليه وسلم هذا جبريل يخبركم عن الله تعالى ما من مؤمن يعطس ثلاث عطسات متواليات إلا كان الإيمان في قلبه ثابتا
وفي الجامع الصغير إن الله تعالى يحب العطاس ويكره التثاؤب والعطسة الشديدة من الشيطان وفي الحديث العطاس شاهد عدل وفي حديث حسن أصدق الحديث ما عطس عنده
وقد جاء أن روح آدم عليه السلام لما نزلت إلى خياشيمه عطس فلما نزلت إلى فمه ولسانه قال الله تعالى له قل الحمد لله رب العالمين فقالها آدم عليه السلام فقال الحق
يرحمك الله يا آدم ولذلك خلقتك وفي رواية وللرحمة خلقتك أي للموت
وقد روى الترمذي مرفوعا بسند ضعيف العطاس والنعاس والتثاؤب في الصلاة من الشيطان وروى ابن أبي شيبة موقوفا بسند ضعيف أيضا إن الله يكره التثاؤب ويحب العطاس في الصلاة أي فمع كون كل واحد من العطاس والتثاؤب في الصلاة من الشيطان العطاس فيها أحب إلى الله تعالى من التثاؤب فيها والتثاؤب فيها أكره إلى الله تعالى من العطاس فيها لأن الكراهة مقولة بالتشكيك
ويمكن حمل كون العطاس من الشيطان على شدته ورفع الصوت به كما تقدم التقييد بذلك من الرواية السابقة ومن ثم جاء إذا عطس أحدكم أي هم بالعطاس فليضع كفيه على وجهه وليخفض صوته أي ولا ينافى وجود الشفاء ووجود أم عثمان بن العاص عند أمه صلى الله عليه وسلم عند ولادته ما روى عنها أنها قالت لما أخذني ما يأخذ النساء أي عند الولادة وإني لوحيدة في المنزل رأيت نسوة كالنخل طولا كأنهن من بنات عبد مناف يحدقن بي وفي كلام ابن المحدث ودخل على نساء طوال كأنهن من بنات عبدالمطلب ما رأيت أضوأ منهن وجوها وكأن واحدة من النساء تقدمت إلي فاستندت إليها وأخذني المخاض واشتد علي الطلق وكأن واحدة منهن تقدمت إلي وناولتني شربة من الماء أشد بياضا من اللبن وأبرد من الثلج وأحلى من الشهد فقالت لي اشربي فشربت ثم قالت الثالثة ازدادي فازددت ثم مسحت بيدها على بطني وقالت بسم الله اخرج بإذن الله تعالى فقلن لي أي تلك النسوة ونحن آسية أمرأة فرعون ومريم ابنة عمران وهؤلاء من الحور العين لجواز وجود الشفاء أم عثمان عندها بعد ذلك وتأخر خروجه صلى الله عليه وسلم عن القول المذكور حتى نزل على يد الشفاء لما تقدم من قولها وقع على يدي ولعل حكمة شهود آسية ومريم لولادته كونهما تصيران زوجتين له صلى الله عليه وسلم في الجنة مع كلثم أخت موسى
ففي الجامع الصغير إن الله تعالى زوجني في الجنة مريم بنت عمران وإمرأة فرعون وأخت موسى وسيأتى عند موت خديجة أنه صلى الله عليه وسلم قال لها أشعرت أن الله تعالى قد أعلمني أنه سيزوجني وفي رواية أما علمت أن الله تعالى قد زوجني معك في الجنة مريم ابنة عمران وكلثم أخت موسى وآسية امرأة فرعون فقالت ألله أعلمك بهذا قال نعم قالت بالرفاء والبنين وقد حمى الله هؤلاء النسوة عن أن يطأهن أحد
فقد ذكر أن آسية لما ذكرت لفرعون أحب أن يتزوجها فتزوجها على كره منها ومن أبيها مع بذله لها الأموال الجليلة فلما زفت له وهم بها أخذه الله عنها وكان ذلك حاله معها وكان قد رضى منها بالنظر إليها
وأما مريم فقيل إنها تزوجت بإبن عمها يوسف النجار ولم يقربها وإنما تزوجها ليرفقها إلى مصر لما أرادت الذهاب إلى مصر بولدها عليه السلام وأقاموا بها إثنتي عشرة سنة ثم عادت مريم وولدها إلى الشام ونزلا الناصرة
وأخت موسى عليه الصلاة والسلام لم يذكر أنها تزوجت وهذا يفيد أن بنات عبد مناف أو بنات عبدالمطلب على ما تقدم كن متميزات عن غيرهن من النساء في إفراط الطول
وقد رأيت أن علي بن عبدالله بن عباس وهو جد الخليفتين السفاح والمنصور أول خلفاء بني العباس أبو أبيهما محمد كان مفرطا في الطور كان إذا طاف كان الناس حوله وهو راكب وكان مع هذا الطول إلى منكب أبيه عبدالله بن عباس وكان عبدالله أبن عباس إلى منكب أبيه العباس وكان العباس إلى منكب أبيه عبد المطلب
لكن ابن الجوزي اقتصر في ذكر الطوال على عمر بن الخطاب والزبير بن العوام وقيس بن سعد وحبيب بن سلمة وعلى بن عبدالله بن العباس وسكت عن عبدالله ابن عباس وعن أبيه العباس وعن أبيه عبد المطلب
وفي المواهب أن العباس كان معتدلا وقيل كان طوالا ورأيت أن عليا هذا جد الخلفاء العباسيين كان على غاية من العبادة والزهادة والعلم والعمل وحسن الشكل حتى قيل إنه كان أجمل شريف على وجه الأرض وكان يصلى في كل ليلة ألف ركعة ولذلك كان يدعى السجاد وأن سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه هو الذي سماه عليا وكناه أبا الحسن
فقد روى أن عليا رضي الله تعالى عنه افتقد عبدالله بن عباس رضي الله تعالى عنهما في وقت صلاة الظهر فقال لأصحابه ما بال أبي العباس يعني عبدالله لم يحضر فقالوا ولد له مولود فلما صلى علي كرم الله وجهه قال امضوا بنا إليه فأتاه فهنأه فقال شكرت الواهب وبورك لك في الموهوب زاد بعضه ورزقت بره وبلغ أشده ما سميته قال أو يجوز لي أن أسميه حتى تسميه فأمر به فأخرج إليه
فأخذه فحنكه ودعا له ثم رده إليه وقال خذه إليك أبا الأملاك قد سميته عليا وكنيته أبا الحسن فلما ولى معاوية الخلافة قال لإبن عباس ليس لكم إسمه ولا كنيته يعنى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه كراهة في ذلك وقد كنيته أبا محمد فجرت عليه
وقد يخالف ذلك ما ذكر بعضهم أن عليا المذكور لما قدم على عبدالملك بن مروان قال له غير إسمك او كنيتك فلا صبر لي على إسمك وهو على وكنيتك وهي أبو الحسن قال أما الإسم فلا أغيره وأما الكنية فأكتنى بأبي محمد وإنما قال عبدالملك ذلك كراهة في إسم علي بن أبي طالب وكنيته
وعلى هذا دخل هو وولدا ولده محمد وهما السفاح والمنصور وهما صغيران يوما على هشام بن عبدالملك بن مروان وهو خليفة فأكرمه هشام فصار يوصيه عليهما ويقول له سيليان هذا الأمر يعنى الخلافة فصار هشام يتعجب من سلامة باطنه وينسبه في ذلك إلى الحمق ويقال إن الوليد بن عبدالملك أي لما ولى الخلافة وبلغه عنه أنه يقول ذلك ضربه بالسياط على قوله المذكور وأركبه بعيرا وجعل وجهه مما يلى ذنب البعير وصائح يصيح عليه هذا علي بن عبدالله بن عباس الكذاب قال بعضهم فأتيته وقلت له ما هذا الذي يسنده إليك من الكذب قال بلغهم عني أني أقول إن هذا الأمر يعنى الخلافة ستكون في ولدي والله لتكونن فيهم فكان الأمر على ما ذكر فقد ولى السفاح الخلافة ثم المنصور
وفي دلائل النبوة للبيهقي أن عبدالله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قدم على معاوية رضي الله تعالى عنه فأجازه وأحسن جائزته ثم قال ياأبا العباس هل تكون لكم دولة قال أعفني يا أمير المؤمنين قال لتخبرني قال نعم قال فمن أنصاركم قال أهل خراسان أي وهو أبو مسلم الخراساني يجيء بجيشه معه رايات سود يسلب دولة بني أمية ويجعل الدولة لبني العباس يقال إن أبا مسلم هذا قتل ستمائة ألف رجل صبرا غير الذي قتله في الحروب وهذا الرايات السود غير التي عناها صلى الله عليه وسلم بقوله إذا رأيتم الرايات السود قد جاءت من قبل خراسان فأتوها فإن فيها خليفة الله المهدي فإن تلك الرايات تأتى قبيل قيام الساعة ثم صارت الخلافة في أولاد المنصور وقول على في ولدي واضح لأن ولد الولد ولد
وقد حكى في مرآة الزمان عن المأمون أنه قال حدثني أبي يعنى هرون الرشيد
عن أبيه المهدي عن أبيه المنصور عن أبيه محمد بن علي عن أبيه علي عن أبيه عبدالله بن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال سيد القوم خادمهم وذكر أنه مما يؤثر عن المأمون أنه كان يقول استخدام الرجل ضيفه لؤم
وكان يقول لو عرف الناس حبى للعفو لتقربوا إلي بالجرائم وإني أخاف أني لا أوجر على العفو أي لأنه صار لي طبيعة وسجية
قالت أمه صلى الله عليه وسلم ورأيت ثلاثة أعلام مضروبات علما بالمشرق وعلما بالمغرب وعلما على ظهر الكعبة والله أعلم
ولما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وضعت عليه جفنة بفتحح الجيم فانفلقت عنه فلقتين قال وهذا مما يؤيد أنه صلى الله عليه وسلم ولد ليلا فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال كان في عهد الجاهلية إذا ولد لهم مولود من تحت الليل وضعوه تحت الإناء لا ينظرون إليه حتى يصبحوا فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وضعوه تحت برمة زاد في لفظ ضخمة والبرمة القدر فلما أصبحوا أتو البرمة فإذا هي قد انفلقت ثنتين وعيناه إلى السماء فتعجبوا من ذلك
وعن أمه أنها قالت فوضعت عليه الإناء فوجدته قد تفلق الإناء عنه وهو يمص إبهامه يشخب أي يسيل لبنا
أي وفي العرائس أن فرعون لما أمر بذبح أبناء بني إسرائيل جعلت المرأة أي بعض النساء كما لا يخفى إذا ولدت الغلام انطلقت به سرا إلى واد أو غار فأخفته فيه فيقبض الله سبحانه وتعالى له ملكا من الملائكة يطعمه ويسقيه حتى يختلط بالناس وكان الذي أتى السامري لما جعلته أمه في غار من الملائكة جبريل عليه الصلاة والسلام فكان أي السامري يمص من إحدى إبهاميه سمنا ومن الأخرى عسلا ومن ثم إذا جاع المرضع يمص إبهامه فيروى من المص قد جعل الله له فيه رزقا والسامري هذا كان منافقا يظهر الإسلام لموسى عليه الصلاة والسلام ويخفى الكفر
وفي رواية أن عبدالمطلب هو الذي دفعه لنسوة ليضعوه تحت الإناء
أقول هذا هو الموافق لما سيأتي عن إبن إسحاق من أن أمه صلى الله عليه وسلم لما ولدته أرسلت إلى جده أي وكان يطوف بالبيت تلك الليلة فجاء إليها أي فقالت له يا أبا الحارث ولد لك مولود له أمر عجيب فذعر عبدالمطلب وقال أليس بشرا
سويا فقالت نعم ولكن سقط ساجدا ثم رفع رأسه وأصبعيه إلى السماء فأخرجته له ونظر إليه وأخذه ودخل به الكعبة ثم خرج فدفعه إليها وبه يظهر التوقف في قول ابن دريد أكفئت عليه جفنة لئلا يراه أحد قبل جده فجاء جده والجفنة قد أنفلقت عنه إلا أن يقال يجوز أن يكون جده أخذه بعد إنفلاق الجفنة ثم دخل به الكعبة ثم بعد خروجه به من الكعبة دفعه له وللنسوة ليضعوه تحت جفنة أخرى إلى أن يصبح فأنفلقت تلك الجفنة الأخرى حتى لا ينافى ذلك ما تقدم عن أمه فوجدت الإناء قد تفلق وهو يمص إبهامه
وعن إياس الذي يضرب به المثل في الذكاء قال أذكر الليلة التي وضعت فيها وضعت أمي على رأسي جفنة وقال لأمه ما شيء سمعته لما ولدت قالت يا بني طست سقط من فوق الدار إلى أسفل ففزعت فولدتك تلك الساعة
وقال بعضهم يولد في كل مائة سنة رجل تام العقل وإن إياسا منهم ولعل هذا هو المراد بما جاء في الحديث يبعث الله على رأس كل ما ئة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها والمراد برأسها آخرها بأن يدرك أوائل المائة التي تليها بأن تنقضى تلك المائة وهو حي إلا أني لم أقف على أن إياسا هذا كان من المجددين والله أعلم
وفي تفسير ابن مخلد الذي قال في حقه ابن حزم ما صنف مثله أصلا أن إبليس رن أي صوت بحزن وكآبة أربع رنات رنة حين لعن ورنة حين أهبط ورنة حين ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم أي وهو المراد بقول بعضهم يوم بعثه ورنة حين أنزلت عليه صلى الله عليه وسلم فاتحة الكتاب وإلى رنته حين ولادته صلى الله عليه وسلم أشار صاحب الأصل بقوله ** لمولده قد رن إبليس رنة ** فسحقا له ماذا يفيد رنينه **
وعن عطاء الخراساني لما نزل قوله تعالى { ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما } صرخ إبليس صرخة عظيمة اجتمع إليه فيها جنوده من أقطار الأرض قائلين ما هذه الصرخة التي أفزعتنا قال أمر نزل بي لم ينزل قط أعظم منه قالوا وما هو فتلا عليهم الآية وقال لهم فهل عندكم من حيلة قالوا ما عندنا من حيلة فقال اطلبوا فإني سأطلب قال فلبثوا ما شاء الله ثم صرخ أخرى فاجتمعوا إليه وقالوا ما هذه الصرخة التي لم نسمع منك مثلها إلا التي قبلها قال هل وجدتم
شيئا قالوا لا قال لكني قد وجدت قالوا وما الذي وجدت قال أزين لهم البدع التي يتخذونها دينا ثم لا يستغفرون أي لأن صاحب البدعة يراها بجهله حقا وصوابا ولا يراها ذنبا حتى يستغفر الله منها
وقد جاء في الحديث أبي الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى بدع بدعته أي لا يثيبه على عمله ما دام متلبسا بتلك البدعة
وعن الحسن قال بلغني أن إبليس قال سولت لأمة محمد صلى الله عليه وسلم المعاصي فقطعوا ظهرى بالإستغفار فسولت لهم ذنوبا لا يستغفرون الله منها وهي الأهواء أي البدع
وقد جاء في الحديث أخاف على أمتي بعدي ثلاثا ضلالة الأهواء الحديث أهل الأهواء هم أهل البدع
وعن عكرمة أن إبليس لما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأى تساقط النجوم قال أي لجنوده لقد ولد الليلة ولد يفسد علينا أمرنا وهذا يدل على أن تساقط النجوم كان عند إبليس علامة على وجود نبينا صلى الله عليه وسلم فقال له جنوده لو ذهبت إليه فخبلته فلما دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الله جبريل عليه الصلاة والسلام فركضه برجله ركضة وقع بعدن وكون تساقط النجوم كان عند إبليس علامة على وجود نبينا صلى الله عليه وسلم مشكل مع قول بعضهم لما رجمت الشياطين ومنعت من مقاعدها في السماء لإستراق السمع شكوا ذلك لإبليس فقال لهم هذا أمر حدث في الأرض وأمرهم أن يأتوه بتربة من كل أرض فصر يشمها إلى أن أتى بتربة من أرض تهامة فلما شمها قال من ههنا الحدث هكذا ساقه بعضهم عند ولادته صلى الله عليه وسلم إلا أن يقال لا إشكال لأن تساقط النجوم وإن كان علامة وجود نبينا صلى الله عليه وسلم لكن في أي أرض على أن بعضهم أنكر كون ما ذكر كان عند الولادة وقد تقدم أن المذكور في كلام غيره إنما هو عند مبعثه صلى الله عليه وسلم كما سيأتي ولعله من خلط بعض الرواة
وعبارة بعضهم روى أن الشياطين كانت تصعد إلى السماء ثم تجاوز سماء الدنيا إلى غيرها فلما ولد عيسى عليه الصلاة والسلام منعوا من مجاوزة سماء الدنيا وصاروا يسترقون السمع في سماء الدنيا حتى ولد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فمنعوا من التردد
إلى السماء إلا قليلا أي فصاروا يسترقون السمع في سماء الدنيا في بعض الأحايين وفي أكثر الأحايين يسترقون دونها حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم فمنعوا أصلا فصاروا لا يسترقون السمع إلا دون سماء الدنيا ثم رأيتني نقلت في الكوكب المنير في مولد البشير النذير عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الشياطين كانوا لا يحجبون عن السموات وكانوا يدخلونها ويأتون بأخبارها مما سيقع في الأرض فيلقونها على الكهنة فلما ولد عيسى عليه الصلاة والسلام حجبوا عن ثلاث سموات وعن وهب عن أربع سموات ولما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم حجبوا عن الكل وحرست بالشهب فما يريد أحد منهم إستراق السمع إلا رمى بشهاب وسيأتي عند المبعث إيضاح هذا المحل
وقد أخبرت الأحبار والرهبان بليلة ولادته صلى الله عليه وسلم فعن حسان بن ثابت رضي الله عنه قال إني لغلام يفعة أي غلام مرتفع ابن سبع سنين أو ثمان أعقل ما رأيت وسمعت إذ بيهودي بيثرب يصيح ذات يوم غداة على أطمة أي محل مرتفع يا معشر يهود فاجتمعوا إليه وأنا أسمع وقالوا ويلك مالك قال طلع نجم أحمد الذي ولد به في هذه الليلة أي الذي طلوعه علامة على ولادته صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة في بعض الكتب القديمة وحسان هذا سيأتي أنه ممن عاش في الجاهلية ستين سنة وفي الإسلام مثلها وكذا عاش هذا القدر وهو مائة وعشرون سنة أبوه وجده ووالد جده قال بعضهم ولا يعرف أربعة تناسلوا وتساوت أعمارهم سواهم وكان حسان رضي الله عنه يضرب بلسانه أرنبة أنفه وكذا إبنه وأبوه وجده
وعن كعب الأحبار رضي الله عنه رأيت في التوراة أن الله تعالى أخبر موسى عن وقت خروج محمد صلى الله عليه وسلم أي من بطن أمه وموسى عليه الصلاة والسلام أخبر قومه أن الكوكب المعروف عندكم إسمه كذا إذا تحرك وسار عن موضعه فهو وقت خروج محمد صلى الله عليه وسلم أي وصار ذلك مما يتوارثه العلماء من بني إسرائيل
وعن عائشة رضي الله عنها قالت كان يهودي يسكن مكة فلما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في مجلس من مجالس قريش هل ولد فيكم الليلة مولود فقال القوم والله ما نعلمه قال احفظوا ما أقول لكم ولد هذه الليلة نبي هذه الأمة الأخيرة أي وهو منكم يا معاشر قريش على كتفه أي عند كتفه
علامة أي شامة فيها شعرات متواترات أي متتابعات كأنهن عرف فرس أي وتلك العلامة هي خاتم النبوة أي علامتها والدليل عليها لا يرضع لليلتين وذلك في الكتب القديمة من دلائل نبوته أي وعدم رضاعه لعله لتوعك يصيبه وفي كلام الحافظ ابن حجر وأقره تعليلا لعدم رضاعه لأن عفريتا من الجن وضع يده على فيه
وعند قول اليهودي ما ذكر تفرق القوم من مجالسهم وهو متعجبون من قوله فلما صاروا إلى منازلهم أخبر كل إنسان منهم آله وفي لفظ أهله فقالوا لقد ولد الليلة لعبدالله بن عبدالمطلب غلام سموه محمد فالتقى القوم حتى جاءوا لليهودي وأخبروه الخبر أي قالوا له أعلمت ولد فينا مولود قال اذهبوا معي حتى أنظر إليه فخرجوا حتى أدخلوه على أمه فقال أخرجي إلينا إبنك فأخرجته وكشفوا عن ظهره فرأى تلك الشامة فخر مغشيا عليه فلما أفاق قالوا ويلك مالك قال والله ذهبت النبوة من بني إسرائيل أفرحتم به يا معشر قريش أما والله ليسطون عليكم سطوة يخرج خبرها من المشرق إلى المغرب
أي وعن الواقدي رحمه الله أنه كان بمكة يهودي يقال له يوسف لما كان اليوم أي الوقت الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يعلم به أحد من قريش قال يا معشر قريش قد ولد نبي هذه الأمة الليلة في بحرتكم أي ناحيتكم هذه وجعل يطوف في أنديتهم فلا يجد خبرا حتى انتهى إلى مجلس عبد المطلب فسأل فقيل له قد ولد لإبن عبدالمطلب أي لعبدالله غلام فقال هو نبي والتوراة
وكان بمر الظهران راهب من أهل الشام يدعى عيصا وقد كان آتاه الله علما كثيرا وكان يلزم صومعة له ويدخل مكة فيلقى الناس ويقول يوشك أي يقرب أن يولد فيكم مولود يا أهل مكة تدين له العرب أي تذل وتخضع ويملك العجم أي أرضها وبلادها هذا زمانه فمن أدركه أي أدرك بعثه واتبعه أصحاب حاجته أي ما يؤمله من الخير ومن أدركه وخالفه أخطأ حاجته فكان لا يولد بمكة مولود إلا ويسأل عنه ويقول ما جاء بعد أي الآن فلما كان صبيحة اليوم أي الوقت الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عبدالمطلب حتى أتى عيصا فوقف على أصل صومعته فناداه فقال من هذا فقال عبدالمطلب أي وقيل الجائي له عبدالله والد النبي صلى الله عليه وسلم بناء على أنه لم يمت وأمه حامل به أي ولعل قائله أخذ ذلك من قول الراهب
لما قيل له ما ترى عليه أي على ذلك المولود فقال كن أباه فقد ولد ذلك المولود الذي كنت أحدثكم عنه وأن نجمه أي الذي طلوعه علامة على وجوده طلع البارحة وعلامة ذلك أي أيضا أنه الآن وجع فيشتكي ثلاثا ثم يعافى
أقول أي ولا يرضع في تلك الثلاث ليلتين فلا يخالف ما سبق من قول الآخر لا يرضع ليلتين ولا دلالة في قوله كن أباه على أن الجائي للراهب عبدالله لأن عبدالمطلب كان يقال له أبو النبي صلى الله عليه وسلم ويقال للنبي صلى الله عليه وسلم ابن عبدالمطلب وقال النبي صلى الله عليه وسلم أنا ابن عبدالمطلب كما تقدم والله أعلم ثم قال له فاحفظ لسانك أي لا تذكر ما قلته لك لأحد من قومك فإنه لم يحسد حسده أحد ولم يبغ على أحد كما يبغي عليه قال فما عمره قال إن طال عمره لم يبلغ السبعين يموت في وتر دونها في إحدى وستين أو ثلاث وستين زاد في رواية وذلك جل أعمار أمته
وعند ولادته صلى الله عليه وسلم تنكست الأصنام أي أصنام الدنيا وتقدم أيضا أنها تنكست عند الحمل به وتقدم أنه لا مانع من تعدد ذلك
وجاء أن عيسى عليه السلام لما وضعته أمه خر كل شيء يعبد من دون الله في مشارق الأرض ومغاربها ساجدا لوجهه وفزع إبليس
فعن وهب بن منبه لما كانت الليلة التي ولد فيها عيسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم أصبحت الأصنام في جميع الأرض منكسة على رءوسهم وكلما ردوها على قوائمها انقلبت فحارت الشياطين لذلك ولم تعلم السبب فشكت إلى إبليس فطاف إبليس في الأرض ثم عاد إليهم فقال رأيت مولودا والملائكة قد حفت به فلم أستطع أن أدنوا إليه وما كان نبي قبله أشد على وعليكم منه وإني لأرجو أن أضل به أكثر ممن يهتدي به
أقول قد علمت أن تنكيس الأصنام تكرر لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم عند الحمل وعند الولادة فالحاص به ما كان عند الحمل لا ما كان عند الولادة لمشاركة عيسى عليه السلام في ذلك وبهذا يعلم ما في قول الجلال السيوطي في خصائصه الصغرى إن من خصائصه صلى الله عليه وسلم تنكيس الأصنام لمولده
وعن عبدالمطلب قال كنت في الكعبة فرأيت الأصنام سقطت من أماكنها وخرت
سجدا وسمعت صوتا من جدار الكعبة يقول ولد المصطفى المختار الذي تهلك بيده الكفار ويطهر من عبادة الأصنام ويأمر بعبادة الملك العلام
ولا يقال قال إبليس في حق عيسى عليه السلام لا استطيع أن أدنو إليه وتقدم في حق نبينا صلى الله عليه وسلم أن إبليس دنا منه فركضه جبريل عليه السلام لأنا نقول يجوز أن يكون الدنو في حق نبينا صلى الله عليه وسلم دنوا إلى محله الذي هو فيه لا إلى جسده والدنو المنفى في حق عيسى عليه السلام دنو إلى جسده
فإن قيل جاء في الحديث ما من مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخا إلا مريم وإبنها رواه الشيخان أي لقول أم مريم { وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم } وفي رواية كل ابن آدم يطعن الشيطان في حنبه بأصبعه حين يولد غير عيسى ابن مريم ذهب يطعن فطعن الحجاب وهي المشيمة التي يكون فيها الولد ولعل المراد بجنبه جنبه الأيسر
وعن قتادة كل مولود يمسه الشيطان بأصبعه في جنبه فيستهل صارخا إلا عيسى ابن مريم وأمه مريم ضرب الله عليهما حجابا فأصابت الطعنة الحجاب فلم ينفذ إليهما منه شيء ولعل هذا الحجاب هو المشيمة ويحتمل أن يكون غيرها
قلت وجاء عن مجاهد أن مثل عيسى في عدم طعن الشيطان في جسده حين يولد سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وذلك لا يقال من قبل الرأي وعلى تقدير صحة ذلك يكون تخصيص عيسى وأمه بالذكر كان قبل أن يعلم صلى الله عليه وسلم بأن سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كعيسى وأمه
وهذا الكلام يرد بيان القاضي عياض للضرر المنفى في قوله صلى الله عليه وسلم من قال إذا أراد أن يأتي أهله بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فإنه إن قدر بينهما في ذلك الوقت ولد من ذلك الجماع لم يضره الشيطان أبدا بأن المراد أنه لا يطعن فيه عند ولادته بخلاف غيره وهذا أي عدم قربه من نبينا صلى الله عليه وسلم يجوز أن يكون في حق خصوص إبليس فلا ينافى ما تقدم عن الحافظ ابن حجر أن عدم إرتضاعه صلى الله عليه وسلم في ليلتين بوضع عفريت من الجن يده في فيه على تسليم صحته
وصاحب الكشاف أخرج المس ومثله الطعن عن حقيقته وقال المراد به طمع الشيطان
إغوائه وتبعه القاضي على ذلك وسيأتي في شق صدره صلى الله عليه وسلم كلام يتعلق بذلك
وفي كلام الشيخ محيى الدين بن العربي أعلم أنه لابد لجميع بني آدم من العقوبة والألم شيئا بعد شيء إلى دخولهم الجنة لأنه إذا نقل إلى البرزخ فلا بد له من الألم أدناه سؤال منكر ونكير فإذا بعث فلابد له من ألم الخوف على نفسه أو غيره وأول الألم في الدنيا إستهلال المولود حين ولادته صارخا لما يجده من مفارقة الرحم وسخونته فيضربه الهواء عند خروجه من الرحم فيحسن بألم البرد فيبكى فإن مات فقد أخذ حظه من البلاء وقال بعد ذلك في قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه الصلاة والسلام والسلام علي يوم ولدت معناه السلامة من إبليس الموكل بطعن الأطفال عند الولادة حين يصرخ الولد إذا خرج من طعنته فلم يصرخ عيسى عليه السلام بل وقع ساجدا لله حين خرج فليتأمل هذا مع قوله إن إستهلال المولود وصراخه حين يولد لحسه ألم البرد الذي يجده بعد مفارقة سخونة الرحم وقوله بل وقع ساجدا يدل على أن سجود نبينا صلى الله عليه وسلم حين ولد ليس من خصائصه والله أعلم
وذكر أن نفرا من قريش منهم ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل وعبدالله ابن جحش كانوا يجتمعون إلى صنم فدخلوا عليه ليلة ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأوه منكسا على وجهه فأنكروا ذلك فأخذوه فردوه إلى حاله فانقلب انقلابا عنيفا فردوه فانقلب كذلك الثالثة فقالو إن هذا الأمر حدث ثم أنشد بعضهم أبياتا يخاطب بها الصنم ويتعجب من أمره ويسأله فيها عن سبب تنكسه فسمع هاتفا من جوف الصنم بصوت جهير أي مرتفع يقول ** تردى لمولود أضاءت بنوره ** جميع فجاج الأرض بالشرق والغرب **
الأبيات
وإلى ذلك أشار صاحب الهمزية بقوله ** وتوالت بشرى الهواتف أن قد ** ولد المصطفى وحق الهناء **
أي تتابعت بشارة الهواتف جمع هاتف وهو ما يسمع صوته ولا يرى شخصه بأن قد ولد المصطفى المختار على الخلق كلهم وثبت لهم الفرح والسرور
وليلة ولادته صلى الله عليه وسلم تزلزلت الكعبة ولم تسكن ثلاثة أيام ولياليهن
وكان ذلك أول علامة رأت قريش من مولد النبي صلى الله عليه وسلم وارتجس أي اضطرب وانشق إيوان كسرى أنو شروان ومعنى أنوشروان مجدد الملك أي وكان بناء محكما مبنيا بالحجارة الكبار والجص بحيث لا تعمل فيه الفؤوس مكث في بنائه نيفا وعشرين سنة أي وسمع لشقه صوت هائل وسقط من ذلك الإيوان أربع عشرة شرفة بضم الشين المعجمة وسكون الراء أي وليس ذلك الخلل في بنائه وإنما أراد الله تعالى أن يكون ذلك آية لنبيه صلى الله عليه وسلم باقية على وجه الأرض
أي وقد ذكر أن الرشيد أمر وزيره يحيى بن خالد البرمكي أي والد جعفر والفضل بهدم إيوان كسرى فقال له يحيى لا تهدم بناء دل على فخامة شأن بانيه قال بلى يا مجوسي ثم أمر بنقضه فقدر له نفقة على هدمه فاستكثرها الرشيد فقال له يحيى ليس يحسن بك أن تعجز عن هدم شيء بناه غيرك
هذا والذي رأيته في بعض المجاميع أن المنصور لما بنى بغداد أحب أن ينقض إيوان كسرى فإن بينه وبينها مرحلة ويبنى به فاستشار خالد بن برمك فنهاه وقال هو آية الإسلام ومن رآه علم أن من هذا بناؤه لا يزول أمره وهو مصلى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه والمئونة في نقضه أكثر من الإنفاق عليه ولا مانع من تكرر طلب نقضه من المنصور ومن ولد ولده الرشيد
وإنما قال الرشيد ليحيى بن خالد يا مجوسي لأن جده والد خالد البرمكي وهو برمك كان من خراسان وكان أولا مجوسيا ثم أسلم وكان كاتبا عارفا محصلا لعلوم كثيرة جاء إلى الشام في دولة بني أمية فاتصل بعبدالملك بن مروان فحسن موقعه عنده وعلا قدره ثم لما أن زالت دولة بني أمية وجاءت دولة بني العباس صار وزيرا للسفاح ثم لأخيه المنصور من بني العباس ورأيت عن برمك هذا حكاية عجيبة وهي أنه سار إلى زيارة ملك الهند فأكرمه وأنس به وأحضر له طعاما وقال كل فأكلت حتى انتهيت فقال لي كل فقلت لا أقدر والله أيها الملك فأمر بإحضار قضيب فأخذه الملك وأمر به على صدري فكأني لم آكل شيئا قط ثم أكلت أكلا كثيرا حتى أنتهيت فقال لي كل فقلت لا والله لا أقدر أيها الملك فأمر بالقضيب على صدري فكأني لم آكل شيئا قط فأكلت حتى أنتهيت فقال لي كل فقلت والله ما أقدر على ذلك فأراد أن يمر بالقضيب على صدري فقلت أيها الملك إن الذي دخل يحتاج إلى أن يخرج فقال
صدقت وأمسك عني فسألته عن القضيب فقال تحفة من تحف الملوك
ومما يحفظ عن يحيى بن خالد هذا زيادة على ما تقدم عنه إذا أحببت إنسانا من غير سبب فارج خيره وإذا أبغضت إنسانا من غير سبب فتوق شره
ومما يحفظ عنه أيضا وقد قال له ولده وأظنه الفضل وقد كان معه مقيدا في حبس الرشيد بعد قتله لولده جعفر وصلبه ونهبه أموال البرامكة ومن يلوذ بهم يا أبت بعد العز ونفوذ الكلمة صرنا إلى هذه الحالة فقال يا ولدي دعوة مظلوم سرت ليلا غفلنا عنها وما غفل الله عنها أي فقد قال أبو الدرداء إياكم ودمعة اليتيم ودعوة المظلوم فإنها تسرى بالليل والناس نيام
أي ولأن الله تعالى يقول أنا أظلم الظالمين إن غفلت عن ظلم الظالم وقد قال صلى الله عليه وسلم إتق دعوة المظللوم فإنما يسأل الله حقه وإن الله تعالى لن يمنع ذا حق حقه وجاء إتق دعوة المظلوم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب وجاء اتقوا دعوة المظلوم فإنها تحمل على الغمام يقول الله وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين والمراد بالغمام الغمام الأبيض الذي فوق السماء السابعة المعنى بقوله تعالى { ويوم تشقق السماء بالغمام } أي لا تقوى على حمله إذا سقط ونصر دعوة المظلوم إستجابتها ولو بعد زمن طويل فهو سبحانه وتعالى وإن أمهل الظالم لا يهمله وجاء أتقوا دعوة المظلوم فإنها تصعد إلى السماء كأنها شرارة أي تصعد إلى السماء السابعة فما فوقها وجاء اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرا فإنه ليس دونها حجاب
وقد قال القائل ** تنام عيناك والمظلوم منتبه ** يدعو عليك وعين الله لم تنم **
ومماقيل في يحيى بن خالد هذا من المدح البليغ ** سألت الندى هل أنت حر فقال لا ** ولكنني عبد ليحيى بن خالد ** ** فقلت شراء قال لا بل وراثة ** توارثني من والد بعد والد **
ومما يحفظ عن والده خالد التهنئة بعد ثلاث استخفاف بالمولود ومما يحفظ عن جعفر ولد يحيى قوله شر المال ما لزمك الإثم في كسبه وحرمت الأجر في إنفاقه وقوله المسيء لا يظن في الناس إلا سوءا لأنه يراهم بعين طبعه ومما قيل في جعفر من المدح قول الشاعر
** تروم الملوك ندى جعفر ** ولا يصنعون كما يصنع ** ** وليس بأوسعهم في الغنى ** ولكن معروفه أوسع **
وخمدت نار فارس أي مع إيقاد خدامها لها أي كتب له صاحب فارس إن بيوت النار خمدت تلك الليلة ولم تخمد قبل ذلك بألف عام وغاضت أي غارت بحيرة ساوة أي بحيث صارت يابسة كأن لم يكن بها شيء من الماء مع شدة إتساعها أي كتب له بذلك عامله باليمن وإلى هذا يشير صاحب الأصل بقوله ** لمولده إيوان كسرى تشققت ** مبانيه وانحطت عليه شؤونه ** ** لمولده خرت على شرفاته ** فلا شرف للفرس يبقى حصينه ** ** لمولده نيران فارس أخمدت ** فنورهم إخماده كان حينه ** ** لمولده غاضت بحيرة ساوة ** وأعقب ذاك المد جور يشينه ** ** كأن لم يكن بالأمس ريا لناهل ** وورد العين المستهام معينه **
وإلى ذلك أيضا يشير صاحب الهمزية رحمه الله بقوله ** وتداعى إيوان كسرى ولولا ** آية منك ما تداعى البناء ** ** وغدا كل بيت نار وفيه ** كربة من خمودها وبلاء ** ** وعيون للفرس غارت فهل كا ** ن لنيرانهم بها إطفاء **
أي ومن العجائب التي ظهرت ليلة ولادته صلى الله عليه وسلم إنهدام إيوان كسرى أنوشروان الذي كان يجلس به مع أرباب مملكته وكان من أعاجيب الدنيا سعة وبناء وإحكاما ولولا وجود علامة صادرة عنك إلى الوجود ما تهدم هذا البناء العجيب الإحكام
ومن ذلك أيضا أنه صار تلك الليلة كل واحد من بيوت نار فارس التي كانوا يعبدونها خامدة نيرانه والحال أن في ذلك البيت غما وبلاء عظيما من أجل سكون لهب تلك النيران التي كانوا يعبدونها في وقت واحد
ومن ذلك أيضا غور ماء عيون الفرس في الأرض حتى لم يبق منها قطرة وحينئذ يستفهم توبيخا وتقريعا لهم فيقال هل تلك المياه التي غارت كان بها إطفاء لتلك النيران ويقال في جوابه لا بل إطفاؤها إنما هو لوجود هذا النبي العظيم وظهوره
ورأى الموبذان أي القاضي الكبير وفي كلام ابن المحدث هو خادم النار الكبير
ورئيس حكامهم وعنه يأخذون مسائل شرائعهم ورأى في نومه إبلا صعابا تقود خيلا عرابا أي وهي خلاف البراذين قد قطعت دجلة أي وهي نهر بغداد وانتشرت في بلادها أي والإبل كناية عن الناس ورأى كسرى ما هاله وأفزعه أي الذي هو ارتجاس الإيوان وسقوط شرافاته فلما أصبح تصبر أي لم يظهر الإنزعاج لهذا الأمر الذي رآه تشجعا ثم رأى أنه لا يدخر ذلك أي هذا الأمر الذي هاله وأفزعه عن مرازبته بضم الزاي أي فرسانه وشجعانه فجمعهم ولبس تاجه وجلس على سريره ثم بعث إليهم فلما اجتمعوا عنده قال أتدرون فيما بعثت إليكم قالوا لا إلا أن يخبرنا الملك فبينما هم كذلك إذ ورد عليهم كتاب بخمود النيران أي وورد عليه كتاب من صاحب إيليا يخيره أن بحيرة ساوة غاضت تلك الليلة وورد عليه كتاب صاحب الشام يخبره أن وادي السماوة انقطع تلك الليلة وورد عليه كتاب صاحب طبربة يخبره أن الماء لم يجر في بحيرة طبرية فازداد غما إلى غمه ثم أخبرهم بما رأى وما هاله أي وهو ارتجاس الإيوان وسقوط شرافاته فقال الموبذان فأنا أصلح الله الملك قد رأيت في هذه الليلة رؤيا ثم قص عليه رؤياه في الإبل فقال أي شيء يكون هذا يا موبذان قال حدث يكون في ناحية العرب فابعث إلى عاملك بالحيرة يوجه إليك رجلا من علمائهم فإنهم أصحاب علم بالحدثان
فكتب كسرى عند ذلك من كسرى ملك الملوك إلى النعمان بن المنذر أما بعد فوجه إلى برجل علم بما أريد أن أسأله عنه فوجه إليه بعبد المسيح الغساني أي وهو معدود من المعمرين عاش مائة وخمسين سنة فلما ورد عليه قال ألك علم بما أريد أن أسألك عنه قال ليسألني الملك عما أحب فإن كان عندي علم منه وإلا أخبرته بمن يعلمه فأخبره بالذي وجه إليه فيه قال علم ذلك عند خالي يسكن مشارف الشام بالفاء أي أعاليها أي وهي الجابية المدينة المعروفة يقال له سطيح قال فأته فاسأله عما سألتك عنه ثم ائتني بتفسيره فخرج عبد المسيح حتى انتهى إلى سطيح وقد أشفى أي أشرف على الضريح أي الموت أي احتضر وعمره إذ ذاك ثلثمائة سنة وقيل سبعمائة سنة أي ولم يذكره ابن الجوزي في المعمرين وكان جسدا ملقا لا جوارح له وكان لا يقدر على الجلوس إلا إذا غضب فإنه ينتفخ فيجلس وكان وجهه في صدره لم يكن له رأس ولا عنق وفي كلام غير واحد لم يكن له عظم سوى عظم رأسه
وفي لفظ لم يكن له عظم ولا عصب إلا الجمجمة والكفين ولم يتحرك منه إلا اللسان قيل لكونه مخلوقا من ماء امرأة لأن ماء الرجل يكون منه العظم والعصب أي كما سيأتي عنه صلى الله عليه وسلم من قوله نطفة الرجل يخلق منها العظم والعصب ونطفة المرأة يخلق منها اللحم والدم قال صلى الله عليه وسلم ذلك لما سأله اليهود فقالوا له ممن يخلق الولد فلما قال لهم ما ذكر قالوا له هكذا كان يقول من قبلك أي من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
وفيه أن عيسى عليه الصلاة والسلام على تسليم أنه خلق من نطفة وهي نطفة أمه كان فيه العظم والعصب
وقد قيل تمثل لها الملك في صفة شاب أمرد حتى انحدرت شهوتها إلى أقصى رحمها وقيل لم يخلق من نطفة أصلا وقد صرح بالأول الشيخ محيى الدين بن العربي رحمه الله حيث قال أنكر الطبيعيون وجود ولد من ماء أحد الزوجين دون الآخر وذلك مردود عليهم بعيسى عليه السلام فإنه خلق من ماء أمه فقط وذلك أن الملك لما تمثل لها بشرا سويا لشدة اللذة بالنظر إليه فنزل الماء منها إلى الرحم فتكون عيسى عليه السلام من ذلك الماء المتولد عن النفخ الموجب للذة منها فهو من ماء أمه فقط هذا كلامه
أي وكون سطيح كان وجهه في صدره لم يختص سطيح بهذا الوصف فقد رأيت أن عمرا ذا الأذعار إنما قيل له ذلك لأنه سبى أمة وجوهها في صدورها فذعرت الناس منهم وعمرو هذا كان في زمن سليمان بن داود عليها السلام وقيل قبله بقليل وملكت بعده بلقيس بعد قتلها له
وكان لسطيح سرير من الجريد والخوص إذا أريد نقله إلى مكان يطوى من رجليه إلى ترقوته وفي لفظ إلى جمجته كما يطوى الثوب فيوضع على ذلك السرير فيذهب إلى حيث يشاء وإذا أريد إستخباره ليخبر عن المغيبات يحرك كما يحرك وطب المخيض أي سقاء اللبن الذي يخض ليخرج زبده فينتفخ ويمتلئ ويعلوه النفس فيسأل فيخبر عما يسأل عنه وكانت جمجمته إذا لمست أثر اللمس فيها للينها
قيل وهو أول كاهن كان في العرب وهذا يدل على أنه سابق على شق وقد تقدم في حفر زمزم أن الكاهنة التي ذهب إليها عبدالمطلب وقريش ليتحاكموا عندها تفلت في فم سطيح وفم شق وذكرت أن سطيحا يخلفها ومن ثم قال بعضهم لم يكن أحد أشرف في الكهانة ولاأعلم بها ولا أبعد فيها صيتا من سطيح وكان في غسان
وذكر بعضهم أن سطيحا كان في زمن نزار بن معد بن عدنان وهو الذي قسم الميراث بين بني نزار وهم مضر وإخوته وهو يؤيد ما تقدم من أنه عمر سبعمائة سنة ثم شق وعبدالمسيح وهؤلاء كانوا رءوس الكهنة وأهل العلم الغامض منهم بالكهانة أي وإلا فمنهم أي من أهل العلم الغامض مسيلمة الكذاب في بني حنيفة وسجاح كانت في بني تميم وسجاح أخرى كانت في بني سعد والكهانة هي الإخبار عن الغيب والكهانة من خواص النفس الإنسانية لأن لها إستعداد للإنسلاخ من البشرية إلى الروحانية التي فوقها
فسلم عبدالمسيح على سطيح وكلمه فلم يرد عليه سطيح جوابا فأنشأ عبدالمسيح يقول أصم أم يسمع غطريف اليمن أي سيدهم إلى آخر أبيات ذكرها فلما سمع سطيح شعر عبد المسيح رفع رأسه
أقول قد يقال لامنافاة بين إثبات الرأس هنا ونفيه في قوله ولم يكن له رأس لأنه يجوز أن يكون المراد بالرأس المثبت الوجه لكن قد تقدم أنه لم يكن له عظم سوى ما في رأسه أو الجمجمة ففي ذلك إثبات الرأس
وقد يقال لما كان رأسه وتلك الجمجمة يؤثر فيها اللمس للينهما لمخالفتهما لرأس غيره ساغ إثبات الرأس له ونفيه عنه والله أعلم وعند رفع رأسه قال عبدالمسيح على جمل مشيح أي سريع إلى سطيح وقد وافى على الضريح أي القبر والمراد به الموت كما تقدم بعثك ملك ساسان لارتجاس الإيوان وخمود النيران ورؤيا الموبذان رأى إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادها يا عبدالمسيح إذا كثرت التلاوة أي تلاوة القرآن وظهر صاحب الهراوة وغاضت بحيرة ساوة وخمدت نار فارس فليست بابل للفرس مقاما ولا الشام لسطيح شاما يملك منهم ملوك وملكات على عدد الشرفات وكل ما هو آت آت ثم قضى سطيح مكانه أي مات من ساعته
والهراوة بكسر الهاء وهي العصا الضخمة أي وهو النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان يمسك العصا كثيرا عند مشيه وكان يمشي بالعصا بين يديه وتغرز له فيصلى إليها التي هي العنزة وفي الحديث حمل العصا علامة المؤمن وسنة الأنبياء وفي الحديث من بلغ أربعين سنة ولم يأخذه العصا عدله أي عدم أخذ العصا من الكبر والعجب
وقد يقال مراد سطيح بالعصا العنزة التي تغرز ويصلى إليها في غير المسجد لأنه لم يحفظ أن ذلك كان لمن قبله من الأنبياء
وذكر الطبري أن أبرويز بن هرمز جاء له جاء في المنام فقيل له سلم ما في يدك إلى صاحب الهراوة فلم يزل مذعورا من ذلك حتى كتب إليه النعمان بظهور النبي صلى الله عليه وسلم بتهامة فعلم أن الأمر سيصير إليه
وعند موت سطيح نهض عبد المسيح إلى راحلته وهو يقول شعرا منه ** شمر فإنك ماض العزم شمير ** ولايغرنك تفريق وتغيير ** ** والناس أولاد علات فمن علموا ** أن قد أقل فمحقور ومهجور ** ** وهم بنو الأم أما إن رأوا نشبا ** فذاك بالغيب محفوظ ومنصور ** ** والخير والشر مقرونان في قرن ** فالخير متبع والشر محذور **
فلما قدم عبدالمسيح على كسرى وأخبره بما قاله سطيح قال له كسرى إلى أن يملك منا أربعة عشرة ملكا كانت أمور وأمور فملك منهم عشرة في أربع سنين وملك الباقون إلى خلافة عثمان رضي الله عنه أي فقد ذكر أن آخر من هلك منهم كان في أول خلافة عثمان رضي الله عنه
أي وكانت مدة ملكهم ثلاثة آلاف سنة ومائة سنة وأربعا وستين سنة
ومن ملوك بني ساسان سابورد والأكتاف قيل له ذلك لأنه كان يخلع أكتاف من ظفر به من العرب ولما جاء لمنازل بني تميم وجدهم فروا منه ومن جيشه ووجد بها عمير بن تميم وهو ابن ثلثمائة سنة وكان معلقا في قفة لعدم قدرته على الجلوس فأخذ وجئ به إليه فاستنطقه فوجد عنده أدبا ومعرفة فقال للملك أيها الملك لم تفعل فعلك هذا بالعرب فقال يزعمون أن ملكنا يصير إليهم على يد نبي يبعث في آخر الزمان فقال له عمير فأين حلم الملوك وعقلهم إن يكن هذا الأمر باطلا فلن يضرك وإن يكن حقا ألفوك ولم تتخذ عندهم يدا يكافئونك عليها ويعظمونك بها في دولتك فانصرف سابور وترك تعرضه للعرب وأحسن إليهم بعد ذلك
وقول سطيح يملك منهم ملوك وملكات لم أقف على أنه ملك منهم من النساء إلا واحدة وهي بوران ولما بلغه صلى الله عليه وسلم ذلك قال لا يفلح قوم ملكتهم إمرأة فملكت سنة ثم هلكت
وذكر ابن إسحاق رحمه الله أن أمه صلى الله عليه وسلم لما ولدته أرسلت خلف جده عبدالمطلب إنه قد ولد لك غلام فانظر إليه فأتاه ونظر إليه وحدثته بما رأته فأخذه عبدالمطلب ودخل به الكعبة أي وقام يدعو الله أي وأهله يؤمنون ويشكر له ما أعطاه ثم خرج به إلى أمه فدفعه إليها وقد تقدم الوعد بذلك وتقدم ما فيه
قال وتكلم صلى الله عليه وسلم في المهد في أوائل ولادته وأول كلام تكلم به أن قال الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا
أقول وتقدم أنه قال حين ولد جلال ربي الرفيع كما أورده السهيلي عن الواقدي وأنه روى أنه تكلم حين خروجه من بطن أمه فقال الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا
ولا مانع من تكرر ذلك حين خروجه وحين وضعه في المهد وأنه زاد في المرة الثالثة وسبحان الله بكرة وأصيلا وحينئذ يكون تكلمه حين خروجه من بطن أمه لم يشاركه فيه غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إلا الخليل وإلا نوح كما سيأتي بخلاف تكلمه في المهد
على أنه سيأتي أنه يجوز أن يكون المراد بالتكلم في المهد التكلم في غير أوان الكلام ويقال إنه قال ذلك عند فطامه وتقدم أنه قال الحمد لله لما عطس على الإحتمال الذي أبداه بعضهم كما تقدم بما فيه
ولا مانع من وجود هذه الأمور الثلاثة التي هي جلال ربي الرفيع والله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا حين ولادته وعلم ترتيبها يتوقف على نقل وحينئذ تكون الأولية في الواقعة في بعض ذلك إما حقيقية أو إضافية
وقدمنا أن الأولية في قوله جلال ربي الرفيع بالنسبة لقوله الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا إضافية
قال وقد تكلم جماعة في المهد نظمهم الجلال السيوطي رحمه الله تعالى في قوله ** تكلم في المهد النبي محمد ** ويحيى وعيسى والخليل ومريم ** ** ومبرى جريج ثم شاهد يوسف ** وطفل لدى الأخدود يرويه مسلم ** ** وطفل عليه مر بالأمة التي ** يقال لها تزنى ولا تتكلم ** ** وماشطة في عهد فرعون طفلها ** وفي زمن الهادي المبارك يختم **
قال بعضهم لكن هو صلى الله عليه وسلم حصر من تكلم في المهد في ثلاثة ولم يذكر نفسه أي فقد روى عن أبي هريرة مرفوعا لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة عيسى وصاحب جريج وابن المرأة التي مر عليها بإمرأة يقال لها إنها زنت وقد يقال هذا الحصر إضافي أي ثلاثة من بني إسرائيل أو أن ذلك كان قبل أن يعلم مما زاد
وذكر أن عيسى عليه الصلاة والسلام تكلم في المهد وهو ابن ليلة وقيل وهو ابن أربعين يوما أشار بسبابته وقال بصوت رفيع إني عبدالله لما مر بنو إسرائيل على مريم عليها السلام وهي حاملة له صلى الله عليه وسلم وأنكروا عليها ذلك وأشارت إليهم أن كلموه وضربوا بأيديهم على وجوههم تعجبا وقالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا قال لهم ما قصه الله سبحانه وتعالى ثم رأيتني في الكلام على قصة الإسراء والمعراج ذكر ذلك وأن عيسى تكلم يوم ولادته قال لإبن خال أمه يوسف النجار وقد خرج في طلب أمه وقد خرجت لما أخذها ما يأخذ النساء من الطلق عند الولادة خارج بيت المقدس وجلست تحت نخلة يابسة فاخضرت النخلة من ساعتها وتدلت عراجينها وجرت من تحتها عين ماء ووضعته تحتها أبشر يا يوسف وطب نفسا وقر عينا فقد أخرجني ربي من ظلمة الأرحام إلى ضوء الدنيا وسآتي بني إسرائيل وأدعوهم إلى طاعة الله فانصرف يوسف إلى زكريا عليه الصلاة والسلام وأخبره بولادة مريم وقول ولدها ما ذكر صلى الله عليه وسلم
وفي النطق المفهوم أن عيسى عليه الصلاة والسلام كلم يوسف المذكور وهو في بطن أمه
فقد قيل إنه أول من علم بحمل مريم عليها السلام فقال لها مقرعا لها يا مريم هل تنبت الأرض زرعها من غير بذر وهل يكون ولد من غير فحل فقال له عيسى عليه الصلاة والسلام وهو في بطن أمه قم فانطلق إلى صلاتك واستغفر الله مما وقع في قلبك
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن عيسى عليه الصلاة والسلام تكلم في المهد ثلاث مرات ثم لم يتكلم حتى بلغ المدة التي يتكلم فيها الصبيان عادة أي ولعل المرة الثالثة هي التي حمد الله فيها بحمد لم تسمع الأذان مثله فقال اللهم أنت القريب في علوك المتعالي في دنوك الرفيع على كل شيء من خلقك حارت الأبصار دون النظر إليك
ومبرى جريج تكلم كذلك أي في بطن أمه قيل له من أبوك فقال الراعي عبد بني فلان وتكلم بعد خروجه من بطن أمه فقد تكلم مرتين مرة في بطن أمه ومرة وهو طفل كذا في النطق المفهوم ولم أقف على وقت كلامه ولا على ما تكلم به حينئذ
وأما يحيى عليه الصلاة والسلام فتكلم وهو ابن ثلاث سنين قال لعيسى أشهد أنك عبدالله ورسوله
والخليل تكلم وقت ولادته وسيأتي ما تكلم به وفي كون ابن ثلاث سنين وفي كون من تكلم وقت ولادته يكون في المهد نظر إلا أن يكون المراد بالتكلم في المهد التكلم في غير أوان الكلام
ولم أقف على سن من تكلم في المهد حين تكلم غير من ذكر وغير الطفل الذي لذى الأخدود فإنه لما جيء بأمه لتلقى في نار الأخدود لتكفر وهو معها مرضع فتقاعست قال لها يا أماه اصبري فإنك على الحق قال ابن قتيبة كان سنه سبعة أشهر وفي النطق المفهوم أن شاهد يوسف الصديق عليه الصلاة والسلام كان عمره شهرين وكان ابن داية زليخا
وفي الخصائص الصغرى وخص صلى الله عليه وسلم بكلام الصبيان في المراضع وشهادتهم له بالنبوة ذكر ذلك البدر الدماميني رحمه الله هذا كلامه وفيه نظر لأنه لم يشهد له بالنبوة من هؤلاء إلا مبارك اليمامة حسبما وقفت عليه
ورأيت في الأجوبة المسكتة لإبن عون رحمه الله أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم ألست لم تزل نبيا قال نعم قالوا فلم لم تنطق في المهد كما نطق عيسى قال إن الله خلق عيسى من غير فحل فلولا أنه نطق في المهد لما كان لمريم عذر وأخذت بما يؤخذ به مثلها وأنا ولدت بين أبوين هذا كلامه وهو يخالف ما تقدم من أنه صلى الله عليه وسلم تكلم في المهد إلا أن يقال مرادهم لم لم تنطق في المهد بمثل الذي نطق به عيسى أو أن ذلك منه صلى الله عليه وسلم إرخاء للعنان فليتأمل
ثم رأيت أن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام لما سقط على الأرض استوى قائما على قدميه وقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد الحمد لله الذي هدانا لهذا
قال في النطق المفهوم ولد بالغار الذي ولد به نوح وإدريس عليهما الصلاة والسلام ويقال لهذا الغار في التوراة غار النور ويضم لهؤلاء ما ذكره الشيخ محيى الدين بن العربي رحمه الله قال قلت لبنتي زينب مرة وهي في سن الرضاعة قريبا عمرها من سنة ما تقولين في الرجل يجامع حليلته ولم ينزل فقالت يجب عليه الغسل فتعجب الحاضرون من ذلك ثم إني فارقت تلك البنت وغبت عنها سنة في مكة وكنت أذنت لوالدتها في الحج فجاءت مع الحج الشامي فلما خرجت لملاقاتها رأتني من فوق الجمل وهي ترضع فقالت بصوت فصيح قبل أن تراني أمها هذا أبي وضحكت وأرمت نفسها إلي
قال وقد رأيت أي علمت من أجاب أمه بالتشميت وهو في بطنها حين عطست وسمع الحاضرون كلهم صوته من جوفها شهد عندي الثقات بذلك قال وهذا واحد يخصه الله بعلمه وهو في بطن أمه ولا يحجبك قوله تعالى { والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا } لأنه لا يلزم من العالم حضوره مع علمه دائما
وفي النطق المفهوم أن يوسف صلوات الله وسلامه عليه تكلم في بطن أمه فقال أنا المفقود والمغيب عن وجه أبي زمنا طويلا فأخبرت أمه والده بذلك فقال لها اكتمي أمرك
وفيه أن نوحا عليه الصلاة والسلام تكلم عقب ولادته فإن أمه ولدته في غار خوفا على نفسها وعليه فلما وضعته وأرادت الإنصراف قالت وانوحاه فقال لها لا تخافي أحدا على يا أماه فإن الذي خلقني يحفظني
وفيه أن أم موسى عليه الصلاة والسلام لما وضعت موسى استوى قاعدا وقال يا أماه لا تخافي أي من فرعون إن الله معنا
ومبارك اليمامة قال بعض الصحابة دخلت دارا بمكة فرأيت فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمعت فيها عجبا جاءه رجل بصبي يوم ولد وقد لفه في خرقة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم يا غلام من أنا قال الغلام بلسان طلق أنت رسول الله قال صدقت بارك الله فيك ثم إن الغلام لم يتكلم بشيء فكنا نسميه مبارك اليمامة وكانت هذه القصة في حجة الوداع وكان صلى الله عليه وسلم يناغي القمر وهو في مهده أي يحدثه يقال ناغت المرأة الصبي إذا كلمته بما يسره ويعجبه وعد ذلك من خصائصه ففي حديث فيه مجهول وقيل فيه إنه غريب المتن والإسناد عن عمه العباس رضي الله عنه
أنه قال يا رسول الله دعاني إلى الدخول في دينك إشارة أي علامة نبوتك رأيتك في المهد تناغي القمر أي تحدثه فتشير إليه بإصبعك فحيثما أشرت إليه مال قال كنت أحدثه ويحدثني ويلهيني عن البكاء وأسمع وجبته أي سقطته حين يسجد تحت العرش أي ولم أقف على سنه صلى الله عليه وسلم حين ذلك وكان مهده صلى الله عليه وسلم يتحرك بتحريك الملائكة وعده ابن سميع رحمه الله تعالى من خصائصه & باب تسميته صلى الله عليه وسلم محمد وأحمد
لا يخفى أن جميع أسمائه صلى الله عليه وسلم مشتقة من صفات قامت به توجب له المدح والكمال فله من كل وصف إسم قال وكما أن لله عز وجل ألف إسم للنبي صلى الله عليه وسلم ألف إسم عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو الباقر من بقر العلم أتقنه قال أمرت آمنة أي في المنام وهي حامل برسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسميه أحمد وعن إبن إسحاق رحمه الله أن تسميه محمدا وقد تقدم قال والثاني هو المشهور في الروايات أي وعلى الأول اقتصر الحافظ الدمياطي رحمه الله
والمسمى له بمحمد جده عبدالمطلب فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم عق عنه أي يوم سابع ولادته جدة بكبش وسماه محمدا فقيل له يا أبا الحرث ما حملك على أن تسميه محمدا ولم تسمه بإسم آبائه وفي لفظ وليس من أسماء آبائك ولا قومك قال أردت أن يحمده الله في السماء وتحمد الناس في الأرض
أقول وهذا هو الموافق لما اشتهر أن جده سماه محمدا بإلهام من الله تعالى تفاؤلا بأن يكثر حمد الخلق له لكثرة خصاله الحميدة التي يحمد عليها لذلك كان أبلغ من محمود وإلى ذلك يشير حسان رضي الله عنه بقوله ** فشق له من اسمه ليجله ** فذو العرش محمود وهذا محمد **
وهذا الإلهام لا ينافي أن تكون أمه قالت له إنها أمرت أن تسميه بذلك وقد حقق
الله رجاءه بأنه صلى الله عليه وسلم تكاملت فيه الخصال المحمودة والخلال المحبوبة فتكاملت له صلى الله عليه وسلم المحبة من الخالق والخليقة فظهر معنى إسمه على الحقيقة
وفي الخصائص الصغرى وخص صلى الله عليه وسلم بإشتقاق إسمه من إسم الله تعالى وبأنه صلى الله عليه وسلم سمى أحمد ولم يسم به أحد قبله ولإفادته الكثرة في معناه لأنه لا يقال إلا لمن حمد المرة بعد المرة لما يوجد فيه من المحاسن والمناقب
ادعى بعضهن أنه من صيغ المبالغة أي الصيغ المفيدة للمبالغة بالمعنى المذكور إستعمالا لا وضعا لأن الصيغ الموضوعة لإفادة المبالغة منحصرة في الصيغ الخمسة وليس هذا منها
وهذا السياق يدل على تسميته صلى الله عليه وسلم بذلك كانت في يوم العقيقة وأن العقيقة كانت في اليوم السابع من ولادته وتقدم ولد الليلة لعبدالله بن عبدالمطلب غلام سموه محمدا وهو يدل على أن تسميته صلى الله عليه وسلم بذلك كانت في ليلة ولادته أو يومها
وقد يقال لا منافاة لأنه يجوز أن يكون قوله هنا وسماه محمدا معناه أظهر تسميته بذلك لعموم الناس وهذا التعليل للتسمية بهذا الإسم يرشد إلى ما قيل اقتضت الحكمة أن يكون بين الإسم والمسمى تناسب في الحسن والقبح واللطافة والكثافة ومن ثم غير صلى الله عليه وسلم الإسم القبيح بالحسن وهو كثير وربما غير الإسم الحسن بالقبيح للمعنى المذكور كتسميته لأبي الحكم بأبي جهل وتسميته لأبي عامر الراهب بالفاسق
وجاء أنه صلى الله عليه وسلم قال لبعض أصحابه ادع لي إنسانا يحلب ناقتي فجاءه بإنسان فقال له ما إسمك فقال له حرب فقال أذهب فجاءه بآخر فقال ما اسمك فقال يعيش فقال احلبها
ويروى أنه صلى الله عليه وسلم طلب شخصا يحفر له بئرا فجاءه رجل فقال له ما إسمك قال مرة فقال اذهب وليس هذا من الطيرة التي كرهها ونهى عنها وإنما هو من كراهة الإسم القبيح ومن ثم كان صلى الله عليه وسلم يكتب لإمرائه إذا أبردتم لي بريدا فأبردوه أي إذا أرسلتم لي رسولا فأرسلوه حسن الإسم حسن الوجه ومن ثم لما قال له سيدنا عمر رضي الله عنه لما قال لمن أراد أن يحلب له ناقته أو يحفر له البئر ما تقدم لا أدري أقول أم أسكت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم قل قال
======================ج2.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب:السيرة الحلبية في سيرة الأمين المأمون
المؤلف:علي بن برهان الدين الحلبي
قد كنت نهيتنا عن التطير فقال له صلى الله عليه وسلم ماتطيرت ولكن آثرت الإسم الحسن وللجلال السيوطي كتاب فيمن غير رسول الله صلى الله عليه وسلم إسمه ولم أقف عليه
ورأيت في كلام بعضهم أن حزن بن أبي وهب أسلم يوم الفتح وهو جد سعيد بن المسيب أراد النبي صلى الله عليه وسلم تغيير إسمه وتسميته سهلا فامتنع وقال لاأغير إسما سمانيه أبواي قال سعيد فلم تزل الحزونة فينا والله أعلم
أي وفي حديث أنه صلى الله عليه وسلم عق عن نفسه بعد ما جاءته النبوة قال الإمام أحمد هذا منكر أي حديث منكر والحديث المنكر من أقسام الضعيف لا أنه باطل كما قد يتوهم والحافظ السيوطى لم يتعرض لذلك وجعله أصلا لعمل المولد قال لأن العقيقة لا تعاد مرة ثانية فيحمل ذلك على أن هذا الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم إظهارا للشكر على إيجاد الله تعالى إياه رحمة للعالمين وتشريعا لأمته كما كان يصلى على نفسه لذلك قال فيستحب لنا إظهار الشكر بمولده صلى الله عليه وسلم هذا كلامه
ويروى أن عبدالمطلب إنما سماه محمدا لرؤيا رآها أي في منامه رأى كأن سلسلة خرجت من ظهره لها طرف في السماء وطرف في الأرض وطرف في المشرق وطرف في المغرب ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور وإذا أهل المشرق وأهل المغرب يتعلقون بها فقصها فعبرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق والمغرب ويحمده أهل السماء والأرض فلذلك سماه محمدا أي مع ما حدثته به أمه بما رأته على ما تقدم
وعن أبي نعيم عن عبدالمطلب قال بينما أنا نائم في الحجر إذ رأيت رؤيا هالتني ففزعت منها فزعا شديدا فأتيت كاهنة قريش فلما نظرت إلى عرفت في وجهي التغير فقالت ما بال سيدهم قد أتى متغير اللون هل رابه من حدثان الدهر شيء فقلت لها بلى فقلت لها إني رأيت الليلة وأنا نائم في الحجر كأن شجرة نبتت قد نال رأسها السماء وضربت بأغصانها المشرق والمغرب وما رأيت نورا أزهر منها ورأيت العرب والعجم ساجدين لها وهي تزداد كل ساعة عظما ونورا وإرتفاعا ورأيت رهطا من قريش قد تعلقوا بأغصانها ورأيت قوما من قريش يريدون قطعها فإذا دنوا منها أخرهم شاب
لم أر قط أحسن منه وجها ولا أطيب منه ريحا فيكسر أظهرهم ويقلع أعينهم فرفعت يدي لأتناول منها نصيبا فلم أنله فانتبهت مذعورا فزعا فرأيت وجه الكاهنة قد تغير ثم قالت لئن صدقت رؤياك ليخرجن من صلبك رجل يملك المشرق والمغرب وتدين له الناس وعند ذلك قال عبدالمطلب لإبنه أبي طالب لعلك أن تكون هذا المولود فكان أبو طالب يحدث بهذا الحديث بعد ما ولد صلى الله عليه وسلم ويقول كانت الشجرة هي محمد صلى الله عليه وسلم
وفي الإمتاع لما مات قثم بن عبدالمطلب قبل مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين وهو ابن تسع سنين وجد عليه وجدا شديدا فلما ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم سماه قثم حتى أخبرته أمه آمنة أنها أمرت في منامها أن تسميه محمدا فسماه محمدا أي ولا مخالفة بين هذه الروايات على تقدير صحتها كما لا يخفى لأنه يجوز أن يكون نسى تلك الرؤية ثم تذكرها ويكون معنى سؤاله ما حملك على أن تسميه محمدا وليس من أسماء قومك أي لم استقر أمرك على أن تسميه محمدا
وذكر بعضهم أنه لا يعرف في العرب من تسمى بهذا الإسم يعنى محمدا قبله إلا ثلاثة طمع آباؤهم حين وفدوا على بعض الملوك وكان عنده علم من الكتاب الأول وأخبرهم بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم أي بالحجاز وبقرب زمنه وبإسمه المذكور الذي هو محمد وهو يدل على أن إسمه في بعض الكتب القديمة محمد وكان كل واحد منهم قد خلف زوجته حاملا فنذر كل واحد منهم إن ولد له ولد ذكر أن يسميه محمد ففعلوا
وفي الشفاء أن في هذين الإسمين محمدا وأحمد من بدائع آياته أي المصطفى وعجائب خصائصه أن الله تعالى حماهما عن أي يسمى بهما أحد قبل زمانه أي قبل شيوع وجوده أما أحمد الذي أتى في الكتب القديمة وبشرت به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فمنع الله تعالى بحكمته أن يتسمى به أحد غيره ولا يدعى به مدعو قبله منذ خلقت الدنيا وفي حياته زاد الزين العراقي ولا في زمن أصحابه رضي الله تعالى عنهم حتى لا يدخل لبس أوشك على ضعيف القلب أي فالتسمية به من خصائصه صلى الله عليه وسلم على جميع الناس ممن تقدمه خلافا لما يوهمه كلام الجلال السيوطي في الخصائص الصغرى أنه من خصائصه على الأنبياء فقط
ومن ثم ذهب بعضهم إلى أفضليته على محمد وقال الصلاح الصفدي أحمد أبلغ
من محمد كما أن أحمر وأصفر أبلغ من محمر ومصفر ولعله لكونه منقولا عن أفعل التفضيل لأنه صلى الله عليه وسلم أحمد الحامدين لرب العالمين لأنه يفتح عليه في المقام المحمود بمحامد لم تفتح على أحد قبله
وفي الهدى لو كان إسمه أحمد بإعتبار حمده لربه لكان الأولى أن يسمى الحماد كما سميت بذلك أمته وأما هذا فهو الذي يحمده أهل السماء والأرض وأهل الدنيا والآخرة لكثرة خصاله المحمودة التي تزيد على عدد العادين وإحصاء المحصين أي أحق الناس وأولاهم بأن يحمد فهو كمحمد في المعنى فهو مأخوذ من الفعل الواقع على المفعول لا الواقع من الفاعل وحينئذ فالفرق بين محمد وأحمد أن محمدا من كثر حمد الناس له وأحمد من يكون حمد الناس له أفضل من حمد غيره وسيأتي عن الشفاء أنه أحمد المحمودين وأحمد الحامدين فيجوز أن يكون أحمد مأخوذا من الفعل الواقع على المفعول كما يجوز أن يكون مأخوذا من الفعل الواقع من الفاعل
وفي كلام السهيلي ثم إنه لم يكن محمدا حتى كان قبل أحمد فبأحمد ذكر قبل أن يذكر بمحمد لأن حمده لربه كان قبل حمد الناس له وأطال في بيان ذلك
وفي كلام بعض فقهائنا معاشر الشافعية أنه ليس في أحمد من التعظيم ما في محمد لأنه أشهر أسمائه الشريفة وأفضلها فلذلك لا يكفى الإتيان به في التشهد بدل محمد وقد جاء أحب الأسماء إلى الله عبدالله وعبدالرحمن قال بعضهم وعبدالله أحب من عبدالرحمن لإضافة العبد إلى الله المختص به تعالى إتفاقا والرحمن مختص به على الأصح ومن ثم سمى نبينا صلى الله عليه وسلم في القرآن بعبدالله في قوله تعالى { وأنه لما قام عبد الله يدعوه } وعلى ما ذكر هنا يكون بعد عبدالرحمن المذكور في القرآن في قوله تعالى { وعباد الرحمن } أحمد ثم محمد أي وبعدهما إبراهيم خلافا لمن جعله بعد عبدالرحمن
وذكر بعضهم أن أول من تسمى بأحمد بعد نبينا صلى الله عليه وسلم ولد لجعفر بن أبي طالب وعليه يشكل ما تقدم عن الزين العراقي وقيل والد الخليل أي ولعل المراد به الخليل بن أحمد صاحب العروض ثم رأيت الزين العراقي صرح بذلك حيث قال وأول من تسمى في الإسلام أحمد والد الخليل بن أحمد العروضي
ويشكل على ذلك وعلى قوله لم يسم به أحد في زمن الصحابة تسمية ولد جعفر بن أبي طالب بذلك إلا أن يقال لم يصح ذلك عند العراقي أو يقال مراد العراقي أصحابه
الذين تخلفوا عنه بعد وفاته فلا يرد جعفر لأنه مات في حياته صلى الله عليه وسلم وهو خامس خمسة كل يسمى الخليل بن أحمد وزاد بعضهم سادسا وكذلك محمد أيضا لم يتسم به أحد قبل وجوده صلى الله عليه وسلم وميلاده إلا بعد أن شاع أن نبيا يبعث إسمه محمد بالحجاز وقرب زمنه فسمى قوم قليل من العرب أبناءهم بذلك وحمى الله تعالى هؤلاء أن يدعى أحد منهم النبوة أو يدعيها أحد له أو يظهر عليه شيء من سماتها أي علاماتها حتى تحققت له صلى الله عليه وسلم
وفي دعوى أن الذي في الكتب القديمة إنما هو أحمد مخالفة لما سبق وما يأتي عن التوراة والإنجيل أي فالمراد بالكتب القديمة غالبها فلا ينافى أن في بعضها إسمه محمد وفي بعضها إسمه أحمد وفي بعضها الجمع بين محمد وأحمد
قال بعضهم سمعت محمد بن عدي وقد قيل له كيف سماك أبوك في الجاهلية محمدا قال سألت أبي أي عما سألتني عنه قال خرجت رابع أربعة من تميم نريد الشام فنزلنا عند غدير عند دير فأشرف علينا الديراني وقال إن هذه للغة قوم ما هي لغة أهل هذه البلد فقلنا له نحن قوم من مضر فقال من أي المضاير فقلنا من خندف فقال لنا إن الله سيبعث فيكم نبيا وشيكا أي سريعا فسارعوا إليه وخذوا حظكم ترشدوا فإنه خاتم النبيين فقلنا له ماإسمه قال محمد ثم دخل ديره فوالله ما بقى أحد منا إلا زرع قوله في قلبه فاضمر كل واحد منا إن رزقه الله غلاما سماه محمدا رغبة فيما قاله أي فنذر كل واحد منا ذلك فلا يخالف ما سبق قال فلما انصرفنا ولد لكل واحد منا غلام فسماه محمدا رجاء أن يكون أحدهم هو والله أعلم حيث يجعل رسالاته
أقول يجوز أن يكون هؤلاء الأربعة منهم الثلاثة الذين وفدوا على بعض الملوك وحينئذ تكرر لهم هذا القول من الملك ومن صاحب الدير وإضمار ذلك لا ينافى نذره المتقدم فالمراد بإضماره نذره كما قدمناه ويجوز أن يكونوا غيرهم فيكونوا سبعة
وذكر ابن ظفر أن سفيان بن مجاشع نزل على حي من تميم فوجدهم مجتمعين على كاهنتهم وهي تقول العزيز من والاه والذليل من خالاه فقال لها سفيان من تذكرين لله أبوك فقالت صاحب هدى وعلم وحرب وسلم فقال سفيان من هو لله أبوك فقالت نبي مؤيد قد آن حين يوجد ودنا أوان يولد يبعث للأحمر
والأسود إسمه محمد فقال سفيان أعربي أم عجمي فقالت أما والسماء ذات العنان والشجر ذوات الأفانا إنه لمن معد بن عدنان حسبك فقد أكثرت يا سفيان فأمسك عن سؤالها ومضى إلى أهله وكانت إمرأته حاملا فولدت له ولدا فسماه محمدا رجاء منه أن يكون هو النبي الموصوف والله أعلم
وقد عد بعضهم ممن سمى بمحمد ستة عشرة ونظمهم في قوله ** إن الذين سموا بإسم محمد ** من قبل خير الخلق ضعف ثمان ** ** ابن البراء مجاشع بن ربيعة ** ثم ابن مسلم يحمدى حرماني ** ** ليثى السليمي وابن أسامة ** سعدى وابن سواءة همداني ** ** وابن الجلاح مع الأسيدي يافتى ** ثم الفقيمي هكذا الحمراني **
قال بعضهم وفاته آخران لم يذكرهما وهما محمد بن الحارث ومحمد بن عمر بن مغفل بضم أوله وسكون المعجمة وكسر الفاء ثم لام ووقع النزاع الكثير والخلاف الشهير في أول من سمى بذلك الإسم منهم
أقول وفي شرح الكفاية لإبن الهائم ويمكن أن يكون من زاد على أولئك الأربعة أو السبعة سمع ذلك من بعضهم فاقتدى به في ذلك طمعا فيما طمع فيه
ومثل ذلك وقع لبني إسرائيل فإن يوسف صلوات الله وسلامه عليه لما حضرته الوفاة أعلم بني إسرائيل بحضور أجله وكان أول أنبيائهم فقالوا له يا نبي الله إنا نحب أن تعلمنا بما يئول إليه أمرنا بعد خروجك من بين أظهرنا في أمر ديننا فقال لهم إن أموركم لم تزل مستقيمة حتى يظهر فيكم رجل جبار من القبط يدعى الربوبية يذبح أبناءكم ويستحيى نساءكم ثم يخرج من بني إسرائيل رجل إسمه موسى بن عمران فينجيكم الله به من أيدى القبط فجعل كل واحد من بني إسرائيل إذا جاء له ولد يسميه عمران رجاء أن يكون ذلك النبي منه ولا يخفى أن بين عمران أبي موسى وعمران أبي مريم أم عيسى وهو آخر أنبياء بني إسرائيل ألف وثمانمائة سنة والله أعلم
والذي أدرك الإسلام ممن تسمى بإسمه عليه الصلاة والسلام محمد بن ربيعة ومحمد بن الحارث ومحمد بن مسلمة وادعى بعضهم أن محمد بن مسلمة ولد بعد مولد النبي صلى الله عليه وسلم بأكثر من خمسة عشر سنة
أي وقد ذكر ابن الجوزي أن أول من تسمى في الإسلام بمحمد محمد بن حاطب وعن ابن عباس اسمى في القرآن أي كالتوراة محمد وفي الإنجيل أحمد
وأما فضل التسمية بهذا الإسم أعنى محمدا فقد جاء في أحاديث كثيرة وأخبار شهيرة أي منها أنه صلى الله عليه وسلم قال قال الله تعالى وعزتي وجلالي لا أعذب أحدا تسمى بإسمك في النار أي بإسمك المشهور وهي محمد أو أحمد ومنها ما من مائدة وضعت فحضر عليها من إسمه أحمد ومحمد أي وفي رواية فيها اسمى إلا قدس الله ذلك المنزل كل يوم مرتين ومنها قال يوقف عبدان أي إسم أحدهما أحمد والآخر محمد بين يدي الله تعالى فيؤمر بهما الى الجنة فيقولان ربنا بما أستأهلنا الجنة ولم نعمل عملا تجازينا به الجنة فيقول الله تعالى ادخلا الجنة فإني آليت على نفسي أن لا يدخل النار من إسمه أحمد أو محمد لكن قال بعضهم ولم يصح في فضل التسمية بمحمد حديث وكل ما ورد فيه فهو موضوع قال بعض الحفاظ وأصحها أي أقر بهما للصحة من ولد له مولود فسماه محمدا حبا لي وتبركا بإسمي كان هو ومولوده في الجنة
وعن أبي رافع عن أبيه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا سميتموه محمدا فلا تضربوه ولا تحرموه وفي رواية طعن فيها بأن بعض رواتها متهم بالوضع فلا تسبوه ولا تجبهوه و لا تعنفوه وشرفوه وعظموه وأكرموه وبروا قسمه وأوسعوا له في المجلس ولا تقبحوا له وجها بورك في محمد وفي بيت فيه محمد وفي مجلس فيه محمد وفي رواية تسمونه محمدا ثم تسبونه وفي رواية طعن فيها أما يستحى أحدكم أن يقول يا محمد ثم يضربه وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من ولد له ثلاثة أولاد فلم يسم أحدهم محمدا فقد جهل أي وفي رواية فهو من الجفاء وفي أخرى فقد جفاني
وذكر بعضهم وإن لم يرد في المرفوع من أراد أن يكون حمل زوجته ذكرا فليضع يده على بطنها وليقل إن كان هذا الحمل ذكرا فقد سميته محمدا فإنه يكون ذكرا
وجاء عن عطاء قال ما سمى مولود في بطن أمه محمدا إلا كان ذكرا قال ابن الجوزي في الموضوعات وقد رفع هذا بعضهم أي وروى ما اجتمع قوم قط في مشورة فيهم رجل إسمه محمد لم يدخلوه في مشورتهم إلا لم يبارك فيه أي في الأمر الذي اجتمعوا له وفي رواية فيهم رجل إسمه محمد أو أحمد فشاوروه إلا خير لهم أي إلا حصل لهم الخير فيما تشاوروا فيه وما كان إسم محمد في بيت إلا جعل الله في ذلك البيت بركة واتهم راوي ذلك بأنه مجروح
وروى ما قعد قوم قط على طعام حلال فيه رجل إسمه إسمي إلا تضاعفت فيهم البركة أي إسمه المشهور وهو أحمد أو محمد كما تقدم
وفي الشفاء إن لله ملائكة سياحين في الأرض عبادتهم أي بالباء الموحدة كل دار فيها إسم محمد أي حراسة أهل كل دار فيها إسم محمد وقد ذكر الحافظ السيوطي أن هذا الحديث غير ثابت
وعن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما قال من كان له حمل فنوى أن يسميه محمدا حوله الله تعالى ذكرا وإن كان أنثى قال بعض رواة الحديث فنويت سبعة كلهم سميتهم محمدا وعنه صلى الله عليه وسلم من كان له ذو بطن فأجمع أي يسميه محمدا رزقه الله تعالى غلاما
وشكت إليه صلى الله عليه وسلم امرأة بأنهما لا يعيش لها ولد فقال لها اجعلي لله عليك أن تسميه أي الولد الذي ترزقينه محمدا ففعلت فعاش ولدها
وعن علي رضي الله تعالى عنه مرفوعا ليس أحد من أهل الجنة إلا يدعى بإسمه أي ولا يكنى إلا آدم صلى الله عليه وسلم فإنه يدعى أبا محمد تعظيما له وتوقيرا للنبي صلى الله عليه وسلم أي لأن العرب إذا عظمت إنسانا كنته ويكنى الإنسان بأجل ولده قاله الحافظ الدمياطي وفي رواية ليس أحد أي من أهل الجنة يكنى إلا آدم فإنه يكنى أبا محمد أي وفي حديث معضل إذا كان يوم القيامة نادى مناد يا محمد قم فادخل الجنة بغير حساب فيقوم كل من إسمه محمد يتوهم أن النداء له فلكرامة محمد صلى الله عليه وسلم لا يمنعون
وفي الحلية لأبي نعيم عن وهب بن منبه قال كان رجل عصى الله مائة سنة أي في بني إسرائيل ثم مات فأخذوه وألقوه في مزبلة فأوحى الله تعالى إلى موسى عليه الصلاة والسلام أن أخرجه فصل عليه قال يا رب إن بني إسرائيل شهدوا أنه عصاك مائة سنة فأوحى الله إليه هكذا إلا أنه كان كلما نشر التوراة ونظر إلى اسم محمد قبله ووضعه على عينيه فشكرت له ذلك وغفرت له وزوجته سبعين حوراء
ومن الفوائد أنه جرت عادة كثير من الناس إذا سمعوا بذكر وضعه صلى الله عليه وسلم أن يقوما تعظيما له صلى الله عليه وسلم وهذا القيام بدعة لا أصل لها أي لكن هي بدعة حسنة لأنه ليس كل بدعة مذمومة وقد قال سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه في إجتماع الناس لصلاة التراويح نعمت البدعة وقد قال العز ابن عبد السلام إن البدعة تعتريها الأحكام الخمسة وذكر من أمثلة كل ما يطول ذكره
ولا ينافى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة وقوله صلى الله عليه وسلم من أحدث في أمرنا أي شرعنا ما ليس منه فهو رد عليه لأن هذا عام أريد به خاص فقد قال إمامنا الشافعي قدس الله سره ما أحدث وخالف كتابا أو سنة أو إجماعا أو أثرا فهو البدعة الضلالة وما أحدث من الخبر ولم يخالف شيئا من ذلك فهو البدعة المحمودة وقد وجد القيام عند ذكر إسمه صلى الله عليه وسلم من عالم الأمة ومقتدى الأئمة دينا وورعا الإمام تقي الدين السبكى وتابعه على ذلك مشايخ الإسلام في عصره فقد حكى بعضهم أن الإمام السبكي اجتمع عنده جمع كثير من علماء عصره فأنشد منشد قول الصرصري في مدحه صلى الله عليه وسلم ** قليل لمدح المصطفى الخط بالذهب ** على ورق من خط أحسن من كتب ** ** وأن تنهض الأشراف عند سماعه ** قياما صفوفا أو جثيا على الركب **
فعند ذلك قام الإمام السبكي رحمه الله وجميع من في المجلس فحصل أنس كبير بذلك المجلس ويكفى مثل ذلك في الإقتداء
وقد قال ابن حجر الهيتمي والحاصل أن البدعة الحسنة متفق على ندبها وعمل المولد وإجتماع الناس له كذلك أي بدعة حسنة ومن ثم قال الإمام أبو شامة شيخ الإمام النووي ومن أحسن ما ابتدع في زماننا ما يفعل كل عام في اليوم الموافق ليوم مولده صلى الله عليه وسلم من الصدقات والمعروف وإظهار الزينة والسرور فإن ذلك مع ما فيه من الإحسان للفقراء مشعر بمحبته صلى الله عليه وسلم وتعظيمه في قلب فاعل ذلك وشكر الله على ما من به من إيجاد رسوله صلى الله عليه وسلم الذي أرسله رحمة للعالمين هذا كلامه
قال السخاوي لم يفعله أحد من السلف في القرون الثلاثة وإنما حدث بعد ثم لا زال أهل الإسلام من سائر الأقطار والمدن الكبار يعملون المولد ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ويعتنون بقراءة مولده الكريم ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم قال ابن الجوزي من خواصه أنه أمان في ذلك العام وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام
وأول من أحدثه من الملوك صاحب أربل وصنف له ابن دحية كتابا في المولد سماه التنوير بمولد البشير النذير فأجازه بألف دينار وقد استخرج له الحافظ ابن حجر
أصلا من السنة وكذا الحافظ السيوطى وردا على الفاكهاني المالكي في قوله إن عمل المولد بدعة مذمومة & باب ذكر رضاعه صلى الله عليه وسلم وما اتصل به
يقال أنه صلى الله عليه وسلم ارتضع من ثمانية من النساء وقيل من عشرة بزيادة خولة بنت المنذر وأم أيمن عزيزة قالت أول من أرضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثويبة أي بعد إرضاع أمه له كما سيأتي قال وثويبة هي جارية عمه أبي لهب وقد أعتقها حين بشرته بولادته صلى الله عليه وسلم أي فإنها قالت له أما شعرت أن آمنة ولدت ولدا وفي لفظ غلاما لأخيك عبدالله فقال لها أنت حرة فجوزى بتخفيف العذاب عنه يوم الإثنين بأن يسقى ماء في جهنم في تلك الليلة أي ليلة الإثنين في مثل النقرة التي بين السبابة والإبهام أي أن سبب تخفيف العذاب يوم الإثنين ما يسقاه تلك الليلة في تلك النقرة
ويذكر أن بعض أهل أبي لهب أي وهو أخوه العباس رضي الله تعالى عنه رآه في النوم في حالة سيئة فعن العباس رضي الله تعالى عنه قال مكثت حولا بعد موت أبي لهب لا أراه في نوم ثم رأيته في شر حال فقلت له ماذا لقيت فقال له أبو لهب لم أذق بعدكم رخاء وفي لفظ فقال له بشر خيبة بفتح الخاء المعجمة وقيل بكسر الخاء وهي سوء الحال غير أني سقيت في هذه وأشار إلى النقرة المذكورة بعتاقتي ثويبة ذكره الحافظ الدمياطي
والذي في المواهب وقد رؤى أبو لهب بعد موته في النوم فقيل له ما حالك فقال في النار إلا أنه يخفف عني كل ليلة إثنين وأمص من بين أصبعي هاتين ماء وأشار برأس أصبعيه وأن ذلك بإعتاقي لثويبة عند ما بشرتني بولادة النبي صلى الله عليه وسلم وبإرضاعها له فليتأمل
وقيل إنه إنما أعتقها لما هاجر صلى الله عليه وسلم أي فإن خديجة رضي الله تعالى عنها كانت تكرمها وطلبت من أبي لهب أن تبتاعها منه لتعتقها فأبى أبو لهب فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أعتقها أبو لهب
أقول قد يقال لا منافاة لجواز أن يكون لما أعتقها لم يظهر عتقها وإباؤه بيعها لكونها كانت معتوقة ثم أظهر عتقها بعد الهجرة والله أعلم وإرضاعها له صلى الله عليه وسلم كان أياما قلائل قبل أن تقدم حليمة وكان بلبن إبن لها يقال له مسروح وهو بضم الميم وسين مهملة ساكنة ثم راء مضمومة ثم حاء مهملة كذا في النور وفي السيرة الشامية بفتح الميم وكانت قد أرضعت قبله أبا سفيان أبن عمه صلى الله عليه وسلم الحارث
وفي كلام بعضهم كان تربا له صلى الله عليه وسلم وكان يشبهه وكان يألفه إلفا شديدا قبل النبوة فلما بعث صلى الله عليه وسلم عاداه وهجره وهجا أصحابه رضي الله تعالى عنهم فإنه كان شاعرا مجيدا وسيأتي إسلامه رضي الله تعالى عنه عند توجهه صلى الله عليه وسلم لفتح مكة وأرضعت ثويبة رضي الله تعالى عنها قبلهما عمه صلى الله عليه وسلم حمزة بن عبد المطلب وكان أسن منه صلى الله عليه وسلم بسنتين وقيل بأربع سنين
أقول هذا يخالف ماتقدم من أن عبدالمطلب تزوج من بني زهرة هالة وأتى منها بحمزة وأن عبدالله تزوج من بني زهرة آمنة وذلك في مجلس واحد وأن آمنة حملت برسول الله صلى الله عليه وسلم عند دخول عبدالله بها وأنه دخل بها حين أملك عليها فكيف يكون حمزة أسن منه صلى الله عليه وسلم بسنتين إلا أن يقال ليس فيما تقدم تصريح بأن عبدالمطلب وعبدالله دخلا على زوجتيهما في وقت واحد
وعبارة السهيلي هالة بنت وهيب عبد بن مناف بن زهرة عم آمنة بنت وهب أم النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها عبدالمطلب وتزوج ابنه عبدالله آمنة في ساعة واحدة فولدت هالة لعبدالمطلب حمزة وولدت آمنة لعبدالله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أرضعتهما ثويبة هذا كلامه وليس فيه كقول أسد الغابة المتقدم أن عبد المطلب تزوج هو وعبدالله في مجلس واحد تصريح بأنهما دخلا بزوجتيهما في وقت واحد لإمكان حمل التزوج على الخطبة المصرح بها فيما تقدم عن ابن المحدث أن عبدالمطلب خطب هالة في مجلس خطبة عبدالله لآمنة والله أعلم
ثم رأيت في الإستيعاب قال كان أي حمزة أسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع سنين وهذا لا يصح عندي لأن الحديث الثابت أن حمزة أرضعته ثويبة مع رسول
الله صلى الله عليه وسلم إلا أن تكون أرضعتهما في زمانين هذا لفظه وفيه ما علمت وفيه أيضا على تسليم أنها أرضعتهما في زمانين لكن بلبن إبنها مسروح كما سيأتي
ويبعد بقاء لبن إبنها مسروح أربع سنين ثم أرضعت به رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيأتي الجواب عنه
وأرضعت ثويبة رضي الله تعالى عنها بعده صلى الله عليه وسلم أبا سلمة بن عبدالأسد أي ابن عمته الذي كان زوجا لأم حبيبة بنت أبي سفيان أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها فقد أرضعت ثويبة حمزة ثم أبا سفيان ابن عمه الحرث ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أبا سلمة وهو مخالف بظاهره لقول المحب الطبري وارضعته ثويبة جارية أبي لهب وأرضعت معه حمزة بن عبدالمطلب وأبا سلمة عبدالله بن عبدالأسد بلبن إبنها مسروح هذا كلامه وفيه ما علمت
وقد يجاب بأنه ممكن بأن تكون لم تحمل على ولدها مسروح في المدة المذكورة فاستمر لبنها
وأيضا هي أرضعت بين حمزة ورسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمه أبا سفيان الحارث كما علمت
وذكر بعضهم أن أبا سلمة أول من يدعى للحساب اليسير وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا واحدا فعن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت أتاني أبو سلمة يوما من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا سررت به قال لا تصيب أحدا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته ثم يقول اللهم أجرني في مصيبتي واخلف على خيرا منها إلا فعل به قال الترمذي حسن غريب ويدل لكون أبي سلمة أخاه صلى الله عليه وسلم من الرضاعة ما جاء عن أم حبيبة قالت دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له هل لك في أختى بنت أبي سفيان أي وهي عزة بعين مهملة ثم زاي أي وفي رواية هل لك في أختي حمنة بنت أبي سفيان والذي في مسلم انكح أختى عزة أي وفي البخاري أنكح أختي بنت أبي سفيان قال أو تحبين ذلك قالت نعم لست لك بمخلية بضم الميم وسكون الخاء وكسر اللام وبالتحتية أي لست لك بتاركة عدم أخذها وأحب من شاركني
في خير أختى فقال النبي صلى الله عليه وسلم فإن ذلك لايحل لي قالت فوالله إني أنبئت أي وفي لفظ إنا لنتحدث أنك تخطب درة أي وفي لفظ تريد أن تنكح درة بنت أبي سلمة أي بضم الدال المهملة وأما ضبطه بفتح الذال المعجمة قال بضعهم هو تصحيف لا شك فيه تعنى بدرة بنتها من أبي سلمة قال ابنة أبي سلمة قلت نعم فقال والله لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي إنها لإبنة أخي من الرضاعة أرضعتني وإياه ثويبة أي وفي رواية لولا أني لم أنكح أم سلمة يعني أم حبيبة التي هي أمها لم تحل لي إن أباها أخي من الرضاعة أي وأختك على فرض أن تكون بنت أخي من الرضاعة لا يحل لي أن أجمعها معك فلا تعرضن على بناتكن ولا أخواتكن قيل وفي هذا أي وفي قوله لو لم تكن ربيبتي في حجري وفي قوله تعالى { وربائبكم اللاتي في حجوركم } حجة لداود الظاهري أن الربيبة لاتحرم إلا إذا كانت في حجر زوج أمها فإن لم تكن في حجره فهي حلال له أي وقيل لها ربيبة لأنها مأخوذة من الرب وهو الإصلاح لأن زوج أمها يقوم بإصلاح أحوالها قال ولك أن تقول كان الظاهر الإقتصار على الأخوات لأن أم حبيبة هي التي عرضت أختها ولم تعرض بنتها التي هي درة
وقد يجاب بأنه صلى الله عليه وسلم جعل خطاب أم حبيبة خطابا لجميع زوجاته صلى الله عليه وسلم لأن هذا الحكم لا يختص بواحدة دون أخرى
أقول فيه أن هذا واضح لو كان في زوجاته صلى الله عليه وسلم من عرض عليه بنته إلا أن يقال المراد فلا تعرضن لا ينبغي لكن أن تعرضن وذلك لا يستلزم وقوع العرض بالفعل
ثم رأيت الإمام النووي رحمه الله ذكر أن هذا من أم حبيبة أي من عرض أختها محمول على أنه لم تكن تعلم تحريم الجمع بين الأختين عليه صلى الله عليه وسلم قال وكذا لم تعلم من عرض بنت أ سلمة تحريم الربيبة هذا كلامه وهو يقتضى أن بعض الناس عرض عليه بنت أم سلمة وإذا كان من عرضها عليه إحدى نسائه اتجه قوله فلا تعرضن على بناتكن تأمل
وبهذا الحديث استدل من قال إنه لا يجوز له صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين المرأة وأختها وهو الراجح من وجهين
ومقابله يقول خص بجواز ذلك له ولا يجمع بين المرأة وبنتها خلافا لوجه حكاه
الرافعي وهذا الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم لو لم أنكح أم سلمة لم تحل لي يرد هذا الوجه
وعبارة الخصائص الصغرى وله صلى الله عليه وسلم الجمع بين المرأة وأختها وعمتها وخالتها في أحد الوجهين وبين المرأة وابنتها في وجه حكاه الرافعي وتبعه في الروضة وجزموا بأنه غلط والله أعلم
ومما يدل أيضا على أن عمه صلى الله عليه وسلم حمزة أخوه من الرضاعة ما جاء عن علي رضي الله تعالى عنه قال قلت يا رسول الله ما لك لا تتوق في قريش أي بمثناتين فوق مفتوحتين ثم واو مشددة ثم قاف أي لا تتشوق إليهم مأخوذ من التوق الذي هو الشوق وفي رواية بالتاء والنون أي لا تختار و لاتتزوج منهم قال أو عندك قلت نعم ابنة حمزة أي عمه وهي أمامة وهي أحسن فتاة في قريش قال تلك ابنة أخي من الرضاعة أي وهذا من علي رضي الله تعالى عنه محمول على أنه لم يكن يعلم بتحريم بنت الأخ من الرضاعة عليه صلى الله عليه وسلم أو أنه لم يكن يعلم أن عمه حمزة أخ له صلى الله عليه وسلم من الرضاعة
وفيه أنه جاء رواية أليس قد علمت أنه أخي من الرضاعة وأن الله قد حرم من الرضاعة ما حرم من النسب إلا أن يراد بقوله قد علمت أي أعلم قال ولعله لم يقل أرضعتني وإياه ثويبة كما قال ذلك في أبي سلمة لأن ثويبة أرضعت حمزة ثم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أبا سلمة لأن حمزة رضيعه أيضا من امرأة من بني سعد غير حليمة كان حمزة رضي الله تعالى عنه مسترضعا عندها في بني سعد أرضعته صلى الله عليه وسلم يوما وهي عند حليمة أي فهو رضيعه صلى الله عليه وسلم من جهة ثويبة ومن جهة تلك المرأة السعدية ولم أقف على اسم تلك المرأة أي ولو اقتصر على ثويبة لأوهم أنه لم يرتضع معه على غيرها وذكر في الأصل أن بعضهم ذكر من مراضعه صلى الله عليه وسلم خولة بنت المنذر
أقول وتقدم ذلك ونسب هذا البعض في ذلك للوهم وأن خولة بنت المنذر التي هي أم بردة إنما كانت مرضعة لولده إبراهيم
وقد يجاب عنه بأنه يجوز أن تكون خولة بنت المنذر إثنتان واحدة أرضعته صلى الله عليه وسلم وواحدة أرضعت ولده إبراهيم وأن خولة التي أرضعته صلى الله عليه وسلم
وسلم هي السعدية التي كانت ترضع حمزة التي قال فيها الشمس الشامي لم أقف على إسم تلك المرأة والله أعلم ولم يذكر إسلام ثويبة إلا ابن منده
قال الحافظ ابن حجر وفي طبقات ابن سعد ما تدل على أنها لم تسلم ولكن لا يدفع نقل ابن منده به وفي الخصائص الصغرى لم ترضعه صلى الله عليه وسلم مرضعة إلا أسلمت ولم أقف على إسلام إبنها مسروح
أقول ومما يدل على عدم إسلامه ما جاء بسند ضعيف إذا كان يوم القيامة أشفع لأخ لي في الجاهلية قال الحافظ السيوطي يعنى أخاه من الرضاعة لأنه لم يدرك الإسلام
لايقال من أين أنه مسروح جاز أن يكون ابن حليمة وهو عبدالله الذي كان يرضع معه صلى الله عليه وسلم بناء على أنه لم تدرك الإسلام لأنه لم يعرف له إسلام لأنا نقول سيأتي عن شرح الهمزية لإبن حجر أن عبدالله ولد حليمة أسلم والله أعلم
أي وقد يدل على عدم إسلام ثويبة وإبنها المذكور الذي هو مسروح ما جاء أنه صلى الله عليه وسلم كان يبعث لها بصلة وكسوة وهي بمكة حتى جاءه خبر وفاتها مرجعه صلى الله عليه وسلم من خيبر سنة سبع فقال ما فعل إبنها مسروح فقيل مات قبلها أي ولو كانا أسلما لهاجرا إلى المدينة
أقول وهذا بظاهره يدل على أن مسروحا أدرك الإسلام وقد ينافى علم وفاتهما مرجعه صلى الله علهي وسلم من خيبر ما ذكر السهيلي أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلها من المدينة فلما افتتح مكة سأل عنها وعن ابنها مسروح فأخبر أنهما ماتا
وقد يقال لا منافاة لأنه يجوز أن يكون سؤاله الثاني للتثبت لوصوله محل إقامتهما والقول بأنهما لو كانا أسلما لهاجرا إلى المدينة يقال عليه يجوز أن تكون الهجرة تعذرت عليهما لعارض عرض لهما والله أعلم قال وجاء أن أمه أرضعته صلى الله عليه وسلم تسعة أيام
أقول وعن عيون المعارف للقضاعي سبعة أيام وفي الإمتاع أنها أرضعته صلى الله عليه وسلم سبعة أشهر ثم أرضعته ثويبة أياما قلائل هذا كلامه وقوله ثم أرضتعه ثويبة يخالف ما تقدم من أن أول من أرضعه ثويبة إلا أن يقال المراد أول من أرضعه غير أمه ثويبة فلا مخالفة
وبهذا يرد نقل ابن المحدث عن الأصل أن أول لبن نزل جوفه صلى الله عليه وسلم لبن ثويبة فإنه فهم ذلك من قول الأصل أول من أرضعه ثويبة لما علمت أن الأولية إضافية لا حقيقة إلا أن يدعى ذلك في نقل ابن المحدث أيضا اي أول لبن نزل جوفه صلى الله عليه وسلم بعد لبن أمه والله أعلم
قال وأرضعه صلى الله عليه وسلم ثلاث نسوة أي أبكار من بني سليم أخرجن ثديهن فوضعنها في فمه فدرت في فيه فرضع منهن وأرضعته صلى الله عليه وسلم أم فروة أي وهؤلاء النسوة الأبكار كل واحدة منهن تسمى عاتكة وهن اللاتي عناهن صلى الله عليه وسلم بقوله أنا ابن العواتك من سليم على ما تقدم
وما تقدم من أن أم أيمن أرضعته صلى الله عليه وسلم ذكره في الخصائص الصغرى رد بأنها حاضنته لا مرضعته
وعلى تقدير صحته ينظر بلبن أي ولد لها كان فإنه لا يعرف لها ولد إلا أيمن وأسامة إلا أن يقال جاز أن لبنها در له صلى الله عليه وسلم من غير وجود ولد كما تقدم في النسوة الأبكار
وأرضعته صلى الله عليه وسلم حليمة بنت أبي ذؤيب وتكنى أم كبشة أي بإسم بنت لها إسمها كبشة ويكنى بها أيضا والدها الذي هو زوج حليمة أي وكانت من هوازن أي من بني سعد بن بكر بن هوازن وسيأتي الكلام على إسلامها
وعنها أنها كانت تحدث أنها خرجت من بلدها معها ابن لها ترضعه إسمه عبدالله ومعها زوجها قال وهو الحارث بن عبدالعزى ويكنى أبا ذؤيب أي كما يكنى أبا كبشة أدرك الإسلام وأسلم
فقد روى أبو داود بسند صحيح عن عمرو بن السائب أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا يوما فأقبل أبوه من الرضاعة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجلسه بين يديه
وعن ابن إسحاق بلغني أن الحارث إنما أسلم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يؤيد قول بعضهم لم يذكر الحارث كثير ممن ألف في الصحابة
أقول يدل للأول ظاهر ما روى أن الحارث هذا قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة بعد نزول القرآن عليه صلى الله عليه وسلم فقالت له قريش أو تسمع
يا حارث ما يقول إبنك فقال وما يقول قالوا يزعم أن الله يبعث من في القبور وأن لله دارين يعذب فيهما من عصاه ويكرم فيهما من أطاعه أي يعذب في إحداهما من عصاه وهي النار ويكرم في الأخرى من أطاعه وهي الجنة فقد شتت أمرنا وفرق جماعتنا فأتاه فقال أي بني مالك ولقومك يشكونك ويزعمون أنك تقول كذا أي أن الناس يبعثون بعد الموت ثم يصيرون إلى جنة ونار فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم أنا أقول ذلك وفي لفظ أنا أزعم ذلك ولو قد كان ذلك اليوم يا أبت فلآخذن بيدك حتى أعرفك حديثك اليوم فأسلم الحرث بعد ذلك وحسن إسلامه أي وقد كان يقول حين أسلم لو أخذ ابني بيدي فعرفني ما قال لم يرسلني حتى يدخلني الجنة وإنما قلنا ظاهر لأنه قد يقال قوله بعد ذلك يصدق بما بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فلا دلالة في ذلك على أنه أسلم في حياته صلى الله عليه وسلم
وفي شرح الهمزية لإبن حجر ومن سعادتها يعنى حليمة توفيقها للإسلام هي وزوجها وبنوها وهم عبدالله والشيما وأنيسة هذا كلامه
وفي الإصابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان جالسا أي على ثوب فأقبل أبوه من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه ثم أقبلت أمه صلى الله عليه وسلم فوضع لها شق ثوبه من الجانب الآخر فجلست عليه ثم أقبل أخوه صلى الله عليه وسلم من الرضاعة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس بين يديه ورجاله ثقات ولعل المراد بجلوسه بين يديه جلوسه مقابله وحينئذ ففاعل جلس النبي صلى الله عليه وسلم وضمير يديه راجع لأخيه أي قام صلى الله عليه وسلم عن محل جلوسه على الثوب وأجلس أخاه على الثوب مكانه وجلس صلى الله عليه وسلم قبالة أخيه فعل صلى الله عليه وسلم ذلك ليكون أخوه هو وأبواه جيمعا على الثوب والله أعلم
قالت وخرجت في نسوة من بني سعد أي ابن بكر بن هوازن عشرة يطلبن الرضعاء في سنة شهباء أي ذات جدب وقحط لم تبق شيئا على أتان قمراء بفتح القاف والمد أي شديد البياض ومعنى شارف أي ناقة مسنة ما تبض بالضاد المعجمة وربما روى بالمهملة أي ما ترشح بقطرة لبن قالت وما كنا ننام ليلتنا أجمع من صبينا الذي معنا من بكائه من الجوع ما في ثدي وفي رواية ثديى ما يغنيه وما في شارفنا ما يغذيه بمعجمتين وقيل بمعجمة ثم مهملة وقيل بإسكان العين المهملة وكسر الذال المعجمة
وضم الباء الموحدة أي ما يكفيه بحيث يرفع رأسه وينقطع عن الرضاعة قالت حليمة ولكنا نرجو الغيث والفرج فخرجت على أتاني تلك فلقد أدمت بالدال المهملة وتشديد الميم بالركب أي حبسته بتأخرها عنه لشدة عنائها وتعبها لضعفها وهزالها حتى شق ذلك عليهم حتى قدمنا مكة نلتمس أي نطلب الرضعاء جمع رضيع وأدم مأخوذ من الماء الدائم يقال أدم بالركب إذا أبطأ حتى حبسهم ويروى بالمعجمة أي جاء بما يذم عليه وهو هنا لإبطاء
أقول لأنه كان من شيم العرب وأخلاقهم إذا ولد لهم ولد يلتمسون له مرضعة في غير قبيلتهم ليكون أنجب لولد وأفصح له وقيل لأنهم كانوا يرون أنه عار على المرأة أن ترضع ولدها انتهى أي تستقل برضاعه
ويدل للأول ما جاء أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول لأصحابه أنا أعربكم أي أفصحكم عربية أنا قرشي وأسترضعت في بني سعد وجاء أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه لما قال له صلى الله عليه وسلم ما رأيت أفصح منك يا رسول الله فقال له مايمنعني وأنا من قريش وأرضعت من بني سعد فهذا كان يحمله على دفع الرضعاء إلى المراضع الأعرابيات
ومن ثم نقل عن عبدالملك بن مروان أنه كان يقول أضر بناحب الوليد يعنى ولده لأنه لمحبته له أبقاه مع أمه في المصر ولم يسترضعه في البادية مع الأعراب فصار لحانا لا عربية له وأخوه سليمان استرضع في البادية مع الأعراب فصار عربيا غير لحان
قالت حليمة فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه إذا قيل لها يتيم وذلك أنا إنما نرجو المعروف من أبى الصبي فكنا نقول يتيم ما عسى أن تصنع أمه وجده فكنا نكرهه لذلك فما بقيت امرأة معي إلا أخذت رضيعا غيري فلما أجمعنا الإنطلاق أي عزمنا عليه قلت لصاحبي والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعا والله لأذهبن إلى ذلك الرضيع فلآخذنه قال لا عليك أي لا بأس عليكم أن تفعلي عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة فذهبت إليه فأخذته
أقول وهذا السياق قد يخالف قول بعضهم إن عبدالمطلب خرج يلتمس له المراضع فجاءت له حليمة ابنة أبي ذؤيب إلا أن يقال جاز أن يكون التماسه للمراضع
غير حليمة كان عند قدومهن وأبين أن يقبلن ثم طلب من حليمة ذلك بعد أن لم يجد رضيعا ويدل لذلك قول صاحب شفاء الصدور إن حليمة قالت استقبلني عبدالمطلب فقال من أنت فقلت أنا أمرأة من بني سعد قال ما أسمك قلت حليمة فتبسم عبدالمطلب وقال بخ بخ سعد وحلم خصلتان فيهما خير الدهر وعز الأبد يا حليمة إن عندي غلاما يتيما وقد عرضته على نساء بني سعد فأبين أن يقبلن وقلن ما عند اليتيم من الخير إنما نلتمس الكرامة من الآباء فهل لك أن ترضعيه فعسى أن تسعدي به فقلت ألا تذرني حتى أشاور صاحبي فانصرفت إلى صاحبي فأخبرته فكأن الله قذف في قلبه فرحا وسرورا فقال لي يا حليمة خذيه فرجعت إلى عبدالمطلب فوجدته قاعدا ينتظرني فقلت هلم الصبي فاستهل وجهه فرحا فأخذني وأدخلني بيت آمنة فقالت لي أهلا وسهلا وأدخلتني في البيت الذي فيه محمد صلى الله عليه وسلم فإذا هو مدرج في ثوب صوف أبيض من اللبن وتحته حريرة خضراء راقد على قفاه يغط يفوح منه رائحة المسك فأشفقت أي خفت أن أوقظه من نومه لحسنه وجماله فوضعت يدى على صدره فتبسم ضاحكا وفتح عينيه إلى فخرج من عينيه نور حتى دخل خلال السماء وأنا أنظر فقبلته بين عينيه وأخذته وما حملني على أخذه أي أكد أخذه إلا أني لم أجد غيره وإلا فما ذكرته من أوصافه مقتض لأخذه أي وهذه الرواية ربما تدل على أنها لم تره قبل ذلك وأن إباءها كان قبل رؤيتها له قالت فلما أخذته رجعت به إلى رحلى فلما وضعته في حجرى أقبل ثدياي بما شاء الله من لبن فشرب حتى روى أي من الثدي الأيمن وعرضت عليه الأيسر فأباه قالت حليمة وكانت تلك حالته بعد أي بعد ذلك لا يقبل إلا ثديا واحدا وهو الأيمن
وفي السبعيات للهمذاني أن أحد ثديي حليمة كان لا يدر اللبن منه فلما وضعته في فم رسول الله صلى الله عليه وسلم در اللبن منه قالت وشرب معه أخوه حتى روى ثم نام وما كنا ننام معه قبل ذلك أي فعدم نومه من الجوع فقام زوجي إلى شارفنا تلك فإذا هي حافل أي ممتلئة الضرع من اللبن فحلب منها ما شرب وشربت حتى انتهينا ريا وشبعا فبتنا بخير ليلة يقول صاحبي حين أصبحنا تعلمي والله يا حليمة لقد أخذت نسمة مباركة قلت والله إني لأرجو ذلك ثم خرجنا وركبت أتاني وحملته صلى الله عليه وسلم معي عليها فوالله لقطعت بالركب أي صيرته خلفها ما يقدر عليها أي على
مرافقتها ومصاحبتها شيء من حمرهن حتى أن صواحبي يقلن لي يا بنت أبي ذؤيب ويحك اربعي أي اعطفى علينا بالرفق وعدم الشدة في السر أليس هذا أتانك التي كنت خرجت عليها تخفضك طورا وترفعك أخرى فأقول لهن بلى والله إنها لهى فيقلن والله إن لها لشأنا أي وقالت حليمة فكنت أسمع أتاني تنطق ونقول والله إن لي لشأنا ثم شأنا شأني بعثني الله بعد موتي ورد لي سمني بعد هزالي ويحكن يا نساء بني سعد إنكن لفي غفلة وهل تدرين من على ظهري على ظهري خير النبيين وسيد المرسلين وخير الأولين والآخرين وحبيب رب العالمين ذكره في النطق المفهوم
وذكرت أنها لما أرادت فراق مكة رأت تلك الأتان سجدت أي خفضت رأسها نحو الكعبة ثلاث سجدات ورفعت رأسها إلى السماء ثم مشت قالت ثم قدمنا منازل بني سعد ولا أعلم أرضا من أراضي الله أجدب منها فكانت غنمى تروح على حين قدمنا به شباعا لبنا أي غزيرات اللبن فنحلب ونشرب ولفظ فنحلب ما شئنا والله ما يحلب إنسان قطرة لبن ولا يجدها في ضرع حتى كان الحاضر أي المقيم في المنازل من قومنا يقول لرعاتهم ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب يعنونني فتروح أغنامهم جياعا ما تبض بقطرة لبن وتروح غنمي شباعا لبنا فلم نزل نعرف من الله تعالى الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته وكان يشب شبا لا يشبه الغلمان فلم يقطع سنتيه حتى كان غلاما جفرا أي غليظا شديدا
وعن حليمة رضي الله تعالى عنها أنه صلى الله عليه وسلم لما بلغ شهرين كان يجيء إلى كل جانب أي وهذا يضعف ما تقدم عن الإمتناع من أن أمه صلى الله عليه وسلم أرضعته سبعة أشهر قالت حليمة فلما بلغ صلى الله عليه وسلم ثمانية أشهر كان يتكلم بحيث يسمع كلامه ولما بلغ تسعة أشهر كان يتكلم الكلام الفصيح ولما بلغ عشرة أشهر كان يرمى السهام مع الصبيان
وعنها رضي الله تعالى عنها أنها قالت إنه لفى حجرى ذات يوم إذ مرت به غنيماتي فأقبلت واحدة منهن حتى سجدت له وقبلت رأسه ثم ذهبت إلى صواحبها
أقول وقد سجدت له صلى الله عليه وسلم الغنم وكذا الجمل بعد بعثته والهجرة فعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل حائطا أي بستانا للإنصار ومعه أبو بكر وعمر ورجال من الأنصار وفي الحائط غنم فسجدت
له فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه يا رسول الله كنا أحق بالسجود لك من هذه الغنم فقال إنه لا ينبغي في أمتي أن يسجد أحد لأحد ولو كان ينبغي لأحد أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها زاد في رواية ولو أن رجلا أمر زوجته أن تنقل من جبل إلا جبل لكان نولها أي حقها أن تفعل وحرب جمل بكسر الراء أي اشتد غضبه فصار لا يقدر أحد يدخل عليه فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأصحابه افتحوا عنه فقالوا إنا نخشى عليك يا رسول الله فقالوا افتحوا عنه ففتحوا عنه فلما رآه الجمل خر ساجدا أي فأخذ بناصيته ثم دفعه لصاحبه وقال استعمله وأحسن علفه فقال القوم يا رسول الله كنا أحق أن نسجد لك من هذه البهيمة فقال كلا الحديث وفي هذا دلالة على عظيم حق الزوج على زوجته
وجاء مما يدل على ذلك أيضا ما روى أن أسماء بنت يزيد الأنصارية أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن الله بعثك إلى الرجال والنساء فآمنا بك واتبعناك ونحن معاشر النساء مقصورات مخدرات قواعد بيوت ومواضع شهوات الرجال وحاملات أولادهم وأن الرجال فضلوا بالجماعات وشهود الجنائز والجهاد وإذا خرجوا للجهاد حفظنا لهم أموالهم وربينا لهم أولادهم أفنشاركهم في الأجر يا رسول الله فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه إلى أصحابه وقال هل سمعتم مقالة امرأة أحسن سؤالا عن دينها من هذه قالوا بلى يا رسول الله فقال انصرفي يا أسماء واعملي بأنك من النساء إن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها لمرضاته وإتباعها لموافقته يعدل كل ما ذكرت للرجال أي من حضور الجماعات وشهود الجنائز والجهاد فانصرفت أسماء وهي تهلل وتكبر استبشارا بما قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم والتبعل ملاعبة المرأة لزوجها والله أعلم
قالت حليمة وكان ينزل عليه صلى الله عليه وسلم كل يوم نور كنور الشمس ثم ينجلى عنه وإلى قصة رضاعه صلى الله عليه وسلم يشير صاحب الهمزية بقوله ** وبدت في رضاعه معجزات ** ليس فيها عن العيون خفاء ** ** إذ أتته ليتمه مرضعات ** قلن ما في اليتيم عنا غناء ** ** فأتته من آل سعد فتاة ** قد أبتها لفقرها الرضعاء ** ** أرضعته لبانها فسقتها ** وبنيها ألبانهن الشاء ** **
أصبحت شولا عجافا وأمست ** ما بها شائل ولا عجفاء ** ** أخصب العيش عندها بعد محل ** إذ غدا للنبي منها غذاء ** ** يا لها منة لقد ضوعف الأجر ** عليها من جنسها والجزاء ** ** وإذا سخر الإله أناسا ** لسعيد فإنهم سعداء **
أي وظهرت في رضاعه وفي زمن رضاعه صلى الله عليه وسلم أمور خارقة للعادة لوضوحها لا تخفى على العيون
فمن ذلك أن المراضع أبين أن يأخذنه صلى الله عليه وسلم لأجل يتمه فبعد أن تركته أتته فتاة من آل سعد قد أبتها أهل الرضعاء لفقرها فسقته لبنها فسقتها وبنيها الشاء ألبانها وكانت تلك الشياه لا لبن بها بل هزيلات فصارت ذات ألبان وسمن
ومن ذلك أن العيش كثر عندها بعد شدة المحل لأجل حصول غذاء النبي صلى الله عليه وسلم يا لها أي لتلك الخصلة الصادرة من حليمة وهي سقيها له لبنها نعمة منها عليه لقد كرر الثواب والجزاء على تلك النعمة من جنس تلك النعمة لأن الجزاء من جنس العمل فلما سقت اللبن سقيته ولا بدع فإن الله تعالى إذا سخر أناسا لمحبة سعيد والقيام بخدمته فإنهم بسبب ذلك سعداء
أقول لم أقف على رواية فيها أن حليمة أبتها أهل الرضعاء لفقرها وكأن الناظم أخذ ذلك من قولها فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعا غيري وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره ولا دلالة في ذلك
واستفتى الحافظ ابن حجر عن بعض الوعاظ يذكر عند إجتماع الناس للمولد حادثات أي وقائع تتعلق به صلى الله عليه وسلم جاءت بها الأخبار هي نخلة بالتعظيم حتى يظهر من السامعين لها حزن فيبقى صلى الله عليه وسلم في حيز من يرحم لا في حيز من يعظم
من ذلك أنهم يقولون إن المراضع حضرن ولم يأخذنه لعدم ماله ونحو ذلك فما قولكم في ذلك
فأجاب بما نصه ينبغي لمن يكون فطنا أن يحذف من الخبر أي الحديث ما يوهم في المخبر عنه نقصا ولا يضره ذلك بل يجب كما وقع لإمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه حيث قال في بعض نصوصه وقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة لها شرف فكلم فيه فقال لو سرفت فلانة لإمرأة شريفة لقطعتها يعنى فاطمة بنت النبي صلى
الله عليه وسلم فلم يصرح بإسمها تأدبا معها أن تذكر في هذا المعرض وإن كان صلى الله عليه وسلم ذكرها لأن ذلك منه صلى الله عليه وسلم حسن دل على أن الخلق عنده صلى الله عليه وسلم في الشرع سواء فهذا من كمال أدب الإمام رضي الله تعالى عنه وأرضاه ونفعنا ببركاته أي فإذا جاز حذف بعض الحديث الموهم نقصا في بعض أهل بيته فما بالك بما بوهم النقص فيه صلى الله عليه وسلم وهذا من الحافظ يدل على أن إباء المراضع له صلى الله عليه وسلم وارد حيث أقره ولم ينكره والله أعلم
قال وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كان أول كلام تكلم به صلى الله عليه وسلم حين فطمته حليمة رضي الله تعالى عنها الله أكبر تكبيرا والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا أي وقد تقدم أنه صلى الله عليه وسلم تكلم بهذا عند خروجه من بطن أمه وفي رواية أول كلام تكلم صلى الله عليه وسلم به في بعض الليالي أي وهو عند حليمة لا إله إلا الله قدوسا قدوسا نامت العيون والرحمن لا تأخذه سنة ولا نوم وكان صلى الله عليه وسلم لا يمس شيئا إلا قال بسم الله
وعن حليمة رضي الله عنها لما دخلت به صلى الله عليه وسلم إلى منزلي لم يبق منزل من منازل بني سعد إلا شممنا منه ريح المسك وألقيت محبته صلى الله عليه سلم أي وإعتقاد بركته في قلوب الناس حتى إن أحدهم كان إذا نزل به أذى في جسده أخذ كفه صلى الله عليه وسلم فيضعها على موضع الأذى فيبرأ بإذن الله تعالى سريعا وكذلك إذا اعتل لهم بعير أو شاة انتهى
قالت حليمة فقدمنا مكة على أمه صلى الله عليه وسلم أي بعد أن بلغ سنتين ونحن أحرص شيء على مكثه فينا لما نرى من بركته صلى الله عليه وسلم فكلمنا أمه وقلت لها لو تركتي بني عندي حتى يغلظ
وفي كلام ابن الأثير قلنا لها دعينا نرجع به هذه السنة الأخرى فإني أخشى عليه وباء مكة أي مرضها ووخمها فلم نزل بها حتى ردته صلى الله عليه وسلم معنا
وقيل إن أمه صلى الله عليه وسلم آمنة قالت لحليمة ارجعي بابني فإني أخاف عليه وباء مكة فوالله ليكونن له شأن أي ولا مخالفة بينهما لجواز أن حليمة لما قالت لها ما تقدم قالت لحليمة ارجعي بإبني على الفور فإني أخاف عليه وباء مكة أي كما تخافين عليه ذلك قالت حليمة فرجعنا به صلى الله عليه وسلم فوالله إنه بعد مقدمنا به صلى الله عليه وسلم
بأشهر عبارة ابن الأثير بعد مقدمنا بشهرين أو ثلاثة مع أخيه يعنى من الرضاعة لفى بهم لنا ولعل هذا لا ينافيه قول المحب الطبري فلما شب وبلغ سنتين لأنه ألغى أي ذلك الكسر فبينما هو صلى الله عليه وسلم وأخوه في بهم لنا خلف بيوتنا والبهم أولاد الضأن إذ أتى أخوه يشتد أي يعدو فقال لي ولأبيه ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه فشقا بطنه فهما يسوطانه أي يدخلان يديهما في بطنه قالت فخرجت أنا وأبوه نحوه فوجدناه قائما منتقعا وجهه وفي لفظ لونه أي متغير أي صار لونه كلون النقع الذي هو الغبار وهو صفة ألوان الموتى وذلك لما ناله من الفزع أي من رؤية الملائكة لا من مشقة نشأت عن ذلك الشق لما يأتى في بعض الروايات فلم أجد لذلك حسا ولا ألما ومن ثم قال ابن الجوزي فشقة وما شق عليه وإطلاقه شامل لهذه المرة التي هي الأولى وقد قال بعضهم إنه لم ينتفع لونه إلا وهو صلى الله عليه وسلم صغير في بني سعد
قالت فالتزمته والتزمه أبوه فقلنا له مالك يا بني فقال صلى الله عليه وسلم جاءني رجلان عليها ثياب بيض أي وهما جبريل وميكائيل أي وهما المراد بقوله في رواية فأقبل إلي طيران أبيضان كأنهما نسران فقال أحدهما لصاحبه أهو هو قال نعم فأقبلا يبتدراني فأخذاني فأضجعاني فشقا بطني فالتمسا فيه شيئا أي طلباه فوجداه فأخذاه وطرحاه ولا أدري ما هو أي وسيأتي أن هذا الذي قال صلى الله عليه وسلم فيه وما أدري ما هو أنه علقة سوداء استخرجاها من قلبه بعد شق بطنه ففي هذه الرواية طي ذكر القلب وشقه وسيأتي ذكر ذلك في بعض الروايات
وفي رواية غريبة نزل عليه كركيان فشق أحدهما بمنقاره جوفه ومج الآخر فيه بمنقاره ثلجا أو بردا وقد يقال إن الطيرين تارة شبها بالنسرين وتارة شبها بالكركيين وفي كون مجئ جبريل وميكائيل على صورة النسر لطيفة لأن النسر سيد الطيور فقد جاء في الحديث هبط على جبريل فقال يا محمد إن لكل شيء سيد فسيد البشر آدم وأنت سيد ولد آدم وسيد الروم صهيب وسيد فارس سلمان وسيد الحبش بلال وسيد الشجر السدر وسيد الطير النسر وفي بحر العلوم وسيد الملائكة إسرافيل وسيد الشهداء هابيل وسيد الجبال جبل موسى وسيد الأنعام الثور وسيد الوحوش الفيل وسيد السباع الأسد زاد بعضهم وسيد الشهور رمضان وسيد الأيام يوم الجمعة وسيد الكلام العربية وسيد العربية القرآن وسيد القرآن سورة البقرة
قالت حليمة فرجعنا به صلى الله عليه وسلم إلى خبائنا أي محل الإقامة وقال لي أبوه
يا حليمة لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب فألحقيه بأهله قبل أن يظهر به ذلك وفي رواية قال الناس يا حليمة رديه على جده واخرجي من أمانتك وفي رواية وقال زوجي أرى أن ترديه على أمه لتعالجه والله إن أصابه ما أصابه إلا حسد من آل فلان لما يرون من عظيم بركته قالت فحملناه فقدمنا به مكة على أمه قال الواقدي وكان إبن عباس يقول رجع إلى أمه وهو ابن خمس سنين أي وزاد في الإستيعاب ويومين من مولده صلى الله وكان غيره أي غير ابن عباس يقول رجع إلى أمه وهو ابن أربع سنين وذكر الأموي أنه رجع إلى أمه وهو ابن ست سنين انتهى
أقول سياق ما قبله يدل على أن قدوم حليمة به على أمه كان عقب الواقعة المذكورة وتقدم أن سنه حينئذ كان سنتين وأشهر وسيأتي ما فيه والله أعلم
وعن ابن عباس أن حليمة كانت تحدث أنه صلى الله عليه وسلم لما ترعرع كان يخرج فينظر إلى الصبيان يلعبون فيجتنبهم فقال لي يوما يا أماه مالي لا أرى إخوتي بالنهار يعنى إخوته من الرضاعة وهم أخوه عبدالله وأختاه أنيسة والشيماء بفتح المعجمة وسكون التحية أولاد الحارث قلت فدتك نفسي إنهم يرعون غنما لنا فيروحون من ليل إلى ليل قال ابعثيني معهم فكان عليه الصلاة والسلام يخرج مسرورا ويعود مسرورا أي وهذا لا يخالف قولها السابق كان مع أخيه في بهم لنا خلف بيوتنا ولا قوله صلى الله عليه وسلم الآتي فبينما أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما لنا ولا قوله فبينما أنا ذات يوم منتبذا من أهلي في بطن واد مع أتراب لي من الفتيان كما لا يخفى
قالت حليمة فلما كان يوما من ذلك خرجوا فلما انتصف إليها أتاني أخوه أي وفي رواية إذا أتى ابني ضمرة يعدو فزعا وجبينه يرشح باكيا ينادى يا أبت ويا أمه الحقا أخي محمدا فما تلحقانه إلا ميتا قلت وما قضيته قال بينا نحن قيام إذ أتاه رجل فاختطفه من وسطنا وعلا به ذروة الجبل ونحن ننظر إليه حتى شق صدره إلى عانته ولا أدرى ما فعل به
أقول ولعل ضمرة هذا هو أخوه عبدالله المتقدم ذكره لقب بذلك لخفة جسمه ولا يخالف ذلك قوله صلى الله عليه وسلم الآتي إن أترابه الذين كانوا معه انطلقوا هربا مسرعين إلى الحي يؤذونهم ويستصرخونهم ولأنه يجوز أن يكون ضمرة سبقهم والله أعلم
قالت حليمة فانطلقت أنا وأبوه نسعى سعيا فإذا نحن به قاعدا على ذورة الجبل شاخصا ببصره إلى السماء يتبسم ويضحك فأكببت عليه وقبلته بين عينيه وقلت له فدتك نفسي
ما الذي دهاك قال خيرا كذا بالنصب يا أماه بينا أنا الساعة قائم إذ أتاني رهط ثلاثة بيد أحدهم إبريق فضة في يد الآخر طست من زمردة خضراء والزمردة بالضم والزاي المعجمة الزبر جد وهو معرب فأخذوني وانطلقوا بي إلى ذروة الجبل فأضجعوني على الجبل إضجاعا لطيفا وفيه أن هذا يخالف قوله صلى الله عليه وسلم الآتي فأخذوني حتى أتوا شفير الوادي فعمد أحدهم فأضجعني إلى الأرض ثم شق من صدري إلى عانتي وسيأتي الجمع بينهما وقوله ثم شق من صدري إلى عانتي هو المراد ببطنه فيما تقدم وما يأتي قال وأنا أنظر إليه فلم أجد لذلك حسا ولا ألما الحديث وفي هذه الرواية طي ذكر القلب وشقه أيضا
أقول ولا منافاة في تلك الرواية بين قولها فوجدناه قائما وبين قولها في هذه الرواية فإذا نحن به قاعدا على ذروة الجبل لجواز أن تكون أرادت بقولها قائما كونه حيا وبكونه قاعدا كونه ماكثا كما لا منافاة بين قولها في تلك الرواية منتقعا وجهه وبين قولها في هذه الرواية يتبسم ويضحك لأن ذلك لا ينافي الفزع أو لجواز أن يكون تبسمه وضحكه تعجبا لما رأى من الحالة التي عليها أمه من التعب والشدة والله أعلم
قال وذكر ابن إسحاق أن حليمة لما قدمت به صلى الله عليه وسلم مكة لترده على أمه أي بعد شق صدره صلى الله عليه وسلم وقد بلغ أربع سنين أو خمسا أو ستا على ما تقدم أضلته في أعالي مكة فأتت جده عبدالمطلب فقالت إني قدمت بمحمد هذه الليلة فلما كنت بأعالي مكة أضلني فوالله ما أدري أين هو فقام عبدالمطلب عند الكعبة يدعو الله أن يرده عليه وفي مرآة الزمان أنه أنشد ** يا رب رد لي ولدي محمدا ** أردده ربي واصطنع عندي يدا **
وسيأتي أن هذا البيت أنشده عبدالمطلب حين بعث صلى الله عليه وسلم ليرد إبلا له ضلت
وقد يقال لا مانع من تكرر ذلك منه فسمع هاتفا من السماء يقول أيها الناس لا تضجوا إن لمحمد ربا لن يخذله ولا يضيعه فقال عبدالمطلب من لنا به فقال إنه بوادي تهامة عند الشجرة اليمنى فركب عبد المطلب نحوه وتبعه ورقة بن نوفل وسيأتي بعض ترجمة ورقة فوجداه صلى الله عليه وسلم قائما تحت شجرة يجذب عصنا من أغصانها فقال له جده من أنت يا غلام فقال أنا محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب فقال وأنا عبدالمطلب جدك فدتك نفسي وأحتمله وعانقه وهو يبكى ثم رجع إلى مكة وهو قدامه على قربوس فرسه ونحر الشياه والبقر وأطعم أهل مكة
أقول وقول جده من أنت يا غلام لعله لكونه وجده على حالة لا توجد لمن يكون في سنه عادة كما تقدم عن حليمة من قولها كان يشب شبابا لا يشبه الغلمان
وفي السيرة الهشامية أن الذي وجده هو ورقة بن نوفل ورجل آخر من قريش فأتيا به عبدالمطلب أي ويقال إن عمرو بن نفيل رآه وهو لا يعرفه فقال له من أنت يا غلام فقال أنا محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم فاحتمله بين يديه على الراحلة حتى أتى به عبدالمطلب
وفي كلام بعض المفسرين في تفسير قوله تعالى { ووجدك ضالا فهدى } روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ضللت عن جدي عبدالمطلب وأنا صبي وصار ينشد وهو متعلق باستار الكعبة يا رب رد ولدي محمدا البيت فجاء أبو جهل بين يديه على ناقة وقال لجدي ألا تدري ما وقع من إبنك فسأله فقال أنخت الناقة وأركبته من خلفي فأبت أن تقوم فأركبته من امامي فقامت ويحتاج إلى جمع على تقدير صحة كل مما ذكر
وقد يقال لا مانع من تعدد ذلك ويدل لذلك أن بعض المفسرين قال في تفسير قوله تعالى { ووجدك ضالا فهدى } قيل ضل عن حليمة مرضعته وقيل ضل عن جده عبد المطلب وهوصغير
قالت حليمة فقالت أمه ما أقدمك به يا ظئر أي يا مرضعة ولقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك قلت قد بلغ والله وقضيت الذي على وتخوفت عليه الأحداث فأديته إليك كما تحبين فقالت ما هذا شأنك فاصدقيني خبرك قالت فلم تدعني حتى أخبرتها قالت أفتخوفت عليه الشيطان قلت نعم قالت كلا والله ما للشيطان عليه سبيل وإن لإبني شأنا أفلا أخبرك خبره قلت بلى قالت رأيت حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء له قصور بصرى من أرض الشام ثم حملت به فوالله ما رأيت أي ما علمت من حمل قط كان أخف على ولا أيسر منه ووقع حين ولدته وإنه لواضع يده بالأرض رافع رأسه إلى السماء دعيه عنك وانطلقي راشدة
قال وعن حليمة أنه مر عليها جماعة من اليهود فقالت ألا تحدثوني عن ابن هذا حملته كذا ووضعته كذا ورأيت كذا كما وصفت لها أمه أي فإنها ذكرت لها ذلك مرتين عند دفعه لها وعند أخذه منها انتهى
أقول ولا ينافي ذلك قول آمنة لحليمة أولا أخبرك خبره وقول حليمة لها بلى لجواز أن تكون أمه لم تكن متذكرة أنها أخبرتها بذلك قبل ذلك وأن حليمة كذلك أو جوزت حليمة أنها تخبرها بزيادة عما أخبرتها به أولا بناء على إتحاد ما أخبرتها به أولا وثانيا والله أعلم
قالت ولما أخبرت أولئك اليهود بذلك قال بعضهم لبعض اقتلوه فقالو أيتيم هو فقالت لا هذا أبوه وأنا أمه فقالوا لو كان يتيما قتلناه
أقول وهذا يدل على أن ما ذكرته أمه لحليمة من أنها حين حملت به خرج منها نور إلى آخر ما تقدم وأن يكون لا أب له مذكورا في بعض الكتب القديمة أنه من علامة نبوة النبي المنتظر والله أعلم
قال وعنها أنها نزلت به سوق عكاظ أي وكان سوقا للجاهلية بين الطائف ونخلة المحل المعروف كانت العرب إذا حجت أقامت بهذا السوق شهر شوال فكانوا يتفاخرون فيه وللمفاخرة فيه سمى عطاظ يقال عكظ الرجل صاحبه إذا فاخره وغلبه في المفاخرة
وفي كلام بعضهم كان سوق عكاظ لثقيف وقيس غيلان فرآه كاهن من الكهان فقال يا أهل سوق عكاظ اقتلوا هذا الغلام فإن له ملكا فزاغت أي مالت به وحادت عن الطريق فأنجاه الله تعالى أي وفى الوفاء لما قامت سوق عكاظ أنطلقت حليمة برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عراف من هذيل يريه الناس صبيانهم فلما نظر إليه صاح يا معشر هذيل يا معشر العرب فاجتمع إليه الناس من أهل الموسم فقال اقتلوا هذا الصبي فأنسلت حليمة به فجعل الناس يقولون أي صبي فيقول هذاالصبي فلا يرون شيئا فيقال له ما هو فيقول رأيت غلاما والآلهة ليقتلن أهل دينكم وليكسرن آلهتكم وليظهرن أمره عليكم فطلب فلم يوجد
وعنها رضي الله عنها أنها لما رجعت به مرت بذي المجاز وهو سوق للجاهلية على فرسخ من عرفة أي وهذا السوق قبله سوق يقال له سوق مجنة كانت العرب تنتقل إليه بعد انفضاضهم من سوق عكاظ فتقيم فيه عشرين يوما من ذي القعدة ثم تنتقل إلى هذا السوق الذي هو سوق ذي المجاز فتقيم به إلى أيام الحج وكان بهذا السوق عراف أي منجم يؤتى إليه بالصبيان ينظر إليهم فلما نظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
أي نظر إلى خاتم النبوة وإلى الحمرة في عينيه صاح يا معشر العرب اقتلوا هذا الصبي فليقتلن أهل دينكم وليكسرن أصنامكم وليظهرن أمره عليكم إن هذا لينظر أمرا من السماء وجعل يغرى بالنبي صلى الله عليه وسلم فلم يلبث أن وله فذهب عقله حتى مات
أي وفي السيرة الهشامية أن نفرا نصارى من الحبشة رأوه صلى الله عليه وسلم مع أمه السعدية حين رجعت به إلى أمه بعد فطامه فنظروا إليه وقلبوه أي رأوا خاتم النبوة بين كتفيه وحمرة في عينيه وقالوا لها هل يشتكي عينيه قالت لا ولكن هذه الحمرة لا تفارقه ثم قالوا لها لتأخذن هذا الغلام فلنذهبن به إلى ملكنا وبلدنا فإن هذا الغلام كائن لنا وله شأن نحن نعرف أمره فلم تكد تنفلت به صلى الله عليه وسلم منهم وأتت به إلى أمه
وعنه صلى الله عليه وسلم واسترضعت في بني سعد فبينما أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما لنا أتاني رجلان عليهما ثياب بيض بيد أحدهما طست من ذهب مملوء ثلجا فأخذاني فشقا بطني ثم استخرجا قلبي فشقاه فاستخرجا منه علقة سوداء فطرحاها أي وقيل هذا حظ الشيطان منك يا حبيب الله وفي رواية فاستخرجا منه علقتين سوداوين أي ولا مخالفة لجواز أن تكون تلك العلقة انفلقت نصفين وفي رواية فاستخرجا منه مغمز الشيطان أي وهو المعبر عنه في الرواية قبلها بحظ الشيطان
ولا ينافي ذلك قوله في الرواية السابقة ولا أدري ماهو لجواز أن يكون إخباره صلى الله عليه وسلم بهذا بعد أن علمه والمراد بمغمز الشيطان محل غمزه اي محل ما يلقيه من الامور التي لا تنبغي لأن تلك العلقة خلقها الله تعالى في قلوب البشر قابلة لما يلقيه الشيطان فيها فأزيلت من قلبه فلم يبق فيه مكان لأن يلقي الشيطان فيه شيئا فلم يكن للشيطان فيه حظ وليست هي محل غمزه عتد ولادته صلى الله عليه وسلم كما يوهمه كلام غير واحد
وفيه أن هذا يقتضي أن يكون قبل إزالة ذلك كان للشيطان عليه سبيل أجاب السبكي بأنه لا يلزم من وجود القابل لما يلقيه الشيطان حصول الإلقاء أي بالفعل فليتأمل
وسئل السبكي رحمه الله تعالى فلم خلق الله ذلك القابل في الذات الشريفة وكان من الممكن أن لا يخلقه الله فيها وأجاب بأنه من جملة الأجزاء الإنسانية فخلقت تكملة
للخلق الإنساني ثم نزعت تكرمه له صلى الله عليه وسلم أي وليظهر للخلق بتلك التكرمة ليتحققوا كمال باطنه كما تحققوا كمال ظاهره أي لأنه لو خلق صلى الله عليه وسلم خاليا عنها لم تظهر تلك الكرامة
وفيه أنه يرد على ذلك ولادته صلى الله عليه وسلم من غير قلفة وأجيب بالفرق بينهما بأن القلفة لما كانت تزال ولا بد من كل أحد مع ما يلزم على إزالتها من كشف العورة كان نقص الخلقة الإنسانية عنها عين الكمال وقد تقدم كل ذلك
وذكر السهيلي رحمه الله ما يفيد أن هذه العلقة هي محل مغمز الشيطان عند الولادة حيث قال أن عيسى عليه الصلاة والسلام لما لم يخلق من منى الرجال وإنما خلق من نفخة روح القدس أعيذ من مغمز الشيطان
قال ولا يدل هذا على فضل عيسى عليه الصلاة والسلام على محمد صلى الله عليه وسلم لأن محمد صلى الله عليه وسلم قد نزع منه ذلك الغمز هذا كلامه وقد علمت أنه إنما هو محل ما يلقيه الشيطان من الأمور التي لا تنبغي وأن ذلك مخلوق في كل واحد من الأنبياء عيسى عليه الصلاة والسلام وغيره ولم تنزع إلا من نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قال صلى الله عليه وسلم ثم غسلا قلبي بذلك الثلج أي الذي في ذلك الطست حتى أنقياه أي وملآه حكمة وإيمانا كما في بعض الروايات أي و رواية ثم قال أحدهما لصاحبه ائتني بالسكينة فأتى بها فذراها في قلبي وهذه السكينة يحتمل أنها الحكمة والإيمان ويحتمل أن تكون غيرهما وهذه الرواية فيها أن الطست كان من ذهب وكذا في الرواية الآتية وفي الرواية قبل هذه كانت من زمردة خضراء ويحتاج الى الجمع وسنذكره في هذه الرواية وكذا الرواية الآتية أن الثلج كان في الطست وفي الرواية قبل هذه كان في يد أحدهما إبريق فضة ويحتاج الى الجمع لأن الواقعة لم تتعدد وهو عند حليمة وفي غسله بالثلج إشعار بثلج اليقين وبرده على الفؤاد ذكره السهيلي رحمه الله
وذكر في حكمة كون الطست من ذهب كلاما طويلا قال صلى الله عليه وسلم وجعل الخاتم بين كتفي كما هو الآن وفي الروايات السابقة طي ذكر الخاتم
وتتمة الجواب الذي أجاب به صلى الله عليه وسلم أخا بني عامر التي وعدنا بذكرها هنا هو قوله صلى الله عليه وسلم وكنت مسترضعا في بني سعد فبينا أنا ذات يوم منتبذا
أي منفردا من أهلي في بطن واد مع أتراب لي أي المقاربين بالموحدة أو النون لي في السن من الصبيان إذ أتى رهط ثلاثة معهم طست من ذهب ملآن ثلجا فأخذوني من بين أصحابي فخرج أصحابي هرابا حتى أتوا على شفير الوادي ثم أقبلوا على الرهط فقالوا ما أر بكم أي ما حاجتكم إلى هذا الغلام فإنه ليس منا هذا ابن سيد قريس وهو مرتضع فينا يتيم ليس له أب فما يرد عليكم أن يفيدكم قتله وماذا تصيبون من ذلك فإن كنتم لابد قاتلوه أي إن كان لا بد لكم من قتل واحد فاختاروا منا من شئتم فليأتكم مكانه فاقتلوه ودعوا هذا الغلام فإنه يتيم فلما رأى الصبيان أن القوم لا يجيبون جوابا انطلقوا هرابا مسرعين الى الحي يؤذنونهم أي يعلمونهم ويستصرخونهم على القوم فعمد أحدهم إلى فأضجعني على الأرض اضجاعا لطيفا ثم شق بطني ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي وأنا أنظر إليه فلم أجد لذلك مسا أي أدنى مشقة واستخرج أحشاء بطني ثم غسلها بذلك الثلج فأنعم غسلها أي بالغ في غسلها ثم أعادها مكانها أي وقد طوى ذكر استخراج الأحشاء وغسلها في الروايات السابقة ولا يخفى أن من جملة الأحشاء ظاهر القلب ثم قال الثاني منهم لصاحبه تنح عنه فنحاه عني ثم أدخل يده في جوفي فأخرج قلبي وأنا أنظر إليه فصدعه ثم أخرج منه مضغة سوداء تقدم التعبير عنها بالعلقة السوداء ثم رمى بها ثم قال بيدة يمنة منه كأنه يتناول شيئا وإذا بخاتم في يده من نور يحار الناظرون دونه فختم به قلبي أي بعد التئام شقه فامتلأ نورا وذلك نور النبوة والحكمة وقد تقدم وملآه حكمة وإيمانا وإن السكينة ذرت فيه ثم أعاده مكانه فوجدت برد الخاتم في قلبي دهرا وفي رواية فأنا الساعة أجد برد الخاتم في عروقي ومفاصلي
أقول نقل شيخ بعض مشايخنا الشيخ نجم الدين الغيطي عن مغازي ابن عائذ في حديثه صلى الله عليه وسلم لأخي بني عامر وأقبل أي الملك وفي يده خاتم له شعاع فوضعه بين كتفيه وثدييه فليتأمل ذلك وقوله فصدعه يدل بظاهره على أن صدعه كان بيد الملك فلم يشقه بآلة وحينئذ يكون المراد بالشق الصدع بلا آلة وقد طوى في هذه الرواية ذكر ملء قلبه حكمة وإيمانا وأنه ذر فيه السكينة وذكر في هذه الرواية أن الختم كان لقلبه صلى الله عليه وسلم وفي الرواية قبلها أنه كان بين كتفيه وفي رواية ابن عائذ وبين ثدييه ويحتاج الى الجمع والظاهر أن متعاطي الختم جبريل ويدل عليه قول
صاحب الهمزية رحمه الله في هذه القصة ختمته يمنى الأمين وسيأتي التصريح بذلك لكن في غير هذه القصة والله أعلم قال صلى الله عليه وسلم ثم قال الثالث لصاحبه تنح عنه فنحاه عني فأمر يده ما بين مفرق صدري إلى منتهى عانتي فالتأم ذلك الشق بإذن الله تعالى وختم عليه وفي رواية قال أحدهما للآخر خطه فخاطه وختم عليه
أقول وقد يقال معنى خطه ألحمه فخاطه أي لحمه أي مر بيده عليه فالتحم أي فلا يخالف ما سبق ولا ينافيه ما في الحديث الصحيح أنهم كانوا يرون أثر المخيط في صدره صلى الله عليه وسلم لجواز أي يكون المراد يرون أثرا كأثر المخيط في صدره صلى الله عليه وسلم وهو أثر مرور يد جبريل عليه الصلاة والسلام وهذا طوى ذكره في الروايات السابقة وقوله ختم عليه يقتضى أن الختم كان في صدره صلى الله عليه وسلم وهو الموافق لما تقدم عن ابن عائذ أنه بين ثدييه لكنه زاد بين كتفيه وتقدم ان الختم كان بقلبه
وقد يقال في الجمع لا مانع من تعدد الختم في المحال المذكورة أي في قلبه وصدره وبين كتفيه فختم القلب لحفظ ما فيه وختم الصدر وبين الكتفين مبالغة في حفظ ذلك لأن الصدر وعاؤه القريب وجسده وعاؤه البعيد وخص بين الكتفين لأنه أقرب إلى القلب من بقية الجسد ولعله أولى من جواب القاضي عياض رحمه الله بأن الذي بين كتفيه هو أثر ذلك الختم الذي كان في صدره إذ هو خلاف الظاهر من قوله وجعل الخاتم بين كتفي وفيه السكوت عن ختم قلبه ولا يحسن أن يراد بالصدر القلب من باب تسمية الحال بإسم محله لأنه يصير ساكتا عن ختم الصدر
وأولى من جواب الحافظ ابن حجر رحمه الله أيضا بأنه يجوز أن يكون الختم لقلبه ظهر من وراء ظهره عند كتفه الأيسر لأن القلب في ذلك الجانب لما علمت وفيهما أن الذي عند الأيسر خاتم النبوة أي الذي هو علامة على النبوة الذي ولد صلى الله عليه وسلم به على ما هو الصحيح
وفي الخصائص الصغرى وخص صلى الله عليه وسلم بجعل خاتم النبوة بظهره بإزاء قلبه حيث يدخل الشيطان لغيره وسائر الأنبياء كلهم كان الخاتم في يمينهم
أي فقد أخرج الحاكم في المستدرك عن وهب بن منبه قال لم يبعث الله نبيا إلا وقد كان عليه شامات النبوة في يده اليمنى إلا نبينا صلى الله عليه وسلم فإن شامة البنوة كانت بين كتفيه هذا كلامه ولم أقف على بيان تلك الشامات التي كانت للأنبياء ما هي
وكتب الشهاب القسطلاني على هامش الخصائص قوله وجعل خاتم النبوة بظهره الخ مشكل إذ مفهومه أن موضع الدخول لقلوب الأنبياء غير نبينا لم يختم ولا يخفى ما فيه من المحظور فما أشنعها من عبارة وأخطأها من إشارة هذا كلامه
ولك أن تقول المراد بغيره في قوله حيث يدخل الشيطان لغيره من غير الأنبياء لما علم وتقرر في النفوس من عصمة الأنبياء من الشيطان واختص نبينا صلى الله عليه وسلم من بين سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالختم في المحل المذكور مبالغة في حفظه من الشيطان وقطع أطماعه فليتأمل
لا يقال كل من جواب القاضي والحافظ ابن حجر يجوز أن يكون مبنيا على أن خاتم النبوة هو أثر هذا الختم وهو موافق لما تمسك به القائل بأن خاتم النبوة لم يولد به وإنما حدث بعد الولادة
لأنا نقول على تسليم أنه حدث بعد الولادة فقد وجد عقبها فعن ابن نعيم في الدلائل أنه صلى الله عليه وسلم لما ولد ذكرت أمه أن الملك غمسه في الماء الذي أنبعه ثلاث غمسات ثم أخرج صرة من حرير أبيض فإذا فيها خاتم فضرب على كتفه كالبيضة المكنونة وبذلك يعلم أن خاتم النبوة ليس أثرا لهذا الخاتم
وكلام السهيلى يقتضى أنه هو حيث قال إن هذا الحديث الذي في شق صدره في الرضاعة فيه فائدة من تبيين العلم وذلك أن خاتم النبوة لم يدر أنه خلق به أو وضع فيه بعد ما ولد أو حين نبئ فبين في هذا الحديث متى وضع وكيف وضع ومن وضعه زادنا الله تعالى علما وأوزعنا شكر ما علم هذا كلامه
ثم رأيت عن الحافظ ابن حجر ما يوافقه حيث قال ومقتضى الأحاديث التي فيها شق الصدر ووضع الخاتم أنه لم يكن موجودا حين ولادته وإنما كان أول وضعه لما شق صدره عند حليمة خلافا لمن قال ولد به أو حين وضع هذا كلامه
ولا يخفى أن ما قلناه من أن هذا الخاتم غير خاتم النبوة أولى لأن به يجتمع القولان وتندفع المخالفة والجمع أولى من التضعيف لما صح من أنه صلى الله عليه وسلم ولد به وعلى أنه هو يلزم أن يكون خاتم النبوة تعدد محله فوجد بين كتفيه وفي صدره وفي قلبه
لايقال قد أشير إلى الجواب عن ذلك بأن الموجود بين كتفيه إنما هو أثر ما في صدره وقلبه
لأنا نقول يبطله ما تقدم عن الدلائل لأبي نعيم وما تقدم عن بعض الروايات فأقبل الملك وفي يده خاتم فوضعه بين كتفيه وثدييه وأيضا يلزم عليه أن يكون خاتم النبوة تكرر الإتيان به ثانيا في قصة المبعث وثالثا في قصة الإسراء ففي قصة المبعث فأكفأني كما يكفأ الإناء ثم ختم في ظهري وفي قصة الإسراء ثم ختم يبن كتفيه بخاتم النبوة وكل منهما يبطل كون ما في ظهره أو بين كتفيه أثرا لذلك الختم الذي وجد في صدره أو قلبه
إلا أن يقال ما في قصة المبعث وقصة الإسراء غير خاتم النبوة وإن خاتم النبوة إنما هو الأثر الحاصل من ختم صدره وقلبه في قصة الرضاعة وإنه تكرر الختم على ذلك الأثر في المبعث وفي قصة الإسرء وفيه أنه لا معنى لتكرر الختم في محل واحد
ولا يقال الغرض منه المبالغة في الحفظ لأن ذلك إنما يكون عند تعدد محل الختم لا عند إعادته ثانيا وثالثا في محل واحد وأيضا هو خلاف ظاهر كلامهم من أنه في المحال الثلاثة خاتم النبوة ويؤيده أن المتبادر من القول في قصة الإسراء ثم ختم بين كتفيه بخاتم النبوة أنه جعل خاتم النبوة بين كتفيه وإلا فما معنى كون الخاتم بمعنى الطابع أي خاتم النبوة
فإن قلت على دعوى الغيرية يحتاج إلى الجواب عن قوله بخاتم النبوة قلت قد يقال هذا ليس برواية عن الشارع وإنما وقعت تلك العبارة عن بضعهم ويجوز أن يكون الباء في كلامهم بمعنى مع أي مع خاتم النبوة فتأمل والله أعلم
قال صلى الله عليه وسلم ثم أخذ بيدي فأنهضني من مكاني إنها ضا لطيفا ثم قال الأول للذي شق صدري زنه بعشرين من أمته فوزنني فرجحتهم ثم قال زنه بمائة من أمته فوزنني فرجحتهم ثم قال زنه بألف من أمته فوزنني فرجحتهم ثم قال دعه فلو وزنتموه بأمته كلهم لرجحهم كلهم ثم ضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني ثم قالوا يا حبيب الله لم ترع إنك لو تدري ما يراد بك من الخير لقرت عيناك
أقول في بعض الروايات زنه بعشرة ثم قال زنه بمائة ففي هذه الرواية طى الذكر وزنه بعشرين وفي تلك الرواية طي ذكر وزنه بعشرة والله أعلم
قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينا نحن كذلك إذا الحي قد أقبلوا بحذافيرهم أي بأجمعهم وإذا بظئرى أي مرضعتي أما الحي تهتف أي تصيح بأعلى صوتها وتقول واضعيفاه فأكبوا على يعني الملائكة الذين هم أولئك الرهط الثلاثة وضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني وقالوا حبذا أنت من ضعيف ثم قالت ظئرى يا وحيداه فأكبواعلى فضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني وقالوا حبذا أنت من وحيد وما أنت بوحيد إن الله معك وملائكته والمؤمنين من أهل الأرض ثم قالت ظئرى يايتيماه استضعفت من بين أصحابك فقتلت لضعفك فأكبوا علي وضموني إلى صدورهم وقبلوا رأسي وما بين عيني وقالوا حبذا أنت من يتيم ما أكرمك على الله لو تعلم ما أريد بك من الخير لقرت عينك فوصلوا يعنى الحي إلى شفير الوادي فلما أبصرتني أمي وهي ظئرى قالت لا أراك إلا حيا بعد فجاءت حتى أكبت على ثم ضمتني إلى صدرها فوالذي نفسي بيده إني لفي حجرها قد ضمتني إليها ويدي في أيديهم يعني الملائكة وجعل القوم لا يعرفونهم أي لا يبصرونهم فأقبل بعض القوم يقول إن هذا الغلام قد أصابه لمم أي طرف من الجنون أو طائف من الجن أي وهي اللمة فانطلقوا به إلى كاهن حتى ينظر إليه ويداويه فقلت يا هذا ما بي مما تذكر إن آرابى أي أعضائي سليمة وفؤادي صحيح ليس بي قلبة أي علة يقلب بها إلى من ينظر فيها فقال أبي وهو زوج ظئرى ألا ترون كلامه صحيحا إني لأرجو أن لا يكون بإبني بأس واتفقوا على أن يذهبوا بي إليه أي إلى الكاهن فلما انصرفوا بي إليه فقصوا عليه قصتي فقال اسكتوا حتى أسمع من الغلام فإنه أعلم بأمره منكم فسألني فقصصت عليه أمري من أوله إلى آخره فوثب قائما إلي وضمني إلى صدره ثم نادى بأعلى صوته يا للعرب يا للعرب من شر قد اقترب اقتلوا هذا الغلام واقتلوني معه فواللات والعزى لئن تركتموه فأدرك مدرك الرجال ليبدلن دينكم وليسفهن عقولكم وعقول آبائكم وليخالفن أمركم وليأتينكم بدين لم تسمعوا بمثله وفي رواية ليسفهن أحلامكم أي عقولكم وليكذبن أوثانكم وليدعونكم إلى رب لم تعرفونه ودين تنكرونه فعمدت ظئرى وانتزعتني من حجره وقالت لأنت أعته وأجن ولو علمت أن هذا قولك ما أتيتك به فاطلب لنفسك من يقتلك فأنا غير قاتلي هذا الغلام ثم احتملوني إلى أهلهم وأصبحت مفزعا مما فعلوا يعني الملائكة بي أي من حملي من بين أترابي وإلقائي إلى الأرض لا من خصوص الشق لما تقدم وأصبح
أثر الشق ما بين صدري إلى منتهى عانتي أي أثر التئام الشق الناشئ عن إمرار يد الملك كأنه الشراك
أقول الشراك أحد سيور النعل الذي هو المداس الذي يكون على وجهها ولعل حكمة بقائه ليدل على وجود الشق
واعلم أنه حيث كانت قصة شق صدره الشريف في زمن الرضاع عند حليمة واحدة يكون هذه الروايات المراد منها واحد وأن بعضها وقع فيها الإختصار عما وقعت به الإطالة في بعضها وأن إخباره صلى الله عليه وسلم بأن الملائكة كانوا ثلاثة لا ينافى إخباره بأنهم كانوا إثنين ونسبة الأخذ والإضجاع والشق للبطن أو الصدر إلى الثلاثة أو إلى الإثنين لا ينافى أن متعاطى ذلك واحد منهم كما أخبر به أخوه وجاء التصريح به في بعض الروايات وأن التعبير في بعضها بشق البطن هو المراد بشق الصدر إلى منتهى العانة في بعضها وأنه ليس المراد بشق البطن أو شق الصدر شق القلب لما تقدم في الرواية واستخرج أحشاء بطني ثم غسلها ثم أعادها مكانها ثم قال لصاحبه تنح عنه فنحاه عني ثم أدخل يده في جوفي فأخرج قلبي فصدعه الحديث وأنه يجوز أن يكون الطست كان متعددا واحدا من زمردة خضراء وواحدا من ذهب وأن الأول كان فارغا معدا لأن يلقى فيه ماء يغسل به باطنه أي مع أحشائه ومنها أي من جملة الأحشاء ظاهر قلبه من الإبريق الفضة وأن الثاني كان مملوءا ثلجا معدا لأن يغسل به قلبه أي داخل قلبه
وحينئذ يكون في بعض الروايات اقتصر على القلب وفي بعضها جمع بينه وبين الأحشاء في ذلك ويحتاج إلى الجمع بين كون الشق في ذروة الجبل وكونه في شفير الوادي وكون المخرج علقة وكونه مضغة
وقد يقال جاز أن تكون ذروة الجبل قريبة من شفير الوادي وأنه عبر عن الذي أخرجه وألقاه تارة بالعلقة وتارة بالمضغة ولعل تلك المضغة كانت قريبة من العلقة ولا يخفى أن هذه العلقة يحتمل أنها غير حبة القلب التي أخذت منها المحبة وهي علقة سوداء في صميمه المسماة بسويداء القلب
ويحتمل أنها هي والله أعلم وقد أشار إلى هذه القصة صاحب الهمزية بقوله ** وأتت جده وقد فصلته ** وبها من فصاله البرحاء ** ** إذ أحاطت به ملائكة الله ** فظنت بأنهم قرناء ** **
ورأى وجدها به ومن الوج ** د لهيب تصلى به الأحشاء ** ** فارقته كرها وكان لديها ** ثاويا لا يمل منه الثواء ** ** شق عن قلبه وأخرج منه ** مضغة عند غسله سوداء ** ** ختمته يمنى الأمير وقد أو ** دع مالم يذع له أنباء ** ** صان أسراره الختام فلا الف ** ض ملم به ولا الإفضاء **
أي وأتت حليمة به جده والحال أنها فطمته والحال أنه لحق بها من أجل فطامه ورده التألم الزائد وردها له لأجل أنه أحدقت به ملائكة الله فظنتهم شياطين ورأى شدة محبتها له وتعلقها به وقد حصل لها من الوجد الذي بها لهب تحترق الأحشاء به وهي ما تحويه الضلوع وفارقته بعد ردها له كارهة لفراقه والحال أنه كان مقيما عندها لا تمل ذلك منه وقد شق عن قلبه وأخرج من ذلك القلب عند غسله مضغة سوداء ختمت على ذلك القلب يمين الأمين جبريل بخاتم والحال أن ذلك القلب الشريف قد أودع من الأسرار الإلهية مالم تنشره أخبار لأن تلك الأسرار لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى حفظ ذلك الختام أسراره التي أودعت فيه فلا الكسر واقع بذلك الختم ولا الإشاعة واقعة لتلك الأسرار
أقول قد علمت أن صدره الشريف شق مرتين غير هذه المرة مرة عند مجيء الوحي ومرة عند المعراج وزاد بعضهم أنه شق عند بلوغه عشر سنين كما مسلم
ولما بلغ عمره صلى الله عليه وسلم عشرين سنة أي ولعلها هي المعنية بقول صاحب المواهب وروى خامسة ولم تثبت وستأتي تلك الخامسة عن الدر المنثور وسيأتي ما فيها والله أعلم
قال وفي المرة التي كان ابن عشر سنين أي وأشهر قال صلى الله عليه وسلم جاءني رجلان فقال أحدهما لصاحبه أضجعه فأضجعني لحلاوة القفا ثم شقا بطني فكان أحدهما يختلف بالماء في طست من ذهب والآخر يغسل جوفي ثم شق قلبي فقال أخرج الغل والحسد منه فأخرج منه العلقة
والمتبادر أن أل في العلقة للعهد وهي العلقة السوداء التي تقدم أنها حظ الشيطان وأنها مغمزه فهي محل الغل والحسد
وفيه أنه تقدم أيضا أن تلك العلقة أخرجت وألقيت قبل هذا المرة وتكرر نبذها
مستحيل إلا أن تحمل العلقة على جزء بقى من أجزائها بناء على جواز أنها تجزأت أكثر من جزءين المعبر عنهما فيما تقدم عن بعض الروايات علقتين سوداوين إلا أن يقال المراد بقوله فأخرج منه العلقة أي أخرج ما هو كالعلقة أي شيئا يشبه العلقة كما سيأتي التصريح بذلك في بعض الروايات فأدخل شيئا كهيئة الفضة ثم أخرج ذرورا كان معه فذره عليه أي على شق القلب ليلتحم به ثم نقر إبهامي ثم قال اغد واسلم
أقول لم يذكر في هذه المرة الختم وظاهر هذه الرواية أن الصدر التحم بمجرد ذر الذرور وتقدم في قصة الرضاع أن ذلك كان من إمرار يد الملك وإستمر أثر التئام الشق يشاهد كالشراك
وفي الدر المنثور عن زوائد مسند الإمام أحمد عن أبي بن كعب عن أبي هريرة قال يا رسول الله ما أول ما رأيت من أمر النبوة فاستوى رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا وقال لقد سألت يا أبا هريرة إني لفي صحراء ابن عشرين سنة وأشهر إذا بكلام فوق رأسي وإذا برجل يقول لرجل أهو هو فاستقبلاني بوجوه لم أرها لخلق قط وثياب لم أرها على أحد قط فأقبلا إلى يمشيان حتى أخذ كل واحد منهما بعضدي لا أجد لأخذهما مسا فقال أحدهما لصاحبه أضجعه فأضجعاني بلا قصر ولا هصر أي من غير إتعاب فقال أحدهما لصاحبه أفلق صدره ففلقه فيما أرى بلا دم ولا وجع فقال له أخرج الغل والحسد فأخرج شيئا كهيئة العلقة ثم نبذها فطرحها فقال له أدخل الرأفة والرحمة فإذا مثل الذي أخرج أي ليدخله شبه الفضة ثم نقر إبهام رجلي اليمنى وقال أغد واسلم فرجعت أغدو بها رأفة على الصغير ورحمة على الكبير ولم يذكر في هذه المرة الغسل فضلا عما يغسل به ولم يذكر الختم ولكن قول الرجل للآخر أهو هو يدل على أن الرجلين ليسا جبريل وميكائيل لأنهما يعرفانه وقد فعلا به ذلك في قصة الرضاع وقد يدعى أن هذه الرواية هي عين الرواية قبلها وذكر عشرين سنة غلط من الراوي وإنما هي عشر سنين
ثم رأيت ما يصرح بذلك وهو كان سنه عشر حجج وقد تحمل هذه المرة أي كونه ابن عشرين سنة على أن ذلك كان في المنام وإن كان خلاف ظاهر السياق
وقال صلى الله عليه وسلم في المرة التي هي عند إبتداء الوحي جاءني جبريل وميكائيل فاخذني جبريل وألقاني لحلاوة القفا ثم شق عن قلبي فاستخرجه ثم أستخرج منه ما شاء الله أن يستخرج ولم يبين ذلك ما هو ثم غسله في طست من ماء زمزم ثم أعاده
مكانه ثم لأمه أي بذلك الذرور أي بإمرار يده أو بهما جميعا ثم أكفأني كما يكفي الإناء ثم ختم في ظهري
يحتمل أن يكون المراد في غير المحل الذي ختمه في قصة الرضاع وهو بين كتفيه ويحتمل أن المراد بظهره المحل الذي ختمه في قصة الرضاع
وفيه أنه لا معنى لوضع الختم على الختم كما تقدم ويمكن أن تكون الحكمة في الجمع بين جبريل وميكائيل أن ميكائيل ملك الرزق الذي به حياة الأجساد والأشباح وجبريل ملك الوحي الذي به حياة القلوب والأرواح والمرة التي هي عند المعراج سيأتي الكلام عليها وفيها أن الختم وقع بين كتفيه وفيه ما علمت
وقد علمت أن شق الصدر والبطن غير شق القلب وأن شق القلب وإخراج العلقة السوداء التي هي حظ الشيطان ومغمزه مما اختص به صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين
وما في بعض الآثار أن التابوت أي تابوت بني إسرائيل كان فيه الطست الذي غسلت فيه قلوب الأنبياء المراد ظاهر قلوبهم لأن القلب من جملة الأحشاء التي غسلت بغسل الصدر أو البطن كما تقدم على أن ابن دحية ذكر أنه أثر باطل
وقد يطلق الصدر على القلب من باب تسمية الحال بإسم محله ومنه ما وقع في قصة المعراج ثم أتى بطست ممتلىء حكمة وإيمانا فأفرغ في صدره ومنه قول الجلال السيوطي في الخصائص الصغرى إن شق صدره الشريف من خصائصه صلى الله عليه وسلم على الأصح من القولين أي شق قلبه وسيأتي الكلام على ذلك في الكلام على المعراج بما هو أبسط مما هنا
وعن حليمة رضي الله تعالى عنها أنها كانت بعد رجوعها به صلى الله عليه وسلم من مكة لا تدعه أي يذهب مكانا بعيدا أي عنها فغفلت عنه صلى الله عليه وسلم يوما في الظهيرة فخرجت تطلبه فوجدته مع أخته أي من الرضاعة وهي الشيماء وكانت تحضنه مع أمها أي ولذلك تدعى أم النبي أيضا أي وكانت ترقصه بقولها ** هذا أخ لي لم تلده أمي ** وليس من نسل أبي وعمي ** ** فأنمه اللهم فيما تنمى **
فقالت في هذا الحر أي لا ينبغي أي يكون في هذا الحر فقالت أخته يا أمه
ما وجد أخي حرا رأيت غمامة تظل عليه إذا وقف وقفت وإذا سار سارت حتى انتهى إلى هذا الموضع فجعلت تقول أحقا يا بنية قالت إي والله فجعلت تقول أعوذ بالله من شر ما يحذر على إبني أي وفي كلام بعضهم ورأت يعنى حليمة الغمامة تظله إذا وقف وقفت وإذا سار سارت
وقد يقال الرؤية في حق حليمة علمية وفي حق أخته بصرية فلا مخالفة أو أنها أبصرتها بعد الإخبار بها كما يدل على ذلك القول بأنه أفزعها ذلك من أمره أي في كونها فزعت من ذلك بعد إخبار أخته لها بذلك شيء فقدمت به على أمه
أقول عن الواقدي أن حليمة لما قدمت به صلى الله عليه وسلم إلى مكة لترده لأمه رأت غمامة تظله في الطريق إن سار سارت وإن وقف وقفت وسياق هذه الرواية يقتضى أنها ردته إلى أمه عقب مجيئها به من مكة وأن ذلك كان قبل شق صدره عندها
وحينئذ تكون هذه قدمة ثانية لحليمة إلى مكة كانت قبل شق صدره ففي القدمة الأولى كان سنه صلى الله عليه وسلم سنتين وفي هذه القدمة كان سنه صلى الله عليه وسلم سنتين وأشهرا وتكون هذه المراة الثانية محمل قول حليمة فوالله إنه بعد مقدمنا بأشهر وقول ابن الأثير بشهرين أو ثلاثة
وأما في القدمة الثالثة وهي التي بعد شق صدره وتركها له صلى الله عليه وسلم عند أمه كان سنه أربع سنين وفيها كانت وفاتها على ما يأتي وقيل خمس سنين قاله ابن عباس وقيل ست سنين ويكون بعض الرواة اشتبه عليه الأمر وظن أن هذه القدمة الثانية التي قبل شق صدره هي الثالثة التي بعد شق صدره صلى الله عليه وسلم فلزم الإشكال فتأمل ذلك تأملا حميدا ولا تكن ممن يفهم تقليدا والله أعلم
ووفدت عليه صلى الله عليه وسلم حليمة بعد تزوجه خديجة تشكو إليه ضيق العيش فكلم لها خديجة فأعطتها عشرين رأسا من غنم وبكرات جمع بكرة وهي الثنية من الإبل أي وفي رواية أربعين شاة وبعيرا
ووفدت عليه يوم حنين فبسط لها رداءه فجلست عليه أي فقد قال بعضهم لم تره بعد أن ردته إلا مرتين إحداهما بعد تزوجه خديجة أي وعليه تكون هذه المرة هي التي قدمت فيها مع زوجها وولدها وأجلسهم على ردائه أي ثوبه الذي كان جالسا عليه كما تقدم والمرة الثانية يوم حنين
وفي كلام القاضي عياض ثم جاءت أبا بكر ففعل ذلك أي بسط لها رداءه ثم جاءت عمر ففعل كذلك
وفي كلام ابن كثير أن حديث مجيئ أمه صلى الله عليه وسلم إليه في حنين غريب وإن كان محفوظا فقد عمرت دهرا طويلا لأن من وقت أرضعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وقت الجعرانة أي بعد رجوعه من حنين أزيد من ستين سنة وأقل ما كان عمرها حين أرضعته عليه الصلاة والسلام ثلاثين سنة وكونها وفدت على أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما تزيد المدة على المائة
وعن أبي الطفيل قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لحما بالجعرانة أي بعد رجوعه من حنين كما تقدم والطائف وأنا غلام شاب فأقبلت امرأة فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسط لها رداءه فقيل من هذه قيل أمه التي أرضعته صلى الله عليه وسلم وفي رواية استأذنت امرأة على النبي صلى الله عليه وسلم قد كانت ترضعه فلما دخلت عليه قال أمي أمي وعمد إلى ردائه فبسطه لها فقعدت عليه وتقدم عن شرح الهمزية لإبن حجر أن من سعادة حليمة توفيقها للإسلام هي وزوجها وبنوها
وفي الأصل ومن الناس من ينكر إسلامها وأشار بذلك إلى شيخه الحافظ الدمياطي فإنه من جملة المنكرين حيث قال أي وفي سيرته حليمة لا يعرف لها صحبة ولا إسلام وقد وهم غير واحد فذكروها في الصحابة وليس بشيء وكان الأنسب أن يقول ذكروا إسلامها وليس بشيء ويوافقه قول الحافظ ابن كثير الظاهر أن حليمة لم تدرك البعثة ورده بعضهم فقال إسلامها لا شك فيه عند جماهير العلماء ولا يعول على قول بعض المتأخرين إنه لم يثبت فقد روى ابن حبان حديثا صحيحا دل على إسلامها وأنكر الحافظ الدمياطي وفودها عليه في حنين وقال الوافدة عليه في ذلك إنما هي أخته من الرضاعة وهي الشيماء
أقول وعلى صحة ما قاله الحافظ الدمياطي لا ينافيه قوله صلى الله عليه وسلم أمي أمي لأنه كان يقال لأخته الشيماء أم النبي صلى الله عليه وسلم لأنها كانت تحضنه مع أمها كما تقدم ولا قول بعض الصحابة أمه التي أرضعته لأنه يجوز أنه لما قيل أمه حملها على المرضعة له صلى الله عليه وسلم لتيقن موت أمه من النسب وعلى كون الوافدة عليه في حنين أخته اقتصر في الهدى والله أعلم
أقول قال الحافظ ابن حجر بعد أن أورد عدة آثار في مجيء أمه من الرضاعة إليه صلى الله عليه وسلم في حنين وفي تعدد هذه الطرق ما يقتضى أن لها أصلا أصيلا وفي إتفاق الطرق على أنها أمه رد على من زعم أن التي قدمت عليه أخته
أقول لا رد في ذلك لأنه علم أن أخته المذكورة كان يقال لها أم النبي صلى الله عليه وسلم ووصف بعض الصحابة لها بأنها أمه من الرضاعة تقدم أنه يجوز أن يكون بحسب ما فهم
ومما يعين أنها أخته ما سيأتي أنها لما أخذت في حنين من جملة سبى هوازن قالت للمسلمين أنا أخت صاحبكم فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت له يا رسول الله أنا أختك قال وما علامة ذلك قالت عضة عضيتنيها في ظهري وأنا متوركتك فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم العلامة فقام لها قائما وبسط لها رداءه وأجلسها عليه ودمعت عيناه إلى آخر ما يأتي
وكلام المواهب يقتضى أنهما قضيتان واحدة كانت فيها أخته والآخرى كانت فيها أمه من الرضاعة حيث قال وقد روى أن خيلا له صلى الله عليه وسلم أغارت على هوازن فأخذوها يعنى أخته من الرضاعة التي هي الشيماء فقالت أنا أخت صاحبكم إلى أن قال فبسط لها رداءه وأجلسها عليه فأسلمت ثم قال وجاءته يعنى أمه من الرضاعة التي هي حليمة يوم حنين فقام إليها وبسط رداءه لها وجلست عليه
وهذا كما ترى يوهم أن الخيل التي أغارت على هوازن التي كانت فيها أخته لم تكن في حنين وأن أمه لم تكن يوم حنين في سبى هوازن مع أن القصة واحدة وأن سبى هوازن كان يوم حنين فيلزم أن يكون جاء إليه يوم حنين كل من أمه وأخته من الرضاعة الأولى في غير السبي والثانية في السبى وأنه فرش لكل رداءه وهو تابع في ذلك لإبن عبدالبر حيث قال في الإستيعاب حليمة السعدية أم النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة جاءت إليه يوم حنين فقام لها وبسط لها رداءه فجلست عليه وروت عنه وروى عنها عبدالله بن جعفر ثم قال حذافة أخت النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة يقال لها الشيماء أغارت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم على هوازن فأخذوها فيما أخذوا من السبى الحديث وكون عبدالله بن جعفر روى عن حليمة
قال الحافظ ابن حجر لا يتهيأ له السماع منها إلا بعد الهجرة بسبع سنين فأكثر لأنه قدم
من الحبشة مع أبيه الذي هو جعفر بن أبي طالب في خيبر سنة سبع وتبعد حياتها وبقاؤها إلى ذلك الزمن
وفيه أن حنينا بعد خيبر وأبعد من ذلك وقوفها على أبي بكر وعمر وقد تقدم ما يشعر بإستبعاد ذلك عن ابن كثير
والذي يتجه أن الوافدة عليه في حنين أخته لا أمه كما يقول الحافظ الدمياطي والله أعلم قال قال أبو الفرج بن الجوزي ثم قدمت أي حليمة عليه بعد النبوة فأسلمت وبايعت أي فلا يقال سلمنا أن حليمة هي القادمة عليه أي بعد النبوة فما الدليل على إسلامها
أقول كان من حقه أن يقول بدل هذه العبارة التي ذكرها وإنما قال يعنى ابن الجوزي فأسلمت بعد قوله قدمت عليه بعد النبوة لأنه لا يلزم من قدومها عليه بعد النبوة إسلامها
وفي كون قول بن الجوزي فأسلمت دليلا على إسلامها نظر بل هي دعوى تحتاج إلى دليل إلا أن يقال قول ابن الجوزي فأسلمت دليل لنا على إسلامها والله أعلم
وذكر الذهبي أن التي وفدت عليه صلى الله عليه وسلم في الجعرانة يجوز أن تكون ثويبة ونظر فيه بأن ثويبة توفت سنة سبع أي من الهجرة أي مرجعه من خيبر على ما تقدم
أقول ذكر في النور أن الحافظ مغلطاي له مؤلف في إسلام حليمة سماه التحفة الجسيمة في إسلام حليمة
وذكر بعضهم أنه صلى الله عليه وسلم لم ترضعه مرضعة إلا وأسلمت لكن هذا البعض قال ومرضعاته صلى الله عليه وسلم أربع أمه وحليمة السعدية وثويبة وأم أيمن أيضا
وهو يؤيد ما تقدم عن ابن منده من إسلام ثويبة وأما إسلام آمنة فسنذكره وكون أم أيمن أرضعته صلى الله عليه وسلم تقدم ما فيه والله سبحانه وتعالى أعلم
& باب وفاة أمه صلى الله عليه وسلم وحضانة أم أيمن له وكفالة جده عبدالمطلب إياه
أي إختصاصه بذلك
ذكر ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ماتت أمه لما بلغ ست سنين وقيل كان سنه أربع سنين وبه صدر في المواهب أي وهو يرد القول بأن حليمة لما ردته إلى أمه كان عمره خمس أو ست سنين قال وقيل كان سنه صلى الله عليه وسلم سبع سنين وقيل ثمان وقيل تسع وقيل اثنتي عشرة وشهرا عشرة أيام
ووفاتها كانت بالأبواء وهو محل بين مكة والمدينة أي وهو إلى المدينة أقرب وسمى بذلك لأن السيول تتبوأه أي تحل فيه ودفنت به فقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم لما مر بالأبواء في عمرة الحديبية قال إن الله أذن لمحمد في زيارة قبر أمه فأتاه وأصلحه وبكى عنده وبكى المسلمون لبكائه صلى الله عليه وسلم وقيل له في ذلك فقال أدركتني رحمتها فبكيت وكان موتها وهي راجعة به صلى الله عليه وسلم من المدينة من زيارة أخواله أي أخوال جده عبد المطلب لأن أم عبدالمطلب من بني عدي بن النجار كما تقدم بعد أن مكثت عندهم شهرا ومرضت في الطريق ومعها أم أيمن بركة الحبشية التي ورثها من أبيه عبدالله على ما تقدم فحضنته وجاءت به إلى جده عبدالمطلب أي بعد خمسة أيام من موت أمه فضمه إليه ورق عليه رقة لم يرقها على ولده
هذا وفي كلام بعضهم وبقى النبي صلى الله عليه وسلم بعد موت أمه بالأبواء حتى أتاه الخبر إلى مكة وجاءت أم أيمن مولاة أبيه عبدالله فاحتملته وذلك لخامسة من موت أمه فليتأمل
وكون موت أمه صلى الله عليه وسلم كان في حياة عبدالمطلب هو المشهور الذي لا يكاد يعرف غيره وبه يرد قول من قال إن موت عبدالمطلب كان قبل موت أمه صلى الله عليه وسلم بسنتين
أي وكان صلى الله عليه وسلم يقول لأم أيمن أنت أمي بعد أمي ويقول أم أيمن أمي بعد أمي وفي القاموس دار رابغة بالغين المعجمة بمكة فيها مدفن أمه صلى الله عليه وسلم
ولم أقف على محل تلك الدار من مكة قال وقيل توفيت أي دفنت بالحجون بشعب أبي ذؤيب وغلط قائله
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت حج بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فمر على عقبة الحجون وهو باك حزين مغتم فبكيت لبكائه ثم إنه طفق أي شرع يقول يا حميراء استمسكي فاستندت إلى جنب البعير فمكث عني طويلا ثم عاد إلى وهو فرح متبسم فقلت له بأبي أنت وأمي يا رسول الله نزلت من عندي وأنت باك حزين مغتم فبكيت لبكائك ثم إنك عدت إلي وأنت فرح متبسم فمم ذاك قال ذهبت لقبر أمي فسألت ربي أن يحييها فأحياها فآمنت وردها الله تعالى
وهذا الحديث قد حكم بضعفه جماعة منهم الحافظ أبو الفضل بن ناصر الدين والجوزقاني وابن الجوزي والذهبي في الميزان وأقره على ذلك الحافظ ابن حجر في لسان الميزان جعله ابن شاهين ومن تبعه ناسخا لأحاديث النهى عن الإستغفار أي لها
منها ما جاء أنه صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أي ولعله في عمرة القضاء لأنه لم يقدم مكة نهارا مع أصحابه قبل حجة الوداع إلا في ذلك أتى رسم قبر أمه فجلس إليه فناجاه طويلا ثم بكى قال ابن مسعود فبكينا لبكائه صلى الله عليه وسلم ثم قام ثم دعانا فقال ما أبكاكم قلنا بكينا لبكائك فقال إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة الحديث
وفي رواية أتى قبر أمه فجلس إليه فجعل يخاطبه ثم قام مستعبرا فقال بعض الصحابة يا رسول الله قد رأينا ما صنعت قال إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي واستأذنته في الإستغفار لها فلم يأذن لي وفي رواية إن جبريل عليه الصلاة والسلام ضرب في صدره صلى الله عليه وسلم وقال لا تستغفر لمن مات مشركا فما رؤى باكيا أكثر منه يومئذ وفي رواية استأذنته في الدعاء لها أي بالإستغفار فلم يأذن لي وأنزل على ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى فأخذني ما يأخذ الولد للوالد قال القاضي عياض بكاؤه صلى الله عليه وسلم على ما فاتها من إدراك أيامه والإيمان به أي النافع إجماعا وكونه ناسخا لذلك غير جيد لأن أحاديث النهى عن الإستغفار بعض طرقها صحيح رواه مسلم وابن حبان في صحيحيهما ونص مسلم استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي وأستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي
فزوروا القبور فإنها تذكر الآخرة وفي لفظ تذكركم الموت وهذا الحديث أي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها على تسليم ضعفه أي دون وضعه لا يكون ناسخا للأحاديث الصحيحة
أقول ذكر الواحدي في أسباب النزول أن آيتي ما كان للنبي والذين آمنوا وما كان استغفار إبراهيم لأبيه نزلتا لما استغفر صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب بعد موته فقال المسلمون ما يمنعنا أن نستغفر لآبائنا ولذي قرابتنا هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغفر لعمه وقد استغفر إبراهيم لأبيه أي فنزولهما كان عقب موت أبي طالب
لا يقال جاز أن تكون آية ما كان للنبي تكرر نزولها لما استغفر صلى الله عليه وسلم لعمه ولما استغفر لأمه لأنا نقول كونه يعود للإستغفار بعد أن نهى عنه فيه ما فيه أو المراد بالنسخ المعارضة يعنى قول ابن شاهين إنه ناسخ أحاديث النهى عن الإستغفار أي معارض لها إذ لامعنى للنسخ هنا على أنه لا معارضة لأن النهي عن الإستغفار لها كان قبل أن تؤمن
وإذا ثبت ماتقدم عن عائشة رضي الله تعالى عنها وما بعده كان دليلا لمن يقول قبر أمه صلى الله عليه وسلم بمكة وعلى كونها دفنت بالأبواء اقتصر الحافظ الدمياطي في سيرته وكذا ابن هشام في سيرته وفي الوفاء عن ابن سعد أن كون قبرها بمكة غلط وإنما قبرها بالأبواء
وقد يقال على تقدير صحة الحديثين أي أنها دفنت بالأبواء وأنها دفنت بمكة يجوز أنها تكون دفنت أولا بالأبواء ثم نقلت من ذلك المحل إلى مكة فعلم أن بكاءه صلى الله عليه وسلم كان قبل أن يحييها الله له وتؤمن به ومن ثم قال الحافظ السيوطي إن هذا الحديث أي حديث عائشة قيل إنه موضوع لكن الصواب ضعفه لا وضعه هذا كلامه
ويجوز أن يكون قوله لشخصين أمي وأمكما في النار على تقدير صحته التي ادعاها الحاكم في المستدرك كان قبل إحيائها وإيمانها به كما تقدم نظير ذلك في أبيه صلى الله عليه وسلم
وقولنا على تقدير صحة الحديث إشارة لما تقرر في علوم الحديث أنه لا يقبل تفرد
الحاكم بالتصحيح في المستدرك لما عرف من تساهله فيه في التصحيح وقد بين الذهبي ضعف هذا الحديث وحلف على عدم صحته يمينا وتقدم الجواب عما يقال كيف ينفع الإيمان بعد الموت وتقدم ما فيه على أن هذا أي منع الأستغفار لها إنما يأتي على القول أن من بدل أو غير أو عبد الأصنام من أهل الفترة معذب وهو قول ضعيف مبنى على وجوب الإيمان والتوحيد بالعقل
والذي عليه أكثر أهل السنة والجماعة أنه لا يجب ذلك إلا بإرسال الرسل ومن المقرر أن العرب لم يرسل إليهم رسول بعد إسماعيل فإن إسماعيل انتهت رسالته بموته كبقية الرسل لأن ثبوت الرسالة بعد الموت من خصائص نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فعليه أهل الفترة من العرب لا تعذيب عليهم وإن غيروا أو بدلوا أو عبدوا الأصنام والأحاديث الواردة بتعذيب من ذكر أي من غير أو بدل أو عبدالأصنام مؤولة أو خرجت مخرج الزجر للحمل على الإسلام
ثم رأيت بعضهم رجح أن التكليف بوجوب الإيمان بالله تعالى وتوحيده أي بعدم عبادة الأصنام يكفى فيه وجود رسول دعا إلى ذلك وإن لم يكن ذلك الرسول مرسلا لذلك الشخص بأن لم يدرك زمنه حيث بلغه أنه دعا إلى ذلك أو أمكنه علم ذلك وأن التكليف بغير ذلك من الفروع لا بد فيه من أن يكون ذلك الرسول مرسلا لذلك الشخص وقد بلغته دعوته
وعلى هذا فمن لم يدرك زمن نبينا صلى الله عليه وسلم ولا زمن من قبله من الرسل معذب على الإشراك بالله بعبادة الأصنام لأنه على فرض أن لا تبلغه دعوة أحد من الرسل السابقين إلى الإيمان بالله وتوحيده لكنه كان متمكنا من علم ذلك فهو تعذيب بعد بعث الرسل لا قبله
وحينئذ لا يشكل ما أخرجه الطبراني في الأوسط بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما بعث الله نبيا إلى قوم ثم قبضه إلا جعل بعده فترة يملأ من تلك الفترة جهنم ولعل المراد المبالغة في الكثرة وإلا فقد أخرج الشيخان عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تزال جهنم يلقى فيها وتقول هل من مزيد حتى يضع رب العزة فيها قدمه فيرتد بعضها إلى بعض وتقول قط قط أي حسبي بعزتك وكرمك وأما بالنسبة لغير الإيمان والتوحيد من الفروع فلا تعذيب على
تلك الفروع لعدم بعثة رسول إليهم فأهل الفترة وإن كانوا مقرين بالله إلا أنهم أشركوا بعبادة الأصنام
فقد حكى الله تعالى عنهم ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى وقد جاء النهى عن ذلك على ألسنة الرسل السابقين
ووجه التفرقة بين الإيمان والتوحيد وغير ذلك أن الشرائع بالنسبة للإيمان بالله وتوحيده كالشريعة الواحدة إتفاق جميع الشرائع عليه
قيل وهو المراد من قوله تعالى { شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا } فقد قال بعضهم المراد من الآية إستواء الشرائع كلها في أصل التوحيد أي ومن ثم قال في تمام الآية { ولا تتفرقوا فيه } وقال { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } وقال { وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } ومن ثم قاتل بعض الأنبياء غير قومه على الشرك بعبادة الأصنام ولو لم يكن الإيمان والتوحيد لازما لهم لم يقاتلهم بخلاف غيره من الفروع فإن الشرائع فيها مختلفة
قال بعضهم سبب إختلاف الشرائع اختلاف الأمم في الإستعداد والقابلية والدليل على أن الأنبياء متفقون على الإيمان والتوحيد ما جاء أنه صلى الله عليه وسلم قال الأنبياء أولاد علات أي أصل دينهم واحد وهو التوحيد وإن اختلفت فروع شرائعهم لأن العلات الضرائر فأولادهم أخوة من الأب وأمهاتهم مختلفة وقد جاء هذا التفسير في نفس الحديث ففي بعض الروايات الأنبياء إخوة من علات أمهاتهم شتى ودينهم واحد وبه يعلم ما في كلام العلامة ابن حجر الهيتمي حيث ذكر أن الحق الواضح الذي لا غبار عليه أن أهل الفترة جميعهم ناجون وهم من لم يرسل لهم رسول يكلفهم بالإيمان بالله عز وجل فالعرب حتى في زمن أنبياء بني إسرائيل أهل فترة لأن تلك الرسل لم يؤمروا بدعايتهم إلى الله تعالى وتعليمهم الإيمان قال نعم من ورد فيه حديث صحيح من أهل الفترة بأنه من أهل النار فإن أمكن تأويله فذاك وإلا لزمنا أن نؤمن بهذا الفرد بخصوصه
قال وأما قول الفخر الرازي لم تزل دعوة الرسل إلى التوحيد معلومة فجوابه أن كل رسول إنما أرسل إلى قوم مخصوصين فمن لم يرسل إليه لا يعذب وجواب ما صح من تعذيب أهل الفترة أنها أخبار آحاد فلا تعارض القطع أو يقصر التعذيب على ذلك الفرد بخصوصه أي حيث لا يقبل التأويل كما تقدم هذا كلامه
هذا وقد جاء أنهم أي أهل الفترة يمتحنون يوم القيامة فقد أخرج البزار عن ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوثانهم على ظهورهم فيسألهم ربهم فيقولون ربنا لم ترسل لنا رسولا ولم يأتنا لك أمر ولو أرسلت إلينا رسولا لكنا أطوع عبادك فيقول لهم ربهم أرأيتم إن أمرتكم بأن تطيعوني فيأخذ على ذلك مواثيقهم فيرسل إليهم أن ادخلوا النار فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا فرجعوا فقالوا ربنا فرقنا منها ولا نستطيع أن ندخلها فيقول أدخلوها داخرين فقال النبي صلى الله عليه وسلم لو دخلوها أول مرة كانت عليهم بردا وسلاما
قال الحافظ ابن حجر فالظن بآله صلى الله عليه وسلم يعني الذين ماتوا قبل البعثة أنهم يطيعون عند الإمتحان إكراما له صلى الله عليه وسلم لتقر عينه ويرجو أن يدخل عبدالمطلب الجنة في جماعة من يدخلها طائعا إلا أبا طالب فإنه أدرك البعثة ولم يؤمن به أي بعد أن طلب منه الإيمان
ومما استدل به الحافظ السيوطي على أن أبويه صلى الله عليه وسلم ليسا في النار قال لأنهما لو كانا في النار لكانا أهون عذابا من أبي طالب لأنهما أقرب منه وأبسط عذرا لأنهما لم يدركا البعثة ولا عرض عليهما الإسلام فامتنعا بخلاف أبي طالب وقد أخبر الصادق صلى الله عليه وسلم أنه أهون أهل الناس عذابا فليسا أبواه صلى الله عليه وسلم من أهلها قال وهذا يسمى عند أهل الأصول دلالة الإشارة
وكان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة لا يجلس عليه أحد من أهل بيته أي ولا أحد من أشراف قريش إجلالا له فكان بنوه وسادات قريش يحدقون به فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي وهو غلام جفر أي شديد قوى حتى يجلس عليه فيأخذه أعمامه ليؤخره عنه فيقول عبد المطلب إذا رأى أي علم ذلك منهم دعوا ابني فوالله إن له لشأنا ثم يجلسه عليه معه ويمسح ظهره ويسره ما يراه يصنع
قال وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما دعوا بني يجلس فإنه يحس من نفسه بشيء أي بشرف وأرجو أن يبلغ من الشرف مالم يبلغه به عربي قبله ولا بعده وفي رواية دعوا ابني إنه ليؤنس ملكا أي يعلم من نفسه أن له ملكا وفي لفظ ردوا ابني إلى مجلسي فإنه تحدثه نفسه بملك عظيم وسيكون له شأن
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال سمعت أبي يقول كان لعبد المطلب مفرش في الحجر لا يجلس عليه غيره وكان حرب بن أمية فمن دونه من عظماء قريش يجلسون حوله دون المفرش فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما وهو غلام لم يبلغ الحلم فجلس على المفرش فجذبه رجل فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عبدالمطلب وذلك بعد ما كف بصره مالا بني يبكي قالوا له أراد أن يجلس على المفرش فمنعوه فقال عبدالمطلب دعوا ابني يجلس عليه فإنه يحس من نفسه بشرف أي يتيقن في نفسه شرفا وأرجو أن يبلغ من الشرف مالم يبلغه عربي قبله ولا بعده أي فكانوا بعد ذلك لا يردونه عنه حضر عبدالمطلب أو غاب أي ولعل هذا كان في آخر الأمر فلا ينافى ما تقدم الدال ظاهرا على تكرر ذلك منه صلى الله عليه وسلم من إختلاف قول عبدالمطلب وإلا فيحتمل أن إختلاف قول عبدالمطلب جاء من إختلاف الرواة
وقال لعبدالمطلب قوم من بني مدلج أي وهم القافة العارفون بالآثار والعلامات احتفظ به فإنا لم نرقد ما أشبه بالقدم التي في المقام منه أي وهي قدم إبراهيم عليه الصلاة والسلام
أقول أي فإن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أثرت قدماه في المقام وهو الحجر الذي كان يقوم عليه عند بناء البيت كما سيأتي وهو الذي يزار الآن بالمكان الذي يقال له مقام إبراهيم أي وقد أشار إلى ذلك عمه أبو طالب في قصيدته بقوله مقسما ** وبالحجر المسود إذ يلثمونه ** إذا اكتنفوه في الضحى والأصائل ** ** وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة ** على قدميه حافيا غير ناعل **
قال الحافظ ابن كثير يعنى أن رجله الكريمة غاصت في الصخرة فصارت على قدر قدمه حافية لا منتعلة
وعن أنس رضي الله تعالى عنه رأيت في المقام أثر أصابع إبراهيم وعقبيه وأخمص قدميه غير أن مسح الناس بأيديهم أذهب ذلك أي ومشابهة قدمه صلى الله عليه وسلم لقدم سيدنا إبراهيم تدل على أن تلك الأقدام بعضها من بعض كما تقدم في قول مجزز المدلجى في زيد بن أسامة رضي الله عنهما وقد ناما وغطيا رءوسهما وبدت أقدامهما إن هذه الأقدام بعضها من بعض فسر بذلك صلى الله عليه وسلم لأن في ذلك رد على من كان يطعن في نسب أسامة بن زيد كما تقدم
وذكر بعضهم أن نبينا صلى الله عليه وسلم أثر قدمه في الحجر أيضا فقد أثر في صخرة بيت المقدس ليلة الإسراء وإن ذلك الأثر موجود إلى الآن
وذكر الجلال السيوطى انه لم يقف لذلك أي لتأثير قدمه صلى الله عليه وسلم في الحجر على أصل ولا سند قال ولا رأيت من خرجه في شيء من كتب الحديث وقال مثل ذلك فيما أشتهر على الألسنة من أن مرفقه الشريف لما ألصقة بالحائط غاص في الحجر وأثر فيه وبه يسمى ذلك المحل بمكة بزقاق المرفق
ومن العجب أن الجلال السيوطي مع قوله المذكور قال في الخصائص الصغرى ولا وطيء على صخر إلا وأثر فيه هذا كلامه ولعله ظهر له صحة ذلك بعد إنكاره ودعوى أنه صلى الله عليه وسلم ما وطئ على صخر إلا وأثر فيه قد يتوقف فيه ثم رأيت الإمام السبكي ذكر تأثير قدمه الشريف في الأحجار حيث قال في تائيته ** وأثر في الأحجار مشيك ثم لم ** يؤثر برمل أو ببطحاء رطبة **
قال شارحها ولعل عدم تأثير قدمه الشريف في الرمل كان ليلة ذهابه صلى الله عليه وسلم إلى الغار أي فليس كان هذا شأنه في كل رمل مشى عليه وكان صلى الله عليه وسلم إذا رفع قدمه عن الرمل يقول لأبي بكر ضع قدمك موضع قدمي فإن الرمل لا ينم أراد به إخفاء أثر سيره ليتحير المشركون في طلبه
وفيه أن هذا التعليل مقتض لتأثير قدمه الشريف في الرمل لا لعدم تأثيره في ذلك ويؤيد ذلك أنه سيأتي أنهم قصوا أثره إلى أن انقطع الأثر عند الغار أي وقال لهم القاص هذا أثر قدم ابن أبي قحافة وأما القدم الآخر فلا أعرفه إلا أنه يشبه القدم الذي في المقام يعنى مقام إبراهيم فقالت قريش ما وراء هذا شيء أي محل كما سيأتي
وفيه أن هذا تميز قدمه الشريف من قدم سيدنا أبي بكر ربما ينافيه قوله لأبي بكر ضع قدمك موضع قدمي فإن الرمل لا ينم
وقد يقال لا منافاة لأنه يجوز أن يكون قدم أبي بكر لم يكن مساويا لقدمه صلى الله عليه وسلم ولا يضر في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم فإن الرمل لا ينم لجواز أن يكون المراد لا يظهر فيه قدمي ظهور أبينا فصح قول القائل هذا أثر قدم ابن أبي قحافة وأما القدم الآخر إلى آخره ولم يعترض هذا الشارح على تأثير قدمه صلى الله عليه وسلم في الحجارة بل أبدي لذلك حكما لا بأس بها فلتراجع
وقوله في الأحجار يدل على أنه تكرر تأثير قدمه الشريف في الأحجار ولكن لم يكن ذلك شأنه صلى الله عليه وسلم في كل حجر مشى عليه كما دلت عليه عبارة الجلال السيوطي والله أعلم
قال وبينا عبدالمطلب يوما في الحجر وعنده أسقف نجران والأسقف رئيس النصارى في دينهم اشتق من السقف بالتحريك وهو طول الإنحناء لأنه يتخاشع أي يظهر الخشوع وذلك الأسقف يحادثه ويقول له إنا نجد صفة نبي بقى من ولد إسمعيل وهذا البلد مولده ومن صفته كذا وكذا وأتى برسول الله صلى الله عليه وسلم فنظر إليه الأسقف إلى عينيه وإلى ظهره وإلى قدمه وقال هو هذا ما هذا منك قال هذا ابني قال ما نجد أباه حيا قال هو ابن أبني وقد مات أبوه وأمه حبلى به قال صدقت فقال عبدالمطلب لبنيه تحفظوا بإبن أخيكم ألا تسمعون ما يقال فيه انتهى
وعن أم أيمن كنت أحضن النبي صلى الله عليه وسلم أي أقوم بتربته وحفظه فغفلت عنه يوما فلم أدر إلا بعبد المطلب قائما على رأسي يقول يا بركة قلت لبيك قال أتدرين أين وجدت ابني قلت لا أدري قال وجدته مع غلمان قريبا من السدرة لا تغفلي عن ابني فإن أهل الكتاب أي ومنهم سيف بن ذي يزن كما سيأتي يزعمون أنه نبي هذه الأمة وأنا لا آمن عليه منهم وكان لا يأكل يعنى عبدالمطلب طعاما إلا يقول على بإبني أي أحضروه قال وكان عبدالمطلب إذا أتى بطعام أجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه وربما أقعده على فخذه فيؤثر بأطيب طعامه انتهى
وعن بعضهم أي وهو حيدة بن معاوية العامري كان من المعمرين وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلم قال بعضهم مات وهو عم ألف رجل وامرأة قال حججت في الجاهلية فبينا أنا أطوف بالبيت إذا رجل وفي رواية إذا شيخ طويل يطوف بالبيت وهو يقول رد إلى راكبي محمدا وفي رواية ** يا رب رد راكبي محمدا ** اردده ربي واصطنع عندي يدا **
فقلت من هذا قالوا عبدالمطلب بن هاشم بعث ابنه في طلب إبل له ضلت وما بعثه في شيء إلا جاء به قال وفي رواية هذا سيد قريش عبد المطلب له إبل كثيرة فإذا ضل منها شيء بعث فيه بنيه يطلبونها فإذا غابوا بعث ابن ابنه ولم يبعثه حاجة
إلا أنجح فيها وقد بعثه في حاجة أعيا عنها بنوه وقد أبطأ عليه انتهى فما برحت أي مازلت عن مكاني حتى جاء بالإبل معه فقال له يا بني حزنت عليك حزنا لا يفارقني بعده أبدا وتقدم عن بعض المفسرين ما لا يحتاج إلى إعادته هنا
وعن رقيقة بنت أبي صيفي أي ابن هاشم بن عبد مناف زوجة عبدالمطلب ذكرها ابن سعد في المسلمات المهاجرات أقوال وقال أبو نعيم لا أراها أدركت الإسلام وقال ابن حبان يقال إن لها صحبة والله أعلم قالت تتابعت على قريش سنون أي أزمنة قحط وجدب ذهبت بالأموال وأشفين أي أشرفن على الأنفس قالت فسمعت قائلا يقول في المنام يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث منكم هذا إبان أي وقت خروجه وبه يأتيكم الحيا أي بالقصر المطر العام والخصب فانظروا رجلا من أوساطكم أي أشرافكم نسبا طوالا عظاما أي طويلا عظيما أبيض مقرون الحاجبين أهدب الأشفار أي طويل شعر الأجفان أسيل الخدين أي لا نتو بها رقيق العرنين أي الأنف وقيل أوله فليخرج هو وجميع ولده وليخرج منكم من كل بطن رجل فيتطهروا ويتطيبوا ثم استلموا الركن ثم أرقوا إلى رأس أبي قبيس ثم يتقدم هذا الرجل فيستسقى وتؤمنون فإنكم تسقون فأصبحت وقصت رؤياها عليهم فنظروا فوجدوا هذه الصفة صفة عبدالمطلب فاجتمعوا عليه وأخرجوا من كل بطن رجلا ففعلوا ما أمرتهم به ثم علوا على أبي قبيس ومعهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو غلام فتقدم عبدالمطلب فقال لا هم هؤلاء عبيدك وبنو عبيدك وإماؤك وبنو إمائك وقد نزل بنا ما ترى وتتابعت علينا هذه السنون فذهبت بالظلف والخف والحافر أي الإبل والبقر والخيل والبغال والحمير فأشفت على الأنفس أي أشرفت على ذهابها فأذهب عنا الجدب وائتنا بالحيا والخصب فما برحوا حتى سالت الأودية
قال وفي رواية أخرى عن رقيقة قال تتابعت على قريش سنون جدبة أقحلت أي أيبست الجلد وأدقت العظم فبينا أنا نائمة أو مهومة أي بين اليقظانة والنائمة إذا هاتف هو الذي يسمع صوته ولا يرى شخصه كما تقدم يصرخ بصوت صحل أي فيه بحوحة وهي خشونة الصوت وغلظه يقول يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث منكم قد أظللتكم أيامه أي قربت منكم وهذا إبان مخرجه فحيعلا بالحيا والخصب ألا فانظروا رجلا منكم وسطا عظاما أبيض بضا أي شديد البياض أوطف الأهداب أي كثير شعر العينين
أسهل الخدين أشم العرنين أي مرتفع الأنف له فخر يكظم عليه أي يسكت عليه ولا يظهره وسنن يهتدى إليها أي يرشد إليها فليخلص هو وولده وولد ولده وليد لف أي يتقدم إليه من كل بطن رجل فليسنوا من الماء أي يفرغوه على أجسادهم أي يغتسلوا به وليمسوا من الطيب ثم يلتمسوا الركن وليطوفوا بالبيت العتيق سبعا ثم ليرقوا أبا قبيس فليستسق الرجل وليؤمن القوم ألا وفيهم الطيب الطاهر فغثتم إذا ما شئتم أي جاءكم الغيث على ما تريدون قالت فأصبحت مذعورة قد اقشعر جلدي ووله أي ذهب عقلي واقتصيت رؤياي أي ذكرتها على وجهها فنمت أي فشت وكثرت من شعاب مكة فما بقى أبطحي إلا قال هذا شيبة الحمد يعني عبدالمطلب وقامت عنده قريش وانفض إليه من كل بطن رجل فسنوا من الماء ومسوا من الطيب واستلموا وطافوا
ثم ارتقوا أبا قبيس فطفق القوم يدنون حوله ما إن يدركه بعضهم مهلة وهي التؤدة والتأني ومعه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أيفع أي ارتفع أو كرب أي قرب من ذلك فقام عبدالمطلب فقال اللهم ساد الخلة وكاشف الكربة أنت عالم غير معلم ومسئول غير مبخل وهذه عبيدك وإماؤك بغدرات حرمك أي أفنيته يشكون إليك سنتهم التي أقحلت أي أيبست الظلف والخف أي الإبل والبقر فأمطرن اللهم غيثا سريعا مغدقا فما برحوا حتى انفجرت السماء بمائها وكظ الوادي أي ضاق بثجيجه أي بسيله فلسمعت شيخان قريش وهي تقول لبعدالمطلب هنيئا لك يا أبا البطحاء بك عاش أهل البطحاء انتهى أي والظاهر أن القصة واحدة فليتأمل الجمع وقد يدعى أن الإختلاف من الرواة منهم من عبر بالمعنى
وفي سقيا الناس بعبدالمطلب وأن ذلك ببركته صلى الله عليه وسلم تقول رقيقة ** بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا ** وقد عدمنا الحيا واجلوذ المطر **
أي امتد زمن تأخره فجاد بالماء جوني له سبل دان أي مطرها طل كثير الهطل قريب فعاشت به الأنعام والشجر منا من الله بالميمون طائره أي المبارك حظه وخير من بشرت يوما به مضر ** مبارك الإسم يستسقى الغمام به ** ما في الأنام له عدل ولا خطر **
أي لا معادل ولا مماثل له
ولما سقوا لم يصل المطر إلى بلاد قيس ومضر فاجتمع عظماؤهم وقالوا قد أصبحنا
في جهد وجدب وقد سقى الله الناس بعبدالمطلب فاقصدوه لعله يسأل الله تعالى فيكم فقدموا مكة ودخلوا على عبدالمطلب فحيوه بالسلام فقال لهم أفلحت الوجوه وقام خطيبهم فقال قد أصابتنا سنون مجدبات وقد بان لنا أثرك وصح عندنا خبرك فاشفع لنا عند من شفعك وأجرى الغمام لك فقال عبدالمطلب سمعا وطاعة موعدكم غدا عرفات ثم أصبح غاديا إليها وخرج معه الناس وولده ومعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فنصب لعبدالمطلب كرسي فجلس عليه وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعه في حجره ثم قام عبدالمطلب ورفع يديه ثم قال اللهم رب البرق الخاطف والرعد القاصف رب الأرباب وملين الصعاب هذه قيس ومضر من خير البشر قد شعثت رؤوسها وحدبت ظهورها تشكوا إليك شدة الهزال وذهاب النفوس والأموال اللهم فأتح لهم سحابا خوارة وسماء خرارة لتضحك أرضهم ويزول ضرهم فما استتم كلامه حتى نشأت سحابة دكناء لها دوى وقصدت نحو عبدالمطلب ثم قصدت نحو بلادهم فقال عبدالمطلب يا معشر قيس ومضر انصرفوا فقد سقيتم فرجعوا وقد سقوا
وذكر بعضهم أنهم كانوا في الجاهلية يستسقون إذا أجدبوا فإذا أرادوا ذلك أخذوا من ثلاثة أشجار وهي سلع وعشر وشبرق من كل شجرة شيئا من عيدانها وجعلوا ذلك حزمة وربطوا بها على ظهر ثور صعب وأضرموا فيها النار ويرسلون ذلك الثور فإذا أحس بالنار عدا حتى يحترق ما على ظهره ويتساقط وقد يهلك ذلك الثور فيسقون
وفي حياة الحيوان كانت العرب إذا أرادت الإستسقاء جعلت النيران في أذناب البقر وأطلقوها فتمطر السماء فإن الله يرحمها بسبب ذلك قال وذكر ابن الجوزي أنه صلى الله عليه وسلم في سنة سبع من مولده أصابه رمد شديد فعولج بمكة فلم يغن فقيل لعبدالمطلب إن في ناحية عكاظ راهبا يعالج الأعين فركب إليه ومعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فناداه وديره مغلق فلم يجبه فتزلزل ديره حتى خاف أن يسقط عليه فخرج مبادرا فقال يا عبدالمطلب إن هذا الغلام نبي هذه الأمة ولو لم أخرج إليك لخر على ديري فارجع به واحفظه لا يقتله بعض أهل الكتاب ثم عالجه وأعطاه ما يعالجه به
هذا ورأيت في كتاب سماه مؤلفه كريم الندماء ونديم الكرماء أن رسول الله صلى الله
عليه وسلم رمد وهو صغير فمكث أياما يشكو فقال قائل لجده عبدالمطلب إن بين مكة والمدينة راهبا يرقى من الرمد وقد شفى على يديه خلق كثير فأخذه جده وذهب به إلى ذلك الراهب فلما رآه الراهب دخل إلى صومعته فاغتسل ولبس ثيابه ثم أخرج صحيفة فجعل ينظر إلى الصحيفة وإليه صلى الله عليه وسلم ثم قال هو والله خاتم النبيين ثم قال يا عبدالمطلب هو أرمد قال نعم قال إن دواءه معه يا عبد المطلب خذ من ريقه وضعه على عينيه فأخذ عبدالمطلب من ريقه صلى الله عليه وسلم ووضعه على عينيه صلى الله عليه وسلم فبرأ لوقته ثم قال الراهب يا عبدالمطلب وتالله هذا هو الذي أقسم على الله به فأبرئ المرضى وأشفى الأعين من الرمد فليتأمل فإن تعدد الواقعة لا يخلو عن بعد والله أعلم & باب وفاة عبدالمطلب وكفالة عمه أبي طالب له صلى الله عليه وسلم
ثم لما كان سنه صلى الله عليه وسلم ثمان سنين أي بناء على الراجح من الأقوال المتكثرة ويرحجه ما يأتي توفى عبدالمطلب وله من العمر خمس وتسعون سنة وقيل مائة وعشرون وقيل وأربعون أي ولعل ضعف هذا القول اقتضى عدم ذكر ابن الجوزي لعبدالمطلب في المعمرين قال وقيل إثنان وثمانون أي وعليه اقتصر الحافظ الدمياطي قال وقيل مائة وأربعة وأربعون وقد قيل له صلى الله عليه وسلم يا رسول الله أتذكر موت عبدالمطلب قال نعم وأنا يومئذا بن ثمان سنين
وعن أم أيمن أنها كانت تحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبكى خلف سرير عبدالمطلب وهو ابن ثمان سنين ودفن بالحجون عنده جده قصي
وجاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث جدي عبدالمطلب في زي الملوك وأبهة الأشراف
ولما حضرته الوفاة أوصى به صلى الله عليه وسلم إلى عمه شقيق أبيه أبي طالب أي وكان أبو طالب ممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية كأبيه عبدالمطلب كما تقدم وإسمه على الصحيح عبد مناف وزعمت الروافض أن إسمه عمران وأنه المراد من قوله تعالى إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين قال الحافظ ابن كثير
وقد أخطأوا في ذلك خطأ كبيرا ولم يتأملوا القرآن قبل أن يقولوا هذا البهتان فقد ذكر بعد هذه قوله تعالى { إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا } وحين أوصى به جده لأبي طالب أحبه حبا شديدا لا يحبه لأحد من ولده فكان لا ينام إلا إلى جنبه وكان يخصه بأحسن الطعام أي وقيل اقترع أبو طالب هو والزبير شقيقه فيمن يكفله صلى الله عليه وسلم منهما فخرجت القرعة لأبي طالب وقيل بل هو صلى الله عليه وسلم اختار أبا طالب لما كان يراه من شفقته عليه وموالاته له قبل موت عبدالمطلب فسيأتي أنه كان مشاركا له في كفالته
وقيل كفله الزبير حين مات عبد المطلب ثم كفله أبو طالب أي بعد موت الزبير وغلط قائله بأن الزبير شهد حلف الفضول ولرسول الله صلى الله عليه وسلم من العمر نيف وعشرون سنة كذا في أسد الغابة مقدما للإقتراع على ما قبله
وفي كون عمره صلى الله عليه وسلم في حلف الفضول كان نيفا وعشرين سنة نظر لما سيأتي أن عمره إذا ذاك كان أربع عشرة سنة
وفي كلام بعضهم فلما مات عبدالمطلب كفله عماه شقيقا أبيه الزبير وأبو طالب ثم مات عمه الزبير وله من العمر أربع عشرة سنة فانفرد به أبو طالب وكفالة جده وعمه له صلى الله عليه وسلم بعد موت أبيه وأمه مذكورة في الكتب القديمة من علامات نبوته صلى الله عليه وسلم
ففي خبر سيف بن ذي يزن يموت أبوه وأمه ويكفله جده وعمه أي وفي سيرة ابن هشام عن ابن إسحاق أن عبدالمطلب لما حضرته الوفاة وعرف أنه ميت جمع بناته وكن ست نسوة صفية وهي أم الزبير بن العوام وبرة وعاتكة وأم حكيم البيضاء أي وهي جدة عثمان بن عفان لأمه وأميمة وأروى فقال لهن ابكين على حتى أسمع ما تقلن في قبل أن أموت فقالت كل واحده منهن شعرا في وصفه مذكور في تلك السيرة ولما سمع جميع ذلك أشار برأسه أن هكذا فابكينني ويقال إنه إنما أشار بذلك لما سمع قول أميمة وقد أمسك لسانه وكان من قولها ** أعيني جودا بدمع درر ** على ماجد الخيم والمعتصر ** ** على ماجد الجد وارى الزناد ** جميل المحيا عظيم الخطر ** ** على شيبة الحمد ذي المكرمات ** وذي المجد والعز والمفتخر ** **
وذي الحلم والفضل في النائبات ** كثير المفاخر جم الفخر ** ** له فضل مجد على قومه ** متين يلوح كضوء القمر **
قال ابن هشام رحمه الله لم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرف هذاالشعر إلا أنه أي ابن إسحاق لما رآه عن ابن المسيب كتبه قال بعضهم ولم يبك أحد بعد موته ما بكى عبد المطلب بعد موته ولم يقم لموته بمكة سوق أياما كثيرة
وروى أبو نعيم والبيهقي أن سيف بن ذي يزن الحميري لما ولى على الحبشة وذلك بعد مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين أناه وفود العرب وأشرافها وشعرؤها لتهنئه أي بهلاك ملوك الحبشة وبولايته عليهم أي لأن ملك اليمن كان لحمير فانتزعته الحبشة منهم واستمر في يد الحبشة سبعين سنة ثم إن سيف بن ذي يزن الحميري استنقذ ملك اليمن من الحبشة واستقر فيه على عادة آبائه وجاءت العرب تهنئه من كل جانب وكان من جملتهم وفد قريش وفيهم عبدالمطلب وأمية بن عبد شمس وغالب وجهائهم أي كعبدالله بن جدعان بضم الجيم وإسكان الدال المهملة وبالعين المهملة التيمي وهو ابن عم عائشة رضي الله تعالى عنها وكأسد بن عبدالعزى ووهب بن عبدمناف وقصي ابن عبدالدار فأخبر بمكانهم أي وكان في قصره بصنعاء وهو مضمخ بالمسك وعليه بردان والتاج على رأسه وسيفه بين يديه وملوك حمير عن يمينه وشماله فأذن لهم فدخلوا عليه ودنا منه عبدالمطلب
وفي الوفاء وجدوه جالسا على سرير من الذهب وحوله أشراف اليمن على كراسي من الذهب فوضعت لهم كراسي من الذهب فجلسوا عليها إلا عبدالمطلب فإنه قام بين يديه واستأذنه في الكلام فقال إن كنت ممن يتكلم بين يدي الملوك فقد أذنا لك فقال إن الله عز وجل أحلك أيها الملك محلا رفيعا شامخا أي مرتفعا باذخا أي عاليا منيعا وأنبتك نباتا طالت أرومته وعظمت جرثومته أي والأرومة والجرثومة هما الأصل وثبت أصله وبسق أي طال فرعه من أطيب موضع وأكرم معدن وأنت أبيت اللعن أي أبيت أن تأتي من الأمور ما يلعن عليه ملك العرب الذي له تنقاذ وعمودها الذي عليه العماد وكهفها الذي تلجأ إليه العباد سلفك خير سلف وأنت لنا فيهم خير خلف فلن يهلك ذكر من أنت خلفه ولن يخمل ذكر من أنت سلفه نحن أهل حرم الله وسدنة بيته أشخصنا أي أحضرنا إليك الذي أبهجنا من كشف الكرب
الذي فدحنا أي أثقلنا فنحن وفد التهنئة لا وفد الترزئة أي التعزية فعند ذلك قال له الملك من أنت أيها المتكلم قال عبدالمطلب بن هاشم قال ابن اختنا بالتاء المثناة فوق لأن أم عبدالمطلب من الخزرج وهم من اليمن قال نعم قال ادنه ثم أقبل عليه وعلى القوم فقال مرحبا وأهلا وناقة ورحلا ومستناخا سهلا وملكا ربحلا أي كثير العطاء يعطى عطاء جزلا قد سمع الملك مقالتكم وعرف قرابكم وقبل وسيلكم فإنكم أهل الليل والنهار ولكم الكرامة ما أقمتم والحباء أي العطاء إذا ظعنتم ثم انهضوا إلى دار الضيافة والوفود وأجرى عليهم الأنزال فأقاموا بذلك شهرا لا يصلون إليه ولا يؤذن لهم بالإنصراف ثم انتبه لهم إنتباهة فأرسل إلى عبدالمطلب فأدناه ثم قال له يا عبدالمطلب إني مفض إليك من سر علمي أمرا لو غيرك يكون لم أبح له به ولكن رأيتك معدنه فأطلعتك طلعه أي عليه فليكن عندك مخبأ حتى يأذن الله عز وجل فيه إني أجد في الكتاب المكنون والعلم المخزون الذي أدخرناه لأنفسنا واحتجبناه أي كتمناه دون غيرنا خبرا عظيما وخطرا جسيما فيه شرف الحياة وفضيلة الوفاة للناس عامة ولرهطك كافة ولك خاصة فقال له عبدالمطلب مثلك أيها الملك سر وبر فما هو فداك أهل الوبر زمرا بعد زمر قال إذا ولد بتهامة غلام بين كتفيه شامة كانت له الإمامة ولكم به الزعامة أي السيادة إلى يوم القيامة فقال له عبدالمطلب أيها الملك أبت أي رجعت بخير ما آب بمثله وافد قوم ولولا هيبة الملك وإجلاله وإعظامه لسألته من مساره أي من مساررته إياي بما أزداد به سرورا فقال له الملك هذا حينه الذي يولد فيه أو قد ولد إسمه محمد يموت أبوه وأمه ويكفله جده وعمه قد ولدناه مرارا والله باعثه جهارا وجاعل له منا أنصارا يعزبهم أولياءه ويذل بهم أعداءه ويضرب بهم الناس عن عرض أي جميعا ويستفتح بهم كرائم الأرض يعبد الرحمن ويدحض أي يزجر الشيطان ويخمد النيران ويكسر الأوثان قوله فصل وحكمه عدل ويأمر بالمعروف ويفعله وينهى عن المنكر ويبطله قال له عبدالمطلب جد جدك ودام ملكك وعلا كعبك فهل الملك ساري بإفصاح فقد وضح لي الإيضاح قال والبيت ذي الحجب والعلامات على النقب أي الطرق إنك لجده يا عبد المطلب غير كذب قال فخر عبدالمطلب ساجدا فقال له ارفع رأسك ثلج صدرك وعلا كعبك فهل أحسست بشيء مما ذكرت لك قال نعم أيها الملك إنه كان لي إبن
وكنت به معجبا وعليه رقيقا وإني زوجته كريمة من كرائم قومي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة فجاءت بغلام فسميته محمدا مات أبوه وأمه وكفلته أنا وعمه يعنى أبا طالب وهذا يدل على أن وفود عبدالمطلب على سيف بن ذي يزن كان بعد موت أمه صلى الله عليه وسلم
وحينئذ لا ينافى ذلك ما تقدم أن عمره صلى الله عليه وسلم كان سنتين لأن ذلك كان سنه صلى الله عليه وسلم حين ولى سيف بن ذي يزن على الحبشة وتأخر وفود عبدالمطلب عليه بعد موت أمه صلى الله عليه وسلم ويدل على أن أبا طالب كان مشاركا لعبدالمطلب في كفالته صلى الله عليه وسلم في حياة عبدالمطلب ثم اختص هو بذلك بعد موته أي وعبارة سيف بن ذي يزن صادقة بالحالين فقال له إن الذي قلت لك كما قلت فاحتفظ على إبنك واحذر عليه من اليهود فإنهم له أعداء ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا أي فحفظه والخوف عليه منهم من باب الإحتياط و الإعلام بقدره
قال واطوما ذكرته لك عن هؤلاء الرهط الذين معك فإني لست آمن أن تداخلهم النفاسة من أن تكون له الرياسة فينصبون له الحبائل ويبغون له الغوائل وهم فاعلون ذلك وأبناؤهم من غير شك ولولا أعلم أن الموت مجتاحي أي مهلكي قبل مبعثه لسرت بخيلي ورجلي حتى أصير بيثرب دار ملكه فإني أجد في الكتاب الناطق والعلم السابق أن يثرب دار ملكه وإستحكام أمره وأجل نصرته وموضع قبره ولولا أني أقيد الآفات وأحذر عليه العاهات لأعلنت على حداثة سنه أمره وأعليت على أسنان العرب كعبه ولكن سأصرف ذلك إليك من غير تقصير بمن معك
ثم دعا بالقوم وأمر لكل واحد منهم بعشرة أعبد أسود وعشرة إماء سود وحلتين من حلل البرود وعشرة أرطال ذهبا وعشرة أرطال فضة ومائة من الإبل وكرش مملوء عنبرا وأمر لعبدالمطلب بعشرة أضعاف ذلك وقال إذا جاء الحول فأتني بخبره وما يكون من أمره فمات الملك قبل أن يحول عليه الحول وكان عبدالمطلب كثيرا ما يقول لمن معه لا يغبطني رجل منكم بجزيل عطاء الملك ولكن يغبطني بما يبقى لي ولعقبي ذكره وفخره فإذا قيل له ما هو قال سيعلم ما أقول ولو بعد حين
وهذا القصر الذي كان فيه الملك سيف بن ذي يزن يقال له بيت عمدان يقال إنه كان هيكلا للزهرة تعبد فيه الزهرة وكان سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه يقول لا أفلحت العرب مادام فيها عمدانها فلما ولى عثمان رضي الله تعالى عنه الخلافة هدمه
وكان أبو طالب مقلا من المال فكان عياله إذا أكلوا جميعا أو فرادى لم يشبعوا وإذا أكل معهم النبي صلى الله عليه وسلم شبعوا فكان أبو طالب إذا أراد أن يغديهم أو يعشيهم يقول لهم كما أنتم حتى يأتي ابني فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأكل معهم فيفضلون من طعامهم وإن كان لبنا شرب رسول الله صلى الله عليه وسلم أولهم ثم تتناول العيال القعب أي القدح الذي من الخشب فيشربون منه فيروون من عند آخرهم أي جميعهم من القعب الواحد وإن كان أحدهم ليشرب قعبا واحدا فيقول أبو طالب إنك لمبارك
أقول وفي الإمتاع وكان أي أبو طالب يقرب إلى الصبيان يصبحهم أو البكرة فيجلسون وينتهبون فيكف رسول الله صلى الله عليه وسلم يده لا ينتهب معهم فلما رأى ذلك أبو طالب عزل له طعامه على حدة هذا كلامه ولا ينافى ما قبله لأنه يجوز أن يكون ذلك خاصا بما يحضر في البكرة الذي يقال له الفطور دون الغداء والعشاء فإنه كان يأكل معهم وهو المقدم والله أعلم
وكان الصبيان يصبحون شعثا رمصا بضم الراء وإسكان الميم ثم صاد مهملة ويصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم دهينا كحيلا
قالت أم أيمن ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو جوعا قط ولا عطشا لا في صغره ولا في كبره
وكان صلى الله عليه وسلم يغد وإذا أصبح فيشرب من ماء زمزم شربة فربما عرضنا عليه الغداء فيقول أنا شبعان أي في بعض الأوقات فلا ينافي ماسبق
وكان يوضع لأبي طالب وسادة يجلس عليها فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فجلس عليها فقال إن ابن أخي ليخبر بنعيم أي بشرف عظيم
قال واستسقى أبو طالب برسول الله صلى الله عليه وسلم قال جلهمة ابن عرفطة قدمت مكة وقريش في قحط فقائل منهم يقول اعتمدوا اللات والعزى وقائل منهم يقول اعتمدوا مناة الثالثة الأخرى فقال شيخ وسيم حسن الوجه جيد الرأي أنى تؤفكون أي
كيف تصرفون عن الحق وفيكم باقية إبراهيم وسلالة إسمعيل عليهما السلام أي فكيف تعدلون عنه إلا ما لا يجدي قالوا كأنك عنيت أبا طالب قال أيها فقاموا بأجمعهم وقمت معهم فدققنا عليه بابه فخرج إلينا رجل حسن الوجه عليه إزار قد اتشح به فثاروا أي قاموا إليه فقالوا يا أبا طالب أقحط الوادي وأجدب العيال فهلم فاستسق لنا فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنه شمس دجنة بدال مهلمة فجيم مضمومتين أي ظلمة وفي رواية كأنه شمس دجن أي ظلام تجلت عنه سحابة قتماء أي من القتام بالفتح وهو الغبار وحوله أغيلمة جمع غلام فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة ولاذ أي طاف بأصبعه الغلام زاد في بعض الروايات وبصبصت الأغيلمة حوله أي فتحت أعينها وما في السماء قزعة أي قطعة من سحاب فأقبل السحاب من ههنا ومن ههنا واغدودق أي كثر مطره وانفجر له الوادي وأخصب النادي والبادي
وفي ذلك يقول أبو طالب من قصيدة يمدح بها النبي صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم أكثر من ثمانين بيتا ** وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ** ثمال اليتامى عصمة للأرامل **
أي ملجأ وغياثا لليتامى ومانع الأرامل من الضياع والأرامل المساكين من النساء والرجال وهو بالنساء أخص وأكثر إستعمالا
أقول وأخذت الشعية من هذه القصيدة القول بإسلام أبي طالب أي لأنه صنفها بعد البعثة وسيأتي الكلام في إسلامه
وأما ما نقله الدميري في شرح المنهاج عن الطبراني وإبن سعد أن هذه القصيدة التي منها هذا البيت من إنشاء عبدالمطلب فهو وهم لما درج عليه أئمة السير أن المنشيء لها هو أبو طالب وإحتمال توارد كل من أبي طالب وعبدالمطلب على هذه القصيدة بعيد جدا
ومما يصرح بالوهم ما يأتي عن النبي صلى الله عليه وسلم من نسبة هذا البيت لأبي طالب والله أعلم
قال وعن أبي طالب قال كنت بذي المجاز أي وهو موضع على فرسخ من عرفة كان سوقا للجاهلية كما تقدم مع ابن أخي يعني النبي صلى الله عليه وسلم فأدركني العطس فشكوت إليه فقلت يا ابن أخي قد عطشت وما قلت له ذلك وأنا أرى عنده شيئا إلا الجزع
أي لم يحملني على ذلك إلا الجزع وعدم الصبر قال فثنى وركه أي نزل عن دابته ثم قال يا عم عطشت قلت نعم فأهوى بعقبه إلى الأرض وفي رواية إلى صخرة فركضها برجله وقال شيئا فإذا أنا بالماء لم أر مثله فقال اشرب فشربت حتى رويت فقال أرويت قلت نعم فركضها ثانية فعادت كما كانت وسافر أي وقد أتت عليه صلى الله عليه وسلم بضع عشرة سنة مع عمه الزبير بن عبدالمطلب شقيق أبيه كما تقدم إلى اليمن فمروا بواد فيه فحل من الإبل يمنع من يجتاز فلما رآه البعير برك وحك الأرض بكلكله أي صدره فنزل صلى الله عليه وسلم عن بعيره وركب ذلك الفحل وسار حتى جاوز الوادي ثم خلى عنه فلما رجعوا من سفرهم مروا بواد مملوء ماء يتدفق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتبعوني ثم أقتحمه فاتبعوه فأيبس الله عز وجل الماء فلما وصلوا إلى مكة تحدثوا بذلك فقال الناس إن لهذا الغلام شأنا
أي وفي السيرة الهشامية أن رجلا من لهب كان قائفا وكان إذا قدم مكة أتاه رجال من قريش بغلمانهم ينظر إليهم ويقتاف لهم فيهم فأتى أبو طالب بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو غلام مع من يأتيه فنظر إليه صلى الله عليه وسلم ثم شغل عنه بشيء فلما فرغ قال علي بالغلام وجعل يقول ويلكم ردوا على الغلام الذي رأيت آنفا فوالله ليكونن له شأن فلما رأى أبو طالب حرصه عليه غيبه عنه وانطلق به والله أعلم & باب ذكر سفره صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب إلى الشام
عن إبن إسحق لما تهيأ أبو طالب للرحيل صب به رسول الله صلى الله عليه وسلم بفتح الصاد المهملة وتشديد الباء الموحدة والصبابة رقة الشوق قاله في الأصل
قال وعند بعض الرواة فضبث به أي بفتح الضاد المعجمة والباء الموحدة والثاء المثلثة كضرب لزمه وقبض عليه يقال ضبثت على الشيء إذا قبضت عليه
فقد جاء أوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام قل للملأ من بني إسرائيل لا يدعوني والخطايا بين أضباثهم أي قبضاتهم أي وهم يحملون الأوزار غير مقلعين عنها أي وعلى ما عند بعض الرواة اقتصر الحافظ الدمياطي فلفظه لما تهيأ يعني أبا طالب للرحيل
ضبث به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرق له أبو طالب وقال والله لأخرجن به معي ولا يفارقني ولا أفارقه أبدا
أقول رأيت بعضهم نقل عن سيرة الدمياطي وضبث به أبو طالب ضباثة لم يضبث مثلها لشيء قط وإنه ضبث بالضاد المعجمة والباء الموحد ة والثاء المثلثة قال وهو القبض على الشيء وهذا لايناسب قوله ضباثة لم يضبث مثلها لشيء قط لأن ذلك إما يناسب صب بالصاد المهملة أي الذي هو الرقة كما لا يخفى على أن مصدر ضبث إنما هو الضبث ومن ثم لم أجد ذلك في السيرة المذكورة والذي رأيته فيها ما قدمته عنها وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم مسك بزمام ناقة أبي طالب وقال يا عم إلى من تكلني لا أب لي ولا أم وكان سنه صلى الله عليه وسلم تسع سنين على الراجح وقيل إثنتي عشرة سنة وشهرين وعشرة أيام أي وهذا القيل صدر به في الإمتاع وقال إنه أثبت أي ومن ثم اقتصر عليه المحب الطبري
وذكر أنه لما سار به أردفه خلفه فنزلوا على صاحب دير فقال صاحب الدير ما هذا الغلام منك قال ابني قال ما هو بإبنك وما ينبغي أن يكون له أب حي هذا نبي أي لأن من كانت هذه الصفة صفته فهو نبي أي النبي المنتظر
ومن علامة ذلك النبي في الكتب القديمة أن يموت أبوه وأمه حامل به كما تقدم وسيأتي أو بعد وضعه بقليل من الزمن أي ومن علامته أيضا في تلك الكتب موت أمه وهو صغير كما تقدم في خبر سيف بن ذي يزن ولا ينافى ذلك الإقتصار من بعض أهل الكتب القديمة على الأول الذي هو موت أبيه وهو حمل
قال أبو طالب لصاحب الدير وما النبي قال الذي يأتي إليه الخبر من السماء فينبئ أهل الأرض قال أبو طالب الله أجل مما تقول قال فاتق عليه اليهود ثم خرج حتى نزل براهب أيضا صاحب دير فقال له ما هذا الغلام منك قال ابني قال ما هو بإبنك وما ينبغي أي يكون له أب حي قال ولم قال لأن وجهه وجه نبي وعينه عين نبي أي النبي الذي يبعث لهذه الأمة الأخيرة لأن ما ذكر علامته في الكتب القديمة قال أبو طالب سبحان الله الله أجل مما تقول ثم قال أبو طالب للنبي صلى الله عليه وسلم يا ابن أخي ألا تسمع ما يقول قال أي عم لا تنكر لله قدرة والله أعلم
فلما نزل الركب بصرى وبها راهب يقال له بحيرا بفتح الموحدة وكسر الحاء المهملة وسكون
المثناة التحتية آخره راء مقصورة وإسمه جرجيس وقيل سرجيس وحينئذ يكون بحيرا لقبه في صومعة له وكان انتهى إليه علم النصرانية أي لأن تلك الصومعة كانت تكون لمن ينتهى إليه علم النصرانية يتوارثونها كابرا عن كابر عن أوصياء عيسى عليه الصلاة والسلام وفي تلك المدة انتهى علم النصرانية إلى بحيرا وقيل كان بحيرا من أحبار اليهود يهود تيما
أقول لا منافاه لأنه يجوز أن يكون تنصر بعد أن كان يهوديا كما وقع لورقة بن نوفل كما سيأتي
هذا وقال ابن عساكر إن بحيرا كان يسكن قرية يقال لها الكفو بينها وبين بصرى ستة أميال وقيل كان يسكن البلقاء من أرض الشام بقرية يقال لها ميفعة ويحتاج إلى الجمع
وقد يقال يجوز أنه كان يسكن في كل من القريتين كل واحدة يسكن فيها زمنا وكان في بعض الأحايين يأتي لتلك الصومعة فليتأمل وقد سمع مناد قبل وجوده صلى الله عليه وسلم ينادي ويقول ألا إن خير أهل الأرض ثلاثة رباب بن البراء وبحيرا الراهب وآخر لم يأت بعد وفي لفظ والثالث المنتظر يعني النبي صلى الله عليه وسلم ذكره ابن قتيبة
قال ابن قتيبة وكان قبر رباب وقبر ولده من بعده لا يزال يرى عندهما طش وهو المطر الخفيف والله أعلم
وكانت قريش كثيرا ما تمر على بحيرا فلا يكلمهم حتى كان ذلك العام صنع لهم طعاما كثيرا وقد كان رأى وهو بصومعته رسول الله صلى الله عليه وسلم في الركب حين أقبلوا وغمامة تظله من بين القوم ثم لما نزلوا في ظل شجرة نظر إلى الغمامة قد أظلت الشجرة وتهصرت أي مالت أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية وأخضلت أي كثرت أغصان الشجرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استظل تحتها أي وقد كان صلى الله عليه وسلم وجدهم سبقوه إلى فىء الشجرة فلما جلس صلى الله عليه وسلم مال فىء الشجرة عليه ثم أرسل إليهم إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش وأحب أن تحضروا كلكم صغيركم وكبيركم وعبدكم وحركم فقال له رجل منهم لم أقف على إسم هذا الرجل يا بحيرا إن لك اليوم لشأنا ما كنت تصنع هذا بنا وكنا نمر عليك كثيرا فما شأنك اليوم فقال له بحيرا صدقت قد كان ما تقول ولكنكم ضيف وقد أحببت
أن أكرمكم وأصنع لكم طعاما فتأكلون منه كلكم فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين القوم لحداثة سنه في رحال القوم أي تحت الشجرة فلما نظر بحيرا في القوم ولم ير الصفة أي لم ير في أحد منهم الصفة التي هي علامة للنبي المبعوث آخر الزمان التي يجدها عنده أي ولم ير الغمامة على أحد من القوم ورآها متخلفة على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا معشر قريش لا يتخلف أحد منكم عن طعامي فقالوا يا بحيرا ما تخلف عن طعامك أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام وهو أحدث القوم سنا قال لا تفعلوا ادعوه فليحضر هذا الغلام معكم أي وقال فما أقبح أن تحضروا ويتخلف رجل واحد مع أني أراه من أنفسكم فقال القوم هو والله أوسطنا نسبا وهو ابن أخي هذا الرجل يعنون أبا طالب وهو من ولد عبدالمطلب فقال رجل من قريش واللات والعزى إن كان للؤما بنا أن يتخلف ابن عبدالله بن عبدالمطلب عن طعام من بيننا ثم قام إليه فاحتضنه أي وجاء به وأجلسه مع القوم أي وذلك الرجل هو عمه الحارث بن عبدالمطلب ولعله لم يقل هو ابن أخي مع كونه أسن من أبي طالب لأن أبا طالب كان شقيقا لأبيه عبدالله كما تقدم دون الحارث مع كون أبي طالب هو المقدم في الركب وقيل الذي جاء به صلى الله عليه وسلم أبو بكر رضي الله تعالى عنه وقدمه ابن المحدث على ما قبله فليتأمل
ولما سار به من احتضنه لم تزل الغمامة تسير على رأسه صلى الله عليه وسلم فلما رآه بحيرا جعل يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته صلى الله عليه وسلم حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه صلى الله عليه وسلم بحيرا فقال له أسألك بحق اللات والعزى إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه وإنما قال له بحيرا ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما أي وفي الشفاء أنه اختبره بذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسألني باللات والعزى شيئا فوالله ما أبغض شيئا قط بعضهما فقال بحيرا فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه فقال له سلني عما بدا لك فجعل يسأله عن أشياء من حاله من نومه وهيئته وأموره ويخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم فيوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته أي صفة النبي المبعوث آخر الزمان التي عنده أي ثم كشف عن ظهره فرأى خاتم النبوة على الصفة التي عنده فقبل موضع الخاتم فقالت قريش إن لمحمد عند هذا الراهب لقدرا فلما فرغ أقبل على عمه أبي طالب فقال له ما هذا الغلام منك قال إبني قال ما هو إبنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا قال فإنه ابن أخي
قال فما فعل أبوه قال مات وأمه حبلى به قال صدقت أي ثم قال ما فعلت أمه قال توفيت قريبا قال صدقت فارجع بإبن أخيك إلى بلاده واحذر عليه اليهود فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت لتبغينه شرا فإنه كائن لإبن أخيك هذا شأن عظيم أي نجده في كتبنا ورويناه عن آبائنا
واعلم أني قد أديت إليك النصيحة فأسرع به إلى بلده وفي لفظ لما قال له ابن أخي قال له بحيرا أشفيق عليه أنت قال نعم قال فوالله لئن قدمت به إلى الشام أي جاوزت هذا المحل ووصلت إلى داخل الشام الذي هو محل اليهود لتقتلنه اليهود فرجع به إلى مكة ويقال إنه قال لذلك الراهب إن كان ألأمر كما وصفت فهو في حصن من الله عز وجل
وقد يقال لا مخالفة لأن ما صدر من بحيرا كان على ما جرت به العادة من طلب التوقى فخرج به عمه أبو طالب حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام وفي الهدى فبعثه عمه مع بعض غلمانه إلى المدينة فليتأمل
وذكر أن نفرا من أهل الكتاب قد كانوا رأوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأى بحيرا وأرادوا به سواء فردهم عنه بحيرا وذكرهم الله وما يجدونه في الكتاب من ذكره وصفاته وأنهم إن أجمعوا لما أرادوا لا يخلصون إليه فعند ذلك تركوه وانصرفوا عنه
وفي رواية أخرى خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه النبي صلى الله عليه وسلم في أشياخ من قريش فلما أشرفوا على الراهب بحيرا قبل ذلك يمرون عليه فلا يخرج إليهم ولا يلتفت إليهم فجعل وهم يحلون رحالهم يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال هذا سيد العالمين هذا رسول رب العالمين هذا يبعثه الله رحمة للعالمين فقال الأشياخ من قريش ما أعلمك فقال إنكم حين أشرفتم على العقبة لم يبق حجر ولا شجر إلا خر ساجدا ولا يسجد إلا لنبي أي وإن الغمامة صارت تظلله دونهم وإني لأعرفه بخاتم النبوة أسفل من غضروف كتفه مثل التفاحة أي والغضروف تقدم أنه رأس لوح الكتف ثم رجع وصنع لهم طعاما فلما أتاهم به كان النبي صلى الله عليه وسلم في رعية الإبل فارسلوا إليه فأقبل وعليه غمامة تظله فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فئ الشجرة فلما جلس مال فئ الشجرة عليه فقال الراهب انظروا إلى فئ هذه الشجرة مال عليه
فبينما هو قائم عليهم وهو يعاهدهم أن لا يذهبوا به إلى أرض الروم أي داخل الشام فإنهم إن عرفوه قتلوه فالتفت فإذا سبعة من الروم قد أقبلوا فاستقبلهم فقال ما جاء بكم قالوا جئنا إلى هذا النبي الذي هو خارج في هذا الشهر أي مسافر فيه فلم يبق طريق إلا بعث إليه بأناس وإنا قد أخبرنا خبره بطريقك هذا قال أفرأيتم أمرا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده قالوا لا فبايعوه ي بايعوا بحيرا على مسالمة النبي صلى الله عليه وسلم وعدم أخذه وأذيته على حسب ما أرسلوا فيه وأقاموا عند ذلك الراهب خوفا على أنفسهم ممن أرسلهم إذا رجعوا بدونه قال بحيرا لقريش أنشدكم الله أي أسألكم بالله أيكم وليه قالوا أبو طالب فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب وبعث معه بلالا وفي لفظ وبعث معه أبو بكر رضي الله تعالى عنه بلالا وزوده بحيرا من الكعك والزيت أي وإذا كانت القصة واحدة فالإختلاف في إيرادها من الرواة كما تقدم نظيره فبعض الرواة قدم في هذه الرواية وأخر
على أنه في الهدى قال وقع في كتاب الترمذي وغيره أن عمه أي وأبا بكر رضي الله تعالى عنه بعث معه بلالا وهو من الغلط الواضح فإن بلالا إذ ذاك لعله لم يكن موجودا وإن كان فلم يكن مع عمه ولا مع أبي بكر
وذكر في الأصل أن في هذه الرواية أمورا منكرة حيث قال قلت ليس في إسناد هذا الحديث إلا من خرج له في الصحيح ومع ذلك أي مع صحة سنده ففي متنه نكارة أي أمور منكرة وهي إرسال أبي بكر مع النبي صلى الله عليه وسلم بلالا فإن بلالا لم ينقل لأبي بكر إلا بعد هذه السفرة بأكثر من ثلاثين عاما ولأن أبا بكر لم يبلغ العشر سنين حينئذ لأنه صلى الله عليه وسلم أسن منه بأزيد من عامين بقليل أي بشهر ولا ينافى ما يأتي وتقدم أن سنه صلى الله عليه وسلم حينئذ تسع سنين على الراجح أي فيكون سن أبي بكر نحو سبع سنين وكان بلال أصغر من أبي بكر رضي الله عنهما فلا يتجه هذا بحال أي لأن أبا بكر حينئذ لم يكن أهلا للإرسال عادة وكذا بلال لم يكن أهلا لأن يرسل
وكون النبي صلى الله عليه وسلم اسن من أبي بكر هو ما عليه الجمهور من أهل العلم بالأخبار والسير والآثار
وما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أبا بكر فقال له من الأكبر أنا أو أنت
فقال له أبوبكر أنت أكرم وأكبر وأنا أسن قيل فيه إنه وهم وإن ذلك إنما يعرف عن عمه العباس رضي الله تعالى عنه وكون بلال أصغر من أبي بكر ينازعه قول ابن حبان بلال كان تربا لإبي بكر أي قرينه في السن وبه يرد قول الذهبي بلال لم يكن خلق
قال وذكر الحافظ ابن حجر أن إرسال أبي بكر معه بلال وهم من بعض الرواة وهو مقتطع من حديث آخر أدرجه ذلك الراوي في هذا الحديث انتهى
أقول ولأجل هذاالوهم قال الذهبي في الحديث أظنه موضوعا بعضه باطل أي لم يوافق الواقع أي فمع كون الحديث موضوعا بعضه موافق للواقع وبعضه لم يوافق الواقع وحينئذ فمراد الأصل بالنكارة في قوله في متنه نكارة البطلان كما أشرت إليه وليس هذا من قبيل قولهم هذا حديث منكر الذي هو من أقسام الضعيف وهو يرجع إلى الفردية ولا يلزم من الفردية ضعف متن الحديث فضلا عن بطلانه
وقال الحافظ الدمياطي في هذا الحديث وهمان أحدهما قوله فبايعوه وأقاموا معه والوهم الثاني قوله وبعث معه أبو بكر بلالا ولم يكونا معه ولم يكن بلال أسلم ولا ملكه أبو بكر
وفيه أن الحافظ الدمياطي فهم أن الضمير في بايعوه للنبي صلى الله عليه وسلم وقد علمت أنه لبحيرا فلا وهم فيه
وتوجيه الوهم الثاني بعدم وجود أبي بكر وبلال مع النبي صلى الله عليه وسلم واضح إن ثبت ذلك وإلا فمجرد النفي لا يرد به الإثبات وحينئذ لا حاجة معه إلى ذكر ما بعده من أن بلالا لم يكن أسلم ولا ملكه أبو بكر إلا أن يقال هو على تسليم وجود أبي بكر وبلال مع النبي صلى الله عليه وسلم
وقد يقال على تسليم ذلك إرسال إبي بكر لبلال لا يتوقف على إسلام بلال ولا على ملك أبي بكر له جاز أن يكون سيد بلال وهو أمية بن خلف أرسله في ذلك العير لأمر فأذن أبو بكر لبلال في العود مع النبي صلى الله عليه وسلم ليكون خادما ويستأنس ويأمن به إعتمادا على رضا سيده بذلك إذ ليس من لازم إرساله أن يكون مملوكا له وكون أبي بكر لم يكن في سن من يرسل عادة تقدم ما فيه والله أعلم
قال وروى ابن منده بسند ضعيف عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان عشرة سنة والنبي صلى الله عليه وسلم
ابن عشرين سنة أي فالنبي صلى الله عليه وسلم أسن من أبي بكر بعامين أي وشهر كما تقدم ولقلة هذه الزيادة على العامين التي هي الشهر الواردة مبهمة في الرواية السابقة لم يذكرها ابن منده وهم يريدون الشام في تجارتهم حتى إذا نزل منزلا وهو سوق بصرى من أرض الشام وفي ذلك المحل سدرة فقعد صلى الله عليه وسلم في ظلها ومضى أبو بكر إلى راهب يقال له بحيرا يسأله عن شيء فقال من الرجل الذي في ظل السدرة قال له محمد بن عبدالله بن عبدالمطلب فقال له والله هذا نبي هذه الأمة ما استظل تحتها بعد عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام إلا محمد عليه الصلاة والسلام أي وقد قال عيسى لا يستظل تحتها بعدي إلا النبي الأمي الهاشمي كما سيأتي في بعض الروايات
قال الحافظ ابن حجر يحتمل أن يكون أي سفر أبي بكر معه صلى الله عليه وسم في سفرة أخرى بعد سفرة أبي طالب إنتهى
أقول وهي سفرته مع ميسرة غلام خديجة فإنه لم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم سافر إلى الشام أكثر من مرتين ويؤيده ما تقدم من قول الراوي وهم يريدون الشام في تجاراتهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخرج تاجرا إلا في تلك السفرة وسيأتي أن هذا القول قاله الراهب نسطورا لا بحيرا قاله لميسرة لا لأبي بكر إلا أن يقال لا مانع أن يكون قال ذلك لميسرة ولأبي بكر لكن ربما يبعده ما سيأتي أن سنه صلى الله عليه وسلم حين سافر مع ميسرة كان خمسا وعشرين سنة على الراجح لا عشر سنين وعلى هذا فالشجرة لم تكن إلا عند صومعة الراهب نسطورا لا عند صومعة الراهب بحيرا وذكر بحيرا موضع نسطورا وهو ما وقع في شرف المصطفى للنيسابورى وهم من بعض الرواة سرى إليه من إتحاد محلهما وهو سوق بصرى إلا أن يقال يجوز أن يكون الراهب نسطورا خلف بحيرا في ذلك الصومعة لموته مثلا وهو أقرب من دعوى تعدد الشجرة فتكون واحدة عند صومعة بحيرا وواحدة عند صومعة نسطورا وكلاهما قال فيها عيسى ما ذكرا
ومن دعوى إتحادها وأنها بين صومعة بحيرا وصومعة نسطورا وأن العير الذي كان فيه أبو طالب نزل جهة صومعة بحيرا والعير الذي كان فيه أبو بكر وميسرة نزل جهة صومعة نسطورا وسيأتي أن بحيرا ونسطورا ونحوهما ممن صدق بأنه صلى الله عليه وسلم نبي هذه الأمة من أهل الفترة لا من أهل الإسلام لأنهما لم يدركا البعثة أي الرسالة
بناء على إقترانهما بالنبوة أو أن المراد بها النبوة أي لم يدركا النبوة فضلا عن الرسالة بناء على تأخرها عن النبوة
ثم رأيت الحافظ ابن حجر قال في بحيرا ما أدرى أدرك البعثة أم لا هذا كلامه في الإصابة وليس هذا بحيرا الراهب الصحابي الذي هو أحد الثمانية الذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب من الحبشة
فعنه رضي الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا شرب الرجل كأسا من خمر الحديث ومن قال إن هذا الحديث منكر ظن أن بحيرا هذا هو بحيرا المذكور هنا الذي لقى النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة والله أعلم & باب ما حفظه الله تعالى به في صغره صلى الله عليه وسلم من أمر الجاهلية
أي من أقذارهم ومعايبهم أي بحسب ما آل إليه شرعه لما يريد الله تعالى به من كرامته حتى صار أحسنهم خلقا وأصدقهم حديثا وأعظمهم أمانة وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال تنزيها وتكريما أي حتى كان صلى الله عليه وسلم أفضل قومه مروءة وأحسنهم خلقا وأكرمهم مخالطة وخيرهم جوارا وأعظمهم حلما وأمانة وأصدقهم حديثا فسموه الأمين لما جمع الله عز وجل فيه من الأمور الصالحة الحميدة والفعال السديدة من الحلم والصبر والشكر والعدل والزهد والتواضع والعفة والجود والشجاعة والحياء والمروءة
فمن ذلك ما ذكره ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لقد رأيتني أي رأيت نفسي في غلمان من قريش ننقل الحجارة لبعض ما يلعب به الغلمان كلنا قد تعرى وأخذ إزاره وجعله على رقبته يحمل عليها الحجارة فإني لأقبل معهم كذلك وأدبر إذ لكمني لاكم أي من الملائكة ما أراها لكمة وجيعة وفي لفظ لكمني لكمة شديدة
وقد يقال لا منافاة لأنها مع شدتها لم تكن وجيعة له صلى الله عليه وسلم ثم قال شد عليك إزارك فأخذته فشددته علي ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري على من بين أصحابي أي وقد وقع له صلى الله عليه وسلم مثل ذلك أي نقل الحجارة عاريا عند إصلاح أبي طالب لزمزم
فعن ابن اسحاق وصححه أبو نعيم قال كان أبو طالب يعالج زمزم وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينقل الحجارة وهو غلام فأخذ إزاره واتقى به الحجارة فغشى عليه فلما أفاق سأله أبو طالب فقال أتاني آت عليه ثياب بيض فقال لي استتر فما رؤيت عورته صلى الله عليه وسلم من يومئذ
وفي الخصائص الصغرى ونهى صلى الله عليه وسلم عن التعري وكشف العورة من قبل أن يبعث بخمس سنين وقد وقع له صلى الله عليه وسلم مثل ذلك أي نهيه عن التعري عند بنيان الكعبة كما سيأتي وسيأتي ما فيه
ومن ذلك ما جاء عن علي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما هممت بقبيح مما هم به أهل الجاهلية أي ويفعلونه إلا مرتين من الدهر كلتاهما عصمني الله عز وجل منهما أي من فعلهما قلت لفتي كان معي من قريش بأعلى مكة في غنم لأهله يرعاها أي وفي لفظ قلت ليلة لبعض فتيان مكة ونحن في رعاية غنم أهلها لم أقف على أسم هذا الفتى أبصر لي غنمي حتى أسمر هذه الليلة بمكة كما يسمر الفتيان قال نعم وأصل السمر الحديث ليلا فخرجت فلما جئت أدنى دار من دور مكة سمعت غناء وصوت دفوف ومزامير فقلت ما هذا فقالوا فلان قد تزوج بفلانة لرجل من قريش تزوج إمرأة من قريش فلهوت بذلك الصوت حتى غلبتني عيناي فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس أي وفي لفظ فجسلت أنظر أي أسمع وضرب الله على أذني فوالله ما أيقظني إلا حر الشمس فرجعت إلى صاحبي فقال ما فعلت فأخبرته ثم فعلت الليلة الأخرى مثل ذلك
أقول المناسبة لقوله عصمني الله ما في الرواية الثانية لا ما ذكر في الرواية الأولى إلا أن يحمل قوله في الرواية الأولى فلهوت على أردت أن ألهو والله أعلم فقال صلى الله عليه وسلم والله ما هممت بغيرهما بسوء مما تعمله أهل الجاهلية اي ما هممت بسوء مما يعمله أهل الجاهلية غيرهما وفي لفظ فوالله ما هممت ولا عدت بعدهما لشيء من ذلك أي مما يعمله أهل الجاهلية ولا هممت به حتى أكرمني الله تعالى بنبوته
ومن ذلك ما جاء عن أم أيمن رضي الله عنها أنها قالت كان بوانة بضم الموحدة وبفتح الواو مخففة بعدها ألف ونون صنما تحضره قريش وتعظمه وتنسك أي تذبح له وتحلق عنده وتعكف عليه يوما إلى الليل في كل سنة فكان أبو طالب يحضر مع قومه
ويكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحضر ذلك العيد معه فيأبى ذلك حتى قالت رأيت أبا طالب غضب عليه ورأيت عماته غضبن عليه يومئذ أشد الغضب وجعلن يقلن إنا لنخاف عليك مما تصنع من إجتناب آلهتنا ويقلن ما تريد يا محمد أن تحضر لقومك عيدا ولا تكثر لهم جمعا فلم يزالوا به حتى ذهب فغاب عنهم ما شاء الله ثم رجع مرعبا فزعا فقلن ما دهاك قال إني أخشى أن يكون بي لمم أي لمة وهي اللمس من الشيطان فقلن ما كان الله عز وجل ليبتليك بالشيطان وفيك من خصال الخير ما فيك فما الذي رأيت قال إني كلما دنوت من صنم منها أي من تلك الأصنام التي عند ذلك الصنم الكبير الذي هو بوانة تمثل لي رجل أبيض طويل أي وذلك من الملائكة يصيح بي وراءك يا محمد لا تمسه قالت فما عاد إلى عيد لهم حتى تنبأ صلى الله عليه وسلم
أقول ظاهر هذا السياق أن اللمم يكون من الشيطان وحينئذ يكون بمعنى اللمة وهي المس من الشيطان كما قدمناه فقد أطلق اللمم على اللمة وإلا فاللمم نوع من الجنون كما تقدم في قصة الرضاع قد أصابه لمم أو طائف من الجن إذ هو يدل على أن اللمم يكون من غير الشيطان كمرض وعبارة الصحاح اللمم طرف من الجنون وأصاب فلانا من الجن لمة وهي المس أي فقد غاير بينهما والله أعلم
ومن ذلك ما روته عائشة رضي الله تعالى عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سمعت زيد بن عمرو بن نفيل يعيب كل ما ذبح لغير الله تعالى أي فكان يقول لقريش الشاة خلقها الله عز وجل وأنزل لها من السماء الماء وأنبت لها من الأرض الكلأ ثم تذبحونها على غير اسم الله فما ذقت شيئا ذبح على النصب أي الأصنام حتى أكرمني الله تعالى برسالته أي وزيد بن عمرو كان قبل النبوة زمن الفترة على دين إبراهيم عليه السلام فإنه لم يدخل في يهودية ولا نصرانية واعتزل الأوثان والذبائح التي تذبح للأوثان ونهى عن الوأد وتقدم أنه كان يحييها إذا أراد أحد ذلك أخذ الموءودة من أبيها وتكفلها وكان إذا دخل الكعبة يقول لبيك حقا تعبدا وصدقا وقيل ورقا عاذت بما عاذ به إبراهيم ويسجد للكعبة قال صلى الله عليه وسلم إنه يبعث أمة واحدة أي يقوم مقام جماعة انتهى أي فإن ولده سعيدا قال يا رسول الله إن زيدا كان كما قد رأيت وبلغك فاستغفر له قال نعم استغفر له فإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده
وفي البخاري عن عبدالله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لقي زيد بن عمرو بن نفيل قبل أن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم الوحي وقد قدمت إلى النبي صلى الله عليه وسلم سفرة أي فيها شاة ذبحت لغير الله عز وجل أو قدمها النبي صلى الله عليه وسلم إليه فأبى أن يأكل منها وقال إني لست آكل ما تذبحون على أنصابكم ولا آكل إلا ما ذكر اسم الله عليه ولعل هذا كان قبل ما تقدم عنه صلى الله عليه وسلم وأن ذلك كان هو السبب في ذلك
قال الإمام السهيلي وفيه سؤال كيف وفق الله عز وجل زيد إلى ترك ما ذبح على النصب وما لم يذكر إسم الله عليه ورسوله صلى الله عليه وسلم كان أولى بهذه الفضيلة في الجاهلية لما ثبت من عصمة الله تعالى له أي فكان صلى الله عليه وسلم يترك ذلك من عند نفسه لا تبعا لزيد بن عمرو وحينئذ لا يحسن الجواب الذي أشرنا إليه بقولنا
وأجاب أي السهيلي بأنه لم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم أكل من تلك السفرة أي ولا من غيرها
سلمنا أنه أكل قبل ذلك مما ذبح على النصب فتحريم ذلك لم يكن من شرع إبراهيم وإنما كان تحريم ذلك في الإسلام والأصل في الأشياء قبل ورود الشرع على الإباحة هذا كلامه
وفيه أن هذا التسليم يبطل عد الشمس الشامي ذلك من أمر الجاهلية التي حفظه الله تعالى منه في صغره ويخالف ما ذكره بعضهم من أن زيد بن عمرو هذا هو رابع أربعة من قريش فارقوا قومهم فتركوا الأوثان والميتة وما يذبح للأوثان كانوا يوما في عيد لصنم من أصنامهم ينحرون عنده ويعكفون عليه ويطوفون به في ذلك اليوم فقال بعضهم لبعض تعلمون والله ما قومكم على شيء لقد أخطئوا دين أبيهم إبراهيم فما حجر تطوف به لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع ثم تفرقوا في البلاد يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم وظاهر هذا السياق أن تركهم للأوثان كان بعد عبادتهم لها وسيأتي عن ابن الجوزي انهم لم يعبدوها
وهؤلاء الثلاثة الذين زيد بن عمرو رابعهم ورقة بن نوفل وعبيدالله بن جحش ابن عمته صلى الله عليه وسلم أميمة وعثمان بن الحويرث وزاد ابن الجوزي على هؤلاء الأربعة جماعة آخرين سيأتي الكلام عليهم عند الكلام على أول من أسلم
وزيد بن عمرو بن نفيل هذا كان ابن أخي الخطاب والد سيدنا عمر أخاه لأمه فأما
ورقة فلم يدرك البعثة على ما سيأتي وكان ممن دخل في النصرانية أي بعد دخوله في اليهودية كما سيأتي
وأما عبيدالله بن جحش فأدرك البعثة وأسلم وهاجر إلى الحبشة مع من هاجر من المسلمين ثم تنصر هناك كما سيأتي وكان يمر على المسلمين ويقول لهم فتحنا وصأصأتم أي أبصرنا وأنتم تلتسمون البصر ولم تبصروا ومات على النصرانية
وأما عثمان بن الحويرث فلم يدرك البعثة وقدم على قيصر ملك الروم وتنصر عنده
وأما زيد بن عمرو بن نفيل هذا كان يوبخ قريشا ويقول لهم والذي نفس زيد ابن عمرو بيده ما أصبح أحد منكم على دين إبراهيم غيري حتى إن عمه الخطاب أخرجه من مكة وأسكنه بحراء ووكل به من يمنعه من دخول مكة كراهة أن يفسد عليهم دينهم ثم خرج يطلب الحنيفية دين إبراهيم ويسأل الأحبار والرهبان عن ذلك حتى بلغ الموصل ثم أقبل إلى الشام فجاء إلى راهب به كان انتهى إليه علم أهل النصرانية فسأله عن ذلك فقال له إنك لتطلب دينا ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم ولكن قد أظل زمان نبي يخرج من بلادك التي خرجت منها يبعث بدين إبراهيم الحنيفية فالحق بها فإنه مبعوث الآن هذا زمانه فخرج سريعا يريد مكة حتى إذا توسط بلاد لخم عدوا عليه وقتلوه ودفن بمكان يقال له ميفعة وقيل دفن بأصل جبل حراء
هذا وفي كلام الواقدي عن زيد بن عمرو أنه قال لعامر بن ربيعة وأنا أنتظر نبيا من ولد إسمعيل ولا أرى أن أدركه وأنا أدين به وأصدقه وأشهد أنه نبي فإن طالت بك مدة فرأيته فسلم مني عليه قال عامر فلما أسلمت بلغته صلى الله عليه وسلم عن زيد السلام قال فرد عليه السلام وترحم عليه وتقدم أن ولده سعيدا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لأبيه زيد فقال نعم أستغفر له الحديث
قال وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلت الجنة فوجدت لزيد بن عمرو دوحتين أي شجرتين عظيمتين قال الحافظ ابن كثير إسناده جيد قوي أي وقال إلا أنه ليس في شيء من الكتب وفي رواية رأيته في الجنة يسحب ذيولا وعن الزهري نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل ما يذبح للجن وعلى إسمهم وأما ما قيل عند ذبحه بسم الله وإسم محمد فحلال أكله وإن كان القول المذكور حراما لإيهامه التشريك وهذا من جملة المحال المستثناة من قوله تعالى
له لا أذكر إلا وتذكر معي فقد جاء أتاني جبريل فقال إن ربي وربك يقول لك أتدري كيف رفعت ذكرك أي على كل حال أي جعلت ذكرك مرفوعا مشرفا المذكور ذلك في قوله تعالى { ألم نشرح لك صدرك } إلى قوله { ورفعنا لك ذكرك } قلت الله أعلم قال لا أذكر إلا وتذكر معي أي في غالب المواطن وجوبا أو ندبا
ومن ذلك ما روى عن علي رضي الله تعالى عنه قال قيل للنبي صلى الله عليه وسلم هل عبدت وثنا قط قال لا قالوا هل شربت خمرا قط قال لا وما زلت أعرف أن الذي هم عليه كفر وما كنت أدري ما الكتاب ولا الإيمان انتهى
أقول تحريم شرب الخمر في الجاهلية ليس من خصائصه صلى الله عليه وسلم بل حرمها على نفسه في الجاهلية جماعة كثيرون سيأتي ذكر بعضهم وتقدم ذكر بعض منهم وكون شرب الخمر من الكفر على ما هو ظاهر السياق بمعنى ينبغي أن يجتنب كما يجتنب الكفر ولعل صدور هذا منه صلى الله عليه وسلم كان بعدم تحريم الخمر ويكون الإتيان بذلك للمبالغة في الزجر عنها والتباعد منها لأنها أم الخبائث وقد كانت نفوس غالبهم ألفتها وهذا محمل ما جاء أتاني جبريل فقال بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئا أي مصدقا بما جئت به دخل الجنة أي لا بد وأن يدخل الجنة وإن دخل النار قلت يا جبريل وإن زنى وإن سرق قال نعم قلت وإن سرق وإن زنى قال نعم قلت وإن سرق وإن زنى قال نعم وإن شرب الخمر والمراد بتحريمها تحريمها على الناس وإلا ففي الخصائص الصغرى للسيوطي وحرمت عليه الخمر من قبل ما يبعث قبل أن تحرم على الناس بعشرين سنة والله أعلم
قال وأما ما رواه جابر بن عبدالله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشهد مع المشركين مشاهدهم فسمع ملكين خلفه واحد يقول لصاحبه أذهب بنا نقوم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كيف نقوم خلفه وإنما عهده بإستلام الأصنام قبل لم يعد بعد ذلك يشهد مع المشركين مشاهدهم قال الحافظ ابن حجر أنكره الناس أي فقد قال الإمام أحمد كما في الشفاء إنه موضوع أو يشبه الموضوع وقال الدارقطني إن ابن أبي شيبة وهم في إسناده والحديث بالجملة منكر فلا يلتفت إليه والمنكر فيه قول الملك عهده بإستلام الأصنام قبل فإن ظاهره أنه باشر الإستلام وليس ذلك مرادا أبدا بل المراد أنه شاهد مباشرة المشركين إستلام أصنامهم أي لشهوده بعض مشاهدهم التي تكون عند الأصنام
وقال غيره والمراد بالمشاهد التي شهدها أي التي كان يشهدها مشاهد الحلف ونحوها كالضيافات الآتي بينها لا مشاهدة إستلام الأصنام فإنه يرده ما تقدم عن أم أيمن أنتهى أي من قولها إن بوانة كان صنما لقريش تعظمه وتعتكف عليه يوما إلى الليل في كل سنة إلى آخره أي ويرده أيضا ما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم لبحيرا لما حلفه باللات والعزى لا تسألني بهما فإني والله ما أبغضت شيئا قط بغضهما لأن مثل اللات والعزى غيرهما من الأصنام في ذلك وما سيأتي من قوله صلى الله عليه وسلم لخديجة رضي الله تعالى عنها والله ما أبغضت بغض هذه الأصنام شيئا قط وما جاء أنه صلى الله عليه وسلم قال لما نشأت بغضت إلى الأوثان وبغض إلى الشعر والله سبحانه وتعالى أعلم & باب رعيته صلى الله عليه وسلم الغنم
قال رعيته بكسر الراء المراد الهيئة انتهى
أقول المبين في هذاالباب إنما هو فعله صلى الله عليه وسلم الذي هو رعيه للغنم لا بيان هيئة رعيه للغنم فرعيته بفتح الراء لا بكسرها والله أعلم
عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم قال له أصحابه وأنت يا رسول الله قال وأنا رعيتها لأهل مكة بالقراريط أي وهي أجزاء من الدراهم والدنانير يشتري بها الحوائج الحقيرة قال سويد ابن سعيد يعنى كل شاة بقيراط وقيل القراريط موضع بمكة
فقد قال إبراهيم الحربي قراريط موضع ولم يرد بذلك القراريط من الفضة أي والذهب قال وأيد هذا الثاني بأن العرب لم تكن تعرف القراريط التي هي قطع الذهب والفضة بدليل أنه جاء في الصحيح ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط ولأنه جاء في بعض الروايات لأهلي ولا يرعى لأهله بأجرة أي كما قضت بذلك العادة وأيضا جاء في بعض الروايات بدل بالقراريط بأجياد فدل ذلك على أن القراريط إسم محل عبر عنه تارة بالقراريط وتارة بأجياد
ورد بأن أهل مكة لا يعرفون بها محلا يقال له القراريط وحينئذ يكون أراد بأهله أهل مكة لا أقاربه الذين تقضي العادة بأنه لا يرعى لهم بالأجرة والإضافة تأتي لأدنى ملابسة ويدل لذلك ما جاء في رواية البخاري كنت أرعاها أي الغنم على قراريط لأهل
مكة وذكره البخاري كذلك في باب الإجارة وذلك يبعد أن المراد بالقراريط المحل وجعل على بمعنى الباء
ويرد القول بأن العرب لم تكن تعرف القراريط التي هي قطع الدراهم والدنانير أي ويمنع دلالة قوله صلى الله عليه وسلم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط على ذلك لجواز أن يكون المراد يذكر فيها القيراط كثيرا لكثرة التعامل به فيها أو أن المراد بالقيراط ما يذكر في المساحة
وجمع الحافظ ابن حجر بأنه رعى لأهله أي أقاربه بغير أجرة ولغيرهم بأجرة والمراد بقوله أهلي أهل مكة أي الشامل لأقاربه ولغيرهم قال فيتجه الخبران ويكون في أحد الحديثين بين الأجرة أي التي هي القراريط وفي الآخر بين المكان أي الذي هو أجياد فلا تنافى في ذلك هذا كلامه ملخصا وعبارته تقتضى وقوع الأمرين منه صلى الله عليه وسلم وهو مما يتوقف على النقل في ذلك
قال ابن الجوزي كان موسى ومحمد صلى الله عليه وسلم رعاة غنم وهذا يرد قول بعضهم لم يرد ابن إسحاق برعايته صلى الله عليه وسلم الغنم إلا رعايته لها في بني سعد مع أخيه من الرضاع أي وقد يتوقف في كون قول ابن الجوزي هذا بمجرده يرد قول هذا البعض نعم يرده ما تقدم وما يأتي وفي الهدى أنه صلى الله عليه وسلم آجر نفسه قبل النبوة في رعيه الغنم
ومن حكمة الله عز وجل في ذلك أن الرجل إذا استرعى الغنم التي هي أضعف البهائم سكن قلبه الرأفة واللطف تعطفا فإذا انتقل من ذلك إلى رعاية الخلق كان قد هذب أولا من الحدة الطبيعية والظلم الغريزي فيكون في أعدل الأحوال ووقع الإفتخار بين أصحاب الإبل وأصحاب الغنم أي عند النبي صلى الله عليه وسلم فاستطال أصحاب الإبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث موسى وهو راعي غنم وبعث داود وهو راعي غنم وبعثت أنا وأنا راعي غنم أهلي بأجياد أي وهو موضع بأسفل مكة من شعابها ويقال له جياد بغير همزة ولعل المراد بقوله راعي غنم أي وكذا قوله وأنا راعي غنم أي وقد رعى الغنم وقد رعيت الغنم إذا الأخذ بظاهر الحالية بعيد ولتنظر حكمة الإقتصار على من ذكر من الأنبياء مع قوله السابق ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم وما يأتي من قوله وما من نبي إلا وقد رعاها وقد قال صلى الله عليه وسلم الغنم بركة والإبل عز لأهلها وقال في الغنم سمنها معاشنا وصوفها رياشنا ودفؤها كساؤنا وفي رواية
سمنها معاش وصوفها رياش أي وفي الحديث الفخر والخيلاء في أصحاب الإبل والسكينة والوقار في أهل الغنم ولعل هذا لا ينافي ما جاء في الأمثال قالوا أحمق وفي لفظ أجهل من راعي ضأن لما بين لأن الضأن تنفر من كل شيء فيحتاج راعيها إلى جمعها أي وذلك سبب لحمقه فليتأمل وفي رواية الفخر والخيلاء وفي لفظ والرياء من أهل الخيل والوبر قال وفيما تقدم في الباب من أمر السمر دليل على ذلك أي على رعايته للغنم أيضا وما رواه جابر رضي الله تعالى عنه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نجنى الكباث بكاف فباء موحدة مفتوحتين فثاء مثلثة أي وهو النضيج من ثمر الأراك وفي الحديث عليكم بالأسود من ثمر الأراك فإنه أطيبه فإني كنت أجتنيه إذ كنت أرعى الغنم قلنا وكيف ترعى الغنم يا رسول الله قال نعم وما من نبي إلا وقد رعاها
أقول وحينئذ لا ينبغي أحد عير برعاية الغنم أن يقول كان النبي صلى الله عليه وسلم يرعى الغنم فإن قال ذلك أدب لأن ذلك كما علمت كمال في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام دون غيرهم فلا ينبغي الإحتجاج به ويجرى ذلك في كل ما يكون كمالا في حق النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره كالأمية فمن قيل له أنت أمي فقال كان النبي صلى الله عليه وسلم أميا يؤدب والله أعلم & باب حضوره صلى الله عليه وسلم حرب الفجار
أي بكسر الفاء بمعنى المفاجرة كالقتال بمعنى المقاتلة وهو فجار البراض بفتح الباء الموحدة وتشديد الراء وضاد معجمة عن ابن سعد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حضرته يعنى الحرب المذكورة مع عمومتي ورميت فيه بأسهم وما أحب أني لم أكن فعلت وكان له من العمر أربع عشرة سنة أي وهذا الفجار الرابع
وأما الفجار الأول فكان عمره صلى الله عليه وسلم حينئذ عشر سنين وسببه أي هذا الفجار الأول أن بدر بن معشر الغفاري كان له مجلس يجلس فيه بسوق عكاظ ويفتخر على الناس فبسط يوما رجله وقال أنا أعز العرب فمن زعم أنه أعز مني فليضربها بالسيف فوثب عليه رجل فضربه بالسيف على ركبته فأندرها أي أسقطها وأزلها وقيل جرحه جرحا يسيرا قال بعضهم وهو الأصح فاقتلوا
وسبب الفجار الثاني أن امرأة من بني عامر كانت جالسة بسوق عكاظ فأطاف بها شاب من قريش من بني كنانة فسألها أن تكشف وجهها فأبت فجلس خلفها وهي لا تشعر وعقد زيلها بشوكة فلما قامت انكشف دبرها فضحك الناس منها فنادت المرأة يا آل عامر فثاروا بالسلاح ونادى الشاب يا بني كنانة فاقتتلوا وقوله فسألها أن تكشف وجهها فأبت يدل على أن النساء في الجاهلية كن يأبين كشف وجوههن
وسبب الفجار الثالث أنه كان لرجل من بني عامر دين على رجل من بني كنانة فلواه به أي مطله فجرت بينهما مخاصمة فاقتتل الحيان
وقد ذكر أن عبدالله بن جدعان تحمل ذلك الدين في ماله وكان ذلك سببا لإنقضاء الحرب وقيل لم يقاتل صلى الله عليه وسلم في فجار البراض وعليه اقتصر في الوفاء أي لم يرم فيه بأسهم بل قال كنت أنبل على أعمامي أي أرد عليهم نبل عدوهم إذا رموه
وقد يقال لا مخالفة لأنه ليس في هذه العبارة أنه لم يرم بل فيها أنه كان ينبل ويجوز أن يكون أغلب أحواله صلى الله عليه وسلم ذلك أي أنه كان ينبل أي يرد النبل فلا ينافى أنه رمى في بعض الأوقات بأسهم أي وفي كلام بعضهم كان أبو طالب يحضر أيام الفجار أي فجار البراض وكانت أربعة أيام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غلام فإذا جاء هزمت قيس ولعل المراد قيس هوازن فلا ينافى ما يأتي من الإقتصار على هوازن وإذا لم يجيء هو أي في يوم من تلك الأيام هزمت كنانة فقالوا لا أبالك لا تغب عنا ففعل ذكره في الإمتاع وذكر فيه أنه صلى الله عليه وسلم طعن أبا براء ملاعب الأسنة في تلك الحروب أي في بعض تلك الأيام وأبو براء هذا كان رئيس بني قيس وحامل رايتهم في تلك الحرب والطعن ظاهر في الرمح محتمل للنبل وظاهر كلامهم أنه لم يقاتل فيه بغير الرمى للأسهم على تقدير صحة تلك الرواية بذلك ولا يبعد أن يكون رمى لم يصب أحدا إذ لو أصاب لنقل لأنه مما توفر الدواعي على نقله إلا أن يقال بجواز أن يكون أصاب أحدا ثمرة لم تذكر فليتأمل قال وسميت الفجار لأن العرب فجرت فيه لأنه وقع في الشهر الحرام
أقول ظاهره حروب الفجار الأربعة أي التي هي فجار البراض وغيرها وظاهر كلامه صلى الله عليه وسلم أنه لم يحضر إلا في الفجار الرابع الذي هو فجار البراض
ثم رأيت التصريح بذلك في الوفاء وسأذكره وسيأتي في الباب الذي يلي هذا أن حرب الفجار لم يكن في شهر حرام وسيأتي في هذا الباب ما يدل على ذلك
أي أن القتال في ذلك لم يكن في الشهر الحرام وإنما سببه كان في الشهر الحرام وهو قتل البراض لعروة الرحال
فقد قيل سبب القتال أن عروة الرحال بتشديد الحاء المهملة وكان من أهل هوازن أجار لطيمة للنعمان بن المنذر ملك الحيرة واللطيمة العير التي تحمل الطيب والبز للتجارة أي فإن المنذر كان يرسل تلك اللطيمة لتباع في سوق عكاظ ويشتري له بثمن ذلك أدم من أدم الطائف ويرسل تلك اللطيمة في جوار رجل من أشراف العرب فلما جهز اللطيمة كان عنده جماعة من العرب كان فيهم البراض وهو من بني كنانة وعروة الرحال وهو من هوازن فقال البراض أنا أجيرها على بني كنانة يعنى قومه فقال له النعمان ما أريد إلا من يجيرها على أهل نجد وتهامة فقال له عروة الرحال أنا أجيرها لك فقال له البراض أتجيرها على كنانة فقال نعم وعلى أهل الشيح والقيصوم ونال من البراض فخرج عروة الرحال مسافرا وخرج البراض خلفه يطلب غفلته فلما استغفله وثب عليه فقتله أي فإنه شرب الخمر وغنته القينات فسكر ونام فجاءه البراض وأيقظه فقال له الرحال ناشدتك الله لا تقتلني فإنها كانت مني زلة وهفوة فلم يلتفت إليه وقتله وذلك في الشهر الحرام فأتى آت كنانة وهم بعكاظ مع هوازن فقال لكنانة إن البراض قد قتل عروة الرحال وهو في الشهر الحرام فانطلقوا وهوازن لا تشعر ثم بلغهم الخبر فاتبعوهم فأدركوهم قبيل دخولهم الحرم فأمسكت عنهم هوازن ثم التقوا بعد هذا اليوم وعاونت قريش كنانة ولا يخفى أن في هذا تصريحا بأن القتال لم يكن في الشهر الحرام لأنهم إذا كانوا في الشهر الحرام لا يقاتلون مطلقا أي وإن لم يدخلوا الحرام فكفهم عن قتالهم لمقاربتهم دخول الحرم وقتالهم لهم في اليوم الثاني دليل على أن قتالهم لم يكن في الشهر الحرام ومكث القتال بينهم أربعة أيام أي كما تقدم
أقول قال السهيلي الصواب ستة أيام والله أعلم قال وشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض تلك الأيام أخرجه أعمامه معهم أي ويدل له ما تقدم من أنه كان إذا حضر غلبت كنانة وإذا لم يحضر هزمت وفي بعض تلك الأيام وهو أشدها أي وهو اليوم الثالث قيد أمية وحرب ابنا أمية بن عبد شمس وأبو سفيان بن حرب أنفسهم كيلا يفروا فسموا العنابس أي الأسود
أي وحرب والد أبي سفيان وأمية أخوه ماتا على الكفر وأبو سفيان أسلم كما سيأتي ثم تواعدوا للعام المقبل بعكاظ فلما كان العام المقبل جاءوا للوعد أي وكان أمر قريش وكنانة إلى عبدالله بن جدعان وقيل كان إلى حرب بن أمية والد أبي سفيان لأنه كان رئيس قريش وكنانة يومئذ وكان عتبة بن أخيه ربيعة بن عبد شمس يتيما في حجره فضن أي بخل به حرب وأشفق أي خاف من خروجه معه فخرج عتبة بغير إذنه فلم يشعر أي يعلم به إلا وهو على بعير بين الصفين ينادي يا معشر مضر علام تفانون فقالت له هوازن ما تدعوا إليه قال الصلح على أن ندفع لكم دية قتلاكم وتفوا عن دمائنا أي فإن قريشا وكنانة كان لهم الظفر على هوازن يقتلونهم قتلا ذريعا أي وذلك لا ينافي إنهزامهم بعض الأيام قالوا وكيف قال ندفع لكم رهنا منا إلى أن نوفى لكم ذلك قالوا ومن لنا بهذا قال أنا قالوا ومن أنت قال أنا عتبة بن ربيعة ابن عبد شمس فرضيت به هوازن وكنانة وقريش ودفعوا إلى هوازن أربعين رجلا فيهم حكيم بن حزام وهو ابن أخي خديجة بنت خويلد زوج النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم فلما رأت هوازن الرهن في أيديهم عفوا عن الدماء وأطلقوهم وانقضت حرب الفجار وفي رواية وودت قريش قتلى هوازن ووضعت الحرب أوزارها
وقد يقال على تقدير صحة هذه الرواية دماء بدرت التزمت أن تديها فكان انقضاؤها على يد عتبة بن ربيعة وهو ممن قتل كافرا ببدر وهو أبو هند زوج أبي سفيان أم معاوية رضي الله عنها وعن زوجها وولدها المذكور
وكان يقال لم يسد مملق أي فقير إلا عتبة بن ربيعة وأبو طالب فإنهما سادا بغير مال أي وفي كلام بعضهم ساد عتبة بن ربيعة وأبو طالب وكان أفلس من أبي المزلق وهو رجل من بني عبد شمس لم يكن يجد مؤنة ليلته وكذا أبوه وجده وأبو جده وجد جده كلهم يعرفون بالإفلاس
هذا والذي في الوفاء الإقتصار على أن حرب الفجار كان مرتين المرة الأولى كانت المحاربة فيه ثلاث مرات المرة الأولى سببها قضية بدر بن معشر الغفاري والمرة الثانية كان سببها قضية المرأة والثالثة سببها قضية الدين ولم يحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك المرات وأما المرة الثانية فكانت بين هوازن وكنانة وقد حضرها صلى الله عليه وسلم وقد يقال لا خلاف في المعنى
& باب شهوده صلى الله عليه وسلم حلف الفضول
وهو أشرف حلف في العرب والحلف في الأصل اليمين والعهد وسمى العهد حلفا لأنهم يحلفون عند عقده وكان عند منصرف قريش من حرب الفجار لأن حرب الفجار كان في شوال أي وقيل في شعبان لا في الشهر الحرام أي وإن كان سببه وهو قتل البراض لعروة الرحال كان في الشهر الحرام كما تقدم وكون هذا الحلف كان منصرف قريش من حرب الفجار ظاهر في أنه كان بعد إنقضاء الحرب وقبل مجيء الفريقين للموعد من قابل لأن عند مجيئهم من قابل للموعد لم يقع حرب إلا أن يقال أطلق عليه حرب بإعتبار أنهم كانوا عازمين على المحاربة وهذا الحلف كان في ذي القعدة وأول من دعا إليه الزبير بن عبدالمطلب أي عم رسول الله صلى الله عليه وسلم شقيق أبيه كما تقدم فاجتمع إليه بنو هاشم وزهرة وبنو أسد بن عبدالعزى وذلك في دار عبدالله ابن جدعان التيمي كان بنو تيم في حباته كأهل بيت واحد يقوتهم وكان يذبح في داره كل يوم جزورا وينادي مناديه من أراد الشحم واللحم فعليه بدا ابن جدعان وكان يطبخ عنده الفالوذج فيطعمه قريشا
أي وسبب ذلك أنه كان أولا يطعم التمر والسويق ويسقى اللبن فاتفق أن أمية بن أبي الصلت مر على بني عبد المدان فرأى طعامهم لباب البر والشهد فقال أمية ** ولقد رأيت الفاعلين وفعلهم ** فرأيت أكرمهم بني المدان ** ** البر يلبك بالشهاب طعامهم ** لا ما يعللنا بنو جدعان **
فبلغ شعره عبدالله بن جدعان فأرسل إلى بصرى الشام يحمل إليه البر والشهد والسمن وجعل ينادي مناد ألا هلموا إلى جفنة عبدالله بن جدعان ومن مدح أمية بن أبي الصلت في ابن جدعان قوله ** أأذكر حاجتي أم قد كفاني ** حياؤك إن سيمتك الحياء ** ** إذا أثنى عليك المرء يوما ** كفاه من تعرضك الثناء ** ** كريم لا يغيره صباح ** عن الخلق الجميل ولا مساء ** ** يباري الريح مكرمة وجودا ** إذا ما الضب أجحره الشتاء **
وكان عبدالله بن جدعان ذا شرف وسن وإنه من جملة من حرم الخمر على نفسه في الجاهلية أي بعد أن كان بها مغرما
وسبب ذلك أنه سكر ليلة فصار يمد يده ويقبض على ضوء القمر ليمسكه فضحك منه جلساؤه ثم أخبروه بذلك حين صحا فحلف أن لا يشربها أبدا
وممن حرمها على نفسه في الجاهلية عثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنه وقال لا أشرب شيئا يذهب عقلي ويضحك بي من هو أدنى مني ويحملني على أن أنكح كريمتي من لا أريد
فصنع لهم عبدالله بن جدعان طعاما وتعاقدوا وتعاهدوا بالله ليكونن مع المظلوم حتى يؤدي إليه حقه ما بل بحر صوفة أي الأبد
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن ابن جدعان كان يطعم الطعام ويقرى الضيف ويفعل المعروف فهل ينفعه ذلك يوم القيامة فقال لا لأنه لم يقل يوما وفي رواية إنه لم يقال ساعة من ليل أونهار رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين رواه مسلم أي لم يكن مسلما لأن القول المذكور لا يصدر إلا عن مسلم فلا يقال مقتضى الحديث أنه لو قال ذلك لنفعه ما ذكر يوم القيامة مع كونه كان كافرا لأن ممن أدرك البعثة ولم يؤمن وحينئذ يسأل عن الحكمة عن عدوله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك عن قوله أنه لم يؤمن بي أو لم يكن مسلما أي وكان يكنى أبا زهير وقد قال صلى الله عليه وسلم في أسرى بدر لو كان أبو زهير أو مطعم بن عدي حيا فاستوهبهم لوهبتهم له
وقد ذكر أن جفنة ابن جدعان كان يأكل منها الراكب على البعير أي وسيأتي في غزوة بدر أنه صلى الله عليه وسلم ذكر أنه ازدحم هو وأبو جهل وهما غلامان على مائدة لابن جدعان وأنه صلى الله عليه وسلم دفع أبا جهل لعنه الله فوقع على ركبته فجرحت جرحا أثر فيها وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم قال كنت أستظل بجفنة عبدالله بن جدعان في صكة عمي أي في الهاجرة وسميت الهاجرة بذلك لأن عمي تصغير أعمى على الترخيم رجل من العماليق أوقع بالعدو والقتل في مثل ذلك الوقت
وقيل هو رجل من عدوان كان فقيه العرب في الجاهلية فقدم في قومه معتمرا فلما كان على مرحلتين من مكة قال لقومه وهم في نحر الظهيرة من أتى مكة غدا في مثل هذا الوقت كان له أجر عمرتين فصكوا الإبل صكة شديدة حتى أتوا مكة من الغد في وقت الظهيرة ولعل هذا لا يخالفه قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عجلنا الرواح للمسجد صكة الأعمى فقيل ما صكة الأعمى قال إنه لا يبالي أية ساعة خرج
وكان عبدالله بن جدعان في إبتداء أمره صعلوكا وكان مع ذلك شريرا فتاكا لا يزال يحنى الجنايات فيعقل عنه أبوه وقومه حتى أبغضته عشيرته وطرده أبوه وحلف لا يأويه أبدا فخرج هائما في شعاب مكة يتمنى الموت فرأى شقا في جبل فدخل فإذا ثعبان عظيم له عينان تتقدان كالسراج فلما قرب منه حمل عليه الثعبان فلما تأخر إنساب أي رجع عنه فلا زال كذلك حتى غلب على ظنه أن هذا مصنوع فقرب منه ومسكه بيده فإذا هو من ذهب وعيناه ياقوتتان فكسره ثم دخل المحل الذي كان هذا الثعبان على بابه فوجد فيه رجالا من الملوك ووجد في ذلك المحل أموالا كثيرة من الذهب والفضة وجواهر كثيرة من الياقوت واللؤلؤ والزبرجد فأخذ منه ما أخذ ثم علم ذلك اشق بعلامة وصار ينقل منه ذلك شيئا فشيئا ووجد في ذلك الكنز لوحا من رخام فيه أنا نفيلة بن جرهم بن قحطان ابن هود نبي الله عشت خمسمائة عام وقطعت غور الأرض باطنها وظاهرها في طلب الثروة والمجد والملك فلم يكن ذلك ينجى من الموت ثم بعث عبدالله بن جدعان إلى أبيه بالمال الذي دفعه في جناياته ووصل عشيرته كلهم فسادهم وجعل ينفق من ذلك الكنز ويطعم الناس ويفعل المعروف
قال وفي رواية تحالفوا على أن يردوا الفضول على أهلها ولا يقر ظالم على مظلوم أي وحينئذ فالمراد بالفضول ما يؤخذ ظلما
وقيل إن هذا أي رد الفضول مدرج من بعض الرواة زاد بعضهم على ما بل بحر صوفة وما رسا حراء وثبير مكانيهما أي والمراد الأبد كما تقدم وكان معهم في ذلك الحلف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صلى الله عليه وسلم ما أحب أن لي بحلف حضرته في دار بني جدعان حمر النعم أي الإبل وأنى أغدر به بالغين المعجمة والدال المهملة أي لا أحب الغدر به وإن أعطيت حمر النعم في ذلك قال وفي رواية لقد شهدت في دار عبدالله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم أي بفواته ولو دعى به في الإسلام لأجبت أي لو قال قائل من المظلومين يا آل حلف الفضول لأجبت لأن الإسلام إنما جاء بإقامة الحق ونصرة المظلوم
وفيه أن الإسلام قد رفع ما كان من دعوى الجاهلية من قولهم يا لفلان عند الحرب والتعصب
وأجيب بأن هذا مستثنى فالدعوى به جائزة وفي أخرى ما شهدت حلفا لقريش
إلا حلف المطيبين شهدته مع عمومتي وما أحب أن لي به حمر النعم وأنى كنت نقضته أي لا أحب نقضه وإن دفع لي حمر الإبل في مقابلة نقضه
والمطيبون هم هاشم وزهرة أي بنو زهرة بن كلاب وأمية ومخزوم قال البيهقي كذا روى هذا التفسير أي أن المطيبين هاشم وزهرة وأمية ومخزوم مدرجا ولا أدري من قاله
وعبارته في السنن الكبرى لا أدري هذا التفسير من قول أبي هريرة أو من دونه هذا كلامه فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدرك حلف المطيبين أي لأنه كما تقدم وقع بين بني عبد مناف بن قصي وهم هاشم وإخوته عبد شمس والمطلب ونوفل وبنو زهرة وبنو أسد بن عبدالعزى وبنو تميم وبنو الحرث بن فهر وهم المطيبون وبين بني عمهم عبدالدار بن قصي وأحلافهم بني مخزوم وغيرهم ويقال لهم الأحلاف كما تقدم وذلك قبل أن يولد رسول الله صلى الله عليه وسلم وحيث لم يدرك صلى الله عليه وسلم حلف المطيبين يصير المدرج لفظ المطيبين مع تفسيره بمن ذكر لا أن المدرج تفسيره فقط بمن ذكر كما يقتضيه كلام البيهقي وحينئذ تكون الرواية ما شهدت حلفا لقريش إلا حلفا مع عمومتي إلى آخره ظن الراوي أن حلف الفضول هو حلف المطيبين فذكر لفظ المطيبين وبنيهم
وقد يقال ذكر ابن إسحاق أنه لما قام عبدالله بن جدعان هو والزبير بن عبدالمطلب في الدعوى للتحالف أجابهما بنو هاشم وبنو المطلب وبنو أسد وبنو زهرة وبنو تميم هذا كلامه ولا يخفى أن هؤلاء أجل المطيبين أطلق على هذا الحلف والذي هو حلف الفضول حلف المطيبين لأنهم العاقدون له فليتأمل
وسمى بالفضول قيل لما تقدم من أنهم تحالفوا على أن يردوا الفضول على أهلها وقيل لأنه يشبه حلفا وقع لثلاثة من جرهم كل واحد يقال له الفضل
وعبارة بعضهم لأن الداعي إليه كان ثلاثة من أشرافهم اسم كل واحد منهم فضل وهم الفضل بن فضالة والفضل بن وداعة والفضل بن الحارث والضمير في أشرافهم يتبادر رجوعه إلى قريش وهؤلاء الثلاثة تحالفوا على نصرة المظلوم على ظالمه فالفضول جمع الفضل
وقيل لأنهم أي هؤلاء الذين تحالفوا كانوا أخرجوا فضول أموالهم للأضياف وقيل لأن قريشا قالوا عن هؤلاء الذين تحالفوا لقد دخل هؤلاء في فضول من الأمر
والسبب في هذا الحلف والحامل عليه أن رجلا من زبيد قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاص بن وائل وكان من أهل الشرف والقدر بمكة فحبس عنه حقه فاستدعى عليه الزبيدي الأحلاف عبد الدار ومحزوما وجمح وسهما وعدي بن كعب فأبوا أن يعينوا على العاص وانتهروه أي الزبيدي فلما رأى الزبيدي الشر رقى على أبي قبيس عند طلوع الشمس وقريش في أنديتهم حول الكعبة فقال بأعلى صوته ** يا آل فهر لمظلوم بضاعته ** ببطن مكة نائى الدار والقفر ** ** ومحرم أشعث لم يقض عمرته ** يا للرجال وبين الحجر والحجر ** ** إن الحرام لمن تمت مكارمه ** ولا حرام لثوب الفاجر الغدر **
والحرام بمعنى الإحترام فقال في ذلك الزبير بن عبدالمطلب أي مع عبدالله بن جدعان كما تقدم واجتمع إليه من تقدم
وقيل قام فيه العباس وأبو سفيان وتعاقدوا وتعاهدوا ليكونن يدا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدي إليه حقه شريفا أو وضيعا ثم مشوا إلى العاص بن وائل فانتزعوا منه سلعة الزبيدي فدفعوها إليه
أقول ذكر السهيلي أن رجلا من خثعم قدم مكة معتمرا أو حاجا ومعه بنت له من أضوإ نساء العالمين فاغتصبها منه نبيه بن الحجاج فقيل له عليك بحلف الفضول فوقف عند الكعبة ونادى يا لحلف الفضول فإذا هم يعنقون إليه من كل جانب وقد انتضوا أسيافهم أي جردوها يقولون جاءك الغوث فما لك فقال إن نبيها ظلمني في بنتي فانتزعها مني قسرا فساروا إليه حتى وقفوا على باب داره فخرج إليهم فقالوا له أخرج الجارية ويحك فقد علمت من نحن وما تعاهدنا عليه فقال أفعل ولكن متعوني بها الليلة فقالوا لا والله ولا شخب لقحة أي مقدار زمن ذلك فأخرجها إليهم
وفي سيرة الحافظ الدمياطي أنه كان بين الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان منازعة في مال متعلق بالحسين فقال الحسين للوليد احلف بالله لتنصفني من حقي أو لآخذن سيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لأدعون لحلف الفضول أي لحلف كحلف الفضول وهو نصرة المظلوم على ظالمه ووافقه على ذلك جماعة منهم عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما لأنه كان إذ ذاك في المدينة فلما بلغ ذلك الوليد بن عتبة أنصف الحسين من حقه حتى رضي والله أعلم
& باب سفره صلى الله عليه وسلم إلى الشام ثانيا
وذلك مع ميسرة غلام خديجة بنت خويلد رضي الله تعالى عنها لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين سنة أي على الراجح من أقوال ستة وعليه جمهور العلماء وتلك أقوال ضعيفة لم تقم لها حجة على ساق وليس له صلى الله عليه وسلم إسم بمكة إلا الأمين لما تكامل فيه من خصال الخير كما تقدم
وسبب ذلك أن عمه صلى الله عليه وسلم أبا طالب قال له يا ابن أخي أنا رجل لا مال لي وقد اشتد الزمان أي القحط وألحت علينا أي أقبلت ودامت سنون منكرة أي شديدة الجدب وليس لنا مادة أي ما يمدنا وما يقومنا ولا تجارة وهذه عير قومك وتقدم أنها الإبل التي تحمل الميرة وفي رواية عيرات جمع عير قد حضر خروجها إلى الشام وخديجة بنت خويلد تبعث رجالا من قومك في عيراتها فيتجرون لها في مالها ويصيبون منافع فلو جئتها فوضعت نفسك عليها لأسرعت إليك وفضلتك على غيرك لما يبلغها عنك من طهارتك وإن كنت لأكره أن تأتي الشام وأخاف عليك من يهود ولكن لا تجد لك من ذلك بدا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلعلها ترسل إلي في ذلك فقال أبو طالب إني أخاف أن تولى غيرك فتطلب أمرا مدبرا فافترقا فبلغ خديجة رضي الله تعالى عنها ما كان من محاورة عمه أبي طالب له فقالت ما عملت أنه يريد هذا ثم أرسلت إليه صلى الله عليه وسلم فقالت إني دعاني إلى البعثة إليك ما بلغني من صدق حديثك وعظم أمانتك وكرم أخلاقك وأنا أعطيك ضعف ما أعطى رجلا من قومك ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقى عمه أبا طالب فذكر له ذلك فقال إن هذا لرزق ساقه الله إليك فخرج صلى الله عليه وسلم مع غلامها ميسرة أي يريد الشام وقالت خديجة لميسرة لا تعص له أمرا ولا تخالف له رأيا وجعل عمومته يوصون به أهل العير أي ومن حين سيره صلى الله عليه وسلم أظللته الغمامة
فلما قدم صلى الله عليه وسلم الشام نزل في سوق بصرى في ظل شجرة قريبة من صومعة راهب يقال له نسطورا أي بالقصر فاطلع الراهب إلى ميسرة وكان
يعرفه فقال يا ميسرة من هذا الذي نزل تحت الشجرة فقال ميسرة رجل من قريش من أهل الحرم فقال له الراهب ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي أي صانها الله تعالى عن أن ينزل تحتها غير نبي ثم قال له أفي عينيه حمرة قال ميسرة نعم لا تفارقه فقال الراهب هو هو وهو آخر الأنبياء ويا ليت أني أدركه حين يؤمر بالخروج أي يبعث فوعى ذلك ميسرة أي والحمرة كانت في بياض عينيه وهي الشكلة ومن ثم قيل في وصفه صلى الله عليه وسلم أشكل العينين فهذه الشكلة من علامات نبوته صلى الله عليه وسلم في الكتب القديمة أي وقد تقدم ذلك
قال وفي الشرف للنيسابوري فلما رأى الراهب الغمامة تظلله صلى الله عليه وسلم فزع وقال ما أنتم عليه أي أي شيء أنتم عليه قال ميسرة غلام خديجة رضي الله تعالى عنها فدنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم سرا من ميسرة وقبل رأسه وقدمه وقال آمنت بك وأنا أشهد أنك الذي ذكره الله في التوراة ثم قال يا محمد قد عرفت فيك العلامات كلها أي العلامات الدالة على نبوتك المذكورة في الكتب القديمة خلا خصلة واحدة فأوضح لي عن كتفك فأوضح له فإذا هو بخاتم النبوة يتلألأ فأقبل عليه يقبله ويقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله النبي الأمي الذي بشر بك عيسى بن مريم فإنه قال لا ينزل بعدي تحت هذه الشجرة إلا النبي الأمي الهاشمي العربي المكي صاحب الحوض والشفاعة وصاحب لواء الحمد انتهى
أقول قال في النور ولم أجد أحدا عد هذا الراهب الذي هو نسطورا في الصحابة رضي الله تعالى عنهم كما عد بعضهم فيها بحيرا الراهب وينبغي أن يكون هذا مثله هذا كلامه
وقد قدمنا أنه سيأتي أن بحيرا ونسطورا ونحوهما ممن صدق بأنه صلى الله عليه وسلم نبي هذه الأمة من أهل الفترة لا من أهل الإسلام فضلا عن كونه صحابيا لأن المسلم من أقر برسالته صلى الله عليه وسلم بعد وجودها إلى آخر ما يأتي
ومن ثم ذكر الحافظ ابن حجر في الإصابة أن بحيرا ممن ذكر في كتب الصحابة غلطا قال لأن تعريف الصحابي لا ينطبق عليه وهو مسلم لقى النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على ذلك قال فقولي مسلم يخرج من لقيه مؤمنا به قبل أن يبعث كهذا الرجل يعني بحيرا هذا كلامه ومراده ما ذكرنا ولعل نسطورا هذا هو الذي تنسب إليه النسطورية من النصارى فإن النصارى افترقت ثلاث فرق نسطورية
قالوا عيسى ابن الله ويعقوبية قالوا عيسى هو الله عز وجل هبط إلى الأرض ثم صعد إلى السماء وملكانية قالوا عيسى عبدالله ونبيه زاد بعضهم فرقة رابعة وهم إسرائيلية قالوا هو إله وأمه إله والله إله
هذا وفي القاموس النسطورية بالضم ويفتح أمة من النصارى تخالف بقيتهم وهم أصحاب نسطور الحكيم الذي ظهر في أيام المأمون وتصرف في الإنجيل برأيه وقال إن الله واحد ذو أقانيم ثلاثة وهو بالرومية نسطورس كما افترقت اليهود ثلاث فرق فإنها افترقت إلى قرائية وربانية وسامرية
ولا يخفى أن بقاء تلك الشجرة هذا الزمن الطويل قبل عيسى وبعده إلى زمن نبينا صلى الله عليه وسلم على خلاف العادة وصرف غير الأنبياء عن النزول تحت تلك الشجرة وكذا صرف الأنبياء الذين وجدوا بعد عيسى على ما تقدم عن النزول تحت تلك الشجرة بعد عيسى الذي دلت عليه الرواية الأولى والرواية الثانية ممكن وإن كانت الشجرة لا تبقى في العادة هذا الزمن الطويل ويبعد في العادة أن تكون شجرة تخلو عن أن ينزل تحتها أحد غير الأنبياء لأن هذا الأمر مع كونه خارقا للعادة والأنبياء لهم خرق العوائد سيما نبينا صلى الله عليه وسلم
وبهذا يرد قول السهيلي يريد ما نزل تحت هذه الشجرة الساعة إلا نبي ولم يرد ما نزل تحتها قط إلا نبي لبعد العهد بالأنبياء عليهم السلام قبل ذلك وإن كان في لفظ الخبر قط أي كما تقدم فقد تكلم بها على جهة التأكيد للنفى والشجرة لا تعمر في العادة هذا العمر الطويل حتى يدرى أنه لم ينزل تحتها إلا عيسى أو غيره من الأنبياء ويبعد في العادة أيضا أن تكون شجرة تخلو من أن ينزل تحتها أحد حتى يجيء نبي هذا كلامه
وقد يقال يجوز أن تكون تلك الشجرة كانت شجرة زيتون فقد ذكر أن شجرة الزيتون تعمر ثلاثة آلاف سنة على أن في بعض الروايات ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يابسة نحر عودها فلما اطمأن تحتها اخضرت ونورت واعشوشب ما حولها وأينع ثمرها وتدلت أغصانها ترفرف على رسول الله
قال بعضهم المختار عند جمهور المحققين من أهل السنة ان كل ما جاز وقوعه للأنبياء عليهم الصلاة والسلام من المعجزات جاز للأولياء مثله من الكرامات بشرط عدم التحدي لأن المعجزة يعتبر فيها التحدي وأن تكون بعدالنبوة وما قبل النبوة كما هنا يقال له إرهاص
وحينئذ لا يستبعد ما ذكر عن الشيخ رسلان رحمه الله أنه كان إذا استند إلى شجرة يابسة قد ماتت تورق ويخرج ثمرها في الحال على أنه سيأتي في الكلام على غزاة الخندق أن كرامات الأولياء معجزات لأنبيائهم
ولما رأى الراهب ما ذكر لم يتمالك الراهب أن انحدر من صومعته وقال له باللات والعزى ما إسمك فقال له إليك عني ثكلتك أمك ومع ذلك الراهب رق مكتوب فجعل ينظر في ذلك الرق ثم قال هو هو ومنزل التوراة فظن بعض القوم أن الراهب يريد بالنبي صلى الله عليه وسلم مكرا فانتضى سيفه وصاح يا آل غالب يا آل غالب فأقبل الناس يهرعون إليه من كل ناحية يقولون ما الذي راعك فلما نظر الراهب إلى ذلك أقبل يسعى إلى صومعته فدخلها وأغلق عليه بابها ثم أشرف عليهم فقال يا قوم ما الذي راعكم مني فوالذي رفع السموات بغير عمد إني لأجد في هذه الصحيفة أن النازل تحت هذه الشجرة هو رسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم يبعثه الله بالسيف المسلول وبالريح الأكبر وهو خاتم النبيين فمن أطاعه نجا ومن عصاه غوى ثم حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم سوق بصرى فباع سلعته التي خرج بها واشترى قال ولم أقف على تعيين ما باعه وما اشتراه انتهى
وكان بينه صلى الله عليه وسلم وبين رجل إختلاف في سلعة فقال الرجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم احلف باللات والعزى فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما حلفت بهما قط فقال الرجل القول قولك ثم قال الرجل لميسرة وقد خلا به يا ميسرة هذا نبي والذي نفسي بيده إنه لهو الذي تجده أحبارنا منعوتا أي في الكتب فوعى ميسرة ذلك أي وقبل أن يصلوا إلى بصرى عيى بعيران لخديجة وتخلف معهما ميسرة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الركب فخاف ميسرة على نفسه وعلى البعيرين فانطلق يسعى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى البعيرين فوضع يده على أخفافهما وعوذهما فانطلقا في أول الركب ولهما رغاء
قال وفي الشرف أنهما باعوا متاعهم وربحوا ربحا ما ربحوا مثله قط قال ميسرة يا محمد اتجرنا لخديجة أربعين سنة ما ربحنا ربحا قط أكثر من هذا الربح على وجهك أنتهى
وأقول لا يخفى ما في قول ميسرة اتجرنا لخديجة أربعين سنة ولعلها مصحفة عن سفرة أو هو على المبالغة والله أعلم
ثم انصرف أهل العير جميعا راجعين مكة وكان ميسرة يرى ملكين يظللانه صلى الله عليه وسلم من الشمس وهو على بعيره إذا كانت الهاجرة واشتد الحر وهذا هو المعنى بقول الخصائص الصغرى وخص صلى الله عليه وسلم بإظلال الملائكة له في سفره
ويحتمل أن المراد في كل سفر سافره لكن لم أقف على إظلال الملائكة له صلى الله عليه وسلم في غير هذا السفرة وقد ألقى الله تعالى محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في قلب ميسرة فكان كأنه عبده فلما كانوا بمر الظهران أي وهو واد بين مكة وعسفان وهو الذي تسميه العامة بطن مرو وهو المعروف الآن بوادي فاطمة قال ميسرة للنبي صلى الله عليه وسلم هل لك أن تسبقني إلى خديجة فتخبرها بالذي جرى لعلها تزيدك بكرة إلى بكرتيك أي وفي رواية تخبرها بما صنع الله تعالى لها على وجهك فركب النبي صلى الله عليه وسلم وتقدم حتى دخل مكة في ساعة الظهيرة وخديجة في علية أي في غرفة مع النساء فرأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل وهو راكب على بعيره وملكان يظللان عليه فأرته نساءها معجبن فعجبن لذلك ودخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فخبرها بما ربحوا وهو ضعف ما كانت تربح فسرت بذلك وقالت أين ميسرة قال خلفته في البادية قالت عجل إليه ليعجل بالإقبال وإنما أرادت أن تعلم أهو الذي رأت أم غيره فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصعدت خديجة تنظر فرأته على الحالة الأولى فاستيقنت أنه هو
فلما دخل عليها ميسرة أخبرته بما رأت فقال لها ميسرة قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشام وإلى ذلك أشار الإمام السكي رحمه الله في تائيته بقوله ** وميسرة قد عاين الملكين إذ ** ** أظلاك لما سرت ثاني سفرة **
وأخبرها ميسرة بقول الراهب نسطورا وقول الآخر الذي حالفه أي استحلفه في البيع أي وقصة البعيرين وحينئذ أعطت خديجة له صلى الله عليه وسلم ضعف ما سمته له أي وما سمته له ضعف ما كانت تعطيه لرجل من قومه كما تقدم وقول ميسرة له صلى الله عليه وسلم فيما تقدم لعلها تزيدك بكرة إلى بكرتيك يدل على أنها سمت له بكرتين وكانت تسمى لغيره بكرة وفي كلام بعضهم وفي الروض الباسم استأجرته على أربع بكرات
وفي الجامع الصغير ما نصه آجرت نفسي من خديجة سفرتين بقلوصين ثم رأيت في الإمتاع ما يوافق ذلك ونصه وأجر صلى الله عليه وسلم نفسه من خديجة سفرتين يقلوصين وفي السفرة الأولى أرسلته مع عبدها ميسرة إلى سوق حباشة أي وهو مكان بأرض اليمن بينه وبين مكة ست ليال كانوا يبتاعون فيه ثلاثة أيام من أول رجب في كل عام فابتاعا منه بزا ورجعا إلى مكة فربحا ربحا حسنا وفي السفرة الثانية أرسلته مع عبدها ميسرة إلى الشام
وفيه أن سفره مع ميسرة إلى الشام سفرة ثالثة فعن مستدرك الحاكم وصححه وأقره الذهبي عن جابر أن خديجة استأجرته صلى الله عليه وسلم سفرتين إلى جرش بضم الجيم وفتح الراء موضع باليمن كل سفرة بقلوص وهي الشابة من الإبل وهو يفيد أنه صلى الله عليه وسلم سافر لها ثلاث سفرات كما تقدم ولعل سوق حباشة هو جرش وإلا لزم أن يكون صلى الله عليه وسلم سافر لها خمس سفرات أربعة إلى اليمن وواحدة إلى الشام وما تقدم عن الروض الباسم من أنها استأجرته في سفرة إلى الشام بأربع بكرات لا يناسب ما تقدم عن ميسرة
وقد جاء في بعض الروايات أن أبا طالب جاء لخديجة وقال لها هل لك أن تستأجري محمدا فقد بلغنا أنك استأجرت فلانا ببكرتين وليس نرضى لمحمد دون أربع بكرات فقالت خديجة لو سألت لبعيد بغيض فكيف وقد سألت لحبيب قريب
ثم لا يخفى أن كون سفره صلى الله عليه وسلم مع ميسرة بسوق حباشة قبل سفره معه إلى الشام مخالف لظاهر ما تقدم من قول عمه أبي طالب وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام فلو جئتها فوضعت نفسك عليها وقول خديجة ماعلمت أنه يريد هذا وإنما قلنا ظاهر لأنه يجوز أن يكون بعد قول أبي طالب وقولها المذكور أرسلته صلى الله عليه وسلم مع ميسرة إلى سوق حباشة لقرب مسافته وقصر زمنه ثم أرسلته مع ميسرة إلى الشام أو كانت خديجة لا تجوز أن أبا طالب يرضى بسفره إلى الشام وأنه صلى الله عليه وسلم يوافق على ذلك فليتأمل
وتقدم أنه صلى الله عليه وسلم من حين سيره أي من مكة صارت الغمامة تظله فإن كانت غير الملكين فالغمامة كانت تظله في الذهاب والملكين يظلانه في العود ولعل عدم ذكره ميسرة لخديجة
تظليل الغمامة له صلى الله عليه وسلم في ذهابه أنه لم يفظن لها مثلا ولكن سيأتي في كلام صاحب الهمزية ما يدل على أن الملكين هما الغمامة
وفيه وقوع رؤية البشر غير نبينا صلى الله عليه وسلم للملائكة غير جبريل وسيأتي رؤية جمع من الصحابة لجبريل
وفي المنقذ من الضلال للغزالي أن الصوفية يشاهدون الملائكة في يقظتهم أي لحصول طهارة نفوسهم وتزكية قلوبهم وقطعهم العلائق وحسمهم مواد أسباب الدنيا من الجاه والمال وإقبالهم على الله تعالى بالكلية علما دائما وعملا مستمرا والله أعلم قال ولم أقف على إسم الرجل الذي حالفه أي استخلفه
وقال الحافظ ابن حجر لم أقف على رواية صحيحة صريحة فيه بأنه أي ميسرة بقى إلى البعثة انتهى
ثم إن خديجة ذكرت ما رأته من الآيات وما حدثها به غلامها ميسرة لابن عمها ورقة ابن نوفل وكان نصرانيا أي بعد أن كان يهوديا على ما يأتي قد تبع الكتب فقال لها إن كان هذا حقا يا خديجة إن محمدا نبي هذا الأمة وقد عرفت أنه كائن لهذه الأمة نبي منتظر هذا زمانه أي وكان صلى الله عليه وسلم يتجر قبل النبوة قبل أن يتجر لخديجة وكان شريكا للسائب بن أبي السائب صيفي
ولما قدم عليه السائب يوم فتح مكة قال له مرحبا بأخي وشريكي كان لا يداري أي لا يرائي ولا يماري أي يخاصم صاحبه وهذا يدل على أن قوله كان لا يدارى الخ من مقوله صلى الله عليه وسلم
وقد قال فقهاؤنا والأصل في الشركة خبر السائب بن يزيد أنه كان شريكا للنبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة وافتخر بشركته بعد المبعث أي قال كان صلى الله عليه وسلم نعم الشريك لا يدارى ولا يمارى ولا يشارى والمشاراة المشاحة في الأمر واللجاج فيه وهو يدل على أن ذلك كان من مقول السائب ولا مانع أن بكون كل من النبي صلى الله عليه وسلم والسائب قال في حق الآخر كان لا يدارى ولا يمارى وبهذا يندفع قول بعضهم اختلفت الروايات في هذا الكلام الذي هو كان خير شريك كان لا يشارى ولا يمارى فمنهم من يجعله من قول النبي صلى الله عليه وسلم في السائب ومنهم من يجعله من قول السائب في حق النبي صلى الله عليه وسلم
ويمكن أن لا يكون مخالفة بين السائب بن أبي السائب صيفى وبين السائب بن يزيد لأنه يجوز أن يكون صيفي لقبا لوالده ولإسمه يزيد
وفي الإستيعاب وقع اضطراب هل الشريك كان أبا السائب أو ولده السائب بن أبي السائب أو ولد السائب وهو قيس بن السائب بن أبي السائب لا أخ السائب وهو عبدالله بن أبي السائب قال وهذا اضطراب لا يثبت به شيء ولا تقوم به حجة
والسائب بن أبي السائب من المؤلفة أعطاه صلى الله عليه وسلم يوم الجعرانة من غنائم حنين وبه يرد قول بعضهم إن السائب بن أبي السائب قتل يوم بدر كافرا
ومما يدل على أن الشركة كانت لقيس بن السائب قوله كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية شريكي فكان خير شريك كان لا يشاريني و لايماريني ووجه الدلالة أنه صلى الله عليه وسلم سمع قوله كان شريكي وأقره عليه
وذكر في الإمتاع أن حكيم بن حزام اشترى من رسول الله صلى الله عليه وسلم بزا من بوق تهامة بسقو حباشة وقدم به مكة فكان ذلك سببا لإرسال خديجة له صلى الله عليه وسلم مع عبدها ميسرة إلى سوق حباشة ليشتريا لها بزا
وفي سفر السعادة أنه صلى الله عليه وسلم وقع منه أنه باع واشترى إلا أنه بعد الوحي وقبل الهجرة كان شراؤه أكثر من البيع وبعد الهجرة لم يبع إلا ثلاث مرات وأما شراؤه فكثير وآجر واستأجر والإستئجار أغلب ووكل وتوكل وكان توكله أكثر & باب تزوجه صلى الله عليه وسلم خديجة بنت خويلد رضي الله عنها ابن أسد بن عبدالعزى بن قصي
فهي تجتمع معه صلى الله عليه وسلم في قصي قال الحافظ ابن حجر وهي من أقرب نسائه صلى الله عليه وسلم إليه في النسب ولم يتزوج من ذرية قصي غيرها إلا أم حبيبة هذا كلامه
وعن نفيسة بنت منية رضي الله تعالى عنها أي وهي أخت يعلى بن منية ففي الإمتاع منية أخت يعلى بن منية وعليه يكون ضمير وهي راجع لمنية لا لنفيسة قالت كانت خديجة بنت خويلد امرأة حازمة أي ضابطة جلدة أي قوية شريفة اي مع ما أراد الله تعالى لها من الكرامة والخير وهي يومئذ أوسط نساء قريش نسبا وأعظمهم
شرفا وأكثرهم مالا أي وأحسنهم جمالا وكانت تدعى في الجاهلية بالطاهرة وفي لفظ كان يقال لها سيدة قريش لأن الوسط في ذكر النسب من أوصاف المدح والتفضيل يقال فلان أوسط القبيلة أعرفها في نسبها وكل قومها كان حريصا على نكاحها لو قدر على ذلك قد طلبوها وذكروا لها الأموال فلم تقبل فأرسلتني دسيسا أي خفية إلى محمد صلى الله عليه وسلم بعد أن رجع في عيرها من الشام فقلت يا محمد ما يمنعك أن تتزوج فقال ما بيدي ما أتزوج به قلت فإن كفيت ذلك ودعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاية ألا تجيب قال فمن هي قلت خديجة قال وكيف لي بذلك بكسر الكاف لأنه خطاب لنفيسة قلت بلى وأنا أفعل فذهبت فأخبرتها فأرسلت إليه أن أئت لساعة كذا وكذا فأرسلت إلى عمها عمرو بن أسد ليزوجها فحضر ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمومته فزوجه أحدهم أي وهو أبو طالب على ما يأتي وقال في خطبته وابن أخي له في خديجة بنت خويلد رغبة ولها فيه مثل ذلك فقال عمرو بن أسد هذا الفحل لا يقدح أنفه أي بالقاف والدال المهملة أي لا يضرب أنفه لكونه كريما لأن غير الكريم إذا أراد ركوب الناقة الكريمة يضرب أنفه ليرتدع بخلاف الكريم وكون المزوج لها عمها عمرو بن أسد قال بعضهم هو المجمع عليه وقيل المزوج لها أخوها عمرو بن خويلد
وعن الزهري أن المزوج لها أبوها خويلد بن أسد وكان سكران من الخمر فألقت عليه خديجة حلة وهي ثوب فوق ثوب لأن الأعلى يحل فوق الأسفل وضمخته بخلوق أي لطخته بطيب مخلوط بزعفران فلما صحا من سكره قال ما هذه الحلة والطيب فقيل له لأنك أنكحت محمدا خديجة وقد ابتنى بها فأنكر ذلك ثم رضيه وأمضاه أي لأن خديجة استشعرت من أبيها أنه يرغب عن أن يزوجها له فصنعت له طعاما وشرابا ودعت أباها ونفرا من قريش فطعموا وشربوا فلما سكر أبوها قالت له إن محمد بن عبدالله يخطبني فزوجني إياه فزوجها فخلقته وألبسته لأن ذلك أي إلباس الحلة وجعل الخلوق به كان عادتهم أن الأب يفعل به ذلك إذا زوج بنته فلما صحا من سكره قال ما هذا قالت له خديجة زوجتني من محمد بن عبدالله قال أنا أزوج يتيم أبي طالب لا لعمرى فقالت له خديجة ألا تستحى تريد أن تسفه نفسك عند قريش تخبرهم أنك كنت سكران فلم تزل به حتى رضى أي وهذا مما
يدل على أن شرب الخمر كان عندهم مما يتنزه عنه ويدل له أن جماعة حرموها على أنفسهم في الجاهلية منهم من تقدم ومنهم من يأتي وفي رواية أنها عرضت نفسها عليه فقالت يا ابن عم إني قد رغبت فيك لقرابتك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك فذكر ذلك صلى الله عليه وسلم لأعمامه فخرج معه عمه حمزة بن عبدالمطلب رضي الله عنه حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه فزوجها
أقول قال في النور ولعل الثلاثة أي أباها وأخاها وعمها حضروا ذلك فنسب الفعل إلى كل واحد منهم هذا كلامه
وفي كون المزوج لها أبوها خويلد أو كونه حضر تزويجها نظر ظاهر لأن المحفوظ عن أهل العلم أن خويلد بن أسد مات قبل حرب الفجار المتقدم ذكرها
قال بعضهم وهو الذي نازع تبعا أي حين أراد أخذ الحجر الأسود إلى اليمن فقام في ذلك خويلد وقام معه جماعة من قريش ثم رأى تبع في منامه ما ردعه عن ذلك فترك الحجر الأسود مكانه
وعلى كون المزوج له عمه حمزة اقتصر ابن هشام في سيرته وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أصدقها عشرين بكرة
وعبارة المحب الطبري فلما ذكر ذلك لأعمامه خرج معه منهم حمزة بن عبدالمطلب حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه ففعل وحضره أبو طالب ورؤساء مضر فخطب أبو طالب فقال الحمد لله القصة والله أعلم
قال وعن ابن إسحاق أنها قالت له يا محمد ألا تتزوج قال ومن قالت أنا قال ومن لي بك أنت أيم قريش وأنا يتيم قريش قالت اخطبني الحديث أي وفيه إطلاق اليتيم على البالغ وذلك بحسب ما كان والمراد به المحتاج وإلا فالعرف أي الشرعي واللغوي خصه بغير البالغ ممن مات أبوه الحقيقي
وعن بعضهم قال مررت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم على أخت خديجة فنادتني فانصرفت إليها ووقفت لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت أما لصاحبك هذا من حاجة في تزويج خديجة فأخبرته فقال بلى لعمري فذكرت ذلك لها فقالت أغدوا علينا إذا أصبحنا فغدونا عليهم فوجدناهم قد ذبحوا بقرة وألبسوا خديجة حلة الحديث
وفي الإمتاع بعد أن ذكر أن السفير بينهما نفيسة بنت منية ذكر أنه قيل كان السفير بينهما غلامها وقيل مولاة مولده وقد يقال لامنافاة لجواز أن يكون كل ممن ذكر كان سفيرا
وفي الشرف أن خديجة رضي الله تعالى عنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم أذهب إلى عمك فقل له تعجل إلينا بالغداة فلما جاءها معه رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت له يا أبا طالب تدخل على عمي فكلمه يزوجني من ابن أخيك محمد بن عبدالله فقال أبو طالب يا خديجة لا تستهزئى فقالت هذا صنع الله فقام فذهب وجاء مع عشرة من قومه إلى عمها الحديث أي وفي رواية ومعه بنو هاشم ورؤساء مضر ولا مخالفة لجواز أن يكون المراد ببني هاشم أولئك العشرة وأنهم كانوا هم المراد برؤساء مضر في ذلك الوقت
وذكر أبو الحسين بن فارس وغيره أن أبا طالب خطب يومئذ فقال الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسمعيل وضئضىء معد أي معدنه وعنصر مضر أي أصله وجعلنا حضنة بيته أي المتكفلين بشأنه وسواس حرمه أي القائمين بخدمته وجعله لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا وجعلنا حكام الناس ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبدالله لا يوزن به رجل إلا رجح به شرفا ونبلا وفضلا وعقلا وإن كان في المال قل فإن المال ظل زائل وأمر حائل وعارية مسترجعة وهو والله بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل وقد خطب إليكم رغبة في كريمتكم خديجة وقد بذل لها من الصداق ما عاجله وآجله إثنتي عشرة أوقية ونشا أي وهو عشرون درهما والأوقية أربعون درهما أي وكانت الأواقي والنش من ذهب كما قال المحب الطبري أي فيكون جملة الصداق خمسمائة درهم شرعي وقيل أصدقها عشرين بكرة أي كما تقدم
أقول لامنافاة لجواز أن تكون البكرات عوضا عن الصداق المذكور وقال بعضهم يجوز أن يكون أبو طالب أصدقها ما ذكر وزاد صلى الله عليه وسلم من عنده تلك البكرات في صداقها فكان الكل صداقا والله أعلم
قال وما قيل إن عليا رضي الله تعالى عنه ضمن المهر فهو غلط لأن عليا لم يكن ولد على جميع الأقوال في مقدار عمره وبه يرد قول بعضهم وكون على ضمن المهر غلط لأن عليا كان صغيرا لم يبلغ سبع سنين أي لأنه ولد في الكعبة وعمره
صلى الله عليه وسلم ثلاثون سنة فأكثر وسنه حين تزوج خديجة كان خمسا وعشرين سنة على ما تقدم أو زيادة بشهرين وعشرة أيام وقيل خمسة عشرة يوما على ما يأتي وقيل الذي ولد في الكعبة حكيم بن حزام
قال بعضهم لا مانع من ولادة كليهما في الكعبة لكن في النور حكيم بن حزام ولد في جوف الكعبة ولا يعرف ذلك لغيره وأما ما روى أن عليا ولد فيها فضعيف عند العلماء
قال النووي وعند ذلك قال عمها عمرو بن اسد هو الفحل لا يقدع أنفه وأنكحها منه وقيل قائل ذلك ورقة بن نوفل اي فإنه بعد أن خطب أبو طالب بما تقدم خطب ورقة فقال الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت وفضلنا على ما عددت فنحن سادة العرب وقادتها وأنتم أهل ذلك كله لا ينكر العرب فضلكم ولا يرد أحد من الناس فخركم وشرفكم ورغبتنا في الإتصال بحبلكم وشرفكم فاشهدوا على معاشر قريش إني قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبدالله وذكر المهر فقال أبو طالب قد أحببت أن يشركك عمها فقال عمها اشهدوا على معاشر قريش أنى قد أنكحت محمد بن عبدالله خديجة بنت خويلد وأولم عليها صلى الله عليه وسلم نحر جزورا وقيل جزورين وأطعم الناس وأمرت خديجة جواريها أن يرقصن ويضربن الدفوف وفرح أبو طالب فرحا شديدا وقال الحمد الله الذي أذهب عنا الكرب ودفع عنا الغموم وهي أول وليمة أولمها رسول الله صلى الله عليه وسلم
أقول ولا ينافى هذا ما تقدم من قوله فوجدناهم قد ذبحوا بقرة وألبسوا خديجة حلة لجواز أن يكون ذلك كان عند العقد وهذا عند إرادة الدخول ولا ينافى ذلك ما تقدم من قوله وقد ابتنى بها لأن تلك الرواية غير صحيحة ولا ينافى كون المزوج له عمه أبو طالب ما تقدم أن المزوج له عمه حمزة لجواز أن يكون حضر مع أبي طالب فنسب التزويج إليه أيضا والله أعلم
والسبب في ذلك أي في عرض خديجة رضي الله تعالى عنها نفسها عليه صلى الله عليه وسلم أيضا مع ما أراد الله تعالى بها من الخير ما ذكره ابن إسحاق قال كان لنساء قريش عيد يجتمعن فيه في المسجد فاجتمعن يوما فيه فجاءهن يهودي وقال أيا معشر نساء قريش إنه يوشك فيكن نبي قرب وجوده فأيتكن استطاعت أن تكون
فراشا له فلتفعل فحصبته النساء أي رمينه بالحصباء وقبحنه وأغلظن له وأغضث خديجة على قوله ووقع ذلك في نفسها فلما أخبرها ميسرة بما رآه من الآيات وما رأته هي أي وما قاله لها ورقة لما حدثته بما حدثها به ميسرة مما تقدم قالت إن كان ما قاله اليهودي حقا ما ذاك إلا هذا
وذكر الفاكهي عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عند أبي طالب فاستأذن أبا طالب في أن يتوجه إلى خديجة أي ولعله بعد أن طلبت منه صلى الله عليه وسلم الحضور إليها وذلك قبل أن يتزوجها فأذن له وبعث بعده جارية له يقال له نبعة فقال انظري ما تقول له خديجة فخرجت خلفه فلما جاء صلى الله عليه وسلم إلى خديجة أخذت بيده فضمتها إلى صدرها ونحرها ثم قالت بأبي أنت وأمي والله ما أفعل هذا الشيء ولكني أرجو أن تكون أنت النبي الذي سيبعث فإن تكن هو فاعرف حقي ومنزلتي وادع الإلة الذي سيبعثك لي فقال لها والله لئن كنت أنا هو لقد اصطنعت عندي مالا أضيعه أبدا وإن يكن غيري فإن الإله الذي تصنعين هذا لأجله لا يضيعك أبدا فرجعت نبعة وأخبرت أبا طالب بذلك وكان تزويجه صلى الله عليه وسلم بخديجة رضي الله تعالى عنها بعد مجيئه من الشام بشهرين أو خمسة عشر يوما وعمره إذا ذاك خمس وعشرون سنة على ما هو الصحيح الذي عليه الجمهور كما تقدم زاد بعضهم على الخمسة والعشرين سنة شهرين وعشرة أيام وقد أشار إلى ما تقدم صاحب الهمزية بقوله ** ورأته خديجة والتقى والزهى ** د فيه سجية والحياء ** ** وأتاها أن الغمامة والسر ** ح أظلته منهما أفياء ** ** وأحاديث أن وعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم* بالبعث حان منه الوفاء ** ** فدعته إلى الزواج وما أح ** سن ما يبلغ المنى الأذكياء **
أي وعلمته خديجة رضي الله تعالى عنها ذات الشرف الطاهر والمال الوافر الظاهر والحسب الفاخر والحال أن التقى والزهد والحياء فيه صلى الله عليه وسلم سجية وطبيعة وأتاها الخبر بإن الغمامة والشجر أظلته أفياء أي أظلال حالة كون تلك الأفياء من الغمامة والشجر
وفيه أن هذا يدل على أن الملكين هما الغمامة
قال بعضهم وتظليل الغمامة له صلى الله عليه وسلم كان قبل النبوة تأسيسا لها
وانقطع ذلك بعد النبوة وأتى خديجة الأحاديث والأخبار من بعض الأحبار بأن وعد الله لرسوله صلى الله عليه وسلم بالبعث والإرسال إلى الخلق قرب الوفاء به منه تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم فبسبب ذلك خطبته إلى أن يتزوج بها وعرضت نفسها عليه وما أحسن بلوغ الأذكياء ما يتمنونه
وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي يومئذ بنت أربعين سنة قال وقيل خمس وأربعين سنة وقيل ثلاثين وقيل ثمان وعشرين أي وقيل خمس وثلاثين وقيل خمس وعشرين
وتزوجت قبله صلى الله عليه وسلم برجلين أولهما عتيق بن عابد أي بالموحدة والمهملة وقيل بالمثناة تحت والمعجمة فولدت له بنتا اسمها هند وهي أم محمد بن صيفي المخزومي وثانيهما أبو هالة واسمه هند فولدت له ولدا إسمه هالة وولدا اسمه هند أيضا فهو هند بن هند أي وكان يقول أنا أكرم الناس أبا وأما وأخا وأختا أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه زوج أمه وأمي خديجة وأخي القاسم وأختي فاطمة قتل هند هذا مع علي يوم الجمل رضي الله تعالى عنه
وفي كلام السهيلي أنه مات بالطاعون بالبصرة وكان قد مات في ذلك اليوم نحو من سبعين ألفا فشغل الناس بجنائزهم عن جنازته فلم يوجد من يحملها فصاحت نادبته واهنداه بن هنداه واربيب رسول الله فلم تبق جنازة إلا تركت واحتملت جنازته على أطراف الأصابع إعظاما لربيب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا
هذا وفي المواهب أنها كانت تحت أبي هالة أولا ثم كانت تحت عتيق ثانيا وستأتي بقية ترجمتها رضي الله عنها في أزواجه صلى الله عليه وسلم & باب بنيان قريش الكعبة شرفها الله تعالى
لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وثلاثين سنة على ما هو الصحيح جاء سيل حتى أتى من فوق الردم الذي صنعوه لمنعه السيل فأخربه أي ودخلها وصدع جدرانها بعد توهينهما من الحريق الذي أصابها
وذلك أن امرأة بخرتها فطارت شرارة في ثياب الكعبة فاحترقت جدرانها فخافوا
أن تفسدها السيول أي تذهبها بالمرة وقيل تبخير المرأة كان لها في زمن عبدالله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما ولا مانع من التعدد وكان إرتفاعها تسعة أذرع من عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام ولم يكن لها سقف أي وكان الناس يلقون الحلى والمتاع كالطيب أي الذي يهدى إليها في بئر داخلها عند بابها على يمين الداخل منه أعدت لذلك يقال لها خزانة الكعبة كما سيأتي ذلك فأراد شخص في أيام جرهم أن يسرق من ذلك شيئا فوقع على رأسه وإنهار البئر عليه فهلك
وفي كلام بعضهم فسقط عليه حجر فحبسه في تلك البئر حتى أخرج منها وانتزع المال منه فليتأمل الجمع
وقد يقال على بعد جاز أن يكون هذا الرجل تكرر منه السرقة وكان هلاكه في المرة الثانية فعند ذلك بعث الله حية بيضاء سوداء الرأس والذنب رأسها كرأس الجدي فأسكنها تلك البئر لحفظ تلك الأمتعة وكانت قد تخرج منها إلى ظاهر البيت فتشرق بالقاف أي تبرز للشمس على جدار الكعبة فيبرق لونها وربما التفت عليه فتصير رأسها عند ذنبها فلا يدنو منها أحد إلا كشت أي صوتت وفتجت فاها معطوف على كشت
ففي حياة الحيوان قال الجوهري كشيش الأفعى صوتها من جلدها لا من فيها فحرست بئره وخزانة البيت خمسمائة عام لا يقربه أحد أي لا يقرب بئره وخزانته إلا أهلكته أي ولعل المراد لو قرب منه أحد أهلكته إذ لو أهلكت أحدا قرب من تلك البئر لنقل فلم تزل كذلك حتى كان زمن قريش ووجد هذا السيل والحريق أرادوا هدمها وإعادة بنائها وأن يشيدوا بنيانها أي يرفعوه ويرفعوا بابها حتى لا يدخلها إلا من شاءوا واجتمعت القبائل من قريش تجمع الحجارة كل قبيلة تجمع على حدة وأعدوا لذلك نفقة أي طيبة ليس فيها مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلة أحد من الناس أي بعد أن قام أبو وهب عمرو بن عابد فتناول منها حجرا فوثب من يده حتى رجع إلى موضعه فقال عند ذلك يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا الحديث أي وفي لفظ أنه قال لهم لا تدخلوا في نفقة هذا البيت مهر بغي أي زانية ولا بيع ربا وفي لفظ لا تجعلوا في نفقة هذا البيت شيئا أصبتموه غصبا ولا قطعتم فيه رحما ولا انتهكتم فيه حرمة أو ذمة بينكم وبين أحد من الناس وأبو وهب هذا خال عبدالله أبي النبي صلى الله عليه وسلم وكان شريفا في قومه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل معهم الحجارة
روى الشيخان عن جابر بن عبدالله رضي الله تعالى عنهما قال لما بنيت الكعبة ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم والعباس رضي الله تعالى عنه ينقلان الحجارة فقال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم اجعل إزارك على رقبتك يقيك الحجارة أي كبقية القوم فإنهم كانوا يضعون أزرهم على عواتقهم ويحملون الحجارة ففعل صلى الله عليه وسلم فخر إلى الأرض فطمحت عيناه إلى السماء أي ونودى عورتك فقال إزاري إزاري أي شدوا علي إزاري فشد عليه وفي رواية سقط فغشى عليه فضمه العباس إلى نفسه وسأله عن شأنه فأخبره أنه نودى من السماء أن شد عليك إزارك وهذا يبعد ما جاء في رواية قال له العباس أي بعد أن أمر بستر عورته وسترها يا ابن أخي اجعل إزارك على رأسك فقال ما أصابني ما أصابني إلا من التعري
وفي رواية بينا النبي صلى الله عليه وسلم يحمل الحجارة من أجياد وعليه نمرة فضاقت عليه النمرة فذهب يضعها على عاتقه فبدت عورته فنودى يا محمد خمر عورتك أي غطها فلم ير عريانا أي مكشوف العورة بعد ذلك
أي وقد يقال هذا لا يخالف ما تقدم عن العباس رضي الله تعالى عنه لأنه يجوز أن يكون ذلك صدر من العباس حينئذ وغايته أنه سمى النمرة إزارا له
قال واستبعد بعض الحفاظ ذلك أي وقوع هذا مع ما تقدم من نهيه عن ذلك أي الذي تضمنه الأمر بالستر عند إصلاح عمه أبي طالب لزمزم قبل هذا قال لأنه صلى الله عليه وسلم إذا نهى عن شيء مرة لا يعود إليه ثانيا بوجه من الوجوه أي وقد عاد إلى ذلك
أقول يجوز أن يكون صلى الله عليه وسلم لم يفهم أن أمره بستر عورته أولا عزيمة بل جواز الترك وفي الثانية علم أنه عزيمة
لا يقال تقدم من كرامتي على ربي أن أحدا لم ير عورتي وتقدم أن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم
ففي الخصائص الصغرى أنه صلى الله عليه وسلم لم تر عورته قط ولو رآها أحد طمست عيناه لأنه لا يلزم من كشف عورته صلى الله عليه وسلم رؤيتها كما لم يلزم من حضانته وتربيته ومجامعة زوجاته ذلك فعن عائشة رضي الله تعالى عنها ما رأيت منه صلى الله عليه وسلم والظاهر أن بقية زوجاته كذلك والله أعلم
ثم عمدوا إليها ليهدموها على شفق وحذر أي خوف من أن يمنعهم الله تعالى ما أرادوا أي بأن يوقع بهم البلاء قبل ذلك سيما وقد شاهدوا ما وقع لعمرو بن عائذ
أي قال وعند ابن اسحاق أن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه أي خافوا من أنه يحصل لهم بسببه بلاء فقال الوليد بن المغيرة لهم أتريدون بهدمها الإصلاح أم الإساءة قالوا بل نريد الإصلاح قال فإن الله لا يهلك المصلحين قالوا من الذي يعلوها فيهدمها قال أنا أعلوها وأنا أبدؤكم في هدمها فأخذ المعول ثم قام عليها وهو يقول اللهم لم ترع أي بالراء والعين المهملتين والضمير في ترع للكعبة أي لا تفزع الكعبة لا نريد إلا الخير أي وفي رواية لم نزغ بالنون والزاي والمعجمة أي لم نحل عن دينك ثم هدم من ناحية الركنين فتربص الناس تلك الليلة وقالوا ننظر فإن أصيبب لم نهدم منها شيئا ورددناها كما كانت وإن لم يصبه شيء هدمناها فقد رضي الله ما صنعنا فأصبح الوليد من ليلته غاديا إلى عمله فهدم وهدم الناس معه حتى انتهى الهدم بهم إلى الأساس أساس إبراهيم صلى الله عليه وسلم أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنمة أي أسنمة الإبل وفي لفظ كالأسنة
قال السهيلي وهو وهم من بعض النقلة عن ابن إسحاق هذا كلامه أي وقد يقال هي كالأسنة في الخضرة وكالأسنمة في العظم
يقال الأسنة زرق لأنا نقول شديد الزرقة يرى أخضر أخذ بعضها ببعض فأدخل رجل ممن كان يهدم عتلته بين حجرين منهما ليقلع بها بعضها فلما تحرك الحجر تنفضت مكة أي تحركت بأسرها وأبصر القوم برقة خرجت من تحت الحجر كادت تخطف بصر الرجل فانتهوا عن ذلك الأساس ووجدت قريش في الركن كتابا بالسريانية فلم يدر ما هو حتى قرأه لهم رجل من يهود فإذا هو أنا الله ذو بكة خلقتها يوم خلقت السموات والأرض وصورت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء لا يزول أخشباها أي جبلاها وهما أبو قبيس وهو جبل مشرف على الصفا وقعيقعان وهو جبل مشرف على مكة وجهه إلى أبي قبيس يبارك لأهلها في الماء واللبن ووجدوا في المقام أي محله كتابا آخر مكتوب فيه مكة بلد الله الحرام يأتيها رزقها من ثلاث سبل ووجدوا كتابا آخر مكتوب فيه من يزرع خيرا يحصد غبطة أي ما يغبط أي يحسد حسدا محمودا عليه ومن يزرع شرا يحصد ندامة أي ما يندم عليه تعملون السيئات وتجزون الحسنات أجل أي نعم كما يجنى من الشوك العنب أي الثمر
أي وفي السيرة الشامية أن ذلك وجد مكتوبا في حجر في الكعبة وفي كلام بعضهم وجدوا حجرا فيه ثلاثة أسطر الأول أنا الله ذو بكة صنعتها يوم صنعت الشمس والقمر إلى آخره وفي الثاني أنا الله ذو بكة خلقت الرحم وشققت لها إسما من إسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته وفي الثالث أنا الله ذوبكة خلقت الخير والشر فطوبى لمن كان الخير على يديه وويل لمن كان الشر على يديه قال ابن المحدث ورأيت في مجموع أنه وجد بها حجر مكتوب عليه أنا الله ذو بكة مفقر الزناة ومعرى تارك الصلاة أرخصها والأقوات فارغة وأغليها والأقوات ملآنة أي فارغ محلها وملآن محلها هذا كلامه
وقد يقال لا مانع من أن يكون ذلك حجرا آخر أو يكون هو ذلك الحجر وما ذكر مكتوب في محل آخر منه أي وفي الإصابة عن الأسود بن عبد يغوث عن أبيه أنهم وجدوا كتابا بأسفل المقام فدعت قريش رجلا من حمير فقال إن فيه لحرفا لو حدثتكموه لقتلتموني قال وظننا أن فيه ذكر محمد صلى الله عليه وسلم فكتمناه وكان البحر قد رمى بسفينة إلى ساحل جدة أي الذي به جدة الآن وكان ساحل مكة قبل ذلك الذي يرمى به السفن يقال له الشعيبية بضم الشين فلا يخالف قول غير واحد فلما كانت السفينة بالشعيبية ساحل مكة انكسرت وفي لفظ حبسها الريح وتلك السفينة كانت لرجل من تجار الروم اسمه باقوم وكان بانيا
وقيل كانت تلك السفينة لقيصر ملك الروم يحمل له فيها الرخام والخشب والحديد سرحها مع باقوم إلى الكنيسة التي حرقها الفرس بالحبشة فلما بلغت مرساها من جدة وقيل من الشعيبية بعث الله تعالى عليها ريحا فحطمها أي كسرها
فخرج الوليد بن المغيرة في نفر من قريش إلى السفينة فابتاعوا خشبها فأعدوه لسقف الكعبة وقيل هابوا هدمها من أجل تلك الحية العظيمة فكانوا كلما أرادوا القرب منه أي البيت ليهدموه بدت لهم تلك الحية فاتحة فاها فبينا هي ذات يوم تشرف على جدار الكعبة كما كانت تصنع بعث الله طائرا أعظم من النسر فاختطفها وألقاها في الحجون فالتقمتها الأرض قيل وهي الدابة التي تكلم الناس يوم القيامة وقد جاء أن الدابة تخرج من شعب أجياد
وفي حديث أن موسى عليه الصلاة والسلام سأل ربه أن يريه الدابة التي تكلم
الناس فأخرجها له من الأرض فرأى منظرا هاله وأفزعه فقال أي رب ردها فردها
فقالت قريش عند ذلك إنا لنرجو أن يكون الله تعالى قد رضى ما أردنا أي بعد أن اجتمعوا عند المقام وعجوا إلى الله تعالى ربنا لن نراع أردنا تشريف بيتك وتزيينه فإن كنت ترضى بذلك فأتمه واشغل عنا هذا الثعبان يعنون الحية وإلا فما بدا لك فافعل فسمعوا في السماء صوتا ووجبة وإذا بالطائر المذكور أخذها وذهب بها إلى أجياد فقالوا ما ذكر وقالوا عندنا عامل رفيق وعندنا أخشاب وقد كفانا الله الحية وذلك العامل هو باقوم الرومي الذي كان بالسفينة وكان بانيا كما تقدم فإنهم جاءوا به معهم إلى مكة أو هو باقوم مولى سعيد بن العاص وكان نجارا وتلك الأخشاب هي التي اشتروها من تلك السفينة التي كسرت
أقول ومع أخذ الطائر لتلك الحية يجوز أن يقال هابوا هدمها حتى قدم عليه الوليد ابن المغيرة فلا مخالفة بين ما تقدم عن ابن إسحاق وبين هذا الظاهر في أنهم هدموها عند أخذ الطائر لتلك الحية ولم يهابوا هدمها حتى فعل الوليد ما تقدم والله أعلم
أي ثم لما أراداو بنيانها تجزأتها قريش أي بعد أن أشار عليهم بذلك أبو وهب عمرو ابن عائذ فقال لهم إني أرى أن تقسموا أربعة أرباع فكان شق الباب لبعد مناف وزهرة وكان ما بين الركنين الأسود واليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم وكان ظهر الكعبة لبني جمح وبني سهم ابني عمرو وكان شق الحجر أي الجانب الذي فيه الحجر الآن لبني عبدالدار ولبني أسد ولبني عدي
والذي في كلام المقريزي كان لبني عبد مناف ما بين الحجر الأسود إلى ركن الحجر اي وهو شق الباب وصار لأسد وعبد الدار وزهرة الحجر كله أي الجانب الذي فيه الحجر وصار لمخزوم دبر البيت وصار لسائر قريش ما بين الركن اليماني إلى الركن الأسود هذا كلامه فليتأمل
وفي كلام بعضهم وسمى الركن اليماني باليماني لأن رجلا من اليمن بناه وكان الباني لها باقوم النجار أي الذي هو مولى سعيد بن العاص
أقول وكان المناسب أن يكون الذي بناها باقوم الرومي الذي كان صحبة السفينة التي كسرت لأنه كما تقدم كان بانيا وسيأتي التصريح بذلك وأما باقوم مولى سعيد بن
العاص فتقدم أنه كان نجارا إلا أن يقال باقوم مولى سعيد كان نجارا بناء واشتهر بالوصف الأول فكان الباني لها وفيه يحتمل أن يكون باقوم الرومي البناء كان نجارا أيضا واشتهر بالوصف الأول
ثم رأيت في كلام بعضهم التصريح بذلك فقال وكان أي باقوم الرومي نجارا بناء فقول القائل وكان الباني لها باقوم النجار مراده باقوم الرومي لا مولى سعيد
ثم رأيت في بعض الروايات ما يؤيد ذلك وهو وصف باقوم الرومي بأنه كان نجارا ونصها فخرجت قريش لتأخذ خشبها أي السفينة التى كسرت فوجدوا الرومى الذي فيها نجارا فقدموا به وبالخشب فقد دلت الروايتان على أنه موصوف بالوصفين ويحتمل أن يكون أحدهما بناها والآخر عمل سقفها أو أنهما أشتركا فيها لما علمت أن كلا منهما كان بانيا نجارا
ثم رأيت عن ابن إسحاق وكان بمكة قبطى يعرف تجر الخشب وتسويته فوافقهم على أن يعمل لهم سقف الكعبة ويساعده باقوم أي الرومي فالقبطي هو مولى سعيد بن العاص وحينئذ في هذه الرواية وصف باقوم الرومي بأنه كان نجارا كالرواية التي قبلها وسيأتي في الرواية التي تلي هذه أنه الذي بناها وهي في الإصابة اسم الرجل الذي بنى الكعبة لقريش باقوم وكان روميا وكان في سفينة حبستها الريح فخرجت إليها قريش فأخذوا خشبها وقالوا له ابنها على بنيان الكنائس وإن باقوم الرومي أسلم ثم مات فلم يدع وارثا فدفع النبي صلى اليه عليه وسلم ميراثه لسهيل بن عمرو
ثم لما بنوها جعلوها مدماكا من خشب الساج ومدماكا من الحجارة من أسفلها إلى أعلاها وزادوا فيها تسعة أذرع فكان ارتفاعها ثمانية عشر ذراعا ورفعوا بابها من الأرض فكان لا يصعد إليها إلا في درج وضاقت بهم النفقة عن بنيانها على تلك القواعد فأخرجوا منها الحجر وفي لفظ أخرجوا من عرضها أذرعا من الحجر وبنوا عليه جدارا قصيرا علامة على أنه من الكعبة
ولما بلغ البنيان موضع الحجر الأسود اختصموا كل قبيلة تريد أن ترفعه إلى موضعه دون الأخرى حتى أعدوا للقتال فقربت بنو عبدالدار جفنة مملوءة دما ثم تعاقدوا هم وبنو عدي أي تحالفوا على الموت وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة فسموا لعقة الدم وقد تقدم في حلف المطيبين ومكث النزاع بينهم أربع أو خمس ليال ثم أجتمعوا في المسجد الحرام وكان أبو أمية بن المغيرة وإسمه حذيفة أسن قريش كلها
يومئذ أي وهو والد أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها وهو أحد أجواد قريش المشهورين بالكرم وكان يعرف بزاد الراكب لأنه كان إذا سافر لا يتزود معه أحد بل يكفي كل من سافر معه الزاد
أي وذكر بعضهم أن أزواد الراكب من قريش ثلاثة زمعة بن الأسود بن المطلب ابن عبد مناف قتل يوم بدر كافرا ومسافر بن أبي عمرو بن أمية وأبو أمية بن المغيرة وهو أشهرهم بذلك
وفي كلام بعضهم لا تعرف قريش زاد الراكب إلا أبا أمية بن المغيرة وحده يحتمل أن المراد لا تكاد تعرف قريش غيره بهذا الوصف لشهرته فلا مخالفة وأبو أمية هذا مات على دينه ولعله لم يدرك الإسلام فقال يا معشر قريش اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضى بينكم أي وهو باب بني شيبة وكان يقال له في الجاهلية باب بني عبد شمس الذي يقال له الآن باب السلام وفي لفظ أول من يدخل من باب الصفا أي وهو المقابل لما بين الركنين اليماني والأسود ففعلوا أي وفي كلام البلاذري أن الذي أشار على قريش بأن يضع الركن أول من يدخل من باب بني شيبة مهشم بن المغيرة ويكنى أبا حذيفة
وقد يقال لا مخالفة لأنه يجوز أن يكون اسمه حذيفة ويكنى بأبي حذيفة كما يكنى بأبي أمية ومهشم لقبه وأن الراوي عنه اختلف كلامه فتارة قيل عنه يقضى بينكم وتارة قيل عنه يضع الركن والمشهور الأول ويدل له ما يأتي فكان أول داخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوه قالوا هذا الأمين رضينا هذا محمد أي لأنهم كانوا يتحاكمون إليه صلى الله عليه وسلم في الجاهلية لأنه كان لا يدارى ولا يمارى فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال صلى الله عليه وسلم هلم إلى ثوبا فأتى به أي وفي رواية فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم إزاره وبسطه في الأرض أي ويقال إنه كساء أبيض من متاع الشام ويقال إن ذلك الثوب كان للوليد بن المغيرة فأخذ صلى الله عليه وسلم الحجر الأسود فوضعه فيه بيده الشريفة ثم قال لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب أي بزاوية من زواياه ثم ارفعوه جميعا ففعلوا فكان في ربع عبد مناف عتبة بن ربيعة وكان في الربع الثاني زمعة وكان في الربع الثالث أبو حذيفة ابن المغيرة وكان في الربع الرابع قيس بن عدي حتى إذا بلغوا به موضعه وضعه هو صلى الله عليه وسلم أي ولما مات أبو أمية بن المغيرة رثاه أبو طالب بقصيدة طويلة ورثاه أبو جحيفة بقوله
** ألا هلك الماجد الرفد ** وكل قريش له حامد ** ** ومن هو عصمة أيتامنا ** وغيث إذا فقد لراعد **
قال وعن ابن عباس رضي اله تعالى عنهما لما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم الركن أي الحجر ذهب رجل من أهل نجد ليناول النبي صلى الله عليه وسلم حجرا يشد به الركن فقال العباس لا وناول العباس رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شد به الركن فغضب النجدي وقال واعجبا لقوم أهل شرف وعقول وأموال عمدوا إلى رجل أصغرهم سنا وأقلهم مالا فرأسوه عليهم في مكرمتهم وحرزهم كأنهم خدم له أما والله ليفرقنهم شيعا وليقسمن بينهم حظوظا فكاد يثير شرا فيما بينهم ولعله هذا النجدي هو إبليس
فقد ذكر السهيلي أن إبليس تمثل في صورة شيخ نجدي حين حكموا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الركن من يرفعه وصاح يا معشر قريش أرضيتم أن يلى هذا الغلام دون أشرافكم وذوي أنسابكم انتهى
وإنما تصور بصورة نجدي لأن في الحديث نجد طلع منها قرن الشيطان ولما قال صلى الله عليه وسلم اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا قالوا وفي نجدنا فأعاد الأول والثاني قال هنالك الزلازل والفتن وفيها يطلع قرن الشيطان
أقول سيأتي أنه تصور بهذه الصورة أيضا عند دخول قريش دار الندوة ليتشاوروا في كيفية قتله صلى الله عليه وسلم ودخل معهم وسيأتي ثم في حكمة تصوره بذلك غير ما ذكر ولا مانع أن يكونا حكمة لما هنا ولما يأتي
وأعادوا الصور التي كانت في حيطانها لأنه كان في حيطانها صور الأنبياء بأنواع الأصباغ ومن جملتهم صورة إبراهيم وفي يده الأزلام أي وإسمعيل وفي يده الأزلام وصورة الملائكة وصورة مريم كما سيأتي في فتح مكة وكساها زعماؤهم أرديتهم وكانت من الوصائل ولم يكسها أحد بعد ذلك حتى كساها رسول الله صلى الله عليه وسلم الحبرات في حجة الوداع والله أعلم وهذه المرة الرابعة أي من بناء الكعبة بناء على أن أول من بناها الملائكة
ففي بعض الآثار أن الله سبحانه وتعالى قبل أن يخلق السموات والأرض كان عرشه على الماء أي العذب فلما اضطرب العرش كتب عليه لا إله إلا الله محمدا رسول الله
صلى الله عليه وسلم فسكن فلما أراد أن يخلق السموات والأرض أرسل الريح على ذلك الماء فتموج فعلاه دخان فخلق من ذلك الدخان السموات ثم أزال ذلك الماء عن موضع الكعبة فيبس وفي لفظ أرسل على الماء ريحا هفافة فصفق الريح الماء أي ضرب بعضه بعضا فأبرز عنه خشفة الحديث وبسط الله سبحانه وتعالى من ذلك الموضع جميع الأرض طولها والعرض فهي أصل الأرض وسرتها وقد يخالفه ما في أنس الجليل كذا روى عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال وسط الدنيا بيت المقدس وأرفع الأرضين كلها إلى السماء بيت المقدس
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومعاذ بن جبل أنه أقرب إلى السماء بإثنى عشر ميلا ثم بين ذلك في أنس الجليل
ولما ماجت الأرض وضع عليها الجبال فكان أول جبل وضع عليها أبو قبيس وحينئذ كان يبغي أن يسمى أبا الجبال وأن يكون أفضلها مع أن أفضلها كما قال الجلال السيوطى إستنباطا أحد لقوله صلى الله عليه وسلم أحد يحبنا ونحبه ولما ورد أنه على باب من أبواب الجنة قال ولأنه من جملة أرض المدينة التي هي أفضل البقاع أي عنده تبعا لجمع ولأنه مذكور في القرآن بإسمه في قراءة من قرأ إذ تصعدون ولا تلوون على أحد أي بضم الهمزة والحاء ثم فتق الأرض فجعلها سبع أرضين وقد جاء بدأ الله خلق الأرض في يومين غير مدحوة ثم خلق السموات فسواهن في يومين ثم دحا الأرض بعد ذلك وجعل فيها الرواسي وغيرها في يومين
وبهذا يظهر التوقف في قول مغلطاي إن لفظة بعد في قوله تعالى { والأرض بعد ذلك دحاها } بمعنى قبل لأن خلق الأرض قبل خلق السماء لما علمت أن الأرض خلقت قبل السماء غير مدحوة ثم بعد خلق السماء دحى الأرض
ثم رأيت بعضهم سأل ابن عباس عن ذلك حيث قال له يا إمام اختلف على من القرآن آيات ثم ذكر منها أنه قال قال الله تعالى { أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين } حتى بلغ { طائعين } ثم قال في الآية الأخرى { أم السماء بناها } ثم قال { والأرض بعد ذلك دحاها } فأجابه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أما قوله { خلق الأرض في يومين } فإن الأرض خلقت قبل السماء وكانت السماء دخانا فسواهن سبع سموات في يومين بعد خلق الأرض وأما قوله تعالى { والأرض بعد ذلك دحاها } يقول جعل
فيها جبلا وجعل فيها نهرا وجعل فيها شجرا وجعل فيها بحورا وبه يرد قول بعضهم خلق السماء قبل الأرض والظلمة قبل النور والجنة قبل النار فليتأمل
وقد جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى { ومن الأرض مثلهن } قال سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم وآدم كآدمكم ونوح كنوحكم وإبراهيم كإبراهيمكم وعيسى كعيسكم رواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح الإسناد وقال البيهقي إسناده صحيح لكنه شاذ بالمرة أي لأنه لا يلزم من صحة الإسناد صحة المتن فقد يكون فيه مع صحة إسناده ما يمنع صحته فهو ضعيف
قال الحافظ السيوطي ويمكن أن يؤول على أن المراد بهم النذر الذين كانوا يبلغون الجن عن أنبياء البشر
ولا يبعد أن يسمى كل منهم بإسم النبي الذي يبلغ عنه هذا كلامه أي وحينئذ كان لنبينا صلى الله عليه وسلم رسول من الجن إسمه كإسمه ولعل المراد إسمه المشهور وهو محمد فليتأمل
ولما خاطب الله السموات والأرض بقوله { ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } كان المجيب من الأرض موضع الكعبة ومن السماء ما حاذاها الذي هو محل البيت المعمور
وعن كعب الأحبار رضي الله عنه لما أراد الله تعالى أن يخلق محمدا صلى الله عليه وسلم أمر جبريل أن يأتيه بالطينة التي هي قلب الأرض وبهاؤها ونورها فقبض قبضة رسول الله صلى الله عليه وسلم من موضع قبره الشريف وهي بيضاء منيرة لها شعاع عظيم
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أصل طينة رسول الله صلى الله عليه وسلم من سرة الارض بمكة قال بعض العلماء هذا يشعر بأن ما أجاب من الأرض إلا تلك الطينة أي وقد ذكر الشيخ أبو العباس المرسي رحمه الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوما لأبي بكر الصديق رضي الله عنه أتعرف يوم يوم فقال أبوبكر نعم والذي بعثك بالحق نبيا يا رسول الله سألتني عن يوم المقادير يعني يوم ألست بربكم ولقد سمعتك تقول حينئذ أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وقد سئل الشيخ على الخواص نفعنا الله تعالى ببركاته لم لم تتكلم الأنبياء بلسان الباطن الذي تكلم به الصوفية
فأجاب بأنه إنما لم تتكلم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم بذلك لأجل عموم خطابهم للأمة ولا يعتبر بالأصالة إلا فهم العامة دون فهم الخاصة إلا بعض تلويحات ومنه قوله صلى الله عليه وسلم للصديق رضي الله تعالى عنه أتعرف يوم يوم فقال نعم
يا رسول الله الحديث وتلك الطينة لما تموج الماء رمى بها من مكة إلى محل تربيته صلى الله عليه وسلم ومدفنه بالمدينة
وبهذا يندفع ما يقال مقتضى كون أصل طينته صلى الله عليه وسلم بمكة أن يكون مدفنه بها لأن تربة الشخص تكون من محل مدفنه ثم عجنها بطينة آدم ولعل هذه الطينة هي المعبر عنها بالنور في قوله صلى الله عليه وسلم وقد قال له جابر يا رسول الله أخبرني عن أول شيء خلقه الله تعالى قبل ألأشياء قال يا جابر إن الله خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره ولم يكن في ذلك الوقت لا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر ولا لوح ولا قلم الحديث
وجاء أول ما خلق الله نوري وفي رواية أول ما خلق الله العقل قال الشيخ على الخواص ومعناهما واحد لأن حقيقته صلى الله عليه وسلم يعبر عنها بالعقل الأول وتارة بالنور فأرواح الأنبياء والأولياء مستمدة من روح محمد صلى الله عليه وسلم هذا كلامه وهذا هو المعنى بقول بضعهم لما تعلقت إرادة الحق بإيجاد خلقه أبرز الحقيقة المحمدية من الأنوار الصمدية في الحضرة الأحدية ثم سلخ منها العوالم كلها علوها وسفلها وفي أن هذا لا يناسبه قوله ولم يكن في ذلك الوقت لا سماء ولا أرض إذ كيف يأتي ذلك مع قول كعب الأحبار أمر جبريل أن يأتيه بالطينة التي هي قلب الأرض إلى آخره ومع قول ابن عباس أصل طينة رسول الله صلى الله عليه وسلم من سرة الأرض إلا أن يقال إن ذلك النور بعد إيجاده أودع تلك الطينة التي هي قلب الأرض وسرتها وحينئذ لا يخالف ذلك ما جاء أن الله خلق آدم من طين العزة من نور محمد صلى الله عليه وسلم فهو صلى الله عليه وسلم الجنس العالي لجميع الأجناس والأب الأكبر لجميع الموجودات والناس
هذا وقد جاء في حديث بعض رواته متروك الحديث خلق الله آدم من تراب الجابية وعجنه بماء الجنة وجاء خلق الله آدم من تربة دحنا ومسح ظهره بنعمان الأراك ودحنا محل قريب من الطائف وتقدم انه يحتاج إلى بيان وجه كون آدم خلق من نوره وجعل نوره في ظهر آدم ولما خلق الله آدم وقبل نفخ الروح فيه استخرج ذلك النور من ظهره وأخذ عليه العهد ألست بربكم فقد خص بذلك عن بقية خلقه من بني آدم فإن بني آدم ما أخرجوا من ظهر آدم وأخذ عليهم الميثاق إلا بعد نفخ الروح في آدم
ونقل بعضهم أن الله تعالى لما أخرج الذر وأعاده في صلب آدم أمسك روح عيسى إلى أن أتى وقت خلقه ولا يخفى أن هذا يفيد أن أخذ العهد على الصديق كان بعد نفخ الروح في آدم وأخذ العهد عليه صلى الله عليه وسلم كان سابقا على ذلك وحينئذ فيكون المراد بقول الصديق حينئذ لما قال له صلى الله عليه وسلم أتعرف يوم يوم وقال نعم إلى قوله ولقد سمعتك تقول حينئذ أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أي حين أخذ العهد على بني آدم لا حين أخذ العهد عليه صلى الله عليه وسلم كما قد يتبادر فليتأمل
ثم لما نفخت الروح في آدم صار ذلك النور في ظهر آدم فصارت الملائكة تقف صفوفا خلف آدم يتعجبون من ظهور ذلك النور فقال آدم يا رب ما بال هؤلاء ينظرون إلى ظهري قال ينظرون إلى نور محمد خاتم الأنبياء الذي أخرجه من ظهرك فسأل الله تعالى أن يجعله في مقدمه لتستقبله الملائكة فجعله الله في جبهته ثم سأل الله تعالى أن يجعله في محل يراه فكان في سبابته فلما أهبط آدم إلى الأرض انتقل ذلك النور إلى ظهره فكان يلمع في جبهته وفي رواية لما انتقل النور إلى سبابته قال يا رب هل بقى في ظهري من هذا النور شيء قال نعم نور أخصاء أصحابه فقال يا رب اجعله في بقية أصابعي فكان نور أبي بكر في الوسطى ونور عمر في البنصر ونور عثمان في الخنصر ونور علي في الإبهام فلما أكل من الشجرة عاد ذلك النور إلى ظهره كذا في بحر العلوم عن ابن عباس
ثم انتقل ذلك النور من آدم إلى ولده شيث ولما قال تعالى للملائكة { إني جاعل في الأرض خليفة } و { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } يعنون الجن الذين أفسدوا فيها وسفكوا الدماء غضب عليهم
وفي لفظ ظنت الملائكة أي علمت أن ما قالوا ردا على ربهم وأنه قد غضب عليهم من فوقهم فلاذوا بالعرش وطافوا به سبعة أطواف يسترضون ربهم فرضى عليهم
وفي لفظ فنظر الله إليهم ونزلت الرحمة علهيم فعند ذلك قال لهم ابنوا لي بيتا في الأرض يعوذ به من سخطت عليه من بني آدم أي الذي هو الخليفة فيطوفون حوله كما فعلتم بعرشي فأرضى عنهم فبنوا الكعبة
وفي هذه الرواية اختصار بدليل ما قيل وضع الله تحت العرش البيت المعمور
على أربع أساطين من زبرجد يغشاهن ياقوتة حمراء وقال للملائكة طوفوا بهذا البيت أي لأرضى عنكم ثم قال لهم ابنوا لي بيتا في الأرض بمثاله وقدره أي ففعلوا وقدره عطف تفسير على مثاله فالمراد بالمثال القدر
وفي لفظ لما قال تعالى للملائكة { إني جاعل في الأرض خليفة } و { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } الآية خافوا أن يكون الله تعلى عابها عليهم لإعتراضهم في علمه فطافوا بالعرش سبعا يسترضون ربهم ويتضرعون إليه فأمرهم أن يبنوا البيت المعمور في السماء السابعة وأن يجعلوا طوافهم به فكان ذلك أهون عليهم من الطواف بالعرش ثم أمرهم أن يبنوا في كل سماء بيتا وفي كل أرض بيتا قال مجاهد هي أربعة عشر بيتا متقابلة لو سقط بيت منها لسقط على مقابله والبيت المعمور في السماء السابعة وله حرمة كحرمة مكة في الأرض واسم البيت الذي في السماء الدنيا بيت العزة
وفي كلام بعضهم في كل سماء بيت تعمره الملائكة بالعبادة كما يعمر أهل الأرض البيت العتيق بالحج في كل عام والإعتمار في كل وقت والطواف في كل أوان ولينظر ما معنى بناء الملائكة للبيوت في السموات وإذا لم يصح أن الملائكة بنت الكعبة تكون هذه المرة من بناء قريش هي المرة الثالثة بناء على أن أول من بناها آدم صلى الله عليه وسلم أي أو ولده شيث فقد قال بعضهم ما تقدم من الأثرين الدالين على أن أول من بناها الملائكة لم يصح واحد منها وكانت قبل ذلك أي وكان محلها قبل بناء آدم لها خيمة من ياقوتة حمراء نزلت لآدم من الجنة أي لها بابان من زمرد أخضر شرقي وباب غربي من ذهب منظومان من در الجنة فكان آدم يطوف بها ويأنس إليها وقد حج إليها من الهند ماشيا أربعين حجة ويجوز أن تكون تلك الخيمة هي البيت المعمور وعبر عنها بحمراء لأن سقف البيت المعمور كان ياقوتة حمراء
قال وذكر أن آدم لما أهبط إلى الأرض كان رجلاه بها ورأسه في السماء
وفي لفظ كان رأسه يمسح السحاب فصلع فأورث ولده الصلع أي بعض ولده فسمع تسبيح الملائكة ودعاءهم فاستأنس بذلك فهابته الملائكة أي صارت تنفر منه فشكا إلى الله تعالى فنقص إلى ستين ذراعا بالذراع المتعارف وقيل بذراع آدم فلما فقد أصوات الملائكة حزن وشكا إلى الله تعالى فقال يا آدم إني قد أهبطت بيتا يطاف به أي تطوف به الملائكة كما يطاف حول عرشي ويصلى عنده كما يصلى عند
عرشي أي كان ذلك أي الطواف بالعرش والصلاة عنده شأن الملائكة أولا فلا ينافى ما تقدم أنهم بعد ذلك صاروا يطوفون بالبيت المعمور كما تقدم فاخرج إليه أي طف به وصل عنده وهذا البيت هو هذه الخيمة التي أنزلت لأجله وقد علمت أنه يجوز أن تكون تلك الخيمة هي البيت المعمور
قيل أهبط آدم وطوله ستون ذراعا أي على الصفة التي خلق عليها وهو المراد بقوله صلى الله عليه سولم خلق الله تعالى آدم على صورته وطوله ستون ذراعا أي أوجده الله تعالى على الهيئة التي خلقه عليها لم ينتقل في النشأة أحوالا بل خلقه كاملا سويا من أول ما نفخ فيه الروح فالضمير في صورته يرجع لآدم وعلى رجوعه إلى الحق سبحانه وتعالى المراد على صفته أي حيا عالما قادرا مريدا متكلما سميعا بصيرا مدبرا حكيما
وقد يخالف هذا قول ابن خزيمة قوله صلى الله عليه وسلم إن الله خلق آدم على صورته فخرج على سبب وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يضرب وجه رجل فقال لا تضربه على وجهه فإن الله تعالى خلق آدم على صورته أي صورة هذا الرجل فهو ينتقل أطوارا ولا يخفى أن هذا خلاف الظاهر ومن ثم عبر بقوله أوجده وهذا القيل المتقدم من أنه أهبط آدم وطوله ستون ذراعا يوافقه ما جاء في الحديث المرفوع كان طوله ستين ذراعا في سبعة أذرع عرضا ومن ثم قال الحافظ ابن حجر إنما روى أن آدم لما أهبط كانت رجلاه في الأرض ورأسه في السماء فحطه في الله تعالى إلى ستين ذراعا أي الذي تقدم ظاهر الخبر الصحيح يخالفه وهو أنه خلق في ابتداء الأمر على طول ستين ذراعا وهو الصحيح وكان آدم أمرد وفي الصحيحين فكل من يدخل الجنة يكون على صورة آدم وقد جاء في صفة أهل الجنة أجرد مرد على صورة آدم
وفي بعض الأخبار أن آدم لما كثر بكاؤه على فراق الجنة نبتت لحيته ولم يصح ولم تنبت اللحية إلا لولده وكان مهبطه بأرض الهند بجبل عال يراه البحريون من مسافة أيام وفيه أثر قدم آدم مغموسة في الحجر ويرى على هذا الجبل كل ليلة كهيئة البرق من غير سحاب ولا بد له في كل يوم من مطر يغسل قدمى آدم وذروة هذا الجبل أقرب ذرا جبال الأرض إلى السماء ولعل هذا وجه النظر الذي أبداه بعض الحفاظ في قوله بعضهم إن بيت المقدس أقرب الأرض إلى السماء بثمانية عشر ميلا قال بعض الحفاظ وفيه نظر
قيل ونزل معه من ورق الجنة فبثه هناك فمنه كان أصل الطيب بالهند
وعن عطاء بن أبي رباح إن آدم هبط بأرض الهند ومعه أربعة أعواد من الجنة فهي هذه التي يتطيب الناس بها وجاء أنه نزل بنخلة العجوة
ثم لما أمر آدم بالخروج لتلك الخيمة خرج إليها ومد له في خطوة قيل كانت خطوته مسيرة ثلاثة أيام فقد قيل لمجاهد هل كان آدم يركب قال وأي شيء كان يحمله فوالله إن خطوته لمسيرة ثلاثة أيام
وفيه أن هذا يقتضى أن آدم لم يكن يركب البراق فقول بعضهم إن الأنبياء كانت تركبه مراده مجموعهم لا جميعهم وقيض الله تعالى له ما كان في الأرض من مخاض أو بحر فلم يكن يضع قدمه في شيء من الأرض إلا صار عمرانا وصار بين كل خطوة مفازة حتى انتهى إلى مكة فإذا خيمة في موضع الكعبة أي الموضع الذي به الكعبة الآن وتلك الخيمة ياقوتة حمراء من يواقيت الجنة مجوفة أي ولها أربعة أركان بيض وفيها ثلاثة قناديل من ذهب فيها نور يلتهب من نور الجنة طولها ما بين السماء والأرض كذا في بعض الروايات ولعل وصف الخيمة بما ذكر لا ينافى ما تقدم أنه يجوز أن تكون تلك الخيمة هي البيت المعمور ووصف بأنه ياقوتة حمراء لأن سقفة كان ياقوتة حمراء لأن التعدد بعيد فليتأمل ونزل مع تلك الخيمة الركن وهو الحجر الأسود ياقوتة بيضاء من أرض الجنة وكان كرسيا لآدم يجلس عليه أي ولعل المراد يجلس عليه في الجنة
أقول وهذا السياق يدل على أن آدم أهبط من الجنة إلى أرض الهند إبتداء
وذكر في مثير الغرام عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الله تعالى أهبط آدم إلى موضع الكعبة وهو مثل الفلك من شدة رعدته ثم قال يا آدم تخط فتخطى فإذا هو بأرض الهند فمكث هنالك ما شاء الله ثم استوحش إلى البيت فقيل له حج يا آدم فأقبل يتخطى فصار موضع كل قدم قرية وما بين ذلك مفازة حتى قدم مكة الحديث والسياق المذكور أيضا يدل على أن الخيمة والحجر الأسود نزلا بعد خروج آدم من الجنة
ويدل لكون الحجر الأسود نزل عليه ما في مثير الغرام وأنزل عليه الحجر الأسود وهو يتلألأ كأنه لؤلؤة بيضاء فأخذه آدم فضمه إليه إستئناسا به هذا كلامه
وفي رواية عنه أنزل الركن والمقام مع آدم ليلة نزل آدم من الجنة فلما أصبح رأى الركن والمقام فعرفهما فضمهما إليه وأنس بهما فليتأمل الجمع
وفي رواية أن آدم نزل بتلك الياقوتة أي فعن كعب أنزل الله من السماء ياقوتة مجوفة مع آدم فقال له يا آدم هذا بيتي أنزلته معك يطاف حوله كما يطاف ح حول عرشي ويصلى حوله كما يصلى حول عرشي أي على ما تقدم ونزل معه الملائكة فرفعوا قواعده من الحجارة ثم وضع البيت أي تلك الياقوتة عليها وحينئذ يحتاج إلى الجمع بين هاتين الروايتين عن تقدير صحتهما
وقد يقال في الجمع يجوز أن تكون المعية ليست حقيقية والمراد أنه نزل بعده قريبا من نزوله فلقرب الزمن عبر بالمعية فلا ينافى ما تقدم من قوله يا آدم إني قد أهبطت بيتا يطاف به فاخرج إليه وجاء إن آدم نزل من الجنة ومعه الحجر الأسود متأبطه أي تحت إبطه وهو ياقوتة من يواقيت الجنة ولولا أن الله تعالى طمس ضوءه ما استطاع أحد أن ينظر إليه وكون آدم نزل بالحجر الأسود متأبطا له يخالف الرواية المتقدمة أنه نزل مع تلك الخيمة التي هي الياقوتة بعد نزوله وحينئذ يحتاج للجمع بين هاتين الروايتين على تقدير صحتهما
وأيضا يحتاج إلى الجمع بين ذلك وبين ما روى عن وهب بن منبه رحمه الله أن آدم لما أمره الله تعالى بالخروج من الجنة أخذ جوهرة من الجنة أي التي هي الحجر الأسود مسح بها دموعه فلما نزل إلى الأرض لم يزل يبكى ويستغفر الله ويمسح دموعه بتلك الجوهرة حتى اسودت من دموعه ثم لما بنى البيت أمره جبريل عليه الصلاة والسلام أن يجعل تلك الجوهرة في الركن ففعل
وفي بهجة الأنوار أن الحجر الأسود كما في الإبتداء ملكا صالحا ولما خلق الله تعالى آدم أباح له الجنة كلها إلا الشجرة التي نهاه عنها ثم جعل ذلك الملك موكلا على آدم أن لا يأكل من تلك الشجرة فلما قدر الله تعالى أن آدم يأكل من تلك الشجرة غاب عنه ذلك الملك فنظر الله تعالى إلى ذلك الملك بالهيبة فصار جوهرا ألا ترى أنه جاء في الأحاديث الحجر الأسود يأتي يوم القيامة وله يد ولسان وأذن وعين لأنه كان في الإبتداء ملكا
أقول ورأيت في ترجمة كلام الشيخ كمال الدين الأخميمي أنه لما جاور بمكة رأى الحجر الأسود وقد خرج من مكانه وصار له يدان ورجلان ووجه ومشى ساعة ثم رجع إلى مكانه
وقد جاء أكثروا من إستلام هذا الحجر فإنكم توشكون أن تفقدوه بينما الناس يطوفون به ذات ليلة إذ أصبحوا وقد فقدوه إن الله عز وجل لا يترك شيئا من الجنة في الأرض إلا أعاده فيها قبل يوم القيامة أي فقد جاء ليس في الأرض من الجنة إلا الحجر الأسود والمقام فإنهما جوهرتان من جواهر الجنة ما مسهما ذو عاهة إلا شفاه الله تعالى وجاء استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يرفع وقد هدم مرتين ويرفع الثالثة والله أعلم
وجاء أن آدم أتى ذلك أي تلك الخيمة أي التي هي البيت المعمور على ما تقدم ألف مرة من الهند ماشيا من ذلك ثلثمائة حجة وسبعمائة عمرة وأول حجة حجها جاءه جبريل وهو واقف بعرفة فقال له يا آدم بر نسكك أما إنا قد طفنا بهذا البيت قبل أن تخلق بخمسين ألف سنة وفي رواية لما حج آدم استقبلته الملائكة بالردم أي ردم بين جمح الذي هو محل المدعى فقالوا بر حجك يا آدم قد حججنا هذا البيت قبلك بألف عام
أقول وفي تاريح مكة للأزرقي أن آدم عليه الصلاة والسلام حج على رجليه سبعين حجة ماشيا وأن الملائكة لقيته بالمأزمين فقالوا بر حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفى عام والمأزمان موضع بين عرفة والمزدلفة قال الطبري ودون منى أيضا مأزمان والله أعلم بالمراد منهما هذا كلامه وجاء أنه وجد الملائكة بذى طوى وقالوا له يا آدم مازلنا ننتظرك ههنا منذ ألفي سنة وكان بعد ذلك إذا وصل إلى المحل المذكور خلع نعليه ويحتاج للجمع بين كون الملائكة استقبلته بالردم وكونها لقيته بالمأزمين وكونه وجدهم بذي طوى وبين كونهم حجوا البيت قبله بألف عام وكونهم حجوا قبله بألفى عام وبخمسين ألف عام وهل الملائكة خلقوا دفعة واحدة أم خلقوا جيلا بعد جيل
ومما يدل على أنهم جيلا بعد جيل ما جاء من نحو من قال سبحان الله وبحمده خلق الله ملكا له عينان وجناحان وشفتان ولسان يطير مع الملائكة ويستغفر لقائلها إلى يوم القيامة وما جاء إن جبريل في كل غداة يدخل بحر النور فينغمس فيه الحديث لكن في سفر السعادة الحديث المنسوب إلى أبى هريرة أنه صلى الله عليه وسلم قال يأمر الله تعالى جبريل كل غداة أن يدخل بحر النور ينغمس فيه إنغماسة ثم يخرج فينتفض إنتفاضة يخرج منه سبعون ألف قطرة يخلق الله عز وجل من كل قطرة منها ملكا لهذا الحديث طرق كثيرة ولم يصح منها شيء ولم يثبت في هذا المعنى حديث هذا لفظه والله أعلم
وعند ذلك قال آدم للملائكة فما كنتم تقولون حوله قالوا كنا نقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر قال آدم زيدوا فيها ولا حول ولا قوة إلا بالله فكان آدم إذا طاف يقولها وكان طوافه سبعة أسابيع بالليل وخمسة أسابيع بالنهار أي ولما فرغ من الطواف صلى ركعتين تجاه باب الكعبة ثم أتى الملتزم أي محله فقال اللهم إنك تعلم سريرتي وعلانيتي فاقبل معذرتي وتعلم ما في نفسي وما عندي فأغفر لي ذنبي وتعلم حاجتي فأعطني سؤلي الحديث
أقول قول الملائكة قد طفنا بهذا البيت لا يحسن أن يعنوا به تلك الخيمة المذكورة المعنية بقوله تعالى لآدم قد أهبطت بيتا إلى آخر ما تقدم أو كونها أهبطت مع آدم بل المراد ذلك البيت الذي هو الخيمة قبل أن تنزل
ويجوز أن يكون المراد تلك الخيمة أو نفس تلك الخيمة بناء على أنها البيت المعمور وأن الملائكة طافوا بها قبل نزولها إلى الأرض كما تقدم قال وعن وهب بن منبه قرأت في كتاب من كتب الأول ليس من ملك بعثه الله إلى الأرض إلا أمره بزيارة البيت فينقض من تحت العرش محرما ملبيا حتى يستلم الحجر ثم يطوف سبعا بالبيت ويصلى في جوفه ركعتين ثم يصعد
أقول يجوز أن يكون المراد بإحرامه بنية الطواف بالبيت لا إحرامه بالعمرة بدليل قوله ثم يطوف سبعا بالبيت إلى آخره
ويجوز أن يكون المراد بالبيت في كلام وهب محل تلك الخيمة ما يعم من وجد من الملائكة وبمن بعث بعد ذلك ولا يخفى أن الأول يبعده قوله حتى يستلم الحجر
وعلى الثاني يكون فيه دلالة على أن الحجر الأسود كان في تلك الخيمة يبتدأ الطواف بها منه وجاء عن عطاء وسعيد بن المسيب وغيرهما إن الله عز وجل أوحى إلى آدم أن اهبط إلى الأرض ابن لي بيتا ثم أحفف به كما رأيت الملائكة تحف بيتي الذي في السماء وفي رواية وطف به واذكرني عنده كما رأيت الملائكة تصنع حول عرشي أي على ما تقدم وهذا السياق بظاهره يوافق ما تقدم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن هبوط آدم كان من الجنة إلى موضع الكعبة إبتداء والله أعلم قال وجاء أن جبريل عليه الصلاة والسلام بعثه الله تعالى إلى آدم وحواء فقال لهما ابنيا أي قال لهما إن الله تعالى يقول لكما ابنيا لي بيتا فخط لهما جبريل فجعل آدم يحفر وحواء تنقل التراب حتى
أجابه الماء ونودى من تحته حسبك يا آدم وفي رواية حتى إذا بلغ الأرض السابعة فقذفت فيها الملائكة الصخر ما يطيق الصخرة ثلاثون رجل
وفيه أنه إن كان أمر آدم ببناء البيت بعد مجيئه إلى تلك الخيمة من الهند ماشيا خالف ظاهر ما تقدم عن عطاء وسعيد بن المسيب أوحى الله تعالى إلى آدم أن اهبط إلى الأرض ابن لي بيتا إذ ظاهره أنه أوحى إليه بذلك وهو في الجنة إلا أن يقال المراد بالأرض في قوله اهبط إلى الأرض أرض الحرم أي اذهب إلى أرض الحرم ابن لي بيتا
ثم لا يخفى أن قوله فقذفت فيه الملائكة الصخر يقتضى أن إلقاء الملائكة للصخر كان بعد حفر آدم وهو لا يخالف ما تقدم عن كعب أنزل الله من السماء ياقوتة مجوفة مع آدم فقال له يا آدم هذا بيتي أنزلته معك ونزل معه الملائكة فرفعوا قواعده من الحجارة ثم وضع البيت عليها فيكون إلقاء الملائكة للصخر بعد حفر آدم فلما تم ذلك الأس جعل ذلك البيت فوق تلك الصخور ويكون المراد بقوله ونزل معه الملائكة أي صحبوه من أرض الهند إلى أرض الحرم
وجاء في بعض الروايات إن آدم وحواء لما أسساه نزل البيت من السماء من ذهب أحمر وكل به من الملائكة سبعون ألف ملك فوضعوه على أس آدم ونزل الركن فوضع موضعه اليوم من البيت فطاف به آدم أي كما كان يطوف به قبل ذلك وبهذا تجتمع الروايات وحينئذ لا مانع أن ينسب بناء هذا الأساس الذي وضعت الملائكة عليه تلك الخيمة لآدم وأن ينسب للملائكة
أما نسبته للملائكة فواضح وأما نسبته لآدم فلأنه السبب فيه أو لأنه كان إذا ألقت الملائكة الصخر يضع آدم بعضه على بعض وعلى نسبة بناء ذلك الأس للملائكة ولآدم يحتمل القول بأن أول من بنى الكعبة الملائكة والقول بأن أول من بنى الكعبة آدم فليتأمل
وقد جاء أن آدم بناه من لبنان جبل بالشام ومن طور زيتا جبل من جبال القدس ومن طور سينا جبل بين مصر وإيليا
وفي كلام بعضهم أنه جبل بالشام وهو الذي نودى منه موسى عليه الصلاة والسلام ومن الجودى وهو جبل بالجزيرة ومن حرا حتى استوى على وجه الأرض
أقول وفي رواية بناه من ستة أجبل من أبي قبيس ومن رضوى ومن أحد فالمتحصل من الروايتين أنه بناء من ثمانية أجبل ولا مانع من ذلك واستمر ذلك البيت
الذي هو الخيمة إلى زمن نوح عليه الصلاة والسلام فلما كان الغرق بعث الله تعالى سبعين ألف ملك فرفعوه إلى السماء الرابعة فهو البيت المعمور كما في الكشاف وكان رفعه لئلا يصيبه الماء النجس وبقيت قواعده التي هي الأس وفي العرائس ثم طافت السفينة بأهلها الأرض كلها في تسة أشهر لا تستقر على شيء حتى أتت الحرم فلم تدخله ودارت بالحرم أسبوعا
وقد رفع الله البيت الذي كان يحجه آدم صيانة له من الغرق وهو البيت المعمور أي وكون حواء أسست البيت مع آدم يخالف ما جاء أن حواء أهبطت بجدة وحرم الله عليها دخول الحرم والنظر إلى خيمة آدم وإلى شيء من مكة لأجل خطيئتها وأنها أرادت أن تدخل مع آدم إلى مكة فقال لها إليك عني قد خرجت من الجنة بسببك فتريدين أن أحرم هذا فكان آدم إذا أراد أن يلقاها ليلم بها خرج من الحرم كله حتى يلقاها بالحل
وذكر محمد بن جرير أن الله أهبط آدم على جبل سرنديب بالهند أي وتقدم ما فيه وحواء بحدة بالحاء المهملة وقيل بالجيم فجاء آدم في طلبها فتعارفا بالمحل الذي قيل له بسبب ذلك عرفة فاجتمعا بالمحل الذي قيل له بسبب ذلك جمع وزلفت إليه في المحل الذي قيل له بسبب ذلك مزدلفة وهذا يدل على أن جمع غير مزدلفة وهو خلاف المشهور من أن جمع هو مزدلفة إلا أن يقال كل من المحلين من جملة البقعة وأطلق كل من الإسمين على جميع تلك البقعة
وقيل سمى المحل عرفة لأن جبريل عليه الصلاة والسلام لما علم إبراهيم عليه الصلاة والسلام المناسك وانتهى إلى عرفة وقال له أعرفت مناسكك قال نعم فسمى عرفة أي والمراد مناسكه التي قبل عرفة وإلا فعظم المناسك بعد عرفة فليتأمل
وفي الخصائص الصغرى عن رزين أنه روى أن آدم عليه الصلاة والسلام قال إن الله أعطى أمة محمد صلى اله عليه وسلم أربع كرامات لم يعطنيها كانت توبتي بمكة وأحدهم يتوب في كل مكان الحديث وهو يدل على أن توبته كانت بسبب طوافه بالبيت ويذكر أن حواء عاشت بعد آدم سنة
وجاء أن آدم لما فرغ من بناء البيت أمره الله تعالى بالمسير إلى أن يبنى بيت المقدس فسار وبناه ونسك فيه وحينئذ لا يشكل قوله صلى الله عليه وسلم وقد قيل له أي مسجد وضع في الأرض أولا المسجد الحرام قيل ثم أي قال بيت المقدس قيل كم كان بينهما قال أربعون سنة وحينئذ لا حاجة لجواب الإمام البلقيني إن المراد أن المدة
المذكورة بين أرضيهما في الدحو أي دحيت أرض المسجد الحرام ثم بعد مضى مقدار أربعين سنة دحيت أرض بيت المقدس
وفيه أن الإمام البلقيني إنما أجاب بذلك بناء على أن سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام هو الباني للمسجد الحرام والباني لمسجد بيت المقدس سيدنا سليمان عليه الصلاة والسلام فإن بينهما كما قيل أكثر من ألف عام وكذا لا إشكال إذا كان الباني للمسجد الحرام آدم والباني لمسجد بيت المقدس أحد أولاده كما قيل بذلك ومن ثم أجاب بعضهم بأن سليمان إنما كان مجددا لبناء بيت المقدس وأما المؤسس له فسيدنا يعقوب بن إسحاق بعد بناء جده إبراهيم للمسجد الحرام بالمدة المذكورة وأما على أن الباني لهما آدم فلا إشكال وفي رواية أن أول من بنى الكعبة أي كلها بعد أن رفعت تلك الخيمة بعد موت آدم شيث ولد آدم بناها بالطين والحجارة أي فهي أولية إضافية ثم لما جاء الطوفان انهدم وبقى محله وقيل إنه استمر ولم يبنه أحد إلى زمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام
وفي رواية أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما أراد بناء الكعبة جاء جبريل فضرب بجناحه الأرض فأبرز عن أس ثابت على الأرض السابعة ثم بناها إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام على ذلك الأس ويقال له القواعد أي كما تقدم وهذا الأس كما علمت لآدم أو للملائكة أو لهما وإنما قيل له أساس إبراهيم وقواعد إبراهيم لأنه بنى على ذلك ولم ينقضه
ومما يدل للقيل المذكور ما جاء في بعض الروايات عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت دثر مكان البيت أي بسبب الطوفان بدليل ما جاء في رواية قد درس مكان البيت بين نوح وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام وكان موضعه أكمة حمراء وكان يأتيه المظلوم والمتعوذ من أقطار الأرض وما دعا عنده أحد إلا استجيب له
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها لم يحجه هود ولا صالح عليها الصلاة والسلام لتشاغل هود بقومه عاد وتشاغل صالح بقومه ثمود
وجاء إن بين المقام والركن وزمزم قبر تسعة وتسعين نبيا وجاء إن حول الكعبة لقبور ثلثمائة نبي وإن ما بين الركن اليماني إلى الركن الأسود لقبور سبعين نبيا وكل نبى من الأنبياء إذا كذبه قومه خرج من بين أظهرهم وأتى مكة يعبد الله عز وجل بها حتى يموت وجاء ما بين الركن اليماني والحجر الأسود روضة من رياض الجنة وإن قبر هود وصالح وشعيب وإسماعيل في تلك البقعة
أقول ويوافق ذلك قول بضعهم إن إسمعيل دفن حيال الموضع الذي فيه الحجر
الأسود لكن جاء إن قبر إسماعيل في الحجر وذكر المحب الطبري أن البلاطة الخضراء التي بالحجر قبر إسمعيل عليه الصلاة والسلام
وقد يقال لا منافاة بين كون هود وصالح لم يحجا البيت وبين كونهما دفنا في تلك البقعة لأنه يجوز أن يكونا ماتا قبل وصولهما إلى البيت فجىء بهما ودفنا في تلك البقعة على أن بعضهم ضعف كونهما لم يحجا أي ويدل أنه قد جاء حجه هود وصالح ومن آمن معهما وفي بضع الروايات لم يحجه بين نوح وإبراهيم أحد من الأنيباء ويحتاج إلى الجمع بينه وبين ما تقدم من أن كل نبي إذا كذبه قومه إلى آخره على تقدير صحتها
وقد يقال لا يحتاج إلى الجمع إلا أن يثبت أن بين نوح وإبراهيم أحد من الأنبياء كذبه قومه على أنه لم يكن بين نوح وإبراهيم أحد من الأنبياء كذبه قومه إلا هود وصالح وهو يؤيد القول بأنهما لم يحجا وتقدم ضعفه وجاء في حديث راويه متروك إن نوحا حجت به السفينة فوقفت بعرفات وباتت بمزدلفة وطافت به أي بالحرم كما تقدم أن السفينة لم تجاوز الحرم وهذا لا يناسبه قوله وسعت لأن السعى بين الصفا والمروة إلا أن يراد بالسعى نفس الطواف فهو من عطف التفسير
وفي أنس الجليل ورد حديث شريف إن السفينة طافت ببيت المقدس أسبوعا واستوت على الجودى أي وجاء إن نوحا قال لأهل السفينة وهي تطوف بالبيت العتيق إنكم في حرم الله وحول بيته لا يمس أحد امرأة وجعل بينهم وبين النساء حاجزا ويذكر أن ولده حاما تعدى ووطىء زوجته فدعا عليه بأن يسود الله لون بنيه فأجاب الله دعاءه في أولاده فجاء ولده أسود وهو أبو السودان
وقيل في سبب دعوة نوح وسوادهم غير ذلك وقد بينت ذلك في كتاب إعلام الطراز المنقوش في فضائل الحبوش والله أعلم وقبر آدم وإبراهيم وإسحق ويعقوب ويوسف في بيت المقدس أي بعد نقل يوسف من بحر النيل كما سنذكره
قال وقد جاء إن الله سبحانه وتعالى أوحى إلى إبراهيم أن ابن لي بيتا فقال إبراهيم أي رب أين أبنيه فأوحى الله تعالى إليه أن اتبع السكينة أي وهي ريح لها وجه كوجه الإنسان أي وقيل كوجه الهر وجناحان ولها لسان تتكلم به أي وفي الكشاف في تفسير السكينة التي كانت في التابوت الذي هو صندوق التوراة قيل هو صورة من زبرجد أو ياقوت لها رأس كرأس الهر وذنب كذنبه
وعن علي رضي الله تعالى عنه كان لها وجه كوجه الإنسان هذا كلام الكشاف وفي رواية بعث الله ريحا يقال لها الخجوج لها جناحان ورأس في صورة حية فكشف لإبراهيم وإسمعيل صلى الله عليهما وسلم ما حول البيت من أساس البيت الأول
وفي رواية أرسل الله سحابة فيها رأس فقال الرأس يا إبراهيم إن ربك يأمرك أن تأخذ بقدر هذه السحابة فجعل ينظر إليها ويخط قدرها ثم قال الرأس له قد فعلت قال نعم فارتفعت فليتأمل الجمع بين هذه الروايات وبينها وبين ما تقدم أن جبريل ضرب بحناحه الأرض فأبرز عن أس إلى آخره وجاء إن السكينة جعلت تسير ودليله الصرد وهو الطائر المعروف أي وهو طائر فوق العصفور يصيد العصافير وغيرها لأن له صفيرا مختلفا يصفر لكل طائر يريد صيده بلغته فيدعوه إلى القرب منه فإذا قرب منه قصمه من ساعته وأكله ويقال له الصوام لأنه ورد أنه أول طائر صام عاشوراء فعن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنه رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى يدي صرد فقال هذا أول طير صام عاشوراء لكن قال الذهبي هو حديث منكر وقال الحاكم حديث باطل
ويذكر أن خالد بن الوليد لما قتل طليحة الكذاب الذي ادعى النبوة في زمنه صلى الله عليه وسلم وقوى أمره بعد موته صلى الله عليه وسلم قال خالد لبعض أصحابه من أسلم ما كان يقول لكم طليحة من الوحي فقال كان يقول والحمام واليمام والصرد الصوام ليبلغن ملكنا العراق والشام وقد سمع نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام الصرد يصوت فقال يقول استغفروا الله يا مذنبون
وفي الكشاف أن ذلك صياح الهدهد ولا مانع أن يكون ذلك صياحهما وسمع طاوسا يصوت فقال يقول كما تدين تدان وسمع هدهدا يصوت فقال يقول من لا يرحم لا يرحم
ويجمع بينه وبين ما تقدم بأنه يجوز أن الهدهد تارة يقول استغفروا الله يامذنبون وتارة يقول من لا يرحم لا يرحم وسمع خطافا يصوت فقال يقول قدموا خيرا تجدوه وسمع ديكا يصوت فقال يقول اذكروا الله يا غافلون وسمع بلبلا يصوت فقال يقول إذا أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء وصاحت فاختة فقال إنها تقول ليت الخلق لم يخلقوا وسمع رخمة تصوت فقال تقول سبحان ربي الأعلى ملء سمائه وأرضه وقال الحدأة تقول كل شيء هالك إلا الله والقطاة تقول من
سكت سلم والببغا تقول ويل لمن الدنيا همه والنسر يقول يا ابن آدم عش ما شئت آخرك الموت والعقاب يقول في البعد عن الناس أنس
وعن سيدنا سيلمان صلوات الله وسلامه عليه ليس من الطيور أنصح لبني آدم وأشفق عليهم من البومة تقول إذا وقفت عند خربة أي الذين كانوا يتنعمون بالدنيا ويسعون فيها ويل لبني آدم كيف ينامون وأمامهم الشدائد تزودوا يا غافلون وتهيئوا لسفركم
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأينا طيرا أعمى يضرب بمنقاره على شجرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم أتدري ما يقول فقلت الله ورسوله أعلم فقال إنه يقول اللهم أنت العدل وقد حجبت عني بصري وقد جعت فأقبلت جرادة فدخلت في فمه ثم ضرب بمنقاره الشجرة فقال عليه الصلاة والسلام أتدري ما يقول قلت لا قال إنه يقول من توكل على الله كفاه
ويقال لما قال سليمان للهدهد لأعذبنك عذابا شديدا قال له الهدهد اذكر يا نبي الله وقوفك بين يدي الله فلما سمع سليمان صلوات الله وسلامه عليه ذلك ارتعد فرقا وعفا عنه أي فإن الهدهد كان دليلا له على الماء فإن الهدهد يرى الماء تحت الأرض كما يرى الماء في الزجاجة فلما فقد سليمان الماء تفقد الهدهد فلم يجده فأرسل خلفه العقاب فرآه الهدهد مقبلا من جهة اليمن فلما رآه الهدهد منقضا عليه قال له بحق من أقدرك على إلا ما رحمتني
قيل لإبن عباس يا سبحان الله الهدهد يرى الماء تحت الأرض ولا يرى الفخ فقال إذا وقع القضاء عمى البصر قيل عنى سيدنا سليمان عليه الصلاة والسلام بالعذاب الشديد الذي يعذب به الهدهد التفرقة بينه وبين إلفه وقيل إلزامه خدمة أقرانه وقيل صحبة الأضداد وقد قيل أضيق السجون عشرة الأضداد وقيل الزوجة العجوز قال تعالى حكاية عنه علمنا منطق الطير
قال بضعهم عبر عن أصواتها بالمنطق لما يتخيل منها من المعاني التي تدرك من النطق فسليمان صلوات الله وسلامه عليه مهما سمع من صوت طائر علم بقوته القدسية الغرض الذي أراده ذلك الطائر وهذا في طائر لم يفصح بالعبارة وإلا فقد يسمع من بعض الطيور الأفصاح بالعبارة فنوع من الغربان يفصح بقوله الله حق
وعن بعضهم قال شاهدت غرابا يقرأ سورة السجدة وإذا وصل إلى محل السجود سجد وقال سجد لك سوادى ومن آمن بك فؤادي والدرة تنطق بالعبارة الفصيحة
وقد وقع لي أني دخلت منزلا لبعض أصحابنا وفيه درة لم أرها فإذا هي تقول لي مرحبا بالشيخ البكري وتكرر ذلك فعجبت من فصاحة عبارتها
وكان عليه السلام يعرف نطق الحيوان غير الطير فقد جاء أن سليمان عليه السلام سمع النملة وقد أحست بصوت جنود سليمان تقول للنمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون فعند ذلك أمر سليمان الريح فوقفت حتى دخل النمل مساكنها ثم جاء سليمان إلى تلك النملة وقال لها حذرت النمل ظلمي قالت أما سمعت قولي وهم لا يشعرون على أني لم أرد حطم النفوس أي إهلاكها إنما أردت حطم القلوب خشية أن يشتغلن بالنظر إليك عن التسبيح أي فيمتن
فقد جاء مرفوعا آجال البهائم كلها وخشاش الأرض في التسبيح فإذا انقضى تسبيحها قبض الله أرواحها ويروى ما من صيد يصاد ولا شجرة تقطع إلا بغفلتها عن ذكر الله تعالى وفي الحديث الثوب يسبح فإذا اتسخ انقطع تسبيحه وفي رواية إن النملة قالت له إنما خشيت أن تنظر إلى ما أنعم الله به عليك فتكفر نعم الله عليها فقال لها عظيني قالت هل تدري لم جعل ملكك في فص خاتمك قال لا قالت أعلمك أن الدنيا لا تساوي قطعة من حجر
ومن عجيب صنع الله تعالى أن النملة تغتذي بشم الطعام لأنها لا جوف لها يكون به الطعام ويذكر أن هذه النملة التي خاطبت سيدنا سليمان أهدت له نبقة فوضعتها في كفه
ويحكى عنها لطيفة لا نطيل بذكرها وفي فتاوى الجلال السيوطي قال الثعالبي في زهرة الرياض لما تولى سليمان عليه الصلاة والسلام الملك جاءه جميع الحيوانات يهنئونه إلا نملة واحدة فجاءت تعزيه فعاتبها النمل في ذلك فقال كيف أهنيه وقد علمت أن الله تعالى إذا أحب عبدا زوى عنه الدنيا وحبب إليه الآخرة وقد شغل سليمان بأمر لا يدري ما عاقبته فهو بالتعزية أولى من التهنئة
وجاء في بعض الأيام شراب من الجنة فقيل له إن شربته لم تمت فشاور جنده فكل أشار بشربه إلا القنفذ فإنه قال له لا تشربه فإن الموت في عز خير من البقاء في سجن الدنيا قال صدقت فأراق الشراب في البحر
قال وصار إبراهيم وإسمعيل صلوات الله وسلامه عليهما يتبعان الصرد حتى وصل
================ج3.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب:السيرة الحلبية في سيرة الأمين المأمون
المؤلف:علي بن برهان الدين الحلبي
إلى محل البيت صارت السكيتة سحابة وقالت يا إبراهيم خذ قدر ظلي فابن عليه أي وفي لفظ لما أمر إبراهيم ببناء البيت ضاق به ذرعا فأرسل إليه السكينة وهي ريح خجوج ملتوية في هبوبها لها رأس الحديث فحفر إبراهيم وإسمعيل عليهما الصلاة والسلام فأبرزوا أي الحفر عن أس ثابت في الأرض فبنى إبراهيم وإسمعيل يناول الحجارة أي التي تأتي بها الملائكة كما سيأتي حتى ارتفع البناء
أقول يحتمل أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما أوحى الله إليه بذلك كان في مكة عند إسمعيل وإنهما كانا بمحل بعيد عن محل البيت ويحتمل أنهما كانا بغيرها ثم جاءا
وقد قيل في قوله تعالى { إن إبراهيم كان أمة قانتا لله } الآية أي قائما مقام الأمة لإنفراده بعبادة الله تعالى في أرضه لأنه لم يمكن على وجه الأرض من يعبد الله سواه والله أعلم
قال ثم لما ارتفع البناء جاء المقام أي وهو الحجر المعروف فقام عليه وهو يبنى وهما يقولان ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم وصار كلما ارتفع البناء ارتفع به المقام في الهواء فأثر قدم إبراهيم في ذلك الحجر وقيل إنما أثر في صخرة اعتمد عليها وهو قائم حين غسلت زوجة إسمعيل له رأسه لأن سارة كانت أخذت عليه عهدا حين استأذنها في الذهاب إلى مكة لينظر كيف حال إسمعيل وهاجر فحلف لها إنه لا ينزل عن دابته أي التي هي البراق ولا يزيد على السلام وإستطلاع الحال غيرة من سارة عليه من هاجر فحين اعتمد على الصخرة ألقى الله تعالى فيها أثر قدمه آية وفيه كيف يعتمد بقدمه على الصخرة وهو راكب دابته إلا أن يقال لما مال بشقه اعتمد عليها بإحدى رجليه مع ركوبه وهذا يدل على أن الموجود في المقام أثر قدمه لا قدميه ووقوفه عليه في حال البناء يدل على أن الموجود فيه المام أثر قدميه فلينظر وجعل ارتفاع البيت تسعة أذرع قيل وعرضه ثلاثين ذراعا قال بعضهم وهو خلاف المعروف ولم يجعل له سقفا ولا بناء بمدر وإنما رصه رصا وجعل له بابا أي منفذا لاصقا بالأرض غير مرتفع عنها ولم ينصب عليه بابا أي يقفل إنما جعله تبع الحميري بعد ذلك وحفر له بئرا داخله عند بابه أي على يمين الداخل منه يلقى فيها ما يهدى إليه وكان يقال لها خزانة الكعبة كما تقدم
ولما أراد أن يجعل حجرا يجعله علما للناس أي يبتدئون الطواف منه ويختمون به ذهب إسمعيل عليه الصلاة والسلام إلى الوادي يطلب حجرا فنزل جبريل عليه الصلاة والسلام
بالحجر الأسود يتلألأ نورا أي فكان نوره يضيء إلى منتهى أبواب الحرم من كان ناحية
وفي الكشاف إنه اسود لما لمسته الحيض في الجاهلية وتقدم أنه اسود من مسح آدم به دموعه وجاء إن خطايا بني آدم سودته وأما شدة سواده فبسبب إصابة الحريق له أولا في زمن قريش وثانيا في زمن عبدالله بن الزبير وقد كان رفع إلى السماء حين غرقت الأرض زمن نوح بناء على أنه كان موجودا في تلك الخيمة كما تقدم وفي رواية إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما قال لإسمعيل يا بني اطلب لي حجرا حسنا أضعه ههنا قال يا أبتي إني كسلان لغب أي تعب قال علي بذك فانطلق يأتيه بحجر فجاءه جبريل بالحجر من الهند وهو الحجر الذي خرج به آدم من الجنة أي كما تقدم فوضعه إبراهيم موضعه وقيل وضعه جبريل وبنى عليه إبراهيم وجاء إسمعيل بحجر من الوادي فوجد إبراهيم قد وضع ذلك الحجر أي أو بنى عليه فقال من أين هذا الحجر من جاءك به قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام من لا يكلني إليك ولا إلى حجرك أي وفي لفظ جاءني به من هو أنشط منك وفي لفظ إن إسمعيل جاءه بحجر من الجبل قال غير هذا فرده مرارا لا يرضى ما يأتيه به وجاء إن الله تعالى استودع الحجر أبا قبيس حين أغرق الله الأرض زمن نوح عليه الصلاة والسلام وقال إذا رأيت خليلي يبنى بيتي فأخرجه له أي فلما انتهى إبراهيم عليه الصلاة والسلام لمحل الحجر نادى أبو قبيس إبراهيم فقال يا إبراهيم هذا الركن فجاء فحفر عنه فجعله في البيت وقيل تمخض أبو قبيس فانشق عنه
أقول وفي لفظ قال يا إبراهيم يا خليل الرحمن إن لك عندي وديعة فخذها فإذا هو بحجر أبيض من يواقيت الجنة ومن ثم كان أبو قبيس يسمى في الجاهلية الأمين لحفظه ما استودع ويسمى أبا قبيس باسم رجل من جرهم اسمه قبيس هلك فيه وقيل باسم رجل من مذحج بني فيه يقال له أبو قبيس وقيل لأنه اقتبس منه الحجر الأسود فسمى بذلك ويحتاج إلى الجمع بين ما ذكر على تقدير صحته وما ذكر في ترجمة إلياس أحد أجداده صلى الله عليه وسلم أنه أول من وضع الركن أي الحجر الأسود حين غرق البيت وانهدم زمن نوح فكان أول من سقط عليه أي أول من علم به فوضعه في زاوية البيت فليتأمل ذلك والله أعلم أي وعن عبدالله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال عند المقام أشهد بالله يكررها لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الركن والمقام
يا قوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما ولولا أن نورهما طمس لأضاء ما بين المشرق والمغرب أي من نورهما ولعل طمس نور الحجر كان سببه ما تقدم فلا مخالفة
وجاء إنهما يقفان يوم القيامة وهما في العظم مثل أبي قبيس يشهدان لمن وافاهما بالوفاء وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لولا ما مسهما من أهل الشرك ما مسهما ذو عاهة إلا شفاه الله تعالى
وعن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه لما خلق الله الخلق قال لبني آدم ألست بربكم قالوا بلى فكتب القلم إقرارهم ثم ألقم ذلك الكتاب الحجر فهذا الإستلام له إنما هو بيعة على إقرارهم الذي كانوا أقروا به قال رضي الله تعالى عنه وكان أبي على يقول إذا استلم الحجر يقول اللهم أمانتي أديتها وميثاقي وفيت به ليشهد لي عندك بالوفاء وفي كلام السهيلي إن العهد الذي أخذه الله تعالى على ذرية آدم حين مسح ظهره أن لا يشركوا به شيئا كتبه في صك وألقمه الحجر الأسود ولذلك يقول المستلم اللهم إيمانا بك ووفاء بعهدك وقد جاء الحجر الأسود يمين الله في الأرض
قال الإمام ابن فورك وكان ذلك سببا لإشتغالي بعلم الكلام فإني لما سمعت ذلك سألت فقيها كنت أختلف إليه عن معناه فلم يحر جوابا فقيل لي سل عن ذلك فلانا من المتكلمين فسألته فأجاب بجواب شاف فقلت لا بد لي من معرفة هذا العلم فاشتغلت به وهذا الذي قاله السهيلي يروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه
فعن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه لما دخل المطاف قام عند الحجر وقال والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك فقال له علي رضي الله تعالى عنه بلى يا أمير المؤمنين هو يضر وينفع قال ولم قلت ذاك بكتاب الله قال وأين ذلك من كتاب الله قلت قال الله تعالى { وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم } الآية وكتب ذلك في رق وكان هذا الحجر له عينان ولسان فقاله له افتح فاك فألقمه ذلك الرق وجعله في هذا الموضع فقال تشهد لمن وافاك بالموافاة يوم القيامة فقال عمر رضي الله عنه أعوذ بالله أن أعيش في قوم لست فيهم يا أبا الحسن
وعن قتادة قال ذكر لنا أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام بنى البيت من خمسة أجبل من طور سيناء وطور زيتا ولبنان والجودى وحراء
وذكر لنا أن قواعده من حراء التي وضعها آدم مع الملائكة
أقول تقدم أن تلك القواعد كانت من جبل لبنان ومن طور سيناء ومن طور زيتا ومن الجودى ومن حراء إلا أن يقال يجوز أن يكون معظم ذلك كان من حراء فليتأمل
وذكر بعضهم أنه كان له ركنان وهما اليمانيان أي لم يجعل له إبراهيم عليه الصلاة و السلام إلا الركنين المذكورين فجعلت له قريش حين بنته أربعة أركان
وذكر الحافظ أبن حجر أن ذا القرنين الأول وهو المذكور في القرآن في قصة موسى عليه الصلاة والسلام وهو إسكندر الرومي قدم مكة فوجد إبراهيم وإسمعيل عليهما الصلاة والسلام يبنيان الكعبة فاستفهمهما عن ذلك فقالا نحن عبدان مأموران فقال لهما من يشهد لكما فقامت خمسة أكبش شهدت أي قلن نشهد أن إبراهيم وإسمعيل عبدان مأموران بالبناء فقال رضيت وسلمت وقال لهما صدقتما
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام بمكة وأقبل ذو القرنين عليهما فلما كان بالأبطح قيل له في هذه البلدة إبراهيم خليل الرحمن فقال ذو القرنين كما ينبغي لي أن أركب في بلدة فيها إبراهيم خليل الرحمن فنزل ذو القرنين ومشى إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام فسلم عليه إبراهيم واعتنقه فكان هو أول من عانق عند السلام
قال الفاكهي وأظن أن الأكبش المذكورة أي التي شهدت أحجارا ويحتمل أن تكون غنما
ووصف ذي القرنين بالأكبر احترازا من ذي القرنين الأصغر وهو الإسكندر اليوناني فإنه كان قريبا من زمن عيسى عليه الصلاة والسلام وبين عيسى وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام أكثر من ألفي سنة وكان كافرا والله أعلم
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لما فرغ إبراهيم صلى الله عليه وسلم من بناء البيت قال يا رب قد فرغت قال أذن في الناس بالحج قال أي ورب ومن يبلغ صوتي قال الله جل ثناؤه أذن وعلي البلاغ قال أي ورب كيف أقول قال قل يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق فأجيبوا ربكم عز وجل فوقف على المقام وارتفع به حتى كان أطول الجبال فنادى وأدخل أصبعيه في أذنيه وأقبل بوجهه شرقا وغربا ينادي بذلك ثلاث مرات أي وزويت الأرض له يومئذ سهلها وجبلها وبحرها وبرها
وأنسها وجنها حتى أسمعهم جميعا فقالوا لبيك اللهم لبيك وبدأ بشق اليمن وحينئذ يكون أول من أجاب أهل اليمن وسيأتي التصريح بذلك في بعض الروايات
وعن ابن عباس رضي الله عنهما كان أهل اليمن أكثر إجابة ومن ثم جاء في الحديث الإيمان يمان وقال صلى الله عليه وسلم في حق أهل اليمن يريد أقوام أن يضعوهم ويأبى الله إلا أن يرفعهم
وروى الطبراني بإسناده عن علي رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحب أهل اليمن فقد أحبني ومن أبغضهم فقد أبغضني
ومما يؤثر عن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه من علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه وقد ذكر في تفسير قوله تعالى { فيه آيات بينات مقام إبراهيم } هو نداء إبراهيم على المقام بما ذكر
وقيل له البيت العتيق لأنه أعتق من الجبابرة لم يدعه أي بحيث ينسب إليه جبار من الجبابرة الذين كانوا بمكة مع العمالقة وجرهم
وقال القاضي تبعا للكشاف لأنه أعتق من تسلط الجباربرة فكم من جبار سار إليه ليهدمه فمنعه الله تعالى قال وأما الحجاج فإنما كان قصده إخراج ابن الزبير عنه لما تحصن به دون التسلط عليه كذا قال
قال بعضهم وعن عبدالله بن عمر أنه قال إنما سميت بكة أي بالموحدة لأنها كانت تبك أعناق الجبابرة ولينظر من قصده هدمه إثنان قاتلتهما خزاعة ومنعتهما والثالث كان في أول زمان قريش أراد هدمه حسدا على شرف الذكر لقريش به وأن يبنى عنده بيتا يصرف حجاج العرب إليه فلما قارب مكة أظلمت الأرض وأيقن بالهلاك فأقلع عن تلك النية ونوى أن يكسوا البيت وينحر عنده فانجلت الظلمة ففعل ذلك
وفيه أن هذاالذي حصلت له الظلمة إنما هو تبع الأول فإنه لما عمد إلى البيت يريد تخريبه أرسلت عليه ريح كتعت منه يديه ورجليه وأصابته وقومه ظلمة شديدة وفي رواية أصابه داء تمخض منه رأسه قيحا وصديدا أي يثج ثجا حتى لا يستطيع أحد أن يدنو منه فدعا بالأطباء فسألهم عن دائه فهالهم ما رأوا منه ولم يجد عندهم فرجا فعند ذلك قال له الحبر لعلك هممت بشيء في حق هذا البيت فقال نعم أردت هدمه
فقال له تب إلى الله مما نويت فإنه بيت الله وحرمه وأمره بتعظيم حرمته ففعل فبرأ من دائه
وقيل لأنه أول بيت وضع في الأرض وقيل لأنه أعتق من الغرق بسبب الطوفان في زمن نوح عليه الصلاة والسلام كذا في الكشاف وغيره وفيه نظر ظاهر لما تقدم من دثوره بالطوفان ولما ذكر في قصة نوح أنه لما بعث الحمامة من السفينة لتأتيه بخبر الأرض فوقفت بوادي الحرم فإذا الماء قد نضب من موضع الكعبة وكانت طينتها حمراء فاختضبت رجلاها إلا أن يقال إن معنى أعتق أنه لم يذهب بالمرة بل بقى أثره
وفي الخميس عن ابن هشام أن ماء الطوفان لم يصل للكعبة ولكن قام حولها وبقيت هي في هواء السماء أي بناء على الكعبة هي الخيمة التي كانت على زمن آدم عليه الصلاة والسلام وتقدم عن الكشاف أنها رفعت إلى السماء الرابعة وأنها البيت المعمور وهذا كما علمت يدل على أن المراد بالكعبة الخيمة التي كانت لآدم وقوله قام حولها يريد أنه لم يعل محل تلك الخيمة ولعله لا ينافيه ما تقدم في قصة نوح فليتأمل
وفي رواية أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام نادى يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج وفي لفظ إن ربكم قد اتخذ بيتا وطلب منكم أن تحجوه فأجيبوا ربكم كرر ذلك ثلاث مرات فأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء فأجابه من كان سبق في علم الله أنه يحج إلى يوم القيامة لبيك اللهم لبيك فليس حاج يحج إلى أن تقوم الساعة إلا ممن كان أجاب إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومن لبى تلبية واحدة حج حجة واحدة ومن لبى مرتين حج حجتين وهكذا وفي لفظ لما نادى إبراهيم عليه الصلاة والسلام فما خلق الله من جبل ولا شجر ولا شيء من المطيعين له إلا أجاب لبيك اللهم لبيك
أقول لا يخفى أنه يحتاج إلى الجمع بين هذه الروايات فيما نادى به إبراهيم عليه الصلاة والسلام وسيأتي ومعلوم أن إجابة غير العقلاء إجابة إجلال وتعظيم ولعل المراد بالكتب مطلق الطلب لا خصوص الوجوب لأنه لم يفرض الحج على هذه الأمة إلا بعد الهجرة في السنة السادسة وقيل التاسعة وقيل العاشرة كما سيأتي وأما بقية الأمم من بعد إبراهيم فلم أقف على وجوب الحج عليها
وقد ذكر بعض المتأخرين من أصحابنا أن الصحيح أنه لم يجب الحج إلا على هذه الأمة واستغرب وفي الخصائص الصغرى وافترض عليهم أي على هذه الأمة ما افترض
على الأنبياء والرسل وهو الوضوء والعسل من الجنابة والحج والجهاد وهو يفيد أنه كان واجبا على الأنبياء والرسل وفيه أن الأصل أن ما وجب في حق نبي وجب في حق أمته إلا أن يقوم الدليل الصحيح على الخصوصية وقوله وهو الوضوء سيأتي ما في الوضوء والله أعلم أي ثم أمر بالمقام فوضعه قبله أي ملصقا بالبيت على يمين الداخل فكان يصلي إليه مستقبل الباب أي جهته وأول من أخره عن ذلك المحل ووضعه موضعه الآن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أي وقد تقدم ذلك عن ابن كثير
أقول وقيل إن أول من وضعه موضعه الآن النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة وسيأتي الجمع بين هذين القولين ويأتي ما فيه
وذكر الطبري أن محله أولا المنخفض أي الذي تسميه العامة المعجنة أي محل عجن الطين للكعبة وذلك المنخفض هو محل صلاة جبريل به صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس في اليومين كما سيأتي
ونازع في ذلك العز بن جماعة وقال لو كان ذلك لشهر عليه بالكتابة في الحفرة ورد بأن ذلك ليس بلازم والناقل ثقة وهو حجة على من لم ينقل
وذكر ابن حجر الهيتمي أن في رواية أخرى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام صعد أبا قبيس وقيل صعد ثبيرا وأذن وأن أول من أجابه أهل اليمن أي لما تقدم أنه بدأ بشق اليمن ولا مانع من تعدد ذلك أي وقوفه على تلك الأماكن التي هي المقام وأبو قبيس وثبير ويجوز أن يكون قال في بعض تلك الأماكن مالم يقله في غيره مما تقدم فلا مخالفة بين تلك الروايات فيما نادى به إبراهيم عليه الصلاة والسلام وجاء إنه لما فرغ من دعائه ذهب به جبريل فأراه الصفا والمروة وحدود الحرم وأمره أن ينصب عليها الحجارة ففعل وعلمه المناسك أي مع إسمعيل عليهما الصلاة والسلام
ففي العرائس خرج جبريل بهما يوم التروية إلى منى فصلى بهما الظهر والعصر والمغرب والعشاء والآخرة ثم باتا بها حتى أصبحا فصلى بهما صلاة الصبح ثم غدا بهما إلى عرفة فقام بهما هناك حتى زالت الشمس جمع بين الصلاتين الظهر والعصر ثم رجع بهما إلى الموقف من عرفة فوقف بهما على الموقف الذي يقف عليه الناس الآن فلما غربت الشمس دفع بهما إلى مزدلفة فجمع بين الصلاتين المغرب والعشاء الآخرة
ثم بات بهما حتى طلع الفجر ثم صلى بهما صلاة الغداة ثم وقف بهما على قزح حتى إذا أسفر أفاض بهما إلى منى فأراهما كيف رمى الجمار ثم أمرهما بالذبح وأراهما المنحر من منى وأمرهما بالحلق ثم أفاض بهما إلى البيت فليتامل ذلك فإن فيه التصريح بأن إبراهيم وإسمعيل صليا مع جبريل جماعة الصلوات الخمس وجمعا تقديما بين الظهر والعصر وتأخيرا بين المغرب والعشاء للنسك وهو مخالف لقول أئمتنا لم تجمع الصلوات الخمس إلا لنبينا صلى الله عليه وسلم
ففي الخصائص الصغرى وخص بمجموع الصلوات الخمس ولم تجتمع لأحد وبالعشاء ولم يصلها أحد وبالجماعة في الصلاة إلا أن يدعى أن المراد الجمع على جهة المداومة على ذلك لجواز أن يكون إبراهيم وإسمعيل عليها الصلاة والسلام لم يداوما على ذلك وفيه ما لا يخفى
وفي الوفاء عن وهب قال أوحى الله تعالى إلى آدم عليه الصلاة والسلام أنا الله ذو بكة أهلها جيرتي وزوارها وفدى وفي كتفي أعمره بأهل السماء وأهل الأرض يأتونه أفواجا شعثا غبرا يعجون بالتكبير عجا ويرجون بالتلبية ترجيجا ويثجون بالبكاء ثجا فمن اعتمره لا يريد غيره فقد زارني وضافني ووفد إلي ونزل بي وحق لي أن أتحفه بكرامتي أجعل ذلك البيت وذكره وشرفه ومجده وثناءه لنبي من ولدك يقال له إبراهيم أرفع له قواعده وأقضى على يديه عمارته وأنيط له سقايته وأريه حله وحرمه وأعلمه مشاعره ثم يعمره الأمم والقرون حتى ينتهي إلى نبي من ولدك يقال له محمد خاتم النبيين وأجعله من سكانه وولاته وحجابه وسقاته فمن سأل عني يومئذ فأنا من الشعث الغبر الموفين بنذورهم المقبلين على ربهم
ولما دعا إبراهيم عليه الصلاة والسلام بقوله تعالى { وارزقهم من الثمرات } أي دعا بذلك وهو على ثنية كداء بالمد فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين قال { فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات } كان على الثنية العليا ذكره السهيلي وعند ذلك نقل له الطائف من فلسطين من أرض الشام أي و ببركة دعائه عليه الصلاة والسلام يوجد بمكة الفواكه المختلفة الأزمان من الربيعية والصيفية والخريفية في يوم واحد ذكره في الكشاف
ثم لما فرغ أي من بناء البيت وحج طاف بالبيت لقيته الملائكة في الطواف فسلموا
عليه فقال لهم ما تقولون في طوافكم قالوا كنا نقول قبل أبيك آدم سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فأعلمناه بذلك فقال زيدوا ولا حول ولا قوة إلا بالله فقال إبراهيم عليه الصلاة والسلام زيدوا فيها العلي العظيم فقالت الملائكة ذلك
وكان بناء إبراهيم للبيت بعد مضى من عمره مائة سنة ثم بناه العماليق ثم بنته جرهم وقيل عكسه وقد يتوقف في بناء العماليق له
أما في الأول فلأن أول من نزل مكة مع هاجر وولدها إسمعيل جرهم وإنهم بعد إسمعيل وبعض ولده كانوا ولاة البيت وأما في الثاني فلأن ولاية البيت كانت لخزاعة بعد جرهم كما تقدم وكيف يبنون البيت ولا ولاية لهم عليه إلا أن يقال لا مانع أن يكونوا حينئذ أهل ثروة بخلاف جرهم وخزاعة
ثم رأيت عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن العماليق كانوا عز وكانت لهم أموال كثيرة وأن الله سلبهم ذلك لما تطاهروا بالمعاصي وسلط عليهم الذر حتى ة خرجوا من الحرم وتفرقوا وهلكوا والذر في النمل كالزنبور في النحل
وفي تاريخ مكة للفاكهي أن العماليق قدموا مكة لما قدم وفد عاد للإستسقاء بالبيت وقيل كانوا بعرفة ولما أخرج الله تعالى زمزم لإسماعيل بواسطة جبريل ففي ربيع الأبرار أن جبريل أخرج ماء زمزم مرتين مرة لآدم ومرة لإسمعيل وعند ذلك تحولوا إلى مكة قال المقريزي لما علموا بذلك وقيل كانوا بعد جرهم ولا يصح ذلك ثم رأيت المقريزي قال وفي كتاب أخبار مكة للفاكهي ما يدل على تقدم بناء جرهم على بناء العمالقة ولا يصح ذلك لإتفاقهم على أن ولاية العمالقة على مكة كانت قبل ولاية جرهم وعلى أنه لم يل مكة بعد جرهم إلا خزاعة
ولا يخفى أن هذا صريح في أن العمالقة بنته ولا بد وأن بناءهم له كان قبل بناء جرهم له والعماليق من ولد عملاق أو عمليق بن لاوذ بن سام بن نوح عليه الصلاة والسلام قيل وهو أول من كتب بالعربية وقيل من ولد العيص بن إسحاق بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام ثم بناه قصي جده صلى الله عليه وسلم وسقفه بخشب الروم وجريد النخل ثم بنته قريش كما تقدم ثم بناه بعد قريش عبدالله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما أي ويكنى أبا خبيب بضم الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة وكنى بأبى خبيب لأن
خبيبا كان رجلا بالمدينة من النساك طويل الصلاة قليل الكلام أي وعبدالله رضي الله تعالى عنه كان مشابها له في ذلك فكنى به
هذا وفي كلام ابن الجوزي أنه كان لعبدالله بن الزبير ولد يقال له خبيب حيث قال خبيب بن عبدالله بن الزبير ضربه عمر بن عبدالعزيز بأمر الوليد مائة سوط فمات لأنه لما حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا بلغ بنو أبي العاص أربعين رجلا وفي رواية ثلاثين رجلا وفي رواية إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلا وفي رواية إذا بلغ بنوا أمية أربعين رجلا أتخذوا عباد الله تعالى خولا أي عبيدا ومال الله دولا ودين الله دغلا
وفي رواية بدل دين الله كتاب الله قال ابن كثير وهذا الحديث أي ذكر بني أمية وذكر الأربعين منقطع ولما بلغ الوليد ما ذكر خبيب كتب لإبن عمه عمر بن عبدالعزيز وهو والي المدينة أن يضرب خبيبا هذا مائة سوط ففعل ثم برد ماء في جرة وصبه أي في يوم شات عليه وحبسه فلما اشتد وجعه أخرجه وندم على ما فعل فلما مات وسمع بموته سقط إلى الأرض واسترجع واستعفى من ولاية المدينة فكان عمر بن عبدالعزيز إذا قيل له أبشر قال كيف أبشر وخبيب على الطريق أي عائق لي
وفي دلائل النبوة للبيهقي عن بعضهم قال كنت عند معاوية بن أبي سفيان ومعه ابن عباس على السرير فدخل عليه مروان بن الحكم فكلمه في حاجته وقال اقص حاجتي يا أمير المؤمنين فوالله إن مؤنتي لعظيمة فإني أبو عسرة وعم عشرة وأخو عشرة فلما أدبر مروان قال معاوية لابن عباس رضي الله تعالى عنهما أشهدك بالله يا ابن عباس أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله بينهم دولا وعباد الله تعالى خولا وكتاب الله دغلا فإذا بلغوا تسعة وتسعين وأربعمائة كان هلاكهم أسرع من لوك تمرة فقال ابن عباس اللهم نعم ثم ذكر مروان حاجة فرد مروان ولده عبدالملك إلى معاوية فكلمه فيها فلما أدبر عبدالملك قال معاوية أنشدك الله يا ابن عباس أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر هذا فقال أبو الجبابرة الأربعة فقال ابن عباس اللهم نعم فإن أربعة من ولده ولوا الخلافة فليتأمل هذا فإنه ربما يدل على أن عبدالملك صحابي إلا أن يقال ذكره قبل وجوده فهو من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم وفي كلام ابن كثير هذا الحديث في غرابة ونكارة شديدة
هذا وقد رأيت عن بعض حواشي الكشاف أن أعداء عبدالله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما هم الذين كانوا يكنونه بأبي خبيب لأن خبيبا كان من أخس أولاده ويرده قول بعضهم يغلب للشرف كالخبيبين لخبيب بن عبدالله بن الزبير وأخيه مصعب
وذكر ابن الجوزي أيضا فيمن ضرب بالسياط من العلماء سعيد بن المسيب ضربه عبدالملك بن مروان مائة سوط لأنه بعث ببيعة الوليد إلى المدينة فلم يبايع سعيد فكتب أن يضرب مائة سوط ويصب عليه جرة ماء في يوم شات ويلبس جبة صوف ففعل به ذلك أي كما فعل بخبيب
ثم رأيت في تاريخ الحافظ ابن كثيرة لما عهد عبدالملك لولده الوليد في حياته وانتهت البيعة إلى المدينة امتنع سعيد بن المسيب أن يبايع فضربه نائب المدينة ستين سوطا وألبسه ثيابا من شعر وأركبه جملا وطاف به في المدينة ثم أودع السجن فلما بلغ ذلك عبدالملك أرسل يعنف والي المدينة على ذلك ويأمره بإخراجه من الحبس هذا كلامه
وفي كلام البلاذري وكان جابر بن الأسود عاملا لإبن الزبير على المدينة وهو الذي ضرب سعيد بن المسيب ستين سوطا إذ لم يبايع لإبن الزبير هذا كلامه إلا أن يقال لا مانع أن يكون سعيد فعل به الأمران لأن ولاية ابن الزبير سابقة على ولاية عبدالملك والد الوليد ثم رأيت الحافظ ابن كثير صرح بذلك حيث ذكر أن سعيد بن المسيب ضرب بالسياط المذكورة وفعل به ما تقدم لما امتنع من المبايعة لابن الزبير وفعل به ذلك أيضا لما امتنع من البيعة للوليد
وفي طبقات الشيخ عبد الوهاب الشعراني رحمه الله تعالى في ترجمة سعيد بن المسيب وضربه عبدالملك بن مروان حيث امتنع من مبايعته وألبسه المسوح ونهى الناس عن مجالسته فكان كل من جلس إليه يقول له قم لا تجالسني فإنهم قد جلدوني ومنعوا الناس عن مجالستي هذا كلامه إلا أن يقال المراد امتنع من قبول مبايعة عبدالملك لولده الوليد فلا مخالفة وإنما امتنع سعيد بن المسيب من المبايعة للوليد لأنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه سيكون في هذه الأمة رجل يقال له الوليد فهو شر لأمتي من فرعون لقومه وفي رواية هو أضر على أمتي من فرعون على قومه زاد
في رواية يسد به ركن من أركان جهنم وفي لفظ زاوية من زوايا جهنم فكان الناس يرون أنه الوليد بن عبد الملك قال ابن كثير وهو الوليد ابن يزيد بن عبد الملك لا الوليد بن عبدالملك الذي هو عمه
وكان سعيد بن المسييب أعبر الناس للرؤيا قال له رجل رايت كأني أبول في يدى فقال تحتك ذات محرم فنظر فإذا بينه وبين امرأته رضاعة وأخذ سعيد تعبير الرؤيا عن أسماء بنت أبي بكر وهي أخذت ذلك عن والدها أبي بكر رضي الله تعالى عنهما وعن سعيد أخذ ابن سيرين ذلك
وعن ابن سيرين كان أبو بكر أعبر هذه الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم وكان يعبر الرؤيا في زمنه صلى الله عليه وسلم وفي حضرته وعن الزهري رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رؤيا فقصها على أبي بكر فقال رأيت كأني استبقت أنا وأنت درجة فسبقتك بمرقاتين ونصف قال يا رسول الله يقبضك الله إلى مغفرة ورحمة وأعيش بعدك سنتين ونصفا فكان كما عبر فقد عاش بعده صلى الله عليه وسلم سنتين وسبعة أشهر وقال له رأيتني أردفت غنما سوادا ثم أردفتها غنما بيضا حتى ما ترى السود فيها فقال أبوبكر يا رسول الله أما الغنم فإن العرب يسلمون ويكثرون والغنم البيض الأعاجم يسلمون حتى لاترى العرب فيهم من كثرتهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك عبرها الملك سحيرا
وسبب بناء عبدالله بن الزبير للكعبة أن يزيد بن معاوية لما وجه الجيش عشرين ألف فارس وسبعة آلاف راجل وأميرهم مسلم بن قتيبة لقتال أهل المدينة لما علم أنهم خرجوا عن طاعته أي وأظهروا شتمه وأعلنوا بأنه ليس له دين لأنه اشتهر عنه نكاح المحارم وإدمان شرب الخمر وترك الصلاة وأنه يلعب بالكلاب أي فقد ذكر بعض ثقات المؤرخين أنه كان له قرد يحضره مجلس شرابه ويطرح له وسادة ويسقيه فضلة كأسه واتخذ له أتانا وحشية قد ربضت له وصنع لها سرجا من ذهب يركب عليها ويسابق بها الخيل في بعض الأيام وكان يلبس عليه قباء وقلنسوة من الحرير الأحمر
وقد استفتى الكيا الهراسي من أكابر أئمتنا معاشر الشافعية كان من رءوس تلامذة إمام الحرمين نظير الغزالي عن يزيد هذا هل هو من الصحابة وهل يجوز لعنه فأجاب
بأنه ليس من الصحابة لأنه ولد في أيام عمر بن الخطاب وللإمام أحمد قولان أي في لعنه تلويح وتصريح وكذلك الإمام مالك وكذا لأبي حنيفة
ولنا قول واحد التصريح دون التلويح وكيف لا يكون كذلك وهو اللاعب بالنرد والمصيد بالفهود ومدمن الخمر وشعره في الخمر معلوم هذا كلامه
وسئل الغزالي هل من صرح بلعن يزيد يكون فاسقا وهل يجوز الترحم عليه فأجاب بأن من لعنه يكون فاسقا عاصيا لأنه لا يجوز لعن المسلم ولا يجوز لعن البهائم فقد ورد النهى عن ذلك وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة بنص النبي صلى الله عليه وسلم ويزيد صح إسلامه وما صح أمره بقتل الحسين ولا رضاه بقتله وما لم يصح منه ذلك لا يجوز أن يظن به ذلك فإن إساءة الظن بالمسلم حرام وإذا لم يعرف حقيقة الأمر وجب إحسان الظن به ومع هذا فالقتل ليس بكفر بل هو معصية وأما الترحم عليه فهو جائز بل هو مستحب لأنه داخل في المؤمنين في قولنا في كل صلاة اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات هذا كلامه وكان على ما أفتى به الكيا الهراسى من جواز التصريح بلعنه أستاذنا الأعظم الشيخ محمد البكري تبعا لوالده الأستاذ الشيخ أبي الحسن
وقد رأيت في كلام بعض أتباع استاذنا المذكور في حق يزيد ما لفظه زاده الله خزيا وضعه وفي أسفل سجين وضعه
وفي كلام ابن الجوزي أجاز العلماء الورعون لعنه وصنف في إباحة لعنه مصنفا
وقال السعد التفتازاني إني لأشك في إسلامه بل في إيمانه فلعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه وعلى هذا يكون مستثنى من عدم جواز لعن الكافر المعين بالشخص
ولما خلعوا أي أهل المدينة بيعة يزيد ولوا عليهم عبدالله بن حنظلة غسيل الملائكة وأخرجوا والي يزيد من المدينة وهو مروان بن الحكم وبني أمية حتى قال بعضهم ما خرجنا عليه حتى خفنا أن نرمى بحجارة من السماء فكانت وقعة الحرة المشهورة التي كادت تبيد أهل المدينة عن آخرهم قتل فيها الجم الكثير من الصحابة والتابعين وقيل المقتول فيها من الصحابة ثلاثة منهم عبدالله بن حنظلة ونهبت المدينة وافتض فيها ألف عذراء أي ولم تقم الجماعة ولا الأذان في المسجد النبوي مدة المقاتلة وهي ثلاثة أيام
في كلام بعضهم ووقع من ذلك الجيش الذي وجهه يزيد للمدينة من القتل والفساد العظيم والسبى وإباحة المدينة وقتل من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ومن التابعين خلق كثيرون وكانت عدة المقتولين من قريش والأنصار ثلثمائة وستة رجال ومن قراء القرآن نحو سبعمائة نفس
وفي التنوير لابن دحية وقتل من وجوه المهاجرين والأنصار ألف وسبعمائة ومن حملة القرآن سبعمائة وجالت الخيل في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وراثت بين القبر الشريف والمنبر واختفت أهل المدينة حتى دخلت الكلاب المسجد وبالت على منبره صلى الله عليه وسلم ولم يرض أمير ذلك الجيش من أهل المدينة إلا بأن يبايعوه ليزيد على أنهم خول أي عبيد له إن شاء باع وإن شاء أعتق حتى قال له بعض أهل المدينة البيعة على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فضرب عنقه
وروى البخاري أن عبدالله بن عمر رضي الله تعالى عنهما لما أرجف أهل المدينة يزيد دعا بنيه ومواليه وقال لهم إنا بايعنا هذا الرجل على بيعة الله وبيعة رسوله وإنه والله لا يبلغني عن أحد منكم أنه خلع يدا من طاعته إلا كان التنصل بيني وبينه ثم لزم بيته ولزم أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه بيته أيضا فدخل عليه جمع من الجيش بيته فقالوا له من أنت أيها الشيخ فقال أنا أبو سعيد الخدري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا قد سمعنا خبرك ولنعم ما فعلت حين كففت يدك ولزمت بيتك ولكن هات المال فقال قد أخذه الذين دخلوا قبلكم على وما عندي شيء فقالوا كذبت ونتفوا لحيته
وأما جابر بن عبدالله رضي الله تعالى عنه فخرج في يوم من تلك الأيام وهو أعمى يمشى في بعض أزقة المدينة وصار يعثر في القتلى ويقول تعس من أخاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له قائل من الجيش من أخاف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أخاف المدينة فقد أخاف ما بين جنبي فحمل عليه جماعة من الجيش ليقتلوه فأجاره منهم مروان وأدخله بيته
قال السهيلي وقتل في ذلك اليوم من وجوه المهاجرين والأنصار رضي الله تعالى عنهم ألف وسبعمائة وقتل من أخلاط الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان
فقد ذكر أن امرأة من الأنصار دخل عليها رجل من الجيش وهي ترضع صبيها وقد
أخذ ما وجد عندها ثم قال لها هات الذهب وإلا قتلتك وقتلك ولدك فقالت له ويحك إن قتلته فأبوه أبو كبشة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا من النسوة اللاتي بايعن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ الصبي من حجرها وثديها في فمه وضرب به الحائط حتى انتثر دماغه في الأرض فما خرج من البيت حتى أسود نصف وجهه وصار مثلة في الناس
قال السهيلي وأحسب هذه المرأة جدة للصبي لا أما له إذ يبعد في العادة أن تبايع امرأة وتكون يوم الحرة في سن من ترضع أي ولدا صغيرا لها ووقعة الحرة هذه من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم
ففي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم وقف بهذه الحرة وقال ليقتلن بهذا المكان رجال هم خيار أمتي بعد أصحابي
وعن عبدالله بن سلام رضي الله تعالى عنه أنه قال لقد وجدت قصة هذه الوقعة في كتاب يهوذ بن يعقوب الذي لم يدخله تبديل وأنه يقتل فيها رجال صالحون يجيئون يوم القيامة وسلاحهم على عواتقهم وهذه الوقعة كانت سنة ثلاث وستين ويقال كان يزيد أعذر أهل المدينة قبل هذه الوقعة فيما ذكروه وبذل لهم من العطاء أضعاف ما يعطى الناس رغبة في إستمالتهم إلى الطاعة وتحذيرهم من الخلاف ولكن يأبى الله إلا ما أراد
وفي التنوير أن الله ابتلى أمير هذا الجيش الذي هو مسلم بن قتيبة بعد ثلاثة أيام من أخذه البيعة بمرض صار ينبح منه كالكلب إلى أن مات وولى أمر الجيش بعده الحصين ابن نمير بأمر يزيد فإنه وصى مسلم بن قتيبة لما ولاه إمرة الجيش وقال له إذا أشرفت على الموت أي لأنه كان مريضا بالإستسقاء فول أمر الجيش للحصين وهذا الذي وقع من يزيد فيه تصديق لقوله صلى الله عليه وسلم لا يزال أمر أمتي قائما بالقسط حتى يثلمه رجل من بني أمية يقال له يزيد
وقد جاء عن سعيد بن المسيب رضي الله تعالى عنه لقد رأيتني ليالى الحرة وما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم غيري وما يأتي وقت صلاة إلا سمعت الأذان والإقامة من القبر الشريف
ومما يؤثر عن سعيد بن المسيب الدنيا نذلة تميل إلى الأنذال ومن استغنى بالله افتقر إليه الناس
ومن جملة من خلع يزيد وقتل من الصحابة في تلك الوقعة مغفل بن سنان الأشجعي رضي الله تعالى عنه روى علقمة عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يسم لها صداقا ولم يدخل بها حتى مات فقال ابن مسعود لها مثل مهر نسائها لا وكس ولا شطط وعليها العدة ولها الميراث فقام مغفل بن سنان وقال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بروع بنت واشق امرأة منا مثل ما قضيت ففرح ابن مسعود
وسبب مقاتلة عبدالله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما لأنه امتنع من المبايعة ليزيد أيضا هو والحسين رضي الله تعالى عنهما لما أرسل إليهما يطلب منهما المبايعة له فامتنعا من ذلك وفرا من المدينة إلى مكة
ثم لما قتل الحسين رضي الله تعالى عنه أي لأن الحسين أرسل إليه أهل الكوفة أن يأتيهم ليبايعوه فأراد الذهاب إليهم فنهاه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وبين له غدرهم وقتلهم لأبيه وخذلانهم لأخيه الحسن رضي الله تعالى عنه ونهاه ابن عمر وابن الزبير رضي الله تعالى عنهم فأبى إلا أن يذهب فبكى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقال واحبيباه وقال له ابن عمر أستودعك الله من قتيل وكان أخوه الحسن قال له إياك وسفهاء الكوفة أن يستخفوك فيخرجوك ويسلموك فتندم ولات حين مناص وقد تذكر ذلك ليلة قتله فترحم على أخيه الحسن ولم يبق بمكة إلا من حزن على مسيره وقدم أمامه إلى الكوفة مسلم بن عقيل فبايعه من أهل الكوفة للحسين إثنا عشر ألفا وقيل أكثر من ذلك ولما شارف الكوفة جهز إليه أميرها من جانب يزيد وهو عبدالله بن زياد عشرين الف مقاتل وكان أكثرهم ممن بايع له لأجل السحت العاجل على الخير الآجل فلما وصلوا إليه ورأى كثرة الجيش طلب منهم إحدى ثلاث إما أن يرجع من حيث جاء أو يذهب إلى بعض الثغور أو يذهب إلى يزيد يفعل فيه ما أراد فأبوا وطلبوا منه نزوله على حكم ابن زياد وبيعته ليزيد فابى فقاتلوه إلى أن أثخنته الجراحة فسقط إلى الأرض فحزوا رأسه ذلك يوما عاشوراء عام إحدى وستين ووضع ذلك الرأس بين يدي عبدالله بن زياد ولما جاء خبر قتل
الحسين رضي الله تعالى عنه قام ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما في الناس يعظم قتل الحسين وجعل يظاهر بعيب يزيد ويذكر شربه الخمر وغير ذلك ويثبط الناس عن بيعته ويذكر مساوى بني أمية ويطنب في ذلك ولما بلغ يزيد ذلك أقسم أن لا يؤتى به إلا مغلولا فجاء إليه رجل من أهل الشام في خيل من خيل الشام وتكلم مع ابن الزبير وعظم على ابن الزبير الفتنة وقال لا يستحل الحرم بسببك فإن يزيد غير تاركك ولا تقوى عليه وأقسم أن لا يؤتى بك إلا مغلولا وقد عملت لك غلا من فضة وتلبس فوقه الثياب وتبر قسم أمير المؤمنين فالصلح خير عاقبة وأجمل بك وبه فقال له أنظر في أمري ثم دخل على أمه أسماء رضي الله تعالى عنها واستشارها فقالت يا بني عش كريما أو مت كريما ولا تمكن بني أمية من نفسك فتلعب بك فامتنع وصار يبايع الناس سرا ثم أظهر المبايعة فاجتمع عليه أهل الحجاز ولحق به من انهزم من وقعة الحرة فلما جاء الجيش إلى مكة حاصر عبدالله وضرب بالمنجنيق نصبه على أبي قبيس قيل وعلى الأقمر وهم أخشبا مكة فأصاب الكعبة من ناره ما حرق ثيابها وسقفها فإن الكعبة كانت في زمن قريش مبنية مدماك من خشب الساج ومدماك من حجارة كما تقدم
وذكر في الشرف أن الله تعالى بعث عليهم صاعقة بعد العصر فأحرقت المنجنيق وأحرقت تحته ثمانية عشر رجلا من أهل الشام ثم عملوا منجنيقا آخر فنصبوه على أبي قبيس
ويذكر أن النار لما أصابت الكعبة أنت بحيث يسمع أنينها كأنين المريض آه آه وهذا من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم فقد جاء إنذاره صلى الله عليه وسلم بتحريق الكعبة فعن ميمونة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف أنتم إذا مرج الدين فظهرت الرغبة والرهبة وحرق البيت العتيق وفي العرائس إن أول يوم تكلم الناس في القدر ذلك اليوم فقيل إحراق الكعبة من قدر الله وقيل ليس من قدر الله والمتكلم بذلك حينئذ قيل أبو معبد الجهني وقيل أبو الأسود الدؤلي وقيل غير ذلك
وقوله أول يوم تكلم الناس في القدر لعل المراد أول يوم اشتهر واستفيض فيه الكلام من الناس في القدر فلا يخالف ما حكى أن شخصا قال لعلي رضي الله تعالى عنه وهو بصفين يا أمير المؤمنين أخبرنا عن مسيرنا هذا أكان بقضاء الله وقدره فقال
نعم والذي خلق الحبة وبرأ النسمة ما وطئنا موطئا ولا قطعنا واديا ولا علونا شرفا إلا بقضائه وقدره
والتكلم في القدر ليس من خصائص هذه الأمة فقد تكلمت فيه الأمم قبلها وفي الحديث ما بعث الله نبيا إلا في امته ذرية يشوشون عليه أمر أمته ألا وإن الله تعالى قد لعن القدرية على لسان سبعين نبيا وقد جاء في ذم القدرية زيادة على ما تقدم منها القدرية مجوس هذه الأمة إن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوهم وجاء اتقوا القدر فإنه شعبة من النصرانية وجاء أخاف على أمتي التكذيب بالقدر
وإنما كانت القدرية مجوس هذه الأمة لأن طائفة من القدرية تقول يأتي الخير من الله والشر من العبد وهؤلاء الطائفة أشبه بالمجوس القائلين بالأصلين النور والظلمة وأن الخير من النور والشر من الظلمة وهم المانوية وإنما كان القدر شعبة من النصرانية لأن أكثر القدرية على أنه ليس من أفعال العبد من خير أو شر ناشئا عن إقدار الله تعالى له على ذلك بل هو ناشيء عن قدرة العبد وإختياره فقد أثبتوا لله تعالى شريكا كما أن النصارى أثبتوا الشريك لله تعالى فهذه الفرقة من القدرية أشبهت النصارى فكان القدر شعبة من النصرانية بهذا الإعتبار وقد أوضحت ذلك في تعليق المسمى ب المصباح المنير على الجامع الصغير وفيه أخر الكلام على القدر لشرار أمتي في آخر الزمان فإن الحق إسناد الفعل إلى الله تعالى إيجادا وللعبد إكتسابا
وقيل إن سبب بناء عبدالله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما للكعبة أن امرأة بخرتها فطارت شرارة فعلقت بثيابها فحصل ذلك ولا مانع من التعدد وقد وقع أيضا إحتراقها بتبخير المرأة في زمن قريش ولا مانع من تعدد ذلك كما تقدم
وعد بعضهم أن من البدع تجمير المسجد وأن مالكا كرهه وقد روى أن مولى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان يجمر المسجد النبوي إذا جلس عمر رضي الله عنه على المنبر يخطب ومع حرق الكعبة حرق قرنا الكبش الذي فدى به إسماعيل فإنهما كانا معلقين بالسقف
أقول ولعل تعليقهما في السقف كان بعد تقليقهما في الميزاب فقد ذكر بعضهم جاء الإسلام ورأس الكبش معلق بقرنيه في ميزاب الكعبة ويدل لتعليقهما في السقف ما جاء عن صفية بنت شيبة قالت لعثمان بن طلحة لم دعاك النبي صلى الله عليه وسلم بعد
خروجه من البيت قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم إني رأيت قرني الكبش في البيت فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فخمرهما فإنه لا ينبغي أي يكون في البيت شيء يشغل مصليا
وذكر الجلال المحلى في قطعة التفسير أن الكبش المذكور هو الذي قربه هابيل جاء به جبريل فذبحه السيد إبراهيم عليه الصلاة والسلام مكبرا أي وحينئذ تكون النار التي أنزلت في زمن هابيل لم تأكله بل رفعته إلى السماء وحينئذ يكون قول بعضهم فنزلت النار فأكلته على التسمح ويدل لما ذكر الجلال ما جاء أنه صلى الله عليه وسلم قال لجبريل عليه الصلاة والسلام ما كان ذبح إبراهيم أي مذبوحه قال الذي قرب ابن آدم قال بعضهم وهذا الحديث لم يثبت قيل ووصف بأنه عظيم لأنه رعى في الجنة أربعين عاما وقيل كان الكبش إختراعا اخترعه الله هناك في ذلك الوقت قال بعضهم فقد فدى من الموت بصورة الموت وهذا كله بناء على أن الذي قربه هابيل كان كبشا وقيل كان جملا سمينا وعليه اقتصر القاضي فلينظر الجمع على تقدير صحة كل وانصدع الحجر من تلك النار من ثلاثة أماكن وعند محاصرة الجيش لعبد الله جاء الخبر بموت يزيد
ويقال إن ابن الزبير علم بموت يزيد قبل أن يعلم الجيش وهم أهل الشام فنادى فيهم يا أهل الشام قد أهلك الله طاغيتكم يعنى يزيد فمن أحب منكم أن يدخل فيما دخل فيه الناس فعل ومن أحب أن يرجع إلى شأنه فليفعل فانفل الجيش وبايع عبدالله بن الزبير جماعة بالخلافة ودخلوا في طاعته ظاهرا
ويقال إن أمير الجيش طلب من ابن الزبير أن يحدثه فخرج من الصفين حتى اختلفت رءوس فرسيهما وجعل فرس أمير الجيش ينفر ويكفها فقال له ابن الزبير مالك فقال إن حمام الحرم تحت رجليها فأكره أن أطأ حمام الحرم فقال تفعل هذا وأنت تقتل المسلمين فقال له تأذن لنا أن نطوف بالكعبة ثم نرجع إلى بلادنا فأذن لهم فطافوا وقال له إن كان هذا الرجل قد هلك فأنت أحق الناس بهذا الأمر يعني الخلافة فارحل معي إلى الشام فوالله لا يختلف عليك إثنان فلم يثق به ابن الزبير وأغلظ عليه القول فكر راجعا وهو يقول أعده بالملك وهو يعدني بالقتل ومن ثم قيل كان في ابن الزبير خلال لا تصلح معها الخلافة منها سوء الخلق وكثرة الخلاف ودخل في طاعة ابن الزبر جميع أهل البلدان إلا الشام ومصر فإن مروان بن الحكم تغلب عليها بعد موت
معاوية بن يزيد بن معاوية فإن معاوية هذا مكث في الخلافة أربعين يوما وقيل عشرين يوما بعد أن كان مروان عزم على أن يبايع لإبن الزبير بدمشق
وقد كان ابن الزبير لما ولى أخاه نائبا عنه بالمدينة أمره بإجلاء بني أمية وفيهم مروان وإبنه عبدالملك إلى الشام فلما أراد مروان أن يبايع ابن الزبير بدمشق ثنى عزمه عن ذلك جماعة وقالوا له أنت شيخ قريش وسيدها وقد فعل معكم ابن الزبير ما فعل فأنت أحق بهذا الأمر فوافقهم ومكث تسعة أشهر في الخلافة وهو الرابع من خلفاء بني أمية وقام بالأمر بعده ولده عبدالملك وهو أول من سمى عبدالملك في الإسلام ثم عهد عبدالملك لأولاده الأربعة من بعده الوليد ثم سليمان ثم يزيد ثم هشام وادعى عمرو بن سعيد أن مروان عهد إليه بعد ابنه عبدالملك فضاق عبدالملك بذلك ذرعا واستعجل أمر عمرو بدمشق فلم يزل به عبدالملك حتى قتله
وفي كلام ابن ظفر أن عبدالملك لما خرج لمقاتلة عبدالله بن الزبير خرج معه عمرو بن سعيد وقد انطوى على دغل نية وفساد طوية وطماعيته في نقل الخلافة فلما ساروا عن دمشق أياما تمارض عمرو بن سعيد واستأذن عبدالملك في العودة إلى دمشق فأذن له فلما عاد ودخل دمشق صعد المنبر وخطب خطبة نال فيها من عبدالملك ودعا الناس إلى خلعه فأجابوه إلى ذلك وبايعوه فاستولى على دمشق وحصن سورها وبذل الرغائب وبلغ ذلك عبدالملك وهو متوجه إلى أبن الزبير فأشير على عبدالملك أن يرجع إلى دمشق ويترك ابن الزبير لأن ابن الزبير لم يعطه طاعة ولا وثب له على مملكة فهو في صورة ظالم له وقصده لعمرو بن سعيد في صورة مظلوم لأنه نكث بيعته وخان أمانته وأفسد رعيته فرجع إلى دمشق فظفر بعمرو بن سيعد
ويقال إن سبب بناء عبدالله بن الزبير رضي الله تعالى عنه للكعبة أنه جاء سيل فطبقها فكان عبدالله رضي الله تعالى عنه يطوف سباحة أي ولا مانع من وجود الأمرين الحرق والسيل فلما رأى عبدالله ما وقع في الكعبة شاور من حضر ومن جملتهم عبدالله بن عباس رضي الله تعالى عنهما في هدمها فهابوا هدمها وقالوا نرى أن يصلح ما وهي ولا تهدم فقال لو أن بيت أحدكم أحرق لم يرض له إلا بأكمل إصلاح ولا يكمل إصلاحها إلا بهدمها
وقد حدثته خالته عائشة رضي الله تعالى عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه
قال لها ألم ترى قومك يعنى قريشا حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام حين عجزت بهم النفقة لولا حدثان قومك بالجاهلية أي قرب عهدهم بها أي وفي لفظ لولا الناس حديثو عهد الجاهلية أي قريب عهدهم بها أي وفي لفظ لولا الناس حديثو عهد بكفر وليس عندي من النفقة ما يقوى على بنائها لهدمتها وجعلت لها خلفا أي بابا من خلفها أي وفي لفظ لجعلت لها بابا يدخل منه وبابا بحياله يخرج الناس منه وفي لفظ وجعلت لها بابين بابا شرقيا وبابا غربيا وألصقت بابها الأرض أي كما كان عليه في زمن إبراهيم ولأدخلت الحجر فيها أي وفي رواية لأدخلت نحو ستة أذرع وفي رواية ستة أذرع وشيئا وفي رواية وشبرا وفي رواية قريبا من سبعة أذرع فقد اضطربت الروايات في القدر الذي أخرجته قريش وفي لفظ لأدخلت فيها ما أخرج منها وفي لفظ لجعلتها على أساس إبراهيم وأزيد أي بأن أزيد في الكعبة من الحجر أي ذلك ما أخرجته قريش خشى صلى الله عليه وسلم أن تنكر قلوبهم هدم بنائهم الذي يعدونه من أكمل شرفهم فربما حصل لهم الإرتداد عن الإسلام
وقد ذكر بعضهم أن كل من بنى الكعبة بعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يبنها إلا على قواعد إبراهيم غير أن قريشا ضاقت بهم النفقة أي الحلال الحديث وهذا بناء على أن من بعد إبراهيم وقبل قريش بناها كلها وليس كذلك بل الحاصل منهم إنما هو ترميم لها فقوله لم يبنها إلا على قواعد إبراهيم ليس على ظاهره بل المراد أنه أبقاها على ذلك
قال وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال لعبدالله دع بناء وأحجارا أسلم عليها المسلمون وبعث عليها النبي صلى الله عليه وسلم أي فإنه يوشك أن يأتي بعدك من يهدمها فلا يزال يهدم ويبنى فيتهاون الناس بحرمتها ولكن ارفعها أي رمها فقال عبدالله إني مستخير ربي ثلاثا ثم عازم على أمري فلما مضى الثلاث أجمع أمره على أن ينقضها فتحاماها الناس وخشوا أن ينزل بأول الناس يقصدها أمر من السماء حتى صعدها رجل فألقى منها حجارة فلم ير الناس أصابه شيء فتابعوه
أي وقيل أول فاعل لذلك عبدالله بن الزبير نفسه رضي الله تعالى عنه وخرج ناس كثير من مكة إلى منى ومنهم ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فأقاموا بها ثلاثا مخافة أن
يصيبهم عذاب شديد بسبب هدمها وأمر ابن الزبير جماعة من الحبشة بهدمها رجاء أن يكون فيهم الذي أخبر به صلى الله عليه وسلم أنه يهدمها
وفيه أن الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يهدمها ذكر صفته حيث قال كأني أنظر إليه أسود أفحج ينقضها حجرا حجرا وجاء في وصفه أنه مع كونه أفحج الساقين أزرق العينين أفطس الأنف كبير البطن ووصف أيضا بأنه أصلع وفي لفظ أجلح وهو من ذهب شعر مقدم رأسه ووصف بأنه أصعل أي صغير الرأس وبأنه أصمع أي صغير الأذنين معه أصحابه ينقضونها حجرا حجرا ويتناولونها حتى يرموا بها إلى البحر
أي وقوله ويتناولونها حتى يرموا بها إلى البحر لعله لم يثبت عند ابن الزبير وكذا تلك الأوصاف وهدم الحبشة لها يكون بعد موت عيسى عليه الصلاة والسلام ورفع القرآن من الصدور والمصاحف أي وورد أن أول ما يرفع رؤيته صلى الله عليه وسلم في المنام والقرآن وأول نعمة ترفع من الأرض العسل وقيل يكون هدمها في زمن عيسى عليه الصلاة والسلام
وجمع بأنه يهدم بعضها في زمن عيسى عليه الصلاة والسلام فإذا جاءهم الصريخ هربوا فإذا مات عيسى عادوا وكملوا هدمها
فهدمها عبدالله إلى أن انتهى الهدم إلى القواعد أي التي هي الأساس قال وفي رواية كشف له عن أساس إبراهيم عليه الصلاة والسلام فوجده داخلا في الحجر ستة أذرع وشيئا وأحجار ذلك الأساس كأنها أعناق الإبل حجارة حمراء آخذ بعضها في بعض مشبكة كتشبك الأصابع وأصاب فيه قبر أم إسمعيل عليه الصلاة والسلام وهذا ربما يدل على أنه لم يصب فيه قبر إسمعيل وهو يؤيد القول بأن قبره في حيال الموضع الذي فيه الحجر الأسود لا في الحجر كما ذكره الطبري وأنه تحت البلاطة الخضراء التي بالحجر كما تقدم فدعا عبدالله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما خمسين رجلا من وجوه الناس وأشرافهم وأشهدهم على ذلك الأساس وأدخل عبدالله ابن المطيع العدوي عتلة كانت بيده في ركن من أركان البيت فتزعزت الأركان كلها فارتج جوانب البيت ورجفت مكة بأسرها رجفة شديدة وطارت منه برقة فلم يبق دار من دور مكة إلا دخلت فيها ففزعوا
أقول تقدم في بناء قريش أنهم أفضوا إلى حجارة خضر كالأسنمة آخذ بعضها ببعض وأن رجلا أدخل عتلته بين حجرين منها فحصل نحو ما ذكر
وقد يقال لا مخالفة بين كون تلك الأحجار كانت خضراء وبين كونها حمراء لأنه يجوز أن تكون حمرة تلك الاحجار ليست صافية بل هي قريبة من السواد ومن ثم وصفت بأنها زرق كما تقدم والأسود يقال له أخضر كما أن الأخضر غير الصافي يقال له أسود والصافي يقال له أزرق والله أعلم
وجعل عبدالله على تلك القواعد ستورا فطاف الناس بتلك الستور حتى بنى عليها وارتفع البناء وزاد في أتفاعها على ما كانت عليه في بناء قريش تسعة أذرع فكانت سبعا وعشرين ذراعا زاد بعضهم وربع ذراع وبناها على مقتضى ما حدثته به خالته عائشة رضي الله تعالى عنها فأدخل فيه الحجر أي لأنه يجوز أن يكون إدخال الحجر هو الذي سمعه من عائشة فعمل به دون غير ذلك من الروايات المتقدمة الدال على أن الحجر ليس من البيت وإنما منه ستة أذرع وشبر أو قريب من سبعة أذرع
وفيه أن هذا أي قوله فأدخل فيه الحجر هو الموافق لما تقدم من أن قريش أخرجت منها الحجر وهو واضح إن كان وجد الأساس خارجا عن جميع الحجر
وأما إذا لم يكن خارجا عن جميع الحجر كيف يتعداه ولا يبنى عليه إعتمادا على ما حدثته به خالته عائشة رضي الله تعالى عنها على أنه سيأتي عن نص حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنه صلى الله عليه وسلم قال لها فإن بدا لقومك من بعد أن يبنوا فهلمي لأريك ما تركوا منه فأراها قريبا من ستة أذرع فليتأمل وجعل لها خلفا أي بابا من خلفها وألصقه بالأس كالمقابل له
قال ولما ارتفع البناء إلى مكان الحجر الأسود وكان في وقت الهدم وجد مصدعا بسبب الحريق كما تقدم فشده بالفضة ثم جعله في ديباجة وأدخله في تابوت وأقفل عليه وأدخله دار الندوة فحين وصل البناء إلى محله أمر إبنه حمزة وشخصا آخر أن يحملاه ويضعاه محله وقال إذا وضعتماه وفرغتما فكبرا حتى أسمعكما فأخفف صلاتي فإنه صلى بالناس بالمسجد إغتناما لشغلهم عن وضعه لما أحس منهم بالتناقض في ذلك أي أن كل واحد يريد أن يضعه وخاف الخلاف فلما كبر تسامع الناس بذلك فغضب جماعة من قريش حيث لم يحضرهم
وكون الحجر وجد مصدعا بسبب الحريق وكون ابن الزبير شده كذلك بالفضة لا ينافى ما وقع بعد ذلك من أن أبا سعيد كبير القرامطة وهم طائفة ملاحدة ظهروا بالكوفة سنة سبعين ومائتين يزعمون أن لا غسل من الجنابة وحل الخمر وأنه لا صوم في السنة إلا يوم النيروز والمهرجان ويزيدون في أذانهم وأن محمد بن الحنفية رسول الله وأن الحج والعمرة إلى بيت المقدس وافتتن بهم جماعة من الجهال وأهل البراري وقويت شوكتهم حتى انقطع الحج من بغداد بسببه وسبب ولده أبي طاهر فإن ولده أبا طاهر بنى دارا بالكوفة وسماها دار الهجرة وكثر فساده وإستيلاؤه على البلاد وقتله المسلمين وتمكنت هيبته من القلوب وكثرت أتباعه وذهب إليه جيش الخليفة المقتدر بالله السادس عشر من خلفاء بني العباس غير ما مرة وهو يهزمهم
ثم إن المقتدر سير ركب الحاج إلى مكة فوافاهم أبو طاهر يوم التروية فقتل الحجيج بالمسجد الحرام وفي جوف الكعبة قتلا ذريعا وألقى القتلى في بئر زمزم وضرب الحجر الأسود بدبوسه فكسره ثم اقتلعه وأخذه معه وقلع باب الكعبة ونزع كسوتها وسققها بين أصحابه وهدم قبة زمزم وارتحل عن مكة بعد أن أقام بها أحد عشر يوما ومعه الحجر الأسود وبقى عند القرامطة أكثر من عشرين سنة أي والناس يضعون أيديهم محله للتبرك ودفع لهم فيه خمسون ألف دينار فأبوا حتى أعيد في خلافة المطيع وهو الرابع والعشرون من خلفاء بني العباس فأعيد الحجر إلى موضعه وجعل له طوق فضة شدد زنته ثلاثة آلاف وسبعمائة وتسعون درهما ونصف
قال بعضهم تأملت الحجر وهو مقلوع فإذا السواد في رأسه فقط وسائره أبيض وطوله قدر عظم الذراع
وبعد القرامطة في سنة ثلاث عشرة وأربعمائة قام رجل من الملاحدة وضرب الحجر الأسود ثلاث ضربات بدبوس فتشقق وجه الحجر من تلك الضربات وتساقطت منه شظيات مثل الأظفار وخرج مكسره أسمر يضرب إلى الصفرة محببا مثل حب الخشخاش فجمع بنو شيبة ذلك الفتات وعجنوه بالمسك واللك وحشوه في تلك الشقوق وطلوه بطلاء من ذلك وجعل طول الباب أحد عشر ذراعا والباب الآخر بإزائه كذلك
فلما فرغ من بنائها خلقها من داخلها وخارجها بالخلوق أي الطيب والزعفران وكساها القباطي أي وهو ثياب بيض رقاق من كتان تتخذ بمصر
وفي كلام بعضهم أول من كسا الكعبة الديباج عبدالله بن الزبير
وأقول وبناء عبدالله للكعبة من جملة أعلام النبوة لأنه من الإخبار بالمغيبات ففي نص حديث عائشة رضي الله تعالى عنها فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلمى لأريك ما تركوا منه فأراها قريبا من ستة أذرع وتقدم أن هذا يرد قول بعضهم أن ابن الزبير أدخل في بنائه جميع الحجر
قال بعضهم وهذا منه صلى الله عليه وسلم تصريح بالإذن في أن يفعل ذلك بعده صلى الله عليه وسلم عند القدرة عليه والتمكن منه
وقد قال المحب الطبري وهذا الحديث يعنى حديث عائشة رضي الله تعالى عنها يدل تصريحا وتلويحا على جواز التغيير في البيت إذا كان لمصلحة ضرورية أو حاجية أو مستحسنة
قال الشهاب ابن حجر الهيتمي ومن الواضح البين أن ما وهى وتشقق منها في حكم المنهدم أو المشرف على الإنهدام فيجوز إصلاحه بل يندب بل يجب هذا كلامه
وفي شعبان سنة تسع وثلاثين وألف جاء سيل عظيم بعد صلاة العصر يوم الخميس لعشرين من الشهر المذكور هدم معظم الكعبة سقط به الجدار الشامي بوجهيه وانحدر معه في الجدار الشرقي إلى حد الباب ومن الجدار الغربي من الوجهين نحو السدس وهدم أكثر بيوت مكة وأغرق في المسجد جملة من الناس خصوصا الأطفال فإن الماء ارتفع إلى أن سد الأبواب
وعند مجيء الخبر بذلك إلى مصر جمع متوليها الوزير محمد باشاه وهو الوزير الأعظم الآن أي في سنة ثلاث وأربعين وألف جمعا من العلماء كنت من جملتهم وقعت الإشارة بالمبادرة للعمارة وقد جعلت للوزير المذكور في ذلك رسالة لطيفة وقعت منه موقعا كبيرا وأعجب بها كثيرا حتى أنه دفعها لمن عبر عنها باللغة التركية وأرسل بها لحضرة مولانا السلطان مراد أعز الله أنصاره وذكرت فيها أن الحق أن الكعبة لم تبن جميعها إلا ثلاث مرات المرة الأولى بناء إبراهيم عليه الصلاة والسلام والثانية بناء قريش وكان بينهما ألفا سنة وسبعمائة سنة وخمس وسبعون سنة والثالثة بناء عبدالله بن الزبير أي وكان بينهما نحو إثنتين وثمانين سنة أي وأما بناء الملائكة وبناء آدم وبناء شيث لم يصح وأما بناء جرهم والعمالقة وقصى فإنما كان ترميما ولم تبن
بعد هدمها جميعا إلا مرتين مرة زمن قريش ومرة زمن عبدالله بن الزبير رضي الله تعالى عنه
وحينئذ يكون ما جاء في الحديث استكثروا من الطواف بهذا البيت قبل أن يرفع وقد هدم مرتين ويرفع في الثالثة معناه قد يهدم مرتين ويرفع في الهدم الثالث من الدنيا
وذكر الإمام البلقيني أن كون ابن الزبير أول من كسا الكعبة الديباج أشهر من القول بأن أول من كساها الديباج أم العباس بن عبدالمطلب كما سيأتي وجاز أن يكون عبدالله بن الزبير كساها أولا القباطي ثم كساها الديباج والله أعلم وكان كسوتها أي في زمن الجاهلية المسوح والأنطاع فإن أول من كساها تبع الحميري كساها الأنطاع ثم كساها الثياب الحميرية أي وفي رواية كساها الوصائل وهي برود حمر فيها خطوط خضر تعمل باليمن
وفي كلام الإمام البلقيني ويروى أن تبعا اليماني لما كساها الخسف انتفضت فزال ذلك عنها فكساها المسوح والأنطاع فانتفضت فزال ذلك عنها فكساها الوصائل فقبلتها قال والوصائل ثياب موصولة من ثياب اليمن
وفي الكشاف كان تبع الحميري مؤمنا وكان قومه كافرين ولذلك ذم الله قومه ولم يذمه
وعن النبي صلى الله عليه وسلم لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم وعنه عليه الصلاة والسلام ما أدرى أكان تبع نبيا أو غير نبي
هذا وقد نقل الشمس الحموي في كتابه المناهج الزهية والمباهج المرضية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه كان نبيا وقيل أول من كساها عدنان بن أدد وكانت قريش تشترك في كسوة الكعبة حتى نشأ أبو ربيعة بن المغيرة فقال لقريش أنا أكسو الكعبة سنة وحدى وجميع قريش سنة أي وقيل كان يخرج نصف كسوة الكعبة في كل سنة ففعل ذلك إلى أن مات فسمته قريش العدل لأنه عدل قريشا وحده في كسوة الكعبة ويقال لبنيه بنو العدل وكانت كسوتها لا تنزع فكان كلما تجدد كسوة تجعل فوق واستمر ذلك إلى زمنه صلى الله عليه وسلم ثم كساها النبي صلى الله عليه وسلم الثياب اليمانية
وفي كلام بعضهم أول من كسا الكعبة القباطي النبي صلى الله عليه وسلم وكساها أبو بكر وعمر وعثمان القباطي
وكساها معاوية الديباج والقابطي والحبرات فكانت تكسى الديباج يوم عاشوراء والقباطي في آخر رمضان والإقتصار على ذلك ربما يفيد أن عطف الحبرات على القباطي من عطف التفسير فليتأمل
وكساها المأمون الديباج الأحمر والديباج الأبيض والقباطي فكانت تكسى الأحمر يوم التروية والقباطي يوم هلال رجب والديباج الأبيض يوم سبع وعشرين من رمضان قال بعضهم وهكذا كانت تكسى في زمن المتوكل العباسي ثم في زمن الناصر العباسي كسيت السواد من الحرير واستمر ذلك إلى الآن في كل سنة وكسوتها من غلة قريتين يقال لهما بيسوس وسندبيس من قرى القاهرة وقفهما على ذلك الملك الصالح إسماعيل ابن الناصر محمد بن قلاوون في سنة نيف وخمسين وسبعمائة أي والآن زادت القرى على هاتين القريتين
والحاصل أن أول من كساها على الإطلاق تبع الحميري كما تقدم على الراجح وذلك قبل الإسلام بتسعمائة سنة
قيل وسبب كسوة أم عمه صلى الله عليه وسلم لها الديباج أن العباس ضل وهو صبي فنذرت إن وجدته لتكسون الكعبة فوجدته فكست الكعبة الديباج أي وكانت من بيت مملكة
وقيل أول من كساها الديباج عبدالملك بن مروان أي وهو المراد بقول ابن إسحاق أول من كساها الديباج الحجاج لأن الحجاج كان من أمراء عبدالملك
وقد سئل الإمام البلقيني هل تجوز كسوة الكعبة بالحرير المنسوج بالذهب ويجوز إظهارها في دوران المحمل الشريف فأجاب بجواز ذلك قال لما فيه من التعظيم لكسوتها الفاخرة التي ترجى بكسوتها الخلع السنية في الدنيا والآخرة ويجوز إظهارها في دوران المحمل الشريف فإن في ذلك المناسبة للحال المنيف هذا كلامه
أي وأول من حلى بابها بالذهب جده صلى الله عليه وسلم عبد المطلب فإنه لما حفر بئر زمزم وجد فيها الأسياف والعزالتين من الذهب فضرب الأسياف بابا لها وجعل في ذلك الباب الغزالتين فكان أول ذهب حليته الكعبة على ما تقدم
وأول من ذهب الكعبة في الإسلام عبدالملك بن مروان وقيل عبدالله ابن الزبير جعل على أساطينها صفائح الذهب وجعل مفاتيحها من الذهب وجعل الوليد بن عبدالملك الذهب على الميزاب
يقال إنه أرسل لعامله على مكة ستة وثلاثين ألف دينار يضرب منها على باب الكعبة وعلى الميزاب وعلى الأساطين التي داخلها وعلى أركانها من داخل
وذكر أن الأمين بن هرون الرشيد أرسل إلى عامله بمكة بثمانية عشر ألف دينار ليضرب بها صفائح الذهب على بابي الكعبة فقطع ما كان على الباب من الصفائح وزاد عليها ذلك وجعل مساميرها وحلقتي الباب والعتب من الذهب وإن أم المقتدر الخليفة العباسي أمرت غلامها لؤلؤ أن يلبس جميع أسطوانات البيت ذهبا ففعل
وقال عبدالله بن الزبير لما فرغ من بنائها من كان لي عليه طاعة فليخرج فليعتمر من التنعيم ومن قدر أن ينحر بدنة فليفعل فإن لم يقدر فشاة ومن لم يقدر فليتصدق بما تيسر وأخرج مائة بدنة فلما طاف استلم الأركان الأربعة جميعا فلم تزل الكعبة على بناء عبدالله بن الزبير تستلم أركانها الأربعة أي لأنها على قواعد إبراهيم عليه الصلاة والسلام ويدخل إليها من باب يخرج من باب حتى قتل أي قتله شخص من جيش الحجاج بحجر رماه به فوقع بين عينيه فقتل وهو بالمسجد لأن الحجاج كان أميرا على الجيش الذي أرسله عبدالملك بن مروان لقتاله
وكتب عبدالملك بن مروان إلى الحجاج أن اهدم ما زاده ابن الزبير فيها أي يهدم البناء الذي جعله على آخر الزيادة التي أدخلها في الكعبة وكانت قريش أخرجتها بدليل قوله وردها إلى ما كانت عليه وسد الباب الذي فتح أي وأن يرفع الباب الأصلي إلى ما كان عليه زمن قريش واترك سائرها أي لأنه اعتقد أن ابن الزبير فعل ذلك من تلقاء نفسه فكتب الحجاج إلى عبدالملك يخبره بأن عبدالله بن الزبير وضع البناء على أس قد نظر إليه العدول من أهل مكة أي وهم خمسون رجلا من وجوه الناس وأشرافهم كما تقدم فكتب إليه عبدالملك لسنا من تخبيط ابن الزبير في شيء فنقض الحجاج ما أدخل من الحجر وسد الباب الثاني أي الذي في ظهر الكعبة عند الركن اليماني ونقص من الباب الأول خمسة أذرع أي ورفعه إلى ما كان عليه في زمن قريش فبنى تحته أربعة أذرع وشبرا وبنى داخلها الدرجة الموجودة اليوم
وفي لفظ أن الحجاج لما ظفر بابن الزبير كتب إلى عبدالملك بن مروان يخبره أن ابن الزبير زاد في الكعبة ما ليس فيها وأحدث فيها بابا آخر واستأذن في رد ذلك على ما كانت عليه في الجاهلية فكتب إليه عبدالملك أن يسد بابها الغربي ويهدم ما زاد فيها من الحجر ففعل ذلك الحجاج فسائرها قبل وقوع هذا الهدم بالسيل الواقع في سنة تسع وثلاثين بعد الألف فبنيانه على بنيان ابن الزبير إلا الحجاب الذي يلي الحجر فإنه من بنيان الحجاج أي والبناء الذي تحت العتبة وهو أربعة أذرع وشبر فإن باب الكعبة كان على عهد العماليق وجرهم وإبراهيم عليه الصلاة والسلام لاصقا بالأرض حتى رفعته قريش كما تقدم وما سد به الباب الغربي والردم كان بالحجارة التي كانت داخل أرض الكعبة أي التي وضعها عبدالله بن الزبير أي ولعله إنما وضع في ذلك المحل الحجارة التي تصلح للبناء فلا ينافى ما أخبرني به بعض الثقات أن بعض بيوت مكة كان فيها بعض الحجارة التي أخرجت من الكعبة زمن عبدالله بن الزبير
ويقال إن ذلك البيت الذي كان فيه تلك الحجارة كان بيتا لعبدالله بن الزبير رضي الله تعالى عنه وبناء الحجاج كان في السنة التي قتل فيها عبدالله بن الزبير رضي الله تعالى عنه وهي سنة ثلاث وسبعين
قيل ولما دخل عبدالله بن الزبير رضي الله تعالى عنه وهو محاصر حاصره الحجاج خمسة أشهر وقيل سبعة أشهر وسبع عشرة ليلة على أمه أسماء رضي الله تعالى عنهما قبل قتله بعشرة أيام وهي شاكية أي مريضة فقال لها كيف تجدينك يا أمه قالت ما أجدني إلا شاكية فقال لها إن في الموت لراحة فقالت لعلك تبغيه لي ما أحب أن أموت حتى يأتي على أحد طرفيك إما قتلت وإما ظفرت بعدوك فقرت عيني ولما كان اليوم الذي قتل فيه دخل عليها في المسجد فقالت له يا بني لاتقبلن منهم خطة تخاف فيها على نفسك الذي تخافه القتل فوالله لضربة بالسيف في عز خير من ضربة سوط في ذل
ويقال إن الناس لا زالوا يتنقلون عن ابن الزبير إلى الحجاج لطلب الأمان وهو يؤمنهم حتى خرج إليه قريب من عشرة آلاف حتى كان من جملة من خرج إليه حمزة وخبيب ابنا عبدالله بن الزبير وأخذ لأنفسهما أمانا من الحجاج فأمنهما
ودخل عبدالله على أمه فشكا إليها خذلان الناس له وخروجهم إلى الحجاج حتى
أولاده وأهله وأنه لم يبق معه إلا اليسير والقوم يعطونني ما شئت من الدنيا فما رأيك فقالت يا بني أنت أعلم بنفسك إن كنت تعلم أنك على حق وتدعوا إلى حق فاصبر عليه فقد قتل أصحابك عليه ولا تمكن من رقبتك تلعب بها غلمان بني أمية وإن كنت إنما أردت الدنيا فلبئس العبد أنت أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك كم خلودك في الدنيا فدنا منها وقبل رأسها وقال والله ما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت الحياة فيها وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله أن تستحل حرمته
وبعد أن قتل وصلب على الجذع فوق الثنية ومضت ثلاثا أيام جاءت أمه أسماء رضي الله تعالى عنها تقاد لأن بصرها كان قد كف حتى وقفت عليه فدعت له طويلا ولم يقطر من عينها دمعة وقالت للحجاج أما آن لهذا الراكب أن ينزل فقال لها الحجاج المنافق رأيت كيف نصر الله الحق وأظهر أن ابنك ألحد في هذا البيت وقد قال تعالى { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم } وقد أذاقه الله ذلك العذاب الأليم
وفي كلام سبط ابن الجوزي أن ابن الزبير لما قال لعثمان رضي الله تعالى عنه وهو محاصر إن عندي نجائب أعددتها لك فهل لك أن تنجو إلى مكة فإنهم لا يستحلونك بها قال له عثمان سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يلحد رجل في الحرم من قريش أو بمكة يكون عليه نصف عذاب العالم فلن أكون أنا
وفي رواية قال له لا لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يلحد بمكة كبش من قريش اسمه عبدالله عليه مثل نصف أوزار الناس هذا كلامه
وعندي أن المراد بعبدالله الحجاج لا ابن الزبير ولا مانع أن يكون الحجاج من قريش على أن الذي في الصواعق لابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى أن القائل لعثمان ذلك المغيرة بن شعبة
ولما سمعت سيدتنا أسماء رضي الله تعالى عنها الحجاج يقول في ولدها المنافق قالت له كذبت والله ما كان منافقا ولكنه كان صواما قواما برا كان أول مولود ولد في الإسلام بالمدينة وسر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وحنكه بيده وكبر المسلمون يومئذ حتى ارتجت المدينة فرحا به كان عاملا بكتاب الله حافظا لحرم الله يبغض أن يعصى الله عز وجل قال انصرفي فإنك عجوز قد خرفت قالت والله ما خرفت ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يخرج من ثقيف كذاب ومبير
أما الكذاب فقد رأيناه تعنى المختار بن أبي عبيد الثقفي والي العراق فإنه لما قتل الحسين رضي الله تعالى عنه اتفق مع طائفة من الشيعة ممن كان خذل الحسين ولما قتل ندموا على ذلك فوافقوا المختار على مقاتلة من قتل الحسين من أهل الكوفة فتوجهوا إليه وقتلوا جميع من قاتل الحسين وملكوا الكوفة وشكر الناس للمختار ذلك ثم قالت وأما المبير فأنت المبير
ولما بلغ عبدالملك ما قاله الحجاج لأسماء كتب إليه يلومه على ذلك أي ومن ثم أرسل إليها الحجاج فأبت أن تأتيه فأعاد إليها الرسول وقال إما أن تأتيني أو لأبعثن إليك من يسحبك بقرونك فأبت وقالت والله لا آتيك حتى تبعث إلى من يسحبني بقروني فعند ذلك أخذ نعليه ومشى حتى دخل عليها فقال يا أمه إن أمير المؤمنين أوصاني بك فهل لك من حاجة فقالت لست لك بأم ولكني أم المصلوب على رأس الثنية ومالي من حاجة ولكن انتظر حتى أحدثك ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يخرج من ثقيف كذاب ومبير فأما الكذاب فقد رأيناه وأما المبير فأنت فقال الحجاج مبير للمنافقين ومن كذب المختار أنه ادعى النبوة وأنه يأتيه الوحي ويسر ذلك لأحبابه
وفي دلائل النبوة للبيهقي عن بعضهم قال كنت أقوم بالسيف على رأس المختار ابن أبي عبيد فسمعته يوما يقول قام جبريل عن هذه النمرقة وفي رواية من على هذا الكرسي فأردت أن أضرب عنقه فتذكرت حديثا حدثته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا أمن الرجل الرجل على دمه ثم قتله رفع له لواء الغدر يوم القيامة فكففت عنه ولعل هذا مستند ما نقل عن كتاب الإملاء لإمامنا الشافعي رضي الله عنه من القول بأن المسلم يقتل بالمستأمن
وقد كتب المختار للأحنف بن قيس وجماعته وقد بلغني أنكم تسموني الكذاب وقد كذب الأنبياء من قبلي لست بخير منهم
وقد كان يقع منه أمور تشبه الكهانة منها أنه لما جهز جيشا لقتال عبيدالله بن زياد المجهز للجيش لمقاتلة الحسين رضي الله تعالى عنه كما تقدم قال لأصحابه في غد يأتي إليكم خبر النفير وقتل ابن زياد فكان كما أخبر وجئ برأس ابن زياد وألقيت بين يدي المختار وكان قتله يوم عاشوراء اليوم الذي قتل فيه الحسين ثم قتل المختار وكان قتل المختار على
يد مصعب بن الزبير جئ برأس المختار بين يدي مصعب لما ولى العراق من جانب أخيه لأبيه عبدالله بن الزبير
ومما يؤثر عن مصعب العجب من ابن آدم كيف يتكبر وقد جرى في مجرى البول مرتين ثم قتل مصعب وقطعت رأسه ووضعت بين يدي عبدالملك بن مروان
وعن بعضهم أنه حدث عبدالملك فقال له يا أمير المؤمنين دخلت القصر قصر الإمارة بالكوفة فإذا رأس الحسين على ترس بين يدي عبيدالله بن زياد وعبيدالله بن زياد على السرير ثم دخلت القصر بعد ذلك بحين فرأيت رأس عبيدالله بن زياد على ترس بين يدي المختار والمختار على السرير ثم دخلت القصر بعد ذلك بحين فرأيت رأس المختار بين يدي مصعب بن الزبير على السرير ثم دخلت بعد ذلك بحين فرأيت رأس مصعب بن الزبير بين يديك وأنت على السرير فقال عبدالملك لا أراك الله الخامسة ثم أمر بهدم ذلك القصر
وعن إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه أن أبا الحجاج لما دخل بأم الحجاج واقعها فنام فرأى قائلا يقول له في المنام ما أسرع ما أنجبت بالمبير
وفي كلام سبط بن الجوزي أن أم الحجاج كانت قبل أبيه مع المغيرة بن شعبة فطلقها بسبب أنه دخل عليها يوما فوجدها تتخلل حين انقلبت من صلاة الصبح فقال لها إن كنت تتخللين من طعام البارحة إنك لقذرة وإن كان من طعام اليوم إنك لنهمة كنت فبنت قالت والله ما فرحنا إذ كنا ولا أسفنا إذ بنا ولا هو شيء مما ظننت ولكني استكت فأردت أن أتخلل من السواك فندم المغيرة على طلاقها فخرج فلقي يوسف بن أبي عقيل والد الحجاج فقال له هل لك إلى شيء أدعوك إليه قال وما ذاك قال إني نزلت عن سيدة نساء ثقيف وهي الفارعة فتزوجها تنجب لك فتزوجها فولدت له الحجاج
وفي حياة الحيوان إنها كانت قبل أبي الحجاج عند أمية بن أبي الصلت هذا كلامه
وقد يقال لا مانع أنها تزوجت الثلاثة وإن تزوجها لأمية كان قبل المغيرة وكونها سيدة نساء ثقيف يبعد القول بأنها المتمنية التي مر بها سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه وهي تنشد
** هل من سبيل إلى خمر فأشربها **
الأبيات وأنه كان يعير بها فيقال له ابن المتمنية
وفي مدة صلب عبدالله بن الزبير صارت أمه تقول اللهم لا تمتني حتى تقر عيني بجثته وذهب أخوه عروة بن الزبير إلى عبدالملك بن مروان يسأل في إنزاله عن الخشبة فأجابه وأنزله قال غاسله كنا لا نتناول عضوا من أعضائه إلا جاء معنا فكنا نغسل العضو ونضعه في أكفانه وقامت فصلت عليه أمه وماتت بعده بجمعة ذكر ذلك في الإستيعاب وقيل بعده بمائة يوم قال الحافظ ابن كثير وهو المشهور وبلغت من العمر مائة سنة ولم يسقط لها سن ولم ينكر لها عقل وقتل مع ابن الزبير مائتان وأربعون رجلا منهم من سال دمه في جوف الكعبة وكان من جملة من قتل عبدالله بن صفوان بن أمية الجمحي قتل يوم قتل ابن الزبير وقطع رأسه وبعث الحجاج برأسه ورأس ابن الزبير إلى المدينة فنصبوهما وصاروا يقربون رأس عبدالله بن صفوان إلى رأس ابن الزبير كأنه يساره يلعبون بذلك ثم بعثوا بهما إلى عبدالملك بن مروان
ولما وضعت رأس عبدالله بن الزبير بين يدي عبدالملك سجد وقال والله كان أحب الناس إلي وأشدهم إلي إلفا ومودة ولكن الملك عقيم أي فإن الرجل يقتل ابنه أو أخاه على الملك فإذا فعل ذلك انقطعت بينهما الرحم وستأتي مدحة عبد الملك لعبدالله بن الزبير وتوبيخ أمير الجيش الذي أرسله يزيد لمقاتلته
وقد كان ابن الزبير قال لعبدالله بن صفوان إني قد أقلتك بيعتي فاذهب حيث شئت فقال إنما أقاتل عن ديني وكان سيدا شريفا مطاعا حليما كريما قتل وهو متعلق بأستار الكعبة وحينئذ يشكل كونه حرما آمنا
ومما يدل لما تقدم من أن عبدالله بن الزبير كان عنده سوء خلق ما حكى أنه جاء إليه شخص فقال له إن الناس على باب عبدالله بن عباس رضي الله تعالى عنهما يطلبون العلم وإن الناس على باب أخيه عبيدالله يطلبون الطعام فأحدهما يفقه الناس والآخر يطعم الناس فما أبقيا لك مكرمة فدعا شخصا وقال له انطلق إلى ابني العباس رضي الله تعالى عنهم وقل لهما يقول لكما أمير المؤمنين اخرجا عني وإلا فعلت وفعلت فخرجا إلى الطائف أي وقيل ما خرج عبدالله من مكة إلى الطائف إلا لإن الله تعالى يقول { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم }
فقد قال الشيخ محي الدين بن العربي اعلم أن الله تعالى قد عفا عن جميع الخواطر التي لا تستقر عندنا إلا بمكة لأن الشرع قد ورد أن الله يؤاخذ فيه من يرد فيه بإلحاد بظلم وكان هذا سبب سكني عبدالله بن عباس بالطائف احتياطا لنفسه لأنه ليس في قدرة الإنسان أن يدفع عن قلبه الخواطر
قال بعضهم كان يقال من أراد الفقه والجمال والسخاء فليأت دار العباس الجمال للفضل والسخاء لعبيدالله والفقه لعبدالله
قال ولما حج عبدالملك أي وذلك في سنة خمس وسبعين قال له الحارث أنا أشهد لإبن الزبير بالحديث الذي سمعه من خالته عائشة رضي الله تعالى عنها قال أنت سمعته منها قال نعم فجعل ينكت بالمثناة فوق بقضيب كان في يده الأرض ساعة ثم قال وددت أني كنت تركته يعنى ابن الزبير وما تحمل
وفي رواية أن عبدالملك كتب إلى الحجاج وددت أنك تركت ابن الزبير وما تحمل وهذا هو الموافق لما في تاريخ الأزرقي أن الحرث وفد على عبد الملك بن مروان في خلافته فقال له عبد الملك ما أظن أنا خبيب يعني ابن الزبير سمع من عائشة رضي الله تعالى عنها ما كان يزعم أنه سمع منها في بناء الكعبة قال الحرث أنا سمعته منها قال عبدالملك أنت سمعته منها الحديث وكون عائشة حدثت ابن الزبير بما ذكر لا ينافى ما في تاريخ ابن كثير عن بعضهم
قال سمعت ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما يقول حدثتني أمي أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة لولا قرب عهد قومك بالكفر لرددت الكعبة على أساس إبراهيم عليه الصلاة والسلام الحديث وفي رواية أن عائشة رضي الله تعالى عنها نذرت إن فتح الله مكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم تصلى في البيت ركعتين فلما فتحت مكة أي وحج رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فسألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يفتح لها باب الكعبة ليلا فجاء عثمان بن طلحة بالمفتاح إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله إنها لم تفتح ليلا قط قال فلا تفتحها ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدها وأدخلها الحجر وقال صلى ههنا فإن الحطيم أي الحجر من البيت إلا أن قومك قصرت بهم النفقة أي الحلال فأخرجوه من البيت ولولا حدثان قومك بالجاهلية لنقضت بناء الكعبة
وأظهرت قواعد الخليل وأدخلت الحطيم في البيت وألصقت العتبة على الأرض ولئن عشت إلى قابل لأفعلن ذلك ولم يعش عليه الصلاة والسلام ولم تتفرغ الخلفاء لذلك
وبما ذكر يعلم ما في قول الأصل فهدمها أي عبدالملك وبناها على ما كانت عليه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقد علمت أن الحجاج لم يبن إلا الحجاب الذي يليه الحجر والبناء الذي تحت العتبة والدرجة التي في باطنها
وأما التراب الذي جعل في باطنها فيحتمل أن يكون هو التراب الذي أخرجه عبدالله بن الزبير استمر باقيا فأعاده الحجاج ويحتمل أنه غيره ولم أقف على بيان ذلك في كلام أحد
والشاذروان الذي أخرجه عبدالله بن الزبير من عرض الأساس الذي بنته قريش لأجل مصلحة استمساك البناء وثباته
ومن العجب ما حدث به بعضهم قال كنت أميرا على الجيش الذي بعث به يزيد ابن معاوية إلى عبدالله بن الزبير بمكة فدخلت مسجد المدينة فجلست بجانب عبدالملك بن مروان فقال لي عبدالملك أنت أمير هذا الجيش قلت نعم قال ثكلتك أمك أتدري إلى من تسير تسير إلى أول مولود ولد في الإسلام أي بالمدينة من أولاد المهاجرين وإلى ابن حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى ابن ذات النطاقين يعنى أسماء وإلى من حنكه رسول الله صلى الله عليه وسلم أما والله إن جئته نهارا وجدته صائما وإن جئته ليلا وجدته قائما فلو أن أهل الأرض أطبقوا على قتله لأكبهم الله في النار جميعا فلما صارت الخلافة إلى عبد الملك وجهنا مع الحجاج حتى قتلناه
وذكر بعضهم أن عبدالملك بن مروان لما رأى جيش يزيد متوجها إلى مكة قال أعوذ بالله أيبعث الجيش إلى حرم الله فضرب منكبه شخص كان يهوديا وأسلم وكان يقرأ الكتب وقال له جيشك إليه أعظم
ويقال إن هذا اليهودي مر على دار مروان والد عبدالملك هذا فقال ويل لأمة محمد من أهل هذه الدار أي لأن مروان كان سببا لقتل عثمان وعبدالملك ابنه كان سببا لقتل عبدالله بن الزبير ووقع من الوليد بن يزيد بن عبدالملك الأمور الفظيعة
وسبب ولاية الحجاج على الجيش أنه قال لعبد الملك بن مروان رأيت في منامي أني أخذت عبدالله بن الزبير فسلخته فولني قتاله فولاه فأرسله في جيش كثيف من أهل الشام فحضر ابن الزبير ورمى الكعبة بالمنجنيق ولما رمى به أرعدت السماء وأبرقت فخاف أهل الشام فصاح الحجاج هذه صواعق تهامة وأنا ابنها ثم قام ورمى المنجنيق بنفسه فزاد ذلك ولم تزل صاعقة تتبعها أخرى حتى قتلت اثني عشر رجلا فخاف أهل الشام زيادة
قال بعضهم ولا زال الحجاج يحضهم على الرمي بالمنجنيق ولم تزل الكعبة ترمى بالمنجنيق حتى هدمت وحرقت أستارها حتى صارت كالفحم
أي وفيه أنه لو كانت هدمت أو حرقت لأعيد بناؤها أو أصلحت بالترميم ولو وقع ذلك لنقل لأنه مما تتوفر الدواعي على نقله ولعل هذا اشتبه على بعض الرواة ظن أن الذي وقع من جيش يزيد واقع من الحجاج
فإن قيل هلا أهلك الله من نصب المنجنيق على الكعبة كما أهلك أبرهة قلنا لأن من نصب المنجنيق لم يرد هدم الكعبة بخلاف أبرهة كما تقدم وفيه أنه قد يشكل كونه حرما آمنا
وفي البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال حين وقع بينه وبين ابن الزبير أي وأمره بأن يخرج إلى الطائف ويهدده على ما تقدم قلت أبوه الزبير وأمه أسماء وخالته عائشة وجده أبو بكر وجدته صفية وفي رواية عنه أنه قال أما أبوه فحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الزبير وأما جده فصاحب الغار يريد أبا بكر وأما أمه فذات النطاقين يريد أسماء وأما خالته فأم المؤمنين يريد عائشة وأما عمته فزوج النبي صلى الله عليه وسلم يريد خديجة وأما عمة النبي صلى الله عليه وسلم فجدته يريد صفية ثم عفيف في الإسلام وقارئ للقرآن
ولما قتل عبدالله بن الزبير ارتجت مكة بالبكاء فجمع الحجاج الناس وخطبهم وقال في خطبته ألا إن ابن الزبير كان من أخيار هذه الأمة إلا أنه نازع الحق أهله إن الله خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه وأسكنه جنته فلما أخطأ أخرجه من الجنة بخطيئته وآدم أكرم على الله من ابن الزبير والجنة أعظم حرمة من الكعبة اذكروا الله يذكركم
ومن أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم ما روى أن عبدالله بن الزبير لما ولد نظر إليه
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هو هو فلما سمعت بذلك أمه أمسكت عن إرضاعه فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم أرضعيه ولو بماء عينيك كبش بين ذئاب وذئاب عليها ثياب ليمنعن البيت أو ليقتلن دونه
وفي حياة الحيوان العرب إذا أرادوا مدح الإنسان قالوا كبش وإذا أرادوا ذمه قالوا تيس ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم في المحلل التيس المستعار
ويقال إن الحجاج بعد قتل ابن الزبير ذهب إلى المدينة وعلى وجهه لثام فرأى شيخا خارجا من المدينة فسأله عن حال أهل المدينة فقال شر حال قتل ابن حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قتله قال الفاجر اللعين الحجاج عليه لعائن الله ورسله من قليل المراقبة لله فغضب الحجاج غضبا شديدا ثم قال أبها الشيخ أتعرف الججاج إذا رأيته قال نعم ولا عرفه الله خيرا ولا وقاه ضيرا فكشف الحجاج اللثام عن وجهه وقال ستعلم الآن إذا سال دمك الساعة فلما تحقق الشيخ أنه الحجاج قال إن هذا لهو العجب يا حجاج أنا فلان أصرع من الجنون في كل يوم خمس مرات فقال الحجاج اذهب لا شفى الله الأبعد من جنونه ولا عافاه وخلوص هذا من يد الحجاج من العجب لأن إقدامه على القتل ومبادرته إليه أمر لم ينقل مثله عن أحد
وكان يخبر عن نفسه ويقول إن أكبر لذاته سفك الدماء قال بعضهم والأصل في ذلك أنه لما ولد لم يقبل ثديا فتصور لهم إبليس في صورة الحرث بن كلدة طبيب العرب وقال اذبحوا له تيسا أسود وألعقوه من دمه واطلوا به وجهه ففعلوا به ذلك فقبل ثدي أمه
وذكر أنه أتى إليه بامرأة من الخوارج فجعل يكلمها وهي لا تنظر إليه ولا ترد عليه كلاما فقال لها بعض أعوانه يكلمك الأمير وأنت معرضة فقال إني أستحي أن أنظر إلى من لا ينظر الله إليه فأمر بها فقتلت وقد أحصى الذي قتل بين يديه صبرا فبلغ مائة ألف وعشرين ألف
ولما عزى سيدتنا أسماء عبدالله بن عمر رضي الله تعالى عنهم وأمرها بالصبر قالت وما يمنعني من الصبر وقد أهدى رأس يحيى بن زكريا إلى بعي من بغايا بني إسرائيل وقد جاء أن هذه البغى أول من يدخل النار
ويقال إن عبدالله بن الزبير قال لأمه يوم قتل يا أمه إني مقتول من يومي هذا فلا يشتد حزنك وسلمى الأمرلله فإن إبنك لم يعمد لإتيان منكر ولا عمل فاحشة
وفي كون عبدالله بن عمر رضي الله تعالى عنهما تأخر موته عن ابن الزبير نظر فقد قيل إن عبدالله بن عمر مات قبل ابن الزبير بثلاثة أشهر وسبب موته أن الحجاج سفه عليه فقال له عبدالله إنك سفيه مسلط فغيره ذلك عليه فأمر الحجاج شخصا أن يسم زج رمحه ويضعه على رجل عبدالله ففعل به ذلك في الطواف فمرض من ذلك أياما ومات
ويذكر أن الحجاج دخل ليعوده فسأله عمن فعل به ذلك وقال له قتلني الله إن لم أقتله فقال له عبدالله لست بقاتل له قال ولم قال لأنك الذي أمرته
وقول عبدالله بن عمر رضي الله تعالى عنهما للحجاج إنك سفيه مسلط يشير إلى قول أبيه عمر رضي الله تعالى عنهما فإنه لما بلغه أن أهل العراق حصبوا أميرهم أي رجموه بالحجارة خرج عضبان فصلى فسها في صلاته فلما سلم قال اللهم إنهم قد لبسوا علي فألبس عليهم وعجل عليهم بالغلام الثقفي يحكم فيهم بحكم الجاهلية لا يقبل من محسنهم ولا يتجاوز عن مسيئهم وكان ذلك قبل أن يولد الحجاج
ثم رأيت في تاريخ ابن كثير لما مات ابن الزبير واستقر الأمر لعبدالملك ابن مروان بايعه عبدالله بن عمر ويوافقه ما في الدلائل للبيهقي أن ابن عمر وقف على ابن الزبير وهو مصلوب وقال السلام عليك أبا خبيب أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا أما والله لقد كنت أنهاك عن هذا أما والله إن كنت ما علمت صواما قواما وصولا للرحم
ويذكر أنه كان لعبدالله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما مائة غلام لكل غلام منهم لغة لا يشاركه غيره فيها وكان يكلم كل واحد منهم بلغته وهذا أغرب مما استغرب وهو أن ترجمان الواثق بالله من الخلفاء بني العباس كان عارفا بألسن كثيرة حتى قيل إنه يعرف أربعين لغة ويمارى فيها
وقد قال الحجاج لعروة بن الزبير يوما في كلام جرى بينهما لا أم لك فقال
إلى تقول هذا وأنا ابن عجائز الجنة يعنى جدته صفية وعمته خديجة وخالته عائشة وأمه أسماء
وقال الحجاج يوما لشخص ما تقول في عبدالملك بن مروان فقال الرجل ما أقول في رجل أنت سيئة من سيئاته
وقد أطلق سليمان بن عبدالملك لما ولى الخلافة من سجن الحجاج سبعين ألفا قد حبسهم للقتل ليس لواحد منهم ذنب يستوجب به الحبس فضلا عن القتل
وذكر أنه كان يحبس الرجال مع النساء ولم يكن لحبسه بيوت أخلية فكان الرجل يبول بجانب المرأة والمرأة تبول بجانب الرجل فتبدو العورات وكان كل عشرة في سلسلة ويطعمهم خبز الدخن مخلوطا بالملح والرماد
ومر يوم جمعة فسمع استغاثة فقال ما هذا فقيل له أهل السجن يقولون قتلنا الحر فقال قولوا لهم أخسئوا فيها ولا تكلمون فما عاش بعد ذلك إلا أقل من جمعة
وآخر من قتله الحجاج من التابعين سيعد بن جبير رضي الله تعالى عنه ولم يقتل بعد ابن جبير إلا رجلا واحدا
وقال عمر بن عبدالعزيز لو جاءت كل أمة بفرعونها وجئناهم بالحجاج لغلبناهم وقال سليمان بن عبدالملك لرجل من أخصاء الحجاج بعد موت الحجاج أبلغ الحجاج قعر جهنم فقال يا أمير المؤمنين يجئ الحجاج يوم القيامة بين أبيك عبدالملك وبين أخيك هشام بن عبدالملك فضعه في النار حيث شئت
ومن غريب الإتفاق ما حكاه بعضهم قال مات رجل فلما وضع على مغتسله استوى قاعدا وقال نظرت بعيني هاتين وأهوى بيديه إلى عينيه الحجاج وعبدالملك في النار يسحبان بأمعائهما ثم عاد ميتا كما كان
والحجاج متأصل في الظلم فقد رأيت بعضهم حكى أنه يقال في المثل أظلم من ابن الجلندي وهو المشار إليه بقوله تعالى { وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا } وإنه من أجداد الحجاج بينه وبينه سبعون جدا
واستحلف الحجاج رجلا في أمر قال لا والذي أنت بين يديه غدا أذل مني بين يديك اليوم فقال والله إني يومئذ لذليل
وأول من ضرب الدراهم في الإسلام الحجاج بأمر عبدالملك بن مروان وكتب
عليها { قل هو الله أحد الله الصمد } أي على أحد وجهي الدراهم { قل هو الله أحد } وعلى وجهه الثاني { الله الصمد }
ولم توجد الدراهم الإسلامية إلا في زمن عبدالملك بن مروان وكانت الدراهم قبل ذلك رومية وكسروية وفي زمن الخليفة المستنصر بالله وهو السابع والثلاثون من خلفاء بني العباس ضرب دراهم وسماها النقرة وكانت كل عشرة بدينار وذلك في سنة أربع وعشرين وستمائة
ولما دخل سليمان بن عبدالملك المدينة سأل هل بالمدينة أحد أدرك أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا أبو حازم فأرسل إليه فلما دخل عليه سأله فقال يا أبا حازم مالنا نكره الموت فقال لأنكم أخربتم آخرتكم وعمرتم دنياكم فكرهتم أن تنقلوا من عمران إلى خراب فقال له وكيف القدوم على الله قال أما المحسن فكغائب يقدم على أهله وأما المسئ فكآبق يقدم على مولاه فبكى سليمان وقال يا ليت شعري ما لنا عندالله قال اعرض عملك على كتاب الله تعالى فقال في أي مكان أجده فقال في قوله تعالى { إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم } قال سليمان فأين رحمة الله قال قريب من المحسنين قال فأي عبادالله أكرم قال أولو المروءة
وجاء أعرابي إلى سليمان بن عبدالملك هذا فقال يا أمير المؤمنين إني أكلمك بكلام فاحتمله فإن وراءه إن قبلته ما تحب فقال سليمان هاته يا أعرابي فقال الأعرابي إني طلق لساني بما خرست عنه الألسن تأدية لحق الله إنه قد أكتنفك رجال قد أساءوا الإختيار لأنفسهم وابتاعوا دنياك بدينهم ورضاك بسخط ربهم وخافوك في الله ولم يخافوا الله فيك فهم حرب للآخرة وسلم للدنيا فلا تأمنهم على ما استخلفك الله عليه فإنهم لن يبالوا بالأمانة وأنت مسئول عما اجترموا فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك فإن أعظم الناس عندالله عيبا من باع آخرته بدنيا غيره فقال له سليمان أنت ما أنت بأعرابي فقد سللت لسانك وهو سيفك قال أجل يا أمير المؤمنين لك لا عليك
ولما حج بالناس قال لولد عمه وولى عهده عمر بن عبدالعزيز ألا ترى هذا الخلق الذي لا يحصى عددهم إلا الله تعالى ولا يسع رزقهم غيره فقال يا أمير المؤمنين
هؤلاء رعيتك اليوم وهم غدا خصماؤك عندالله فبكى سليمان بكاء شديدا ثم قال بالله أستعين وقال يوما لعمر بن عبدالعزيز رضي الله تعالى عنه حين أعجبه ما صار إليه من الملك يا عمر كيف ترى ما نحن فيه فقال يا أمير المؤمنين هذا سرور لولا أنه غرور ونعيم لولا أنه عديم وملل لولا أنه هلك وفرح لو لم يعقبة ترح ولذات لو لم تقترن بآفات وكرامة لو صحبتها سلامة فبكى سليمان رحمه الله حتى اخضلت دموعه لحيته
وولاية عمر بن عبدالعزيز بشر بها جده لأمه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فعنه رضي الله تعالى عنه أنه قال إن من ولدي رجلا بوجهه شين و رواية علامة يملأ الأرض عدلا فكان ولده عبدالله يقول كثيرا ليت شعري من هذا الذي من ولد عمر بن الخطاب في وجهه علامة يملأ الأرض عدلا وفي رواية عنه كان يقول يا عجبا يزعم الناس أن الدنيا لا تنقضى حتى يلي رجل من آل عمر يعمل بمثل عمل عمر قال بعضهم فإذا هو عمر بن عبدالعزيز لأن أمه ابنة عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه
ومما يؤثر عن سليمان رحمه الله تعالى أنه لما ولى الخلافة وقام خطيبا قال الحمد لله الذي ما شاء صنع وما شاء رفع ومن شاء وضع ومن شاء أعطى ومن شاء منع إن الدنيا دار غرور تضحك باكيا وتبكي ضاحكا وتخيف آمنا وتؤمن خائفا
وقال في خطبة من خطبه أيضا أيها الناس أين الوليد وأبو الوليد وجد الوليد أسمعهم الداعي وأسترد العواري واضمحل ما كان كائن لم يكن أذهب عنهم ثابت الحياة وفارقوا القصور واستبدلوا بلين الوطئ خشن التراب فهم رهناء فيه إلى يوم المآب فرحم الله عبدا مهد لنفسه يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا
ولما ولى الخلافة أبو جعفر المنصور أراد أن يبني الكعبة على ما بناها ابن الزبير وشاور الناس في ذلك فقال له الإمام مالك بن أنس أنشدك الله أي بفتح الهمزة وضم الشين المعجمة أي أسألك بالله يا أمير المؤمنين أن لا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك لا يشاء أحد منهم أن يغيره إلا غيره فتذهب هيبته من قلوب الناس فصرفه عن رأيه فيه قال وذكر الطبري في مناسكه أن الذي أراد ذلك ونهاه مالك هو الرشيد
أقول وكونه الرشيد هو الذي ذكره المقريزي واقتصر عليه ولأن المنصور مات محرما ببئر ميمونة لستة أيام خلون من ذي الحجة فلم يدخل مكة
وقد يقال يجوز أن يكون دخل المدينة قبل سيره إلى مكة واستشار الناس في المدينة فقال له الإمام مالك ما تقدم وأن الرشيد أيضا أراد ذلك واستشار الإمام مالكا فأشار عليه بما ذكر ثم رأيت في تاريخ ابن كثير في زمن المهدى بن المنصور استشار الإمام مالكا في ردها أي الكعبة على الصفة التي بناها ابن الزبير فقال له إني أخشى أن تتخذها الملوك لعبة
ورأيت في كلام بعضهم أن المنصور حج وأنه لما قضى الحج والزيارة توجه إلى زيارة بيت المقدس ولعل هذا كان في حجة غير هذه التي مات فيها
ثم رأيت في تاريخ ابن كثير أن المنصور حج وهو خليفة أربع حجات غير الحجة التي مات فيها وكذا في القرى لقاصد أم القرى للطبري وذكر أنه مات في الحجة الخامسة قبل يوم التروية بيومين وأنه أحرم في بعض حججه من بغداد
وقد ذكر الشيخ الصفوي أن المنصور بلغه أن سفيان الثوري ينقم عليه في عدم إقامة الحق فلما توجه المنصور إلى الحج وبلغه أن سفيان بمكة أرسل جماعة أمامه وقال لهم حيثما وجدتم سفيان خذوه واصلبوه فنصبوا الخشب ليصلبوا سفيان عليه وكان سفيان بالمسجد الحرام رأسه في حجر الفضيل بن عياض ورجلاه في حجر سفيان ابن عيينة فقيل له خوفا عليه بالله لا تشمت بنا الأعداء قم فاختف فقام ومشى حتى وقف بالملتزم وقال ورب هذه الكعبة لا يدخلها يعنى مكة المنصور وكان وصل إلى الحجون فزلقت به راحلته فوقع عن ظهرها ومات من فوره فخرج سفيان وصلى عليه هذا كلامه
وقد يقال لا مخالفة بين هذا وبين ما تقدم أنه مات ببئر ميمونة لأنه يجوز أن يكون المراد بوصوله إلى الحجون وصول خيله وركبه فليتأمل
ثم رأيت في تاريخ ابن كثير أن المنصور لما خرج للحج وجاوز الكوفة بمراحل أخذه وضعه الذي مات فيه وأفرط به الإسهال ودخل مكة فنزل بها وتوفى ولعل هذا
لا يخالف ما سبق لأنه يجوز أنه أطلق مكة على المحل القريب منها وأنه من إنطلاق بطنه زلقت به فرسه
قيل وآخر ما تكلم به المنصور اللهم بارك لي في لقائك ومما يؤثر عنه أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة وأنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه والله أعلم
وتقدم أن قصيا لما أمر قريشا أن تبنى حول الكعبة بيوتها فبنيت بيوتها من جهاتها الأربع وتركوا قد المطاف واستمر الأمر على ذلك زمنه صلى الله عليه وسلم وزمن أبي بكر رضي الله تعالى عنه فلما ولى عمر رضي الله تعالى عنه رأى أن يوسع حول الكعبة فاشترى دورا وهدمها ووسع حول الكعبة وبنى جدارا قصيرا على ذلك وجعل فيه أبوابا ثم وسعه عثمان ثم عبدالله بن الزبير
ثم إن عبدالملك بن مروان رفع الجدارن وسقفه بالساج ثم إن الوليد بن عبدالملك نقص ذلك ونقل إليه الأساطين الرخام وسقفه بالساج المزخرف وأزر المسجد بالرخام ثم زاد فيه المنصور ورخم الحجر ثم زاد فيه المهدي أولا وثانيا حتى صارت الكعبة في وسط المسجد
وفي أيام المعتضد أدخلت داره الندوة في المسجد وتسمى مكة فاران وتسمى قرية النمل لكثرة نملها أو لأن الله سلط فيها النمل على العماليق لما أظهروا فيها الظلم حتى أخرجهم من الحرم كما تقدم ولها أسماء كثيرة قد أفردها صاحب القاموس بمؤلف
أقول وسيأتي عن الإمام النووي أنه قال ليس في البلاد أكثر أسماء من مكة والمدينة والله أعلم
قال وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه خلقت الكعبة أي موضعها قبل الأرض بألفي سنة كانت حشفة على الماء عليها ملكان يسبحان فلما أراد الله تعالى أن يخلق الأرض دحاها منها فجعلها في وسط الأرض انتهى
وسئل الجلال السيوطي رضي الله تعالى عنه عن قوله تعالى { إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام } هل كانت أيام ثم موجودة قبل خلق السموات والأرض
فأجاب بأن خلق السموات والأرض وخلق الأيام كان دفعة واحدة من غير تقديم لأحدهما على الآخر واستند في ذلك لمأثور التفسير
وفي الحديث إن الله حرم مكة قبل أن يخلق السموات والأرض الحديث وحينئذ فقوله صلى الله عليه وسلم إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام حرم مكة معناه أظهر حرمتها & باب ما جاء من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أحبار اليهود وعن الرهبان من النصارى وعن الكهان من العرب على ألسنة الجان وعلى غير ألسنتم وما سمع من الهواتف ومن بعض الوحوش ومن بعض الأشجار وطرد الشياطين من استراق السمع عند مبعثه بكثرة تساقط النجوم وما وجد من ذكره صلى الله عليه وسلم وذكر صفته في الكتب القديمة وما وجد فيه إسمه مكتوبا من النبات والأحجار وغيرهما
قال ابن إسحاق وكانت الأحبار من يهود والرهبان من النصارى والكهان من العرب قد تحدثوا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه لما تقارب زمانه أما الأحبار من يهود ورهبان من النصارى فلما وجدوا في كتبهم من صفته وصفة زمانه وأما الكهان من العرب فجاءهم به الشياطين فيما تسترق به من السمع إذ كانت لا تحجب عن ذلك كما حجبت عند الولادة والمبعث وكان الكاهن والكاهنة لا يزال يقع منهما ذكر بعض أموره ولا تلقى العرب لذلك بالا حتى بعثه الله تعالى ووقعت تلك الأمور التي كانوا يذكرونها فعرفوها وهذا فيه تصريح بأن الملائكة كانت تذكره صلى الله عليه وسلم في السماء قبل وجوده
فأما أخبار الأحبار من اليهود فمنها ما تقدم ذكره ومنها ماجاء عن سلمة بن سلامة وكان من أصحاب بدر قال كان لنا جارا من يهود بني عبدالأشهل فذكر أي عند
قوم أصحاب الأوثان القيامة والبعث والحساب والميزان والجنة والنار فقالوا له ويحك يا فلان أو ترى هذا كائنا أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم قال نعم والذي يحلف به وليود أي الشخص أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطبقونه عليه بأن ينجو من تلك النار غدا فقالوا له ويحك وما آية ذلك قال نبي يبعث من نحو هذه البلاد وأشار بيده إلى مكة واليمن قالوا ومن يراه فنظر إلى وأنا من أحدثهم سنا فقال إن يستنفد أي يستكمل هذا الغلام عمره يدركه قال سلمة والله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم وهو أي ذلك اليهودي بين أظهرنا فآمنا به وكفر بغيا وحسدا فقلنا له ويحك يا فلان ألست الذي قلت لنا فيه ما قلت قال بلى ولكن ليس به
ومن ذلك ما جاء عن عمرو بن عنبسة السلمي رضي الله تعالى عنه قال رغبت عن آلهة قومى في الجاهلية أي ترك عبادتها قال فلقيت رجلا من أهل الكتاب من أهل تيماء أي وهي قرية بين المدينة والشام فقلت إني امرؤ ممن يعبد الحجارة فينزل الحي ليس معهم إله فيخرج الرجل منهم فيأتي بأربعة أحجار فيعين ثلاثة لقذره أي يستنجى بها ويجعل أحسنها إلها يعبده ثم لعله يجد ما هو أحسن منه شكلا قبل أن يرتحل فيتركه ويأخذ غيره وإذا نزل منزلا سواه ورأى ما هو أحسن منه تركه وأخذ ذلك الأحسن فرأيت أنه إله باطل لا ينفع ولا يضر فدلني على خير من هذا قال يخرج من مكة رجل يرغب عن آلهة قومه ويدعو إلى غيرها فإذا رأيت ذلك فاتبعه فإنه يأتي بأفضل الدين فلم يكن لي همة منذ قال لي ذلك إلا مكة آتى فأسأل هل حدث حدث فيقال لا ثم قدمت مرة فسألت فقيل لي حدث رجل يرغب عن آلهة قومه ويدعو إلى غيرها فشددت راحلتي ثم قدمت منزلي الذي كنت أنزله بمكة فسألت عنه فوجدته مستخفيا ووجدت قريشا عليه أشداء فتلطفت له حتى دخلت عليه فسألته أي شيء أنت قال نبي قلت من نباك قال الله قلت وبم أرسلك قال بعبادة الله وحده لا شريك له وبحقن الدماء وبكسر الأوثان وصلة الرحم وأمان السبيل فقلت نعم ما أرسلت به قد آمنت بك وصدقتك أتأمرني أن أمكث معك أو أنصرف فقال ألا ترى كراهة الناس ما جئت به فلا تستطيع أن تمكث كن في أهلك فإذا
سمعت بي قد خرجت مخرجا فاتبعني فكنت في أهلي حتى خرج صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فسرت إليه فقدمت المدينة فقلت يا نبي الله أتعرفني قال نعم أنت السلمى الذي أتيتني بمكة
ومن ذلك ما حدث به عاصم بن عمرو بن قتادة عن رجال من قومه قالوا إنما دعانا إلى الإسلام مع رحمة الله تعالى لنا وهداه ما كنا نسمع من أحبار يهود كنا أهل شرك أصحاب أوثان وكانوا أهل كتاب عندهم علم ليس لنا وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهون قالوا لنا قد تقارب زمان نبي يبعث الآن يقتلكم قتل عاد وإرم أي يستأصلكم بالقتل فكان كثيرا ما نسمع ذلك منهم فلما بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم أجبناه حين دعانا إلى الله عز وجل وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به فبادرناهم إليه فآمنا به وكفروا ففي ذلك نزلت هذه الآيات في البقرة { ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين }
ومن ذلك ما حدث به شيخ من بني قريظة قال إن رجلا من يهود من أهل الشام يقال له ابن الهيبان أي الجبان قدم إلينا قبل الإسلام بسنين فحل بين أظهرنا والله ما رأينا رجلا قط لا يصلى الخمس أفضل منه أي لا أظن أحدا من غير المسلمين لأن المسلمين يصلون الخمس فلا أصلية لا زائدة فأقام عندنا فكنا إذا قحط المطر أي احتبس قلنا له اخرج يا ابن الهيبان فاستسق لنا فيقول لا والله حتى تقدموا بين يدي نجواكم صدقة فنقول له كم فيقول صاعا من تمر ومدين من شعير فنخرجها ثم يخرج بنا إلى ظاهر حرتنا فيستسقي لنا فوالله ما يبرح من محله حتى يمر السحاب ونسقى قد فعل ذلك غير مرة أي لا مرة ولا مرتين ولا ثلاثا بل أكثر من ذلك ثم حضرته الوفاة عندنا فلما عرف أنه ميت قال يا معشر يهود ما ترينه أخرجني من أهل الخمر بالتحريك وبإسكان الميم الشجر الملتف والخمير إلى أرض البؤس والجوع قلنا أنت أعلم قال فإنما قدمت هذه الأرض أتوكف أي أتوقع خروج نبي قد أظل زمانه أي أقبل وقرب كأنه لقربه أظلهم أي ألقى عليهم ظله وهذه البلد مهاجره وكنت أرجو أن يبعث فاتبعه فقد أظلكم زمانه فلا تسبقن إليه يا معشر يهود فإنه يبعث بسفك الدماء وبسبى الذرارى والنساء ممن خالفه فلا يمنعكم ذلك منه فلما بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم
وحاصر بين قريظة قال لهم نفر من هدل بفتح الهاء وفتح الدال المهملة وقيل بسكونها إخوة بني قريظة وهم ثعلبة بن سعية وأسد بن سعية ويقال أسيد بالتصغير وأسد بن عبيد وكانوا شبانا أحداثا يا بني قريظة والله إنه لهو بصفته فنزلوا وأسلموا فأحرزوا دماءهم وأموالهم وأهليهم كما سيأتي
قال ومن ذلك خبرالعباس بن عبدالمطلب رضي الله تعالى عنه قال خرجت في تجارة إلى اليمن في ركب فيه أبو سفيان بن حرب فورد كتاب حنظلة بن أبي سفيان إن محمدا قائم في أبطح مكة يقول أنا رسول الله أدعوكم إلى الله ففشا ذلك في مجالس أهل اليمن فجاءنا حبر من اليهود فقال بلغني أن فيكم عم هذا الرجل الذي قال ما قال قال العباس فقلت نعم قال نشدتك الله هل كان لإبن أخيك صبوة قلت لا والله ولا كذب ولا خان وما كان اسمه عند قريش إلا الأمين قال هل كتب بيده فاردت أن أقول نعم فخشيت من أبي سفيان أن يكذبني ويرد علي فقلت لا يكتب فوثب الحبر وترك رداءه وقال ذبحت يهود وقتلت يهود قال العباس فلما رجعنا إلى منزلنا قال أبو سفيان يا أبا الفضل إن يهود تفزع من ابن أخيك فقلت قد رأيت لعلك أن تؤمن به قال لا أومن به حتى أرى الخيل في كداء أي بالمد قلت ما تقول قال كلمة جاءت على فمي إلا أني أعلم أن الله لا يترك خيلا تطلع على كداء قال العباس فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ونظر أبو سفيان إلى الخيل قد طلعت من كداء فقلت يا أبا سفيان تذكر تلك الكلمة قال إي والله إني لأذكرها انتهى
أي ومن ذلك ما جاء عن أمية بن أبي الصلت الثقفي قال لأبي سفيان إني لأجد في الكتب صفة نبي يبعث في بلادنا فكنت أظن أني هو وكنت أتحدث بذلك ثم ظهر لي أنه من بني عبد مناف فنظرت فلم أجد فيهم من هو متصف بأخلاقه إلا عتبة بن ربيعة إلا أنه قد جاوز الأربعين ولم يوح إليه فعرفت أنه غيره قال أبو سفيان فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم قلت لأمية فقال أمية أما إنه حق فاتبعه فقلت له فأنت ما يمنعك قال الحياء من نساء ثقيف إني كنت أخبرهن أني هو ثم أصير تبعا لفتى من بني عبد مناف وسيأتي ذلك بأبسط مما هنا
وأما أخبار الرهبان من النصارى فمنها ما تقدم ذكره قال ومنها خبر طلحة بن عبدالله رضي الله تعالى عنه قال حضرت سوق بصرى فإذا راهب في صومعته
يقول سلوا أهل هذا الموسم هل فيكم أحد من أهل الحرم فقلت نعم أنا قال هل ظهر أحمد قلت ومن أحمد قال ابن عبدالله بن عبدالمطلب هذا شهره الذي يخرج فيه أي الذي يبعث فيه وهو آخر الأنبياء مخرجه من الحرم ومهاجره إلى نخلة وحرة وسباخ فإياك أن تسبق إليه قال طلحة فوقع في قلبي ما قال الراهب فلما قدمت مكة حدثت أبا بكر بذلك فخرج أبو بكر حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فسر بذلك وأسلم طلحة فأخذ نوفل بن العدوية أبا بكر وطلحة رضي الله تعالى عنهما فشدهما في حبل واحد فلذلك سميا القرينين
أقول يحتمل أن هذا الراهب هو بحيرا ويحتمل أن يكون نسطورا لأن كلا منهما كان ببصرى كما تقدم في سفره ويحتمل أن يكون غيرهما وهو أولى لما تقدم أن كلا من بحيرا ونسطورا لم يدرك البعثة والله أعلم
أي ومنها ما حدث به سعيد بن العاص بن سعيد قال لما قتل أبي العاص يوم بدر كنت في حجر عمى أبان بن سعيد وكان يكثر السب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج تاجرا إلى الشام فمكث سنة ثم قدم فأول شيء سأل عنه أن قال ما فعل محمد قال له عمي عبدالله بن سعيد هو والله أعز ما كان وأعلاه فسكت ولم يسبه كما كان يسبه ثم صنع طعاما وأرسل إلى سراة بني أمية أي أشرافهم فقال لهم إني كنت بقرية فرأيت بها راهبا يقال له بكاء لم ينزل إلى الأرض منذ أربعين سنة أي من صومعته فنزل يوما فاجتمعوا ينظرون إليه فجئت فقلت إن لي حاجة فقال ممن الرجل فقلت إني من قريش وإن رجلا هناك خرج يزعم أن الله أرسله قال ما إسمه فقلت محمد قال منذ كم خرج فقلت عشرين سنة قال ألا أصفه لك قلت بلى فوصفه فما أخطأ في صفته شيئا ثم قال لي هو والله نبي هذه الأمة والله ليظهرن ثم دخل صومعته وقال لي اقرأ عليه السلام وكان ذلك في زمن الحديبية أي والحديبية سيأتي أنها كانت سنة ست فالعشرين تقريب
أي ومنها ما حدث به حكيم بن حزام بالزاي رضي الله تعالى عنه قال دخلنا الشام لتجارة قبل أن أسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فأرسل إلينا ملك الروم فجئناه فقال من أي العرب أنتم من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي فقال حكيم فقلت يجمعني وإياه الأب الخامس فقال هل أنتم صادقي فيما أسألكم عنه
فقلنا نعم فقال أنتم ممن اتبعه أم ممن رد عليه فقلنا ممن رد عليه وعاداه فسألنا عن أشياء مما جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه ثم نهض واستنهضنا معه فأتى محلا في قصره وأمر بفتحه وجاء إلى ستر فأمر بكشفه فإذا صورة رجل فقال أتعرفون من هذه صورته قلنا لا قال هذه صورة آدم ثم تتبع أبوابها ففتحها ويكشف عن صور الأنبياء ويقول أما هذا صاحبكم فنقول لا فيقول لنا هذه صورة فلان حتى فتح بابا وكشف عن صورة فقال أتعرفون هذا قلنا نعم هذا صورة محمد بن عبدالله صاحبنا قال أتدرون متى صورت هذه الصور قلنا لا قال منذ أكثر من ألف سنة وإن صاحبكم لنبي مرسل فاتبعوه ولوددت أني عبده فأشرب ما يغسل من قدميه
ووقع نظير ذلك لجبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه وأنه رأى صورة أبي بكر آخذة بعقب تلك الصورة وإذا صورة عمر آخذة بعقب صورة أبي بكر فقال من ذا الذي آخذ بعقبه قلنا نعم هو ابن أبي قحافة قال فهل تعرف الذي آخذ بعقبه قلت نعم هو عمر بن الخطاب قال أشهد أن هذا رسول الله وأن هذا هو الخليفة بعده وأن هذا هو الخليفة من بعد هذا
ومنها ما حدث به سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه قال كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان من قرية يقال لها جي بفتح الجيم وتشديد الياء أي وفي لفظ من قرية من قرى الأهواز يقال لها رامهرمز وفي لفظ ولدت برامهرمز وبها نشأت وأما ابي فمن أصبهان وكان أبي دهقان قريته أي كبير أهل قريته أي وفي لفظ كنت من أبناء أساورة فارس وكنت أحب خلق الله تعالى إلى أبي لم يزل حبه إياي حتى حبسني في بيت كما تحبس الجارية واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار بفتح القاف وكسر الطاء المهملة ويروى بفتحها بمعنى قاطن أي خادمها الذي يوقدها لا يتركها تخبا أي تطفأ ساعة وكانت لأبي ضيعة عظيمة فشغل في بنيان له يوما فقال لي يا بني إني قد شغلت في بنيان هذا اليوم فاذهب إليها وأمرني فيها ببعض ما يريد ثم قال لي ولا تحتبس عني إن احتبست عني كنت أهم إلي من ضيعتي وشغلتني عن كل شيء من أمري فخرجت أريد ضيعته التي بعثني إليها فمررت بكنيسة من كنائس النصارى فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون وكنت لا أدري ما أمر الناس لحبس أبي إياي في بيته فلما
سمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ماذا يصنعون فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم ورغبت في أمرهم وقلت والله هذا خير من الذي نحن عليه فوالله ما برحتهم حتى غربت الشمس وتركت ضيعة أبي فلم آتها ثم قلت لهم أين أهل هذا الدين قالوا بالشام فرجعت إلى أبي وقد بعث في طلبي وشغلته عن عمله كله فلما جئته قال أي بني أين كنت ألم أكن عهدت إليك ما عهدت قلت يا أبت مررت بالناس يصلون في كنيسة لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم فوالله ما زلت عندهم حتى غربت الشمس قال أي بني ليس في ذلك الدين خير دينك ودين آبائك خير منه فقلت له كلا والله إنه لخير من ديننا قال فخافني أي خاف مني أن أهرب فجعل في رجلي قيدا ثم حبسني في بيته وبعثت إلى النصارى فقلت لهم إذا قدم عليكم ركب من الشام فأخبروني بهم فقدم عليهم تجار من النصارى فأخبرونى فقلت لهم إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرجعة فأخبروني بهم فأخبروني بهم فألقيت الحديد من رجلي ثم ق قدمت معهم إلى الشام فلما قدمتها قلت من أجل هذا الدين علما قالوا الأسقف في الكنيسة والأسقف بتخفيف الفاء وتشديدها هو عالم النصارى ورئيسهم في الدين فجئته فقلت له إني قد رغبت في هذا الدين وأحببت أن أكون معك فأخدمك في كنيستك وأتعلم منك وأصلي معك قال ادخل فدخلت معه فكان رجل سوء يأمرهم بالصدقة ويرغبهم فيها فإذا جمعوا إليه أشياء منها اكتنزها لنفسه ولم يعطه المساكين حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق فأبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع ثم مات فاجتمعت النصارى ليدفنوه فقلت لهم إن هذا كان رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئا فقالوا لي وما أعلمك بذلك فقلت أنا أدلكم على كنزه فأريتهم موضعه فاستخرجوا سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا وفي رواية وجدوا ثلاثة قماقم فيها نحو نصف أردب فضة فلما رأوها قالوا والله لا ندفنه أبدا فصلبوه ورموه بالحجارة أي ولم يصلوا عليه صلاتهم مع أن هذا الراهب كان يصوم الدهر وكان تقيا عن الشهوات ومن ثم قال في الفتوحات المكية أجمع أهل كل ملة على أن الزهد في الدنيا مطلوب وقالوا إن الفراغ من الدنيا أحب لكل عاقل خوفا على نفسه من الفتنة التي حذرنا الله تعالى منها بقوله { أنما أموالكم وأولادكم فتنة } هذا كلامه
قال الشيخ عبدالوهاب الشعراني رضي الله تعالى عنه ومن فوائد الرهبان أنهم لا يدخرون قوت الغد ولا يكنزون فضة ولا ذهبا
قال ورأيت شخصا قال لراهب انظر لي هذا الدينار هو من ضرب أي الملوك فلم يرض وقال النظر إلى الدنيا منهى عنه عندنا
قال ورأيت الرهبان مرة وهم يسحبون شخصا ويخرجونه من الكنيسة ويقولون له أتلفت علينا الرهبان فسألت عن ذلك فقالوا رأوا على عاتقه نصفا مربوطا فقلت لهم ربط الدرهم مذموم فقالوا نعم عندنا وعند نبيكم صلى الله عليه وسلم هذا كلامه
وعند ذلك جاءوا برجل آخر فجعلوه مكانه فما رأيت رجلا لا يصلى الخمس أرى أنه أفضل منه أي لا أظن أحدا غير المسلمين أفضل منه ولا أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة ولا أدأب ليلا ونهارا منه فأحببته حبا شديدا لم أحبه شيئا قبله فأقمت معه زمانا حتى حضرته الوفاة فقله له يا فلان إني كنت معك وأحببتك حبا لم أحبه شيئا من قبلك وقد حضرك من أمر الله ما ترى فإلى من توصني قال أي بني والله ما أعلم أحدا على ما كنت عليه لقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجلا بالموصل وهو فلان وهو على ما كنت عليه فلما مات وغيب أي دفن لحقت بصاحب الموصل فأخبرته خبرى وما أمرني به صاحبي فقال أقم عندي فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبه فأقمت مع خير رجل فلما احتضر قلت له يا فلان إن فلانا أوصى بي إليك وأمرني باللحوق بك وقد حضرك من أمر الله ما ترى فإلى من توصى بي وبم تأمرني قال يا بني والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنت عليه إلا رجلا بنصيبين وهو فلان فالحق به فلما مات وغيب لحقت بصاحب نصيبين فأخبرته خبري وما أمرني به صاحبي فقال أقم عندي فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبيه فأقمت مع خير رجل فوالله ما لبث أن نزل به الموت فلما احتضر أي حضرته الملائكة لقبض روحه قلت له يا فلان إن فلانا أوصى بي إلى فلان ثم إن فلانا أوصى بي إليك فإلى من توصى بي وإلى من تأمرني قال يا بني والله ما أعلم بقى أحد على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلا بعمورية من أرض الروم فإنه على مثل ما نحن عليه فإن أحببت فأته فلما مات وغيب أي دفن لحقت بصاحب عمورية وأخبرته خبري فقال أقم عندي
فأقمت عند خير رجل على هدى أصحابه وأمرهم فاكتسبت حتى كانت لي بقرات وغنيمة ثم نزل به أمر الله تعالى فلما احتضر قلت له يا فلان إني كنت مع فلان فأوصى بي إلى فلان ثم أوصى بي فلان إلى فلان ثم أوصى بي فلان إليك فإلى من توصى بي وبم تأمرني قال أي بني والله ما أعلم أصبح ما كنا عليه أحد من الناس آمرك أن تأتيه ولكنه قد أظل أي أقبل قرب زمان نبي مبعوث بدين إبراهيم يخرج بأرض العرب مهاجره إلى أرض بين حرتين بينهما نخل به علامات يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة بين كتفيه خاتم النبوة فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل ثم مات وغيب
أقول وهذا السياق يدل على أن الذين اجتمع بهم من النصارى على دين عيسى أربعة وفي كلام السهيلي أنهم ثلاثون وفي النور أنهم بضعة عشر وأن هذا أظهر والله أعلم
قال سلمان ثم مر بي نفر من كلب تجار فقلت لهم احملوني إلى أرض العرب وأعطيكم بقراتي هذه وغنمي هذه فقالوا نعم فأعطيتهموها أي أعطيتهم إياها وحملوني معهم حتى إذا بلغوا بي وادي القرى وهو محل من أعمال المدينة المنورة ظلموني فباعوني من رجل يهودي فمكثت عنده فرأيت النخل فرجوت أن تكون البلدة التي وصف لي صاحبي ولم يحق عندي أي لم أتحقق ذلك فبينا أنا عنده إذ قدم عليه ابن عم له من بني قريظة من المدينة فابتاعني منه فحملني إلى المدينة فوالله ما هو إلا أن رأيتها فعرفتها أي تحققتها بصفة صاحبي فأقمت بها
وبعث رسول الله صلى اله عليه وسلم وأقام بمكة ما أقام لا اسمع له بذكر مع ما أنا فيه من شغل الرق ثم هاجر إلى المدينة فوالله إني لفي رأس عذق أي نخل لسيدي أعمل له فيه بعض العمل وسيدي جالس تحتي إذ أقبل ابن عم له حتى وقف عليه فقال يا فلان قاتل الله بني قيلة أي وهما الأوس والخزرج لأن قيلة أمهما فقد جاء إن الله أمدنى بأشد العرب ألسنا وأدرعا بابنى قيلة الأوس والخزرج والله إنهم الآن لمجتمعون بقبا بالمد والقصر وربما قيل قباة بتاء التأنيث والقصر على رجل قدم من مكة اليوم يزعمون أنه نبي فلما سمعتها أخذتني العرواء وهي الحمى النافض أي الرعدة والبرحاء الحمى الصالب حتى ظننت أني ساقط على سيدي فنزلت عن
النخلة فجعلت أقول لابن عمه ذلك ما تقول فغضب سيدي ولكمني لكمة شديدة ثم قال مالك ولهذا أقبل على عملك فقلت لا شيء إنما أردت أن أثبته فيما قال وقد كان عندي شيء جمعته أي وهو محتمل لأن يكون تمرا ولأن يكون رطبا فلما أمسيت أخذته ثم ذهبت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بقباء فدخلت عليه فقلت له إني قد بلغني أنك رجل صالح ومعك أصحاب لك غرباء ذوو حاجة وهذا شيء كان عندي للصدقة فرأيتكم أحق به من غيركم فقر بته إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه كلوا وأمسك يده فلم يأكل فقلت في نفسي هذه واحدة أي ومن ثم لما أخذ الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما وهو طفل تمرة من تمر الصدقة ووضعها في فمه قال له النبي صلى الله عليه وسلم كخ كخ أما تعرف أنا لا نأكل الصدقة رواه مسلم
وروى أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي ثم أرفعها لآكلها ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها ووجد صلى الله عليه وسلم تمرة فقال لولا أن تكون من الصدقة لأكلتها وقال إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس وفي رواية إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد والراجح من مذهبنا حرمة الصدقتين عليه صلى الله عليه وسلم وحرمة صدقة الفرض دون النفل على آله وقال الثوري لا تحل الصدقة لآل محمد لا فرضها ولا نفلها ولا لمواليهم لأن مولى القوم منهم بذلك جاء الحديث
قال سلمان ثم انصرفت عنه فجمعت شيئا هو أيضا يحتمل أن يكون تمرا ولأن يكون رطبا
وتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ثم جئته فقلت إني رأيتك لا تأكل الصدقة وهذا هدية أكرمتك بها فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه فأكلوا معه فقلت في نفسي هاتان ثنتان أي ومن ثم روى مسلم كان إذا أتى بطعام سأل عنه فإن قيل هدية أكل منها وإن قيل صدقة لم يأكل منها
قال سلمان ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ببقيع الغرقد وقد تبع
جنازة رجل من أصحابه أي وهو كلثوم بن الهدم الذي نزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقباء لما قدم المدينة
وقيل هو أول من دفن به وقيل أول من دفن به أسعد بن زرارة وقيل أول من دفن به عثمان بن مظعون
وجمع بأن أول من دفن به من المهاجرين عثمان أي وقد مات في ذي الحجة من السنة الثانية من الهجرة وأول من دفن به من الأنصار كلثوم أو أسعد أي وفي الوفيات لابن زبر مات كلثوم ثم من بعده أبو أمامة أسعد بن زرارة في شوال من السنة الأولى من الهجرة ودفن بالبقيع هذا كلامه ولم يذكر الوقت الذي مات فيه كلثوم
وفي النور عن الطبري أنه مات بعد قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة بأيام قليلة وأول من مات من الأنصار البراء بن معرور مات قبل قدومه المدينة مهاجرا بشهر ولما حضره الموت أوصى بأن يدفن ويستقبل به الكعبة ففعلوا به ذلك ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة صلى على قبره هو وأصحابه وكبر أربعا ولم أقف على محل دفنه
وقولهم إن أول من دفن بالبقيع كلثوم يدل على أن البراء لم يدفن بالبقيع إلا أن يراد الأولية بعد قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة والظاهر أن هذه أول صلاة صليت على القبر
قال سلمان وكان عليه الصلاة والسلام عليه شملتان وهو جالس في أصحابه فسلمت عليه ثم ابتدرت أنظر إلى ظهره هل أرى الخاتم الذي وصف لي فألقى الرداء عن ظهره فنظرت إلى الخاتم فعرفته فأكببت عليه أقبله وأبكي فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم تحول فتحولت بين يديه فقصصت عليه حديثي قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسمع ذلك أصحابه أي وفي شواهد النبوة لما جاء سلمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم لم يفهم النبي صلى الله عليه وسلم كلامه فطلب ترجمانا فأتى بتاجر من يهود كان يعرف الفارسية والعربية فمدح سلمان النبي صلى الله عليه وسلم وذم اليهود بالفارسية فغضب اليهودي وحرف الترجمة فقال للنبي صلى الله عليه وسلم إن سلمان يشتمك فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا الفارسي جاء ليؤدينا فنزل جبريل وترجم عن كلام سلمان فقال النبي صلى الله عليه وسلم ذلك أي الذي ترجمه له جبريل لليهودي فقال اليهودي يا محمد
إن كنت تعرف الفارسية فما حاجتك إلي فقال صلى الله عليه وسلم ما كنت أعلمها من قبل والآن عملني جبريل أو كما قال فقال اليهودي يا محمد قد كنت قبل هذا أتهمك والآن تحقق عندي أنك رسول الله فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل علم سلمان العربية فقال قل له ليغمض عينيه ويفتح فاه ففعل سلمان فتفل جبريل في فيه فشرع سلمان يتكلم بالعربي الفصيح وهذا السياق يدل على أن ذلك كان عند مجيئه في المرة الثالثة وحينئذ يشكل مجيئه أولا وثانيا وقوله ما تقدم بالعربية إلا أن يقال ذاك لقلته سهل عليه أن يعبر عنه بالعربية يخلاف حكاية حاله لكثرته لم يحسن أن يعبر عنه بالعربية
قال وقد اختلفت الروايات عن سلمان في الشيء الذي جاء به للنبي صلى الله عليه وسلم أولا وثانيا فالرواية الأولى المتقدمة ظاهرها يقتضى أنه تمر أي وفيه من أين أن ظاهرها ذلك بل هي محتملة وقد جاء التصريح بكونه تمرا في الأولى والثانية ففي بعض الروايات فسألت سيدي أن يهب لي يوما ففعل فعملت في ذلك اليوم على صاع أو صاعين من تمر وجئت به النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأيته لا يأكل الصدقة سألت سيدي أن يهب لي يوما آخر فعملت فيه على ذلك أي على صاع أو صاعين من تمر ثم جئت به النبي صلى الله عليه وسلم فقبله وأكل منه
أي والذي في كلام السهيلي قال سلمان كنت عبدا لإمرأة فسألت سيدتي أن تهب لي يوما الحديث
وقد يقال لا مخالفة لأنه يجوز أن يكون عني بسيدته زوجة سيده لأنه يقال لها سيدة في المتعارف بين الناس أو أن المرأة هي التي اشترته ويؤيده ما يأتي وزوج تلك المرأة يقال له في المتعارف بين الناس سيد قال وقيل إن الذي جاء به أولا وثانيا رطب
وفي رواية احتطبت حطبا فبعته واشتريت بذلك طعاما والطعام خبز ولحم وفي رواية جئت بمائدة عليها بط وفي رواية عليها رطب وجمع بأنه أولا قدم الخبز واللحم الذي هو البط والتمر ثم قدم الرطب فلم يتحد المقدم وفي مسند الإمام أحمد أن المرات ثلاث وأن المقدم فيها متحد
أقول تقديم الرطب في المرة الثانية يخالفه ما تقدم أنه في المرة الثانية كان تمرا والله أعلم
ثم شغل سلمان الرق حتى فاته مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بدر وأحد فكان أول مشاهده الخندق كما سيأتي وكان بعد ذلك يقال له سلمان الخير وكان معدودا من أخصائه صلى الله عليه وسلم قال سلمان ثم قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتب يا سلمان فكاتبت صاحبي على ثلثمائة نخلة أي ودية على وزن فعيلة وهي النخلة الصغيرة التي يقال لها الفسيلة أحييها له بالتفقير بالفاء ثم القاف أي الحفر أي ومن ثم قيل للبئر الفقير أي احفر لها واغرسها بتلك الحفرة وتصير حية بتلك الحفرة أي وأتعهدها إلى أن تثمر والودية والفسيلة هي النخلة الصغيرة التي جرت العادة بأن تنقل من المحل الذي تنبت فيه إلى محل آخر لكن في كلام بعضهم إذا خرجت النخلة من النواة قيل لها غريسة ثم يقال لها ودية ثم فسيلة ثم إشاءة فإذا فاتت اليد فهي جبارة ويقال للنخلة الطويلة عوانة بلغة عمان
وفي الحديث إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فاستطاع أن يغرسها قبل أن تقوم فليغرسها وعلى أربعين أوقية أي من ذهب كما سيأتي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعينوا أخاكم فأعانوني بالنخل الرجل بستين والرجل بعشرين ودية والرجل بخمسة عشر والرجل يعين بقدر ما عنده حتى اجتمعت لي ثلثمائة ودية قال وفي رواية أنه كوتب على أن يغرس لهم خمسائة فسيلة أي يحفر لها ويغرسها أي ويتعهدها إلى أن تثمر وعلى أربعين أوقية
قال سلمان فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهب يا سلمان ففقر أي بالفاء وفي رواية فنقر أي بالنون أي احفر لها فإذا فرغت فائتني أنا أضعها بيدي ففقرت وفي رواية فنقرتها وأعانني أصحابي حتى إذا فرغت جئته صلى الله عليه وسلم فأخبرته فخرج معي إليها فجعلنا نقرب إليه الودى فيضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ما مات منها ودية واحدة فأديت النخل وبقى على المال فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة الدجاجة أي وفي رواية مثل بيضة الحمامة من ذهب من بعض المعادن ولعل هذه البيضة كانت مترددة بين بيضة الدجاجة وبين بيضة الحمامة أي أكبر من بيضة الحمامة وأصغر من بيضة الدجاجة فاختلف فيها التشبيه فقال صلى الله عليه وسلم
ما فعل الفارسي المكاتب فدعيت له فقال خذ هذه فأدها مما عليك يا سلمان أي تكون بعضا مما عليك
وحينئذ قد يتوقف في جواب سلمان بقوله قلت وأين تقع هذه يا رسول الله مما علي لأن النبي يؤدي بعضه وإن قل ذلك البعض إلا أن يقال العادة قاضية بأن ذلك البعض لا يقبل إلا إذا كان له وقع بالنسبة لكله
وقد أشار صلى الله عليه وسلم للرد على سلمان بأن هذا الذي قلت فيه إنه لا يحسن أن يكون بعضا مما عليك يوفى به الله عنك جميع ما عليك حيث قال خذها فإن الله سيؤدي بها عنك فأخذتها فوزنت لهم منها والذي نفس سلمان بيده أربعين أوقية فأوفيتهم حقهم أي وبقى عندي مثل ما أعطيتهم قال وهذا أي سؤال سلمان وجوابه صلى الله عليه وسلم كالصريح في أن الأواقي التي كاتب عليها كانت ذهبا لا فضة
وقد جاء أي مما يدل على ذلك في بعض الروايات أن سلمان لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم وأين تقع هذه مما علي فقلبها صلى الله عليه وسلم على لسانه ثم قال خذها فأوفهم منها
وأيضا أي مما يدل على ذلك أيضا أن المعلوم أن قدر بيضة الدجاجة من الذهب يعدل أكثر من أربعين أوقية من الفضة أي فلا يحسن قول سلمان وأين تقع هذه مما علي وقد صرح بذلك أي بكونها ذهبا البلاذري والقاضي عياض في الشفاء فقالا على أربعين أوقية من ذهب وإلى القصة أشار صاحب الهمزية بقوله ** ووفى قدر بيضة من نضار ** دين سلمان حين حان الوفاء ** ** كان يدعى قنا فأعتق لما ** أينعت من نخيله الأقناء ** ** أفلا تعذرون سلمان لما ** أن عرته من ذكره العرواء **
أي ووفى قدر بيضة من بيض الدجاج أو الحمام من ذهب دين سلمان وهو أربعون أوقية من ذهب حين قرب حلول الدين وتقدم أنه وفي دينه منها وبقى عنده منها قدر ما أعطاهم
وسبب هذا الدين على سلمان أنه كان يدعى قنا أي أرق بالباطل كما تقدم فكوتب على ذلك وعلى أن يغرس تلك النخيل ويتعهدها إلى أن تثمر وأعتق بأداء هذا الدين حين أينعت العراجين من نخيله التي غرسها أي غرست له أفلا ترون لسلمان عذرا
يمنعكم من إيذائه حين أن غشيته قوة الحمى من أجل سماع ذكره صلى الله عليه وسلم قال سلمان وشهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق ثم لم يفتني معه مشهد
وعن بريدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى سلمان أبي كان سببا لشرائه أن مكاتبته من قوم اليهود بكذا وكذا درهما وعلى أن يغرس لهم كذا وكذا من النخل يعمل فيها سلمان حتى تدرك فغرس رسول الله صلى الله عليه وسلم النخل كله إلا نخلة غرسها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فاطعم النخل كله إلا تلك النخلة التي غرسها عمر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من غرسها قالوا عمر فقلعها وغرسها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده فأطعمت من عامها
وذكر البخاري أن سلمان رضي الله تعالى عنه غرس بيده ودية واحدة وغرس رسول الله صلى الله عليه وسلم سائرها فعاشت كلها إلا التي غرسها سلمان قال ويجوز أن يكون كل من سلمان وعمر غرس هذه النخلة أحدهما قبل الآخر انتهى
أقول وهذا الحائط الذي غرس فيه سلمان من حوائط بني النضير وكان يقال له المنبت وقد آل إليه صلى الله عليه وسلم كما سيأتي
ولا يخفى أن قول صاحب الهمزية كان يدعى قنا أنه لم يرق حقيقة وقد تقدم ذلك وفيه أنه لو لم يرق حقيقة لما أقره على الرق وأمره صلى الله عليه وسلم بالمكاتبة وأدى عنه وكونه فعل ذلك تطييبا لخاطر ساداته بعيد فليتأمل
فإن قيل إذا رق حقيقة كيف جاز له صلى الله عليه وسلم أن يأمر أصحابه أن يأكلوا مما جاء به صدقة ويأكل هو وهم مما جاء به هدية والرقيق لا يملك وإن ملكه سيده على الأصح عندنا معاشر الشافعية بل وعند باقي الأئمة
قلنا يجوز أن يكون الرقيق كان في صدر الإسلام يملك ما ملكه له سيده ثم نسخ ذلك على أن بعض أصحابنا ذهب إلى صحته وفي كلام السهيلي وذكر أو عبيد أن حديث سلمان حجة على من قال إن العبد لا يملك هذا كلامه وأنه صلى الله عليه وسلم لم يعلم رقه حينئذ لأن الأصل في الناس الحرية ولعدم تحقق رق سلمان وعدم مجئ مكاتبته على قواعد أئمتنا لم يستدلوا على مشروعية الكتابة بقصة سلمان
وفي كلام السهيلي أن في خبر سلمان من الفقه قبول الهدية وترك سؤال المهدي
وكذلك الصدقة وفي الحديث من قدم إليه الطعام فليأكل ولا يسأل والله أعلم
وعن سلمان رضي الله تعالى عنه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخبره بالقصة المتقدمة زاد أن صاحب عمورية قال له أئت كذا وكذا من أرض الشام فإن بها رجلا بين غيضتين يخرج كل سنة من هذه الغيضة إلى هذه الغيضة مستجيزا يعترضه ذوو الأسقام فلا يدعو لأحد منهم إلا شفى فاسأله عن هذا الدين فهو يخبرك به
قال سلمان فخرجت حتى جئت حيث وصفه لي فوجدت الناس قد اجتمعوا بمرضاهم هناك حتى خرج لهم تلك الليلة مستجيزا من إحدى الغيضتين إلى الأخرى فغشيه الناس بمرضاهم لا يدعو لمريض إلا شفى وغلبوني عليه فلم أخلص حتى دخل الغيضة التي يريد أن يدخلها إلا منكبه فتناولته فقال من هذا والتفت إلى فقلت يرحمك الله أخبرني عن الحنيفية دين إبراهيم فقال إنك لتسأل عن شيء ما يسأل عنه الناس اليوم قد أظلك نبي يبعث بهذا الدين من أهل الحرم فإنه يحملك عليه ثم دخل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن كنت صدقتني لقد لقيت عيسى بن مريم والغيضة الشجر الملتف
قال السهيلى هذا الحديث مقطوع وفيه رجل مجهول ويقال إن الرجل هو الحسن بن عمارة وهو ضعيف بإجماع منهم وإن صح هذا الحديث فلا نكارة في متنه
فقد ذكر الطبري أن المسيح عليه الصلاة والسلام نزل بعد ما رفع وأمه وأمرأة أخرى أي كانت مجنونة فأبرأها المسيح عند الجذع الذي فيه الصليب يبكيان فأهبط إليهما فكلمهما وقال لهما علام تبكيان فقالا عليك فقال إني لم أقتل ولم أصلب ولكن الله رفعني وكرمني وأخبرهما أن الله أوقع شبهه على الذي صلب وأرسل إلى الحواريين أي قال لأمه ولتك المرأة أبلغا الحواريين أمري أن يلقوني في موضع كذا ليلا فجاء الحواريون ذلك الموضع فإذا الجبل قد اشتعل نورا لنزوله فيه ثم أمرهم أن يدعوا الناس إلى دينه وعبادة ربهم ووجههم إلى الأمم وإذا جاز أن ينزل مرة جاز أن ينزل مرارا لكن لانعلم أنه هو أي حقيقة حتى ينزل النزول الظاهر فيكسر الصليب ويقتل الخنزير كما جاء في الصحيح هذا كلامه
ويروى أنه إذا نزل تزوج امرأة من جذام قبيلة باليمن ويولد له ولدان يسمى أحدهما
محمدا والآخر موسى يمكث أربعين سنة وقيل خمسا وأربعين وقيل سبع سنين كما في مسلم وقيل ثمان سنين وقيل تسعا وقيل خمسا أي وجمع بين كون مدة مكثه أربعين سنة أو خمسا وأربعين سنة وبين كونها سبع سنين أي وما بعد ذلك بأن المراد بالأول مجموع لبثه في الأرض قبل الرفع وبعده والسبعة أي وما بعدها من الأقوال يكون بعد نزوله ويدفن إذا مات في روضة النبي صلى الله عليه وسلم قال وقيل في حجرته صلى الله عليه وسلم أي عند قبره الشريف وقيل في بيت المقدس أنتهى أي وقيل يدفن معه صلى الله عليه وسلم في قبره ويؤيده ما ورد ويدفن معي في قبري فأقوم أنا وعيسى من قبر واحد بين أبي بكر وعمر
أقول وكما يقتل عيسى عليه الصلاة والسلام الخنزير يقتل الدجال فقد جاء ينزل عيسى حكما مقسطا يحكم بشرعنا يقتل الدجال ونزوله يكون عند صلاة الفجر فيصلى خلف المهدي بعد أن يقول له المهدي تقدم يا روح الله فيقول له تقدم فقد أقيمت لك وفي رواية ينزل بعد شروع المهدي في الصلاة فيرجع المهدي القهقري ليتقدم عيسى فيضع يده بين كتيفيه ويقول له تقدم فإذا فرغ من الصلاة أخذ حربته وخرج خلف الدجال فيقتله عند باب لد الشرقي وورد أن المهدي يخرج مع عيسى فيساعده على قتل الدجال وقد جاء أن المهدي من عترة النبي صلى الله عليه وسلم من ولد فاطمة قيل من ولد الحسين وقيل من ولد الحسن وقيل من ولد عمه العباس
فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن أمه أم الفضل مرت به صلى الله عليه وسلم فقال إنك حامل بغلام فإذا ولدتيه فائتيني به قالت فلما ولدته أتيته به فأذن في أذنه اليمنى وأقام في اليسرى وألبأه أي أسقاه اللبأ من ريقه وسماه عبدالله وقال اذهبي بأبي الخلفاء فأخبرت العباس فأتاه فذكر له فقال هو ما أخبرتك هذا أبو الخلفاء حتى يكون منهم السفاح حتى يكون منهم المهدي أي الخليفة وهو أبو الرشيد بدليل قوله حتى يكون منهم من يصلى بعيسى ابن مريم أي وهو المهدي الذي يأتي آخر الزمان اسمه محمد بن عبدالله لو لم يبق من الدنيا إلا يوم واحد وفي رواية إلا ليلة واحدة يطول الله ذلك حتى يبعث وظهوره يكون بعد أن يكسف القمر في أول ليلة من رمضان وتكسف الشمس في النصف منه مثل ذلك لم يوجد منذ خلق الله السموات والأرض عمره عشرون سنة وقيل أربعون سنة ووجهه كوكب درى على خده الأيمن خال أسود يخرج
في زمان الدجال وينزل في زمانه عيسى ابن مريم وأما ما ورد لا مهدي إلا عيسى بن مريم فلا ينافي ذلك لجواز أن يكون المراد لا مهدي كاملا معصوما إلا عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام
فقد جاء لن تهلك أمة أنا أولها وعيسى بن مريم آخرها والمهدي من أهل بيتي في وسطها وعن العباس رضي الله تعالى عنه قال كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال أنظر هل ترى في السماء من شيء قلت نعم قال ما ترى قلت الثريا قال أما إنه سيملك هذه الأمة بعددها من صلبك أي وقد اختلف الناس في عددها المرئى فقيل سبعة أنجم وقيل تسعة
وجمعنا بينهما بأن الأول يكون هو المرئى لغالب الناس ولو غير حديد البصر والثاني لمن يكون حديد البصر منهم وأما المرئى له صلى الله عليه وسلم فقيل كان يرى أحد عشر نجما وقيل أثني عشر نجما
وجمعنا بينهما بحمل الأول على ما إذا لم يمعن النظر والثاني على ما إذا أمعن النظر وحينئذ يقتضى هذا أن تكون الخلفاء من بني العباس اثني عشر
وعن سعيد بن جبير سمعت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول يكون منا ثلاثة أهل البيت السفاح والمنصور والمهدي ورواه الضحاك عن ابن عباس مرفوعا والمهدي في هذه الرواية يحتمل أن المراد به أبو الرشيد ويحتمل أن يكون المنتظر
وروى أبو نعيم بسند ضعيف أنه صلى الله عليه وسلم خرج فتلقاه العباس فقال ألا أسرك يا أبا الفضل قال بلى يا رسول الله قال إن الله فتح بي هذا الأمر وبذريتك يختمه وفي رواية ويختمه بولدك
وقد أفردت ترجمة المهدي المنتظر بالتأليف في مجلد حافل سماه مؤلفه الفواصل عن الفتن القواصم
وقد رويت قصة سلمان رضي الله تعالى عنه على غير هذا الوجه الذي تقدم فعنه قال كان لي أخ أكبر مني وكان يتقنع بثوبه ويضعد الجبل يفعل ذلك غير ما مرة متنكرا فقلت له أما إنك تفعل كذا وكذا فلم لا تذهب بي معك قال أنت غلام وأخاف أن يظهر منك شيء فقلت لا تخف قال إن في هذا الجبل قوما لهم عبادة وصلاح يذكرون الله ويذكرون الآخرة ويزعمون أنا على غير دين قلت فاذهب بي معك إليهم قال
حتى أستامرهم فاستأمرهم فقالوا جئ به فذهبت معه فانتهيت إليهم فإذا هم ستة أو سبعة وكأن الروح قد خرجت منهم من العبادة يصومون النهار ويقومون الليل يأكلون الشجر وما وجدوا فصعدنا إليهم فحمدوا الله تعالى وأثنوا عليه وذكروا من مضى من الرسل والأنبياء حتى خلصوا إلى عيسى ابن مريم قالوا ولد بغير ذكر وبعثه الله رسولا وسخر له ما كان يفعل من إحياء الموت وخلق الطير وإبراء الأعمى والأبرص فكفر به قوم وتبعه قوم ثم قالوا يا غلام إن لك ربا وإن لك معادا وإن بين ذلك جنة ونارا لهما تصير وإن هؤلاء القوم الذين يعبدون النيران أهل كفر وضلالة لا يرضى الله بما يصنعون وليسوا على دين ثم انصرفنا ثم عدنا إليهم فقالوا مثل ذلك وأحسن فلزمتهم ثم اطلع عليهم الملك فأمرهم بالخروج من بلاده فقلت ما أنا بمفارقكم فخرجت معهم حتى قدمنا الموصل فلما دخلوا حفوا بهم ثم أتاهم رجل من كهف جبل فسلم وجلس فحفوا به فقال لهم أين كنتم فأخبروه فقال ما هذا الغلام معكم فأثنوا علي خيرا وأخبروه بإتباعي إياهم ولم أر مثل إعظامهم له فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر من أرسله الله من رسله وأنبيائه وما لقوا وما صنع بهم حتى ذكر عيسى بن مريم ثم وعظهم وقال اتقوا الله والزموا ما جاء به عيسى ولا تخالفوا يخالف بكم ثم أراد أن يقوم فقلت ما أنا بمفارقك فقال يا غلام إنك لا تستطيع ان تكون معي إني لا أخرج من كهفي هذا إلا كل يوم أحد قلت ما أنا بمفارقك فتبعته حتى دخل الكهف فما رأيته نائما ولا طاعما إلا راكعا وساجدا إلى الأحد الآخر فلما أصبحنا خرجنا واجتمعوا إليه فتكلم نحو المرة الأولى ثم رجع إلى كهفه ورجعت معه فلبثت ما شاء الله أن يخرج في كل يوم أحد ويخرجون إليه ويعظهم ويوصيهم فخرج في أحد فقال مثل ما كان يقول ثم قال يا هؤلاء إني قد كبر سني ورق عظمي وقرب أجلي وإني لا عهد لي بهذا البيت يعني بيت المقدس منذ كذا وكذا سنة فلا بد لي من إتيانه فقلت ما أنا بمفارقك فخرج وخرجت معه حتى أتيت إلى بيت المقدس فدخل وجعل يصلى وكان فيما يقول لي يا سلمان إن الله سوف يبعث رسولا اسمه أحمد يخرج من جبال تهامة علامته أن يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة بين كتفيه خاتم النبوة وهذا زمانه الذي يخرج فيه قد تقارب فأما أنا فشيخ كبير لا أحسبني أدركه فإن أدركته أنت فصدقه واتبعه فقلت وإن أمرني بترك دينك وما أنت عليه قال وإن أمرك ثم خرج من بيت المقدس وعلى بابه مقعد فقال له ناولني
يدك فناوله يده فقال له قم باسم الله فقام كانما نشط من عقال فقال لي المقعد يا غلام احمل على ثيابي حتى أنطلق فحملت عليه ثيابه فذهب الراهب وذهبت في أثره أطلبه كلما سألت عنه قالوا أمامك حتى لقيني ركب من كلب فسألتهم فلما سمعوا لغتي أناخ رجل بعيره وحملني عليه فجعلني خلفه حتى أتوا بي بلادهم فباعوني فاشترتني إمرأة من الأنصار فجعلتني في حائط لها أي بستان وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرت به فأخذت شيئا من تمر حائط ثم أتيته فوجدت عنده أناسا فوضعته بين يديه فقال ماهذا قلت صدقة قال للقوم كلوا ولم يأكل هو ثم لبثت ما شاء الله ثم أخذت مثل ذلك ثم أتيته فوجدت عنده أناسا فوضعته بين يديه فقال ما هذا فقلت هدية قال بسم الله وأكل وأكل القوم فقلت في نفسي هذه من آياته ويحتاج للجمع بين هذه الرواية وما تقدم على تقدير صحتهما
وفي الدر المنثور أن امرأة من جهينة اشترته وصار يرعى غنما لها بينما هو يوما يرعى إذ أتاه صاحب له فقال له أشعرت أنه قد قدم اليوم المدينة رجل يزعم أنه نبي فقال له سلمان أقم في الغنم حتى آتيك فهبط سلمان إلى المدينة فاشترى بدينار ببعضه شاة فشواها وببعضه خبزا ثم أتاه به فقال ما هذا قال سلمان هذه صدقة قال لا حاجة لي بها فأخرجها فأكلها أصحابه ثم انطلق فاشترى بدينار آخر خبزا ولحما فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما هذا قال هذه هدية قال فاقعد فكل فقعد وأكلا جميعا منها فدرت خلفه ففطن بي فأرخى ثوبه فإذا الخاتم في ناحية كتفه الأيسر فتبينته ثم درت حتى جلست بين يديه فقلت أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وهذه الرواية تخالف ما تقدم فليتأمل ولينظر كيف الجمع
ونقل بعضهم الإجماع على أن سلمان عاش مائتين وخمسين سنية وكان حبرا عالما فاضلا زاهدا متقشفا وكان يأخذ من بيت المال في كل سنة خمسة آلاف وكان يتصدق بها ولا يأكل إلا من عمل يده وكان له عباءة يفترش بعضها ويلبس بعضها
قال بعضهم دخلت عليه وهو أمير على المدائن وهو يعمل الخوص فقلت له لم تعمل هذا وأنت أمير وهو يجرى عليك رزق فقال إني أحب أن آكل من عمل يدي وربما اشتري اللحم وطبخه ودعا المجذومين فأكلوا معه
وأول مشاهدة الخندق كما تقدم قيل وشهد بدرا وأحدا قبل أن يعتق أي وهو مكاتب فيكون أول مشاهده الخندق بعد عتقه والله أعلم
وأما أخبار الكهان لا عن ألسنة الجان فكثيرة منها ما تقدم في ليلة ولادته صلى الله عليه وسلم وفي أيام رضاعه
قال ومنها أيضا خبر عمرو بن معد يكرب رضي الله تعالى عنه قال والله لقد علمت أن محمدا رسول الله قبل أن يبعث فقيل له وكيف ذاك قال فزعنا إلى كاهن لنا في أمر نزل بنا فقال الكاهن أقسم بالسماء ذات الإبراج والأرض ذات الأدراج والريح ذات العجاج إن هذا لا مراج لعله من أجيج النار وهو التهابها ولقاح ذي نتاج قالوا وما نتاجه قال نتاجه ظهور نبي صادق بكتاب ناطق وحسام فالق قالوا وأين يظهر وإلى ماذا يدعو قال يظهر بصلاح ويدعو إلى فلاح ويعطل القداح وينهى عن الراح والسفاح وعن كل أمر قباح قالوا ممن هو قال من ولد الشيخ الأكرم حافر زمزم وعزه سرمد وخصمه مكمد انتهى
ومنها خبر قس بن ساعدة الإيادي وهو أول من قال البينة على المدعى واليمين على من أنكر وأول من اتكأ على عصا أو قوس أو سيف عند الخطبة
وقيل إن أول من تكلم بأن البينة على المدعى واليمين على من أنكر داود عليه الصلاة والسلام وأن ذلك فصل الخطاب
ورد بأنه لم يثبت عنه أنه تكلم بغير لغته عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال قدم وفد عبد القيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أيكم يعرف القس بن ساعدة الإيادي قالوا كلنا يا رسول الله نعرفه قال فما فعل قالوا هلك قال ما أنساه بعكاظ على جمل أحمر وهو يقول أيها الناس اجمعوا واسمعوا وعوا من عاش مات ومن مات فات وكل ما هو آت آت إن في السماء لخبرا وإن في الأرض لعبرا مهاد موضوع وسقف مرفوع ونجوم تمور وبحار لا تغور أقسم قس قسما حاتما لأن كان في الأمر رضا ليكونن سخطا إن الله دينا هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه مالي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون أرضوا بالمقام فقاموا أم تركوا هناك فناموا ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيكم يروى شعره فأنشدوه عليه الصلاة والسلام
** في الذاهبين الأولين ** من القرون لنا بصائر ** ** لما رأيت مواردا ** للموت ليس لها مصادر ** ** ورأيت قومي نحوها ** تسعى الأصاغر والأكابر ** ** لا يرجع الماضي إلى ** ولا من الباقين غابر ** ** أيقنت أنى لا محا ** لة حيث صار القوم صائر **
وفي رواية أخرى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال قدم الجارود ابن عبدالله وكان سيدا في قومه وقيل له الجارود لأنه أغار على قوم من بني بكر بن وائل فجردهم أي أخذ جميع أموالهم وإلى ذلك الإشارة بقول الشاعر ** ودسناهم بالخيل من كل جانب ** كما جرد الجارود بكر بن وائل **
فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم يا جارود هل في جماعة وفد عبدالقيس من يعرف لنا قسا قالوا كلنا نعرفه يا رسول الله قال الجارود وأنا بين يدي القوم كنت أقفو أي أتبع أثره كان من أسباط العرب أي من ولد ولدهم شيخا عمر سبعمائة سنة أي وقيل ستمائة سنة أدرك من الحواريين سمعان فهو أول من تأله أي تعبد من العرب أي ترك عبادة الأصنام وأول من قال أما بعد أي وقيل أول من قال ذلك كعب بن لؤي كما تقدم وقيل سحبان بن وائل وقيل يعقوب وقيل يعرب بن قحطان وقيل داود وهو فصل الخطاب
ورد بأنه لم يثبت عنه أنه تكلم بغير لغته أي وبعد لفظة عربية وفصل الخطاب الذي أوتيه هو فصل الخصومة أي وهذا يؤيد ما تقدم عنه أنه أول من قال البينة على المدعى واليمين على من أنكر وتقدم ما فيه وجمع بأن الأولية بالنسبة لداود حقيقية ولغيره إضافية فلكعب بن لؤي بالنسبة للعرب ولغيره بالنسبة لقبيلته وقس أول من كتب من فلان إلى فلان قال الجارود كأني أنظر إليه يقسم بالرب الذي هو له ليبلغن الكتاب أجله وليوفين كل عامل عمله ثم أنشأ يقول ** هاج للقلب من جواه ادكار ** وليال خلالهن نهار ** ** وجبال شوامخ راسيات ** وبحار مياههن غزار ** ** ونجوم تلوح في ظلم الليل ** تراها في كل يوم يوم تدار ** ** والذي قد ذكرت دل على الله ** نفوسا لها هدى واعتبار **
فقال النبي صلى الله عليه وسلم على رسلك يا جارود والرسل بكسر الراء التؤدة فلست أنساه بسوق عكاظ أي وهو سوق بين بطن نخلة والطائف كان سوقا لثقيف وقيس عيلان كما تقدم على جمل أورق أي يضرب لونه إلى السواء وهو يتكلم بكلام ما أظن أني أحفظه وفي لفظ تكلم بكلام له حلاوة لا أحفظه الآن فقال أبو بكر يا رسول الله فإني أحفظه كنت حاضرا ذلك اليوم بسوق عكاظ فقال في خطبته يا أيها الناس اسمعوا وعوا وإذا وعيتم فانتفعوا من عاش مات ومن مات فات وكل ما هو آت أت مطر ونبات وأرزاق وأقوات وآباء وأمهات وأحياء وأموات جمع وأشتات وآيات بعد آيات إن في السماء لخبرا وإن في الأرض لعبرا ليل داج أي مظلم وسماء ذات أبراج وأرض ذات فجاج وبحار ذات أمواج مالي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون أرضوا بالمقام فأقاموا أم تركوا هناك فناموا أقسم قس فسما حاتما لا حنثا فيه ولا آثما إن لله دينا هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه ونبيا قد حان حينه وأظلكم زمانه فطوبى لمن آمن به فهداه وويل لمن خالفه فعصاه ثم قال تبا لأرباب الغفلة من الأمم الخالية والقرون الماضية يامعشر إياد هي قبيلة من اليمن أين الآباء والأجداد وأين المريض والعواد وأين الفراعنه الشداد أين من بنى وشيد وزخرف ونجد أي من زين وطول وغره المال والولد أين من بغى وطغى وجمع فأوعى وقال أنا ربكم الأعلى ألم يكونوا أكثر منكم أموالا وأطول منكم آجالا وأبعد منكم آمالا طحنهم التراب بكلكله أي بصدره ومزقهم بتطاوله فتلك عظامهم بالية وبيوتهم خاوية عمرتها الذئاب العاوية كلا بل هو الله الواحد المعبود ليس بوالد ولا مولود ثم أنشأ يقول الأبيات المتقدمة
أي وفي رواية لما قدم وفد إياد على النبي صلى الله عليه وسلم قال يا معشر وفد إياد ما فعل قس بن ساعدة الإيادي قالوا هلك يا رسول الله قال لقد شهدته يوما بسوق عكاظ على جمل أحمر يتكلم بكلام معجب موفق لا أجدني أحفظه الآن فقام امرؤ أعرابي من أقاصي القوم فقال أنا أحفظه يا رسول الله فسر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك كان يقول يا معشر الناس اجتمعوا فكل من مات فات وكل شيء آت آت ليل داج وسماء ذات أبراج وبحر عجاج نجوم تزهر وجبال مرسية وأنهار مجرية الحديث
وفي رواية أين الصعب ذو القرنين ملك الخافقين وأذل الثقلين وعمر ألفين ثم كان ذلك كلمحة عين
قال وفي رواية أخرى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن قس بن ساعدة كان يخطب قومه بسوق عكاظ فقال سيأتيكم حق من هذا الوجه وأشار بيده إلى نحو مكة قالوا له وما هذا الحق قال رجل أبلج أحور من ولد لؤي بن غالب يدعوكم إلى كلمة الإخلاص وعيش ونعيم لا ينفدان فإذا دعاكم فأجيبوه ولو علمت أني أعيش إلى ة مبعثه لكنت أول من يسعى إليه وقد رويت هذه القصة من طرق متعددة
قال الحافظ ابن كثير هذه الطرق على ضعفها كالمتعاضدة على إثبات أصل القصة وقال الحافظ ابن حجر طرق هذا الحديث كلها ضعيفة وهو يرد قول ابن الجوزي في موضوعاته حديث قس بن ساعدة من جميع جهاته باطل
أقول ذكر في النور أن في قصة قس ما يرشد إلى التعدد مرتين مرة حفظ صلى الله عليه وسلم كلامه وكان قس على جمل أحمر والثانية التى لم يحفظ فيها كلامه كان قس على جمل أورق قال لكن لا أدري أي المرتين كانت أولا هذا كلامه
وقد يقال النسيان جائز عليه صلى الله عليه وسلم فيجوز أن يكون صلى الله عليه وسلم نسى كلام قس بعد الإخبار به أولا ويدل لذلك قوله لا أظن أني أحفظه الآن أو قبل الإخبار به فيكون خبره صلى الله عليه وسلم متأخرا عن خبر أبي بكر فلا دلالة في ذلك التعدد ووصف الجمل بأنه أحمر ووصفه بأنه أورق لا يدل على التعدد لأنه يجوز أن يكون شديد الحمرة تميل إلى السواد وهو الأورق فأخبر عنه مرة بأنه أحمر ومرة بأنه أورق وهذا السياق يدل على تعدد مجئ وفد عبدالقيس مرة جاءوا وحدهم ومرة جاءوا مع سيدهم الجارود وقد جاء رحم الله قسا إنه كان على دين أبي إسماعيل بن إبراهيم والله أعلم
ومن ذلك خبر نافع الجرشي نسبة إلى جرش بضم الجيم وفتح الراء وبالشين المعجمة قبيلة من حمير تسمى به بلدهم أن بطنا من اليمن كان لهم كاهن في الجاهلية فلما ذكر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتشر في العرب جاءوا إلى كاهنهم واجتمعوا
إليه في أسفل جبل فنزل إليهم حين طلعت الشمس فوقف لهم قائما متكئا على قوس فرفع رأسه إلى السماء طويلا ثم قال أيها الناس إن الله أكرم محمدا وأصطفاه وطهر قلبه وحشاه ومكثه فيكم أيها الناس قليل
وأما أخبار الكهان على ألسنة الجان فكثيرة أيضا
منها خبر سواد بن قارب رضي الله تعالى عنه وكان يتكهن في الجاهلية وكان شاعرا ثم أسلم فعن محمد بن كعب القرظي قال بينا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ذات يوم جالسا إذ مر به رجل فقيل له يا أمير المؤمنين أتعرف هذا المار قال ومن هذا قالوا سواد بن قارب الذي أتاه رئيه أي تابعه من الجن الذي يتراءى له أتاه بظهور النبي صلى الله عليه وسلم أي بعد أن قال عمر رضي الله تعالى عنه على المنبر أي منبر النبي صلى الله عليه وسلم أيها الناس أفيكم سواد بن قارب فلم يجبه أحد فلما كان السنة المقبلة ولعل ذلك كان في زمن المجئ للزيارة من الآفاق قال أيها الناس أفيكم سواد بن قارب قال بعضهم يا أمير المؤمنين ما سواد بن قارب قال إن سواد بن قارب كان بدء إسلامه شيئا عجيبا قال البراء فبينا نحن كذلك إذ طلع سواد بن قارب فارسل إليه عمر رضي الله تعالى عنه فقال له أنت سواد بن قارب قال نعم قال أنت الذي أتاك رئيك بظهور النبي صلى الله عليه وسلم قال نعم قال فأنت على ما كنت عليه من كهانتك فغضب سواد بن قارب وقال ما استقبلني بهذا أحد منذ أسلمت يا أمير المؤمنين فقال له سبحان الله ما كنا عليه من الشرك أي من عبادة الأصنام أعظم مما كنت عليه من كهانتك أي وفي رواية أن عمر رضي الله تعالى عنه قال اللهم غفرا قد كنا في الجاهلية على شر من هذا نعبد الأصنام والأوثان حتى أكرمنا الله برسوله صلى الله عليه وسلم وبالإسلام
أقول وفيه أن المتبادر أن غضب سواد إنما هو بسبب ما فهمه من نسبته إلى الكهانة بعد الإسلام لا قبلها بدليل قوله ما استقبلني بهذا أحد منذ أسلمت وجواب سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه يدل على أنه فهم أن غضب سواد بسبب نسبته للكهانة قبل الإسلام فلذلك قال سبحان الله متعجبا منه
وفي كلام السهيلي أن عمر رضي الله تعالى عنه مازح سوادا رضي الله تعالى عنه فقال له ما فعلت كهانتك يا سواد فغضب وقال له سواد رضي الله تعالى عنه قد كنت أنا وأنت
على شر من هذا من عبادة الأصنام وأكل الميتات أفتعيرني بأمر قد تبت منه فقال عمر رضي الله تعالى عنه اللهم غفرا فليتأمل والله أعلم ثم قال لسواد أخبرني ما نبأ رئيك بظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم
وفي رواية قال يا سواد حدثنا ببدء إسلامك كيف كان قال نعم يا أمير المؤمنين بينا أنا ذات ليلة بين النائم واليقظان إذ أتاني رئيى فضربني برجله وقال قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل إنه قد بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم من لؤى بن غالب يدعو إلى الله عز وجل وإلى عبادته ثم أنشأ يقول ** عجبت للجن وتطلابها ** وشدها العيس بأقتابها ** ** تهوى إلى مكة تبغى الهدى ** ما صادق الجن ككذابها ** ** فارحل إلى الصفوة من هاشم ** ليس قدماها كأذنابها **
فقلت دعنى أنام فإني أمسيت ناعسا فلما كانت الليلة الثانية أتاني فضربني برجله وقال قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله عز وجل وإلى عبادته ثم أنشأ يقول ** عجبت للجن وتخبارها ** وشدها العيس بأكوارها ** ** تهوى إلى مكة تبغى الهدى ** ما مؤمن الجن ككفارها ** ** فارحل إلى الصفوة من هاشم ** بين روابيها وأحجارها **
فقلت دعنى أنام فإني أمسيت ناعسا فلما كانت الليلة الثالثة أتاني فضربني برجله وقال قم يا سواد بن قارب فاسمع مقالتي واعقل إن كنت تعقل إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب يدعو إلى الله عز وجل وإلى عبادته ثم أنشأ يقول ** عجبت للجن وتحساسها ** وشدها العيس بأحلاسها ** ** تهوى إلى مكة تبغي الهدى ** ما خير الجن كأنحاسها ** ** فارحل إلى الصفوة من هاشم ** وارم بعينيك إلى راسها **
فقمت فقلت قد امتحن الله قلبي فرحلت ناقتي ثم أتيت المدينة وفي رواية حتى أتيت مكة وهي كما قال البيهقي أقرب إلى الصحة من الأولى أي لأن الجن إنما جاءت إليه صلى الله عليه وسلم للإيمان به في مكة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حوله وفي لفظ والناس حوله وفي لفظ والناس عليه كعرف الفرس فلما
رآني قال مرحبا بك يا سواد بن قارب قد علمنا ماجاء بك قلت يا رسول الله قد قلت شعرا فاسمع مقالتي يا رسول الله فقال هات فأنشأت أي ابتدأت أقول أتاني نجي بعد هدء ورقدة وفي لفظ ** أتاني رئيى بعد ليل وهجعة ** ولم يك فيما قد تلوت بكاذب ** ** ثلاث ليال قوله كل ليلة ** أتاك رسول من لؤى بن غالب **
فشمرت من ذيل الإزار وفي لفظ عن ساقي الإزار ** ووسطت بي الذعلب الوجناء بين الساسب ** ** فأشهد أن الله لا رب غيره ** وأنك مأمون على كل غائب ** ** وأنك أدنى المرسلين وسلية ** إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب ** ** فمرنا بما يأتيك ياخير مرسل ** وإن كان فيما جاء شيب الذوائب ** ** وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة ** سواك بمغن عن سواد بن قارب **
وفي رواية ** وكن لي شفيعا يوم لا ذوا قرابة ** بمغن فتيلا عن سواد بن قارب **
قال ففرح النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بمقالتي فرحا شديدا حتى رؤى الفرح في وجوههم أي وضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه وقال أفلحت يا سواد فرأيت عمر رضي الله تعالى عنه التزمه وقال لقد كنت اشتهي أن أسمع هذا الحديث منك فهل يأتيك رئيك اليوم قال منذ قرأت القرآن فلا ونعم العوض كتاب الله تعالى من الجن أي وهذا السياق يدل على أن سيدنا عمر لم يكن حاضرا عند النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبره سواد
ولما مات صلى الله عليه وسلم وخشى سواد على قومه الردة قام فيهم خطيبا فقال يا معشر دوس من سعادة القوم أن يتعظوا بغيرهم ومن شقائهم أن لا يتعظوا إلا بأنفسهم وإنه من لم تنفعه التجارب ضربه ومن لم يسعه الحق لم يسعه الباطل وإنما تسلمون اليوم بما أسلمتم به أمس ولا ينبغي لأهل البلاء إلا أن يكونوا أذكر من أهل العافية للعافية ولست أدري لعله يكون للناس جولة فإن لم تكن فالسلامة منها الأناة والله يحبها فأحبوها فأجابه القوم بالسمع والطاعة
أي ومن ذلك أن امرأة كانت كاهنة بالمدينة يقال لها حطيمة كان لها تابع من الجن
فجاءها يوما فوقف على جدارها فقالت له مالك لا تدخل تحدثنا ونحدثك فقال إنه قد بعث نبي بمكة يحرم الزنا فحدثت بذلك فكان أول من خبر تحدث به المدينة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأما ما سمع من جوف الأصنام فكثير أيضا
فمنها أي غير ما تقدم في ليلة ولادته صلى الله عليه وسلم خبر عباس بن مرداس قال كان لمرداس السلمى وثن يعبده يقال له ضمار بكسر الضاد المعجمة وميم مخففة بعدها ألف ثم راء مهملة فلما حضرت مرداسا الوفاة قال لعباس ولده أي بني أعبد ضمارا فإنه ينفعك ويضرك فبينا عباس يوما عند ضمار إذ سمع من جوف ضمار مناديا يقول ** من للقبائل من سليم كلها ** أودى ضمار وعاش أهل المسجد ** ** إن الذي ورث النبوة والهدى ** بعد ابن مريم من قريش مهتد ** ** أودى ضمار وكان يعبد مدة ** قبل الكتاب إلى النبي محمد **
فحرق عباس ضمارا ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم وفي لفظ أن عباس بن مرداس كان في لقاح له نصف النهار إذ طلع عليه راكب على نعامة بيضاء وعليه ثياب بيض فقال له يا عباس ألم تر أن السماء قد تعب أحراسها وأن الحرب قد حرقت أنفاسها وأن الخيل وضعت أحلاسها وأن الذي نزل عليه البر والتقوى صاحب الناقة القصواء فقال عباس فراعني ذلك فجئت وثنا لنا يقال له الضمار كنا نعبده وتكلم من جوفه فكنست ما حوله ثم تمسحت به فإذا صائح يصيح من جوفه ** قل للقبائل من قريش كلها ** هلك الضمار وفاز أهل المسجد ** ** هلك الضمار وكان يعبد مدة ** قبل الصلاة على النبي محمد ** ** إن الذي ورث النبوة والهدى ** بعد ابن مريم من قريش مهتد **
قال عباس فخرجت مع قومي بني حارثة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة فدخلت المسجد فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم تبسم وقال يا عباس كيف إسلامك فقصصت عليه القصة فقال صدقت وأسلمت أنا وقومي
ومن ذلك خبر مازن بن الغضونة قال كنت أسدن أي أخدم صنما بقرية بعمان أي بالتخفيف تدعى سمائل وسمال يقال له بادر وفي لفظ باحر بالحاء المهملة فعترنا
ذات يوم عنده عتيرة وهي الذبيحة مطلقا وقيل في رجب خاصة فسمعنا صوتا من جوف الصنم يقول يا مازن اسمع تسر ظهر خير وبطن شر بعث نبي من مضر بدين الله الكبر فدع نحيتا من حجر تسلم من حر سقر قال مازن ففزعت لذلك وقلت إن هذا لعجب ثم عترت بعد أيام عتيرة أي ذبحت ذبيحة لذلك الصنم فسمعت صوتا من الصنم يقول ** أقبل إلى أقبل ** تسمع مالا تجهل ** ** هذا نبي مرسل ** جاء بحق منزل ** ** آمن به كي تعدل ** عن حر نار تشعل ** ** وقودها بالجندل **
فقلت إن هذا لعجب وإنه لخير يراد بي
أقول ورأيت في بعض السير تقديم هذه الأبيات على ما قبلها وأن مازنا قال ثم سمعت صوتا أبين من الأول وهو يقول يا مازن اسمع إلى آخره والله أعلم
قال مازن فينا نحن كذلك إذ قدم رجل من أهل الحجاز قلنا له ما الخبر وراءك قال قد ظهر رجل يقال له أحمد يقول لمن أتاه أجيبوا داعي الله فقلت هذا نبأ ما سمعته فنزلت إلى الصنم فكسرته جذاذا وركبت راحلتي وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرح لي الإسلام وأسلمت وقلت ** كسرت بادرا جذاذا وكان لنا ** ربا نطيف به ضلا بتضلال ** ** بالهاشمي هدانا من ضلالتنا ** ولم يكن دينه شيئا على بالي ** ** يا راكبا عمرا وإخوتها ** أنى لما قال ربي بادر قالى **
عنى بعمرو وإخوتها بين خطامة وهي بطن من طيئ وهذه الأبيات ساقطة في أسد الغابة قال مازن فقلت يا رسول الله إني مولع بالطرب أي مغرم به وبشرب الخمر وبالهلوك أي الفاجرة من النساء التي تتمايل وتتثنى عند جماعها وقيل الساقطة على الرجال أي لشدة شبقها وألحت أي دامت علينا سنون أي أعوام القحط والجدب فذهبن بالأموال وهزلن الذرارى والعيال وليس لي ولد فادع الله أن يذهب عني ما أجد ويأتيني بالحيا ويهب لي ولدا فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم أبدله بالطرب قراءة القرآن وبالحرام الحلال وبالخمر ريا لا إثم فيه وبالعهر أي الزناعفة
الفرج وأته بالحيا أي المطر وهب له ولدا قال مازن فأذهب الله عني ما كنت أجده وتعلمت شطر القرآن وحججت حجيجا وأخصبت عمان يعني قريته وما حولها من قرى عمان وتزوجت أربع حرائر ووهب الله لي حيان يعني ولده وأنشأت أقول ** إليك رسول الله حنت مطيتي ** تجوب الفيافي من عمان إلى العرج ** ** لتشفع لي يا خير من وطئ الحصا ** فيغفر لي ذنبي وأرجع بالفلج ** أي بالفوز والظفر المطلوب ** إلى معشر خالفت في الله دينهم ** ولا رأيهم رأيي ولا شرجهم شرجي ** أي بالشين والجيم أي لا شكلهم شكلي و لا طريقهم طريقي ** وكنت أمرأ بالعهر والخمر مولعا ** شبابي حتى آذن الجسم بالنهج ** أي البلاء ** فبدلني بالخمر خوفا وخشية ** وبالعهر إحصانا فحصن لي فرجي ** ** فأصبحت همى في الجهاد وينتي ونيتي ** فلله ما صومي ولله ما حجي **
قال مازن فلما رجعت إلى قومي أنبوني أي عنفوني ولاموني وشتموني وأمروا شاعرهم فهجاني فقلت إن هجوتهم فإنما أهجوا نفسي وتنحيت عنهم وأتيت مسجدا أتعبد فيه وكان لا يأتي هذا المسجد مظلوم فيتعبد فيه ثلاثا ويدعو على من ظلمه إلا استجيب له ولا دعا ذو عاهة من برص أو غيره إلا عوفى ثم إن القوم ندموا وطلبوا مني الرجوع إليهم فأسلموا كلهم وضعف هذا الحديث
وأما ما سمع من أجواف الذبائح فمنه ما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال كنا يوما في حي من قريش يقال لهم آل ذريح بالحاء المهملة وقد ذبحوا عجلا لهم والجزار يعالجه إذ سمعنا صوتا من جوف العجل ولا نرى شيئا يا آل ذريح أمر نجيح صائح يصيح بلسان فصيح يشهد أن لا إله إلا الله أي والمراد بالذريح العجل الذي ذبح لأنه ملطخ بالدم الأحمر لقولهم أحمر ذريحى أي شديد الحمرة والذي في البخاري يقول يا جليح أمر نجيح رجل فصيح يقول لا إله إلا الله والمراد بالجليح العجل المذبوح أيضا لأنه قد جلح أي كشف عنه جلده
وأما ما سمع من الهواتف ولم يجئ على ألسنة الكهان ولا سمع من جوف
الأصنام ولا من جوف الذبائح فكثير من ذلك ما حدث به بعضهم وذكره النبي صلى الله عليه وسلم قال يا رسول الله لقد رأيت من قس عجبا خرجت أطلب بعيرا لي حتى إذا عسعس الليل أي أدبر وكاد الصبح أن يتنفس هتف بي هاتف يقول ** يا أيها الراقد في الليل الأحم ** أي بالحاء المهملة يعنى الأسود ** قد بعث الله نبيا بالحرم ** ** من هاشم أهل الوفاء والكرم ** يجلو دجنات الليالي والبهم ** أي الظلمات والأمور المشكلة فأدرت طرفي فما رأيت شخصا فأنشأت أقول ** يا أيها الهاتف في داجى الظلم ** أهلا وسهلا بك من طيف ألم ** ** بين هداك الله في لحن الكلم ** من ذا الذي تدعو إليه يغتنم **
فإذا أنا بنحنحة وقائل يقول ظهر النور وبطل الزور وبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم بالحبور أي السرور صاحب النجيب الأحمر أي الكريم من الإبل والتاج والمغفر والوجه الأزهر أي الأبيض المشرب بالحمرة والحاجب أي الجبين الأقمر أي الأبيض والطرف الأحور أي شديد سواده صاحب قول شهادة أن لا إله إلا الله فذاك محمد المبعوث إلى الأسود والأحمر أهل المدر والوبر أي العجم والعرب ثم أنشأ يقول ** الحمد لله الذي ** لم يخلق الخلق عبث ** ** أرسل فينا أحمدا ** خير نبي قد بعث ** ** صلى الله عليه ما ** حج له ركب وحث **
وإلى ذلك أشار صاحب الهمزية بقوله ** وتغنت بمدحه الجن حتى ** أطرب الإنس منه ذاك الغناء **
أي أظهرت الجن أوصافه صلى الله عليه وسلم الجميلة في صورة الغناء الذي تألفه النفس ولا تصبر منها عند سماعه فتسمع لغيره حتى أطرب الإنس ذاك الغناء الذي سمعوه من الجن قال فلاح الصباح وإذا بالفنيق يشقشق والفنيق بفتح الفاء وكسر النون وسكون المثناة تحت ثم قاف الفحل الكريم من الإبل ويشقشق بشينين معجمتين وقافين أي يهدر إلى النوق فملكت خطامه وعلوت سنامه حتى إذا لغب بالغين المعجمة والموحدة أي تعب فنزل في روضة خضراء فإذا أنا بقس بن
ساعدة في ظل شجرة وبيده قضيب من أراك ينكت به الأرض والنكت بالمثناة فوق وهو يقول ** يا ناعي الموت والملحود في جدث ** أي قبر ** ** علهيم من بقايا بزهم خرق ** أي والبز الثياب ** ** دعهم فإن لهم يوما يصاح به ** فهم إذا انتبهوا من نومهم فرقوا ** أي خافوا حتى يعودا بحال غير حالهم ** خلقا جديدا كما من قبله خلقوا ** ** منهم عراة ومنهم في ثيابهم ** منها الجديد ومنها المنهج الخالق **
والمنهج من الثياب الذي أخذ في البلى قال فدنوت منه فسلمت عليه فرد علي السلام فإذا بعين خرارة أي لمائها خرير أي صوت في الأرض خوارة أي ضعيفة ومسجد بين قبرين وأسدين عظيمين يلوذان به وإذا بأحدهما قد سبق الآخر إلى الماء فتبعه الآخر يطلب الماء فضربه بالقضيب الذي في يده وقال ارجع ثكلتك أمك أي فقدتك حتى يشرب الذي قبلك فرجع ثم ورد بعده فقلت له ما هذان القبران قال هذان قبرا أخوين كانا لي يعبدان الله عز وجل معي في هذا المكان لا يشركان بالله شيئا أي اسم أحدهما سمعون والآخر سمعان فأدركهما الموت فقبرتهما وها أنا بين قبريهما حتى ألحق بهما ثم نظر إليهما وأنشد أبيانا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم رحم الله قسا إني أرجو أن يبعثه الله أمة وحده أي واحدا يقوم مقام جماعة كما تقدم وقد أشار إلى ذلك صاحب الأصل بقوله ** وعنه أخبر قس قومه فلقد ** حلى مسامعهم من ذكره شنفا **
ولما مات قس قبر عندهما وتلك القبور الثلاثة بقرية يقال لها روحين من أعمال حلب وعليها بناء والناس يزورونهم وعليهم وقف ولهم خدام
ومن ذلك ما ذكره الواقدي بإسناد له قال كان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يحدث أن قوما من خثعم كانوا عند صنم لهم جلوسا وكانوا يتحاكمون إلى أصنامهم فبينا الخثعميون عند صنم لهم إذا سمعوا هاتفا يهتف ويقول ** يا أيها الناس ذوو الأجسام ** ومسندو الحكم إلى الأصنام ** ** أما ترون ماأرى أمامي ** من ساطع يجلو دجى الظلام ** ** ذاك نبي سيد الأنام ** من هاشم في ذروة السنام ** **
** مستعلن بالبلد الحرام ** جاء يهد الكفر بالإسلام ** أكرمه الرحمن من إمام **
قال أبو هريرة فأمسكوا ساعة حتى حفظوا ذلك ثم تفرقوا فلم يمض بهم ثالثهم حتى فجأهم خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد ظهر بمكة أي جاءهم ذلك بغتة فما أسلم الخثعميون حتى استأخر إسلامهم ورأوا عبرا عند أصنامهم
وأما خبر زمل بن عمرو العذري قال كان لبني عذرة وهي قبيلة من اليمن صنم يقال له خمام بالخاء المعجمة المضمومة وتخفيف الميم وكانوا يعظمونه وكان في بني هند بن حرام بالحاء المهملة المفتوحة والراء وكان سادنه أي خادمه رجلا يقال له طارق قال في النور لا أعلم له ترجمة ولا إسلاما وكانوا يعترون أي يذبحون الذبائح عنده فلما ظهر النبي صلى الله عليه وسلم سمعنا صوتا يقول يا بني هند بن حرام ظهر الحق وأودى خمام أي هلك ورفع الشرك الإسلام قال زمل ففزعنا لذلك وهالنا أي أفزعنا فمكثنا أياما ثم سمعنا صوتا يقول يا طارق يا طارق بعث النبي الصادق بوحي ناطق صدع صدعة بأرض تهامة لناصريه السلامة ولخاذليه الندامة هذا الوداع مني إلى يوم القيامة فوقع الصنم لوجهه
فإن كان ذلك الصوت من جوف الصنم ويرشد إليه قوله هذا الوداع مني إلى يوم القيامة فهو من غير هذا النوع وإن لم يكن فهو من هذا النوع قال زمل فابتعت أي اشتريت راحلة ورحلت حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم مع نفر من قومي وأنشدته إليك يا رسول الله أعلمت نصها النص هو الغاية في السير
** أكلفها حزنا وقوزا من الرمل ** والحزن ما ارتفع من الأرض **
والقوز بالقاف والزاي التل الصغير
** لأنصر خير الناس نصرا موزرا ** أي قويا وأعقد حبلا من حبالك في حبلي **
والحبل العهد الميثاق
** وأشهد أن الله لا شيء غيره ** أدين له أي أخضع وأضيع ما أثقلت قدمي نعلي **
ومن هذا النوع خبر تميم الداري أي ويكنى أبارقية اسم ابنة له لم يولد له غيرها روى عنه صلى الله عليه وسلم قصة الجساسة مع الدجال على المنبر فقال حدثني تميم الداري وذكر القصة قال بعضهم وهذا أولى ما يخرجه المحدثون في رواية الكبار
وقد يكون من ذلك ما ذكر أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه مر يوما على ابنته عائشة رضي الله تعالى عنها فقال هل سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم دعاء كان يعلمناه وذكر أن عيسى ابن مريم كان يعلمه أصحابه ويقول لو كان على أحدكم جبل دين ذهبا قضاه الله عنه قال نعم يقول اللهم فارج الهم كاشف الغم مجيب دعوة المضطرين رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما أنت ترحمني فارحمني برحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك وعن أبي بكر رضي الله تعالى عنه قال كان علي دين وكنت له كارها فقلته فلم ألبث إلا يسيرا حتى قضيته
قال تميم الداري رضي الله تعالى عنه كنت بالشام حين بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرجت إلى بعض حاجاتي فأدركني الليل فقلت أنا في جوار عظيم هذا الوادي فلما أخذت مضجعي إذا مناد ينادي لا اراه عذ بالله فإن الجن لا تجير أحدا على الله فقلت أيم تقوله وأيم بتشديد الياء وبإسكانها وفتح الميم فيهما أي أيما شيء تقول فقال قد خرج رسول الأميين رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلينا خلفه بالحجون أي وهو مقبرة مكة التي يقال لها المعلاة كما تقدم وأسلمنا وأتبعناه وذهب كيد الجن ورميت بالشهب فانطلق إلى محمد صلى الله عليه وسلم فأسلم فلما أصبحت ذهبت إلى دير أيوب فسألت راهبه وأخبرته فقال صدقوك نجده يخرج من الحرم أي مكة ومهاجره الحرم أي المدينة وهو خير الأنبياء فلا تسبق إليه قال تميم فطلبت الشخوص أي الذهاب حتى جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت
أقول وهذا يدل ظاهرا على أن تميما الداري أسلم بمكة قبل الهجرة فهو مما الكلام فيه بل رأيت في تتمة الخبر فسرت إلى مكة فلقيت النبي صلى الله عليه وسلم وكان مستخفيا فآمنت به
ورأيت بعضهم قال وهذه الرواية غلط لأن تميما الداري إنما أسلم سنة تسع من الهجرة والله أعلم
قال ومن ذلك ما حدث به سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنه أن رجلا من بني تميم حدث عن بدء إسلامه قال إني لأسير برمل عالج ذات ليلة إذ غلبني النوم فنزلت عن راحلتي وأنختها ونمت وتعوذت قبل نومي فقلت أعوذ بعظيم هذا الوادي من الجن فرأيت في منامي رجلا بيده حربة يريد أن يضعها في نحر ناقتي فانتبهت فزعا
فنظرت يمينا وشمالا فلم أر شيئا فقلت هذا حلم ثم عدت فتعوذت فرأيت مثل ذلك وإذا بناقتي ترعد ثم غفوت فرأيت مثل ذلك فانتبهت فرأيت ناقتي تضطرب فالتفت فإذا أنا برجل شاب كالذي رأيته في منامي بيده حربة ورجل شيخ يمسك بيده يرده عن ناقتي وبينهما نزاع
فبينما هما يتنازعان إذ طلعت ثلاثة أثوار من الوحش فقال الشيخ للفتى قم فخذ أيها شئت فداء لناقة جارى الإنسى فقام الفتى وأخذ منها ثورا وانصرف ثم التفت إلى الشيخ وقال يا فتى إذا نزلت واديا من الأودية فخفت هوله فقل أعوذ بالله رب محمد من هول هذا الوادي و لاتعذ بأحد من الجن فقد بطل أمرها فقلت له ومن محمد قال نبي عربي لا شرقي ولا غربي فقلت أين مسكنه قال يثرب ذات النخل فركبت ناقتي وحثثت السير حتى أتيت المدينة فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثني قبل أن أذكر له منه شيئا ودعاني إلى الإسلام فأسلمت وهذا السياق يدل على أن هذه القصة بعد الهجرة لا عند المبعث الذي الكلام فيه
ونظير هذا ما حدث به بعض الصحابة قال خرجت في طلب إبل لي وكنا إذا نزلنا بواد قلنا نعوذ بعزيز هذا الوادي فتوسدت ناقتي وقلت أعوذ بعزيز هذا الوادي فإذا هاتف يهتف بي ويقول ** ويحك عذ بالله ذي الجلال ** منزل الحرام والحلال ** ** ووحد الله ولا تبال ** ما كيد ذي الجن من الأهوال ** ** إذ يذكر الله على الأحوال ** وفي سهول الأرض والجبال ** ** وصار كيد الجن في سفال ** إلا النبي وصالح الأعمال ** ** فقلت له يا أيها القائل ما تقول ** أرشد عندك أم تضليل ** ** فقال هذا رسول الله ذو الخيرات ** جاء بيس وحاميمات ** ** وسور بعد مفصلات ** يأمر بالصلاة والزكاة ** ** ويزجر الأقوام عن هنات ** قد كن في الإسلام منكرات **
فقلت أما لو كان من يؤدي إبلي هذه إلى أهلي لأتيته حتى أسلم فقال إذا أؤديها فركبت بعيرا منها ثم قدمت فإذا النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر وفي رواية فوافيت الناس يوم الجمعة وهم في الصلاة فإني أنيخ راحلتي إذ خرج إلى أبو ذر فقال لي
يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم ادخل فدخلت فلما رآني قال ما فعل الرجل وفي لفظ ما فعل الشيخ الذي ضمن لك أن يؤدي إبلك أما إنه قد أداها سالمة وقد قص الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم ما كان عليه الناس قبل بعثته من أن الإنسان إذا نزل منزلا مخوفا قال أعوذ بسيد هذا الوادي من شر سفهائه بقوله سبحانه وتعالى { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال } أي يستغيذون برجال من الجن أي حين ينزلون في أسفارهم بمكان مخوف يقول كل رجل أعوذ بسيد هذا المكان من شر سفهائه { فزادوهم رهقا } أي زادوا الجن أي ساداتهم بإستعاذتهم بهم طغيانا فيقولون سدنا الإنس والجن
أي ومن ذلك ما حكاه وائل بن حجر الحضرمي ويكنى أبا هنيدة كان قيلا من أقيال حضرموت وكان أبوه من ملوكهم قال وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بشر أصحابه بقدومي فقال يأتيكم وائل بن حجر من أرض بعيدة من حضرموت راغبا في الله عز وجل وفي رسوله وهو بقية أبناء الملوك قال وائل فما لقيني أحد من الصحابة إلا قال بشرنا بك رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل قدومك بثلاث فلما دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم رحب بي وأدناني من نفسه وقرب مجلسي وبسط لي رداءه فاجلسني عليه وقال اللهم بارك في وائل بن حجر وولده وولد ولده ثم صعد المنبر وأقامني بين يديه ثم قال أيها الناس هذا وائل بن حجر أتاكم من أرض بعيدة من حضرموت راغبا في الإسلام فقلت يا رسول الله بلغني ظهورك وأنا في ملك عظيم فمن الله علي أن رفضت ذلك كله وآثرت دين الله قال صدقت اللهم بارك في وائل بن حجر وولده وولد ولده
قال وسبب وفودي على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان لي صنم من العقيق فبينما أنا نائم في الظهيرة إذ سمعت صوتا منكرا من المخدع الذي به الصنم فأتيت الصنم وسجدت بين يديه وإذا قائل يقول ** واعجبا لوائل بن حجر ** يخال يدرى وهو ليس يدرى ** ** ماذا يرجى من نحيت صخري ** ليس بذي نفع ولا ذي ضر ** ** لو كان ذا حجر أطاع أمري **
قال فقلت أسمعت أيها الهاتف الناصح فماذا تأمرني فقال
** ارحل إلى يثرب ذات النخل ** تدين دين الصائم المصلى ** ** محمد النبي خير الرسل **
ثم خر الصنم لوجهه فاندقت عنقه فقمت إليه فجعلته رفاتا ثم سرت مسرعا حتى أتيت المدينة فدخلت المسجد الحديث
وفيه أنه إن كان الصوت من جوف الصنم فهو من غير هذا النوع ولوائل هذا حديث مع معاوية تركناه لطوله
وأما ما سمع من بعض الوحوش فمنه ما حدث به أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال بينا راع يرعى بالجزيرة إذ عرض الذئب لشاة من شياهه فحال الراعي بين الذئب وبين الشاة فأقعى الذئب على ذنبه فقال ألا تتقي الله تحول بيني وبين رزق ساقه الله إلي فقال الراعي أعجب من ذئب يكلمني بكلام الإنس فقال الذئب ألا أخبرك بأعجب مني رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الحرتين
وفي رواية بيثرب يحدث الناس بأنباء ما قد سبق وفي لفظ يخبركم بما مضى وما هو كائن بعدكم فساق الراعي شياهه فأتى المدينة فغدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فحدثه بما قال الذئب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صدق الراعي إن من أشراط الساعة كلام السباع للإنس والذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى يكلم الرجل شراك نعله أي وهو أحد سيورها الذي يكون على وجهها كما تقدم وعذبة سوطه أي طرفه وقيل أحد سيوره ويخبره بما فعل أهله أي وفي لفظ فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فنودى بالصلاة جامعة ثم خرج فقال للأعرابي أخبرهم فأخبرهم
وفي رواية أن راعي الغنم كان يهوديا وفي رواية أن الذئب قال له أنت أعجب مني واقفا على غنمك وتركت نبيا لم يبعث الله قط أعظم منه قدرا وقد فتحت له أبواب الجنة وأشرف أهلها على أصحابه ينظرون قتالهم وما بينك وبينه إلا هذا الشعب فتصير في جنود الله تعالى فقال له الراعي من لي بغنمي فقال الذئب أنا أرعاها حتى ترجع فأسلم إليه غنمه ومضى إليه صلى الله عليه وسلم وأسلم وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم عد إلى غنمك تجدها بوفرها فوجدها كذلك وذبح للذئب شاة منها وفيه أن هذا وما تقدم من خبر سعيد بن جبير كما علمت بعد الهجرة لا عند المبعث الذي الكلام فيه
قال في النور هذا الراعي لا أعرف اسمه قال وكلم الذئب غير واحد فانظرهم في تعليقي على البخاري
أقول ذكر في حياة الحيوان عن ابن عبدالبر كلم الذئب من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ثلاثة رافع بن عميرة وسلمة بن الأكوع ووهبان بن أوس
وأما ما سمع من بعض الأشجار فقد روى عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه قيل له هل رأيت قبل الإسلام شيئا من دلائل نبوة محمد صلى الله عليه وسلم قال نعم بينا أنا قاعد في ظل شجرة في الجاهلية إذ تدلى على غصن من أغصانها حتى صار على رأسي فجعلت أنظر إليه وأقول ما هذا فسمعت صوتا من الشجرة هذا النبي يخرج في وقت كذا وكذا فكن أنت من أسعد الناس به والله أعلم
وأما تساقط النجوم وطرد الجن بها عن استراق السمع فقد قال ابن إسحاق لما تقارب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحضر مبعثه حجبت الشياطين عن السمع وحيل بينها وبين المقاعد التي كانت تقعد فيها فرموا بالنجوم فعرف الجن أن ذلك لأمر حدث من الله في العباد يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم حين بعثه يقص عليه خبرهم إذ حجبوا { وأنا لمسنا السماء } أي طلبنا استراق السمع منها { فوجدناها ملئت حرسا شديدا } أي ملائكة أقوياء يمنعون عنها { وشهبا وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع } لخلوها عن الحرس والشهب { فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا } أي أرصد له ليرمى به أي ومن يخطف الخطفة منهم بخفة حركته يتبعه شهاب ثاقب يقتله أي أو يحرق وجهه أو يخبله قبل أن يلقيها إلى الكاهن وذلك لئلا يلتبس أمر الوحي بشيء من خبر الشياطين مدة نزوله وبعد انقضائه وموته صلى الله عليه وسلم لئلا تدخل الشبهة على ضعفاء العقول فربما توهموا عود الكهانة التي سببها استراق السمع وأن أمر رسالته صلى الله عليه وسلم تم فاقتضت الحكمة حراسة السماء في حياته صلى الله عليه وسلم وبعد موته ومن ثم قال لا كهانة بعد اليوم
وقد حدث بعضهم قال إن أول العرب فزع للرمى بالنجوم حين رمى بها ثقيف وإنهم جاءوا إلى رجل منهم يقال له عمرو بن أمية وكان أدهى العرب وأنكرها رأيا أي أدهاها رأيا وكان ضريرا وكان يخبرهم بالحوادث فقالوا له يا عمرو ألم تر أي تعلم ما حدث في السماء من الرمى بهذه النجوم فقال بلى فانظروا فإن كانت معالم النجوم أي
النجوم المشهورة التي يهتدي بها في البر والبحر وتعرف بها الأنواء من الصيف والشتاء هي التي يرمى بها فهو والله طي هذه الدنيا وهلاك هذا الخلق الذي فيها وإن كانت نجوما غيرها وهي ثابتة على حالها فهو لأمر أراد الله بهذا الخلق أي والنوء وبالنون والهمز هنا ما يحصل عند سقوط نجم في المغرب وطلوع رقيبه من المشرق يقابله من ساعته في كل ثلاثة عشر يوما وحقيقة النوء سقوط النجم وطلوع رقيبه في المدة المذكورة
وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منها أو إلى الطالع منها فتقول مطرنا بنوء كذا وسيأتي الكلام على ذلك في غزوة الحديبية
وفي لفظ فأمر أراد الله ونبي يبعث في العرب فقد تحدث بذلك لا يقال قد رجمت الشياطين بالنجوم قبل ذلك وذلك عند مولده صلى الله عليه وسلم لأنا نقول المراد رجمت الآن بأكثر مما كان قبل ذلك أو صارت تصيب ولا تخطئ
ومن ثم حدث بعضهم قال لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم أي قرب زمن بعثه رجمت الشياطين بنجوم لم تكن ترجم بها قبل فأتوا عبد ياليل بن عمرو وهو بمثناتين تحتيتين وكسر اللام الأولى الثقفي وكان أعمى فقالوا إن الناس قد فزعوا وقد أعتقوا رقيقهم وسيبوا أنعامهم فقال لهم لا تعجلوا وانظروا فإن كانت النجوم التي تعرف أي وهي التي يهتدي بها في البر والبحر وتعرف بها الأنواء فهي عند فناء الناس وإن كانت لا تعرف فهي من حدث فنظروا فإذا نجوم لا تعرف فقالوا هذا من حدث
أي وقد روى مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال النجوم أمنة السماء فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما يوعدون وأنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون وأصحابي أمته لأمتي فإذا ذهبت أصحابي أتى أمتي ما يوعدون فلم يلبثوا حتى سمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم
وفي لفظ فما مكثوا إلا يسيرا حتى قدم الطائف أبو سفيان بن حرب فقال ظهر محمد بن عبدالله يدعى أنه نبي مرسل
وهذا قد يخالف ما يأتي عن ابن عمر لما كان اليوم الذي تنبأ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم منعت الشياطين من خبر السماء بالشهب ولا مانع من تكرر سؤال ثقيف مرة لعمرو بن أمية ومرة لعبد يا ليل بن عمرو وأن كلا منهما كان أعمى ويحتمل إتحاد الواقعة
ووقع الإختلاف في اسم الذي سألوه فسماه بعضهم عمرو بن أمية وبعضهم سماه عبد ياليل بن عمرو هذا كما ترى إنما كان عند المبعث وبه يعلم ما في قول الماوردي الذي نقله عن شيخ بعض شيوخنا النجم الغيطي في معراجه وأقره
وسببه أي رمى النجوم أن الله تعالى لما أراد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم رسولا كثر انقضاض الكوكب قبل مولده ففزع أكثر العرب منها وفزعوا إلى كاهن لهم ضرير وكان يخبرهم بالحوادث فسألوه عنها فقال انظروا البروج الإثنى عشر فإن انقض منها شيء فهو ذهاب الدنيا وإن لم ينقض منها شيء فسيحدث في الدنيا أمر عظيم فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كان هو الأمر العظيم فإنه يقتضى أن المراد ببعثه ولادته فكان يتعين إسقاط قوله قبل مولده لما علمت أن هذا أي كثرة تساقط النجوم إنما كان عند بعثه ونبوته لا عند ولادته ومنه خبر أبي لهب أو لهيب بن مالك أي من بني لهب فإن بني لهب فزعوا لفزع ثقيف قال حضرت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت عنده الكهانة فقلت بأبي وأمي نحن أول من عرف حراسة السماء ومنع الجن من استراق السمع وذلك أنا اجتمعنا إلى كاهن يقال له خطر بالخاء المعجمة والطاء المهملة والراء ابن مالك قال في النور لا أعرف له ترجمة ولا إسلاما وكان شيخا كبيرا قد أتت عليه مائتا سنة وثمانون سنة وكان من أعلم كهاننا فقلنا له يا خطر هل عندك علم من هذه النجوم التي يرمى بها فإنا قد فزعنا لها وخفنا سوء عاقبتها فقال ائتوني بسحر أي قبيل الفجر أخبركم الخبر الخير أم ضرر أم لأمن أو حذر قال فانصرفنا عنه يومنا فلما كان من الغد في وجه السحر أتيناه فإذا هو قائم على قدميه شاخص في السماء بعينيه فناديناه يا خطر يا خطر فأومأ إلينا أن أمسكوا فأمسكنا فانقض نجم عظيم من السماء وصرخ الكاهن رافعا صوته أصابه أصابه جمع وصب كجمل وجمال فالهمزة بدل من الواو خامره عقابه عاجله عذابه أحرقه شهابه زايله جوابه أي زال عنه جوابه يا ويله ما حاله بلبله بلباله البلبال الغم عاوده خباله تقطعت حباله وغيرت أحواله ثم أمسك طويلا ثم قال يا معشر بني قحطان أخبركم بالحق والبيان أقسم بالكعبة والأركان والبلد المؤتمن السدان أي الخدام قد منع السمع عتاة الجان بثاقب كون ذا سلطان من أجل مبعوث عظيم الشان يبعث بالتنزيل والفرقان وبالهدى
وفاضل القرآن تبطل به عبادة الأوثان قال فقلنا له ويلك يا خطر إنك لتذكر أمرا عظيما فماذا ترى لقومك فقال ** أرى لقومي ما أرى لنفسي ** أن يتبعوا خير نبي الإنس ** ** برهانه مثل شعاع الشمس ** يبعث في مكة دار الحمس ** بمحكم التنزيل غير اللبس **
والحمس بضم الحاء المهملة وإسكان الميم والسين المهملة هم قريش وما ولدت من غيرها فإنهم كانوا لا يزوجون بناتهم لأحد من أشراف العرب إلا على شرط أن يتحمس أولادهم فإن قريشا من بين قبائل العرب دانوا بالتحمس ولذلك تركوا الغزو لما في ذلك من استحلال الأموال والفروج ومالوا للتجارة ومن ثم يقال قريش الحمس سموا بذلك لتشددهم في دينهم لأن الحماسة هي الشدة فقلنا له يا خطر ومن هو فقال والحياة والعيش إنه لمن قريش ما في حكمه طيش أي عدول عن الحق من قولهم طاش السهم عن الهدف إذا عدل عنه ولا في خلقه هيش أي ليس في طبيعته وسجيته قول قبيح يكون في جيش وأي جيش من آل قحطان وآل أيش وآل قحطان هم الأنصار قال صلى الله عليه وسلم رحى الإيمان دائرة في ولد قحطان وآل أيش قبيلة من الجن المؤمنين ينسبون إلى أبيهم أيش شخص من كبير الجن وقيل أراد بهم المهاجرين أي ومن المهاجرين الذين يقال فيهم أيش لأنه يقال في مقام المدح فلان أيش على معنى أي شيء هو أي شيء عظيم لا يمكن أن يعبر عن عظمته وجلالته وروى بدل أيش ريش فقلنا له بين لنا من أي قريش فقال والبيت ذي الدعائم يعنى الكعبة والركن يعني الحجر الأسود والأحائم يعني بئر زمزم لأن الأحائم جمع أحوام والأحوام جمع أحوم وهو الماء في البئر وأراد بئر زمزم أو أن الأصل الحوائم ففيه قلب مكاني الأصل فواعل فصار أفاعل والحوائم هي الطير التي تحوم على الماء والمراد حمام مكة لهو نجل أي نسل هاشم من معشر أكارم يبعث بالملاحم يعني الحروب وقتل كل ظالم ثم قال هذا هو البيان أخبرني به رئيس الجان ثم قال الله أكبر جاء الحق وظهر وانقطع عن الجن الخبر ثم سكن وأغمى عليه فما أفاق إلا بعد ثلاثة أيام فقال لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم سبحان الله لقد نطق عن مثل نبوة أي وحي وإنه ليبعث يوم القيامة أمة وحده أي مقام جماعة كما تقدم في نظيره
قال ومن ذلك ما رواه مسلم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن نفر من الأنصام قالوا بينا نحن جلوس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى بنجم فاستنار فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كنتم تقولون في هذا النجم الذي يرمى به في الجاهلية أي قبل البعث قالوا يا رسول الله كنا نقول إذا رأينا برمى بها مات ملك ولد مولود مات مولود فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس ذلك كذلك ولكن الله سبحانه وتعالى كان إذا قضى في خلقه أمرا سمعته حمله العرش فسبحوا فسبح من تحتهم بتسبيحهم فسبح من تحت ذلك فلا يزال التسبيح يهبط حتى ينتهي إلى السماء الدنيا فيسبحوا ثم يقول بعضهم لبعض لم سبحتم فيقولون قضى الله في خلقه كذا وكذا له الأمر الذي كان أي يكون في الأرض فيهبط به من سماء إلى سماء أي تقوله أهل كل سماء لمن يليهم حتى ينتهي إلى السماء الدنيا فتسترقه الشياطين بالسمع على توهم وإختلاس ثم يأتون به إلى الكهان فيحدثونهم فيخطئون بعضا ويصيبون بعضا
أي وفي البخاري إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كالسلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا للذي قال الحق وهو العلي الكبير فيسمعها مسترقو السمع فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمى بها إلى صاحبه فيحرقه الحديث وقولهم قال الحق أي ثم يذكرونه لما تقدم من قولهم قضى الله في خلقه كذا وكذا ولما يأتي وقوله صلى الله عليه وسلم يرمى بها في الجاهلية صريح في أنه كان يرمى بالنجوم للحراسة في زمن الفترة بينه صلى الله عليه وسلم وبين عيسى عليه الصلاة والسلام قبل مولده صلى الله عليه وسلم ويخالفه ما يأتي عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه وقد سئل صلى الله عليه وسلم عن الكهان فقال إنهم ليسوا بشيء فقالوا يا رسول الله إنهم يحدثوننا أحيانا بالشيء يكون حقا قال تلك الكلمة من الجن يخطفها الجني فيقذفها في أذن وليه فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة ثم إن الله تعالى حجب الشياطين بهذه النجوم التي يقذفون بها فانقطعت الكهانة اليوم فلا كهانة
أي وفي البخاري أنه صلى الله عليه وسلم قال إن الملائكة تتحدث في العنان أي الغمام بالأمر يكون في الأرض فتسمع الشياطين الكلمة فتقرها في أذن الكاهن فيزيدونها مائة كذبة
وعن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه لم يرم بنجم منذ رفع عيسى عليه الصلاة والسلام حتى تنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى بها فلما رأت قريش أمرا لم تكن تراه فزعوا لعبد ياليل الحديث
أقول وهذا يفيد أنه لم يرم بها قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم أي قبل قربه الشامل لزمن الولادة فلا يخالف ما تقدم وأن النجوم كان يرمى بها قبل أن يرفع عيسى عليه الصلاة والسلام وذلك صادق بزمن آدم فمن بعده من الرسل وهو الموافق لقول الزهري الحجب وتساقط النجوم كان موجودا قبل البعث في سالف الأزمان أي في زمن الرسل لا في زمن الفترات بين الرسل لقول الكشاف وقول بعضهم ظاهر الأخبار يدل على أن الرجم للشياطين بالشهب كان في زمن غيره صلى الله عليه وسلم من الرسل وهو كذلك وعليه أكثر المفسرين حراسة لما ينزل من الوحي على الرسل وأما في الزمن الذي ليس فيه رسول أي وهو زمن الفترات بين الرسل فكانوا يسترقون السمع في مقاعد لهم ويلقون ما يسمعون للكهان أي لأن الله تعالى ذكر فائدتين في خلق النجوم فقال تعالى { ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين } وقال تعالى { إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد } وكونها إنما جعلت رجوما وحفظا ليس إلا عند قرب مبعثه صلى الله عليه وسلم خاصة دون بقية الرسل من أبعد البعيد
وحيث كان الغرض من الرمي بالنجوم منع الشياطين من استراق السمع اقتضى ذلك أنه لم يرم بها قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم ومنه زمن ولادته
ويوافق ذلك قول ابن إسحاق لما تقارب أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحضر مبعثه حجبت الشياطين وقول ابن عمر رضي الله تعالى عنهما لما كان اليوم الذي تنبأ فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم منعت الشياطين من خبر السماء رموا بالشهب فذكروا ذلك لإبليس فقال بعث أي لعله بعث نبي عليكم بالأرض المقدسة أي لأنها محل الأنبياء وهذا يدل على أن عند إبليس أن الرمى بالنجوم علامة على بعث الأنبياء فذهبوا ثم رجعوا فقالوا ليس بها أحد فخرج إبليس يطلبه بمكة أي لأنها مظنة ذلك بعد محل الأنبياء فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحراء منحدرا معه جبريل فرجع إلى أصحابه فقال بعث أحمد ومعه جبريل وفي رواية إن إبليس قال لما أخبروه بأنهم منعوا من خبر السماء إن هذا لحدث حدث في الأرض فائتوني من تربة كل أرض
فأتوه بذلك فجعل يشمها فلما شم تربة مكة قال من ههنا الحدث فمضوا فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد بعث
أقول قد يقال لا منافاة بين الروايتين لأنه يجوز أنهم لم يخبروه بمبعثه صلى الله عليه وسلم لما وجدوه فذهب أو ذهب بعد إخبارهم له بذلك للإستيقان وهذا يفيد أن الرمى بالنجوم إنما كان عند مبعثه أي عند تقارب زمنه لا قبل ذلك الذي منه زمن ولادته
وحينئذ يشكل حصول مثل ذلك لإبليس وجنوده عند مولده صلى الله عليه وسلم ومن ثم قدمنا أنه يجوز أن يكون من خلط بعض الرواة وهذه الرواية تدل على أن إبليس لم يكن عنده علم بأن سقوط النجم على الشياطين علامة على مبعث النبي صلى الله عليه وسلم والرواية التي قبلها تدل على ذلك كما علمت وكلتا الروايتين يدل على أنه لم يعلم عينه ولا محله والله أعلم وقد أشار صاحب الهمزية إلى أن حجب الشياطين كان عند مبعثه صلى الله عليه وسلم بقوله ** بعث الله عند مبعثه الشهب ** حراسا وضاق عنها الفضاء ** ** تطرد الجن عن مقاعد للسم ** مع كما يطرد الذئاب الرعاء ** ** فمحت آية الكهانة آيا ** ت من الوحي مالهن إنمحاء **
أي أرسل الله زمن إرساله صلى الله عليه وسلم الشعل من النار على الجن لأجل حراسة السماء منهم ولكثرة تلك الشعل ضاقت عنها المفازات حال كون تلك الشهب تطرد الجن عن أمكنة قريبة يقعدون فيها لأجل أن يسمعوا شيئا من الملائكة المتكلمين بما سيقع في الأرض من المغيبات وطرد تلك الشهب لأولئك الشياطين في الشدة كطرد الرعاة للذئاب عن الغنم إذا أرادت أن تعدو عليها فبسبب ذلك الطرد البالغ للجن عن خبر السماء محت آيات من الوحي آية الكهانة التي هي الإخبار بالأمور المغيبة ما لتلك الآيات من الوحي إنمحاء أي ذهاب بل هي باقية إلى يوم القيامة وفيه أنه لزم على كون الغرض من الرمى بالنجوم حفظ الوحى أن ذلك لا يكون إلا عند مبعثه صلى الله عليه وسلم ولا يكون قبل ذلك الذي منه وقت ولادته وأيضا لو كان ذلك موجودا قبل مبعثه واستمر إلى مبعثه لم تفزع العرب منه عند مبعثه
وأجيب عن الأول بأنه يجوز أن يكون الغرض الأصلي من الرمى بها حفظ الوحى فلا ينافى وجود ذلك قبل عند ولادته إرهاصا وتخويفا
وكان هذا السؤال الثاني هو الحامل لأبي بن كعب على دعوى أنه لم يرم بالنجوم منذ رفع عيسى عليه الصلاة والسلام حتى تنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى بها ومن ثم قال فلما رأت قريش أمرا لم تكن تراه فزعوا لعبد ياليل ويجاب بأنه يجوز أن يكون الرمى بالنجوم عند المبعث مخالفا للرمى بها قبله إما لفرط كثرتها وإما لأن الرمى بها بعد المبعث كان من كل جانب وقيل كان من جانب واحد وإما لأن الرمى بها صار لا يخطئ أبدا وقبل ذلك كان يخطئ تارة ويصيب أخرى فمنهم من يقتله ومنهم من يحرق وجهه ومنهم من يخبله أي يصيره غولا يضل الناس في البراري وكان ذلك سبب فزع العرب لأنه كان قبل ذلك لم يكن من كل جانب ولم يكثر ويخطئ فيعود الشيطان إلى مكانه فيسترق السمع ويلقى ما يسترقه إلى كاهنه أي فلم تنقطع الكهانة قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم بالمرة بل كانت موجودة إلى زمن مبعثه صلى الله عليه وسلم وعند مبعثه انقطعت بالمرة ومن ثم قال لا كهانة اليوم وهذا كله على تسليم رواية ابن عباس أن النجوم رمى بها عند ولادته صلى الله عليه وسلم وحفظ الوحي بالرمى بالشهب لا يخالف ما حكاه في الإتقان عن سعيد بن جبير ما جاء جبريل بالقرآن إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا ومعه أربعة من الملائكة حفظة وسيأتي عن الينبوع عن ابن جرير ما نزل جبريل بوحى قط إلا ونزل معه من الملائكة حفظة يحيطون به وبالنبي الذي يوحى إليه يطردون الشياطين عنهما لئلا يسمعوا ما يبلغه جبريل إلى ذلك النبي الذي يوحى إليه يطردون الشياطين عنهما لئلا يسمعوا ما يبلغه جبريل إلى ذلك النبي من الغيب الذي يوحيه إليه فيبلغوه إلى أوليائهم
وعن بعضهم قال سافرت عن زوجتي فخلفني عليها شيطان على صورتي وكلامي وسائر حالاتي التي تعرفها مني فلما قدمت من السفر لم تفرح بي ولم تتهيأ لي وكانت إذا قدمت من سفر تتهيأ لي كما تتهيا العروس فقلت لها في ذلك فقالت إنك لم تغب فبينما أنا كذلك وقد ظهر لي ذلك الشيطان وقال لي أنا رجل من الجن عشقت امرأتك وكنت آتيها في صورتك فلا تنكر ذلك فاختر إما أن يكون لك الليل ولي النهار أو لك النهار ولي الليل فراعني ذلك ثم اخترت النهار فلما كان في بعض الليالي جاءني وقال بت الليلة عند أهلك فقد حضرت نوبتي في استراق السمع من السماء فقلت أنت تسترق السمع فقال نعم هل لك أن تكون معي قلت نعم فلما جاء الليل أتاني وقال حول وجهك فحولت وجهي فإذا هو في صورة خنزير له جناحان فحملني على ظهره فإذا له معرفة كمعرفة الخنزير فقال لي استمسك بها فإنك ترى أمورا وأهوالا فلا
تفارقني تهلك ثم صعد حتى لصق بالسماء فسمعت قائلا يقول لا حول ولا قوة إلا بالله ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن فهوى بي ووقع من وراء العمران فحفظت الكلمات فلما أصبحت أتيت أهلي فلما كان الليل جاء فقلتهن فاضطرب فلم أزل أقولهن حتى صار رمادا وإن لم يحمل وقوع ذلك في زمن الجاهلية وإلا كان كذبا لأنهم أجابوا عن إيراد أن القول بقدرة الجن على التصور يلزمه رفع الثقة بشيء فإن من رأى نحو ولده وزوجته احتمل أنه جنى فيشك بأن الله تكفل لهذه الأمة بعصمتها عن أن يقع فيها ما يؤدي إلى ما يترتب عليه ريبة في الدين فليتأمل
وقد جاء في فضل لا حول ولا قوة إلا بالله من كثرت همومه وغمومه فليكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله والذي نفسي بيده إن لا حول ولا قوة إلا بالله شفاء من سبعين داء أدناها الهم والغم والحزن وفرق بين الغم والهم بأن الغم يعرض منه السهر والهم يعرض منه النوم
وفي حكمة آل داود العافية ملك خفى وهم ساعة هرم سنة وقال الأطباء الهم يوهن القلب وفيه ذهاب الحياة كما أن في الحزن ذهاب البصر وفي الحديث من كثر همه سقم بدنه فعلم أن النجوم على تسليم أنه كان يرمى بها قبل الولادة وبعدها إلى البعثة كانت قبل قرب زمن المبعث تصيب تارة ولا تصيب أخرى مع قلتها وعند البعثة تصيب ولا بد مع كثرتها وإن الكثرة هي سبب الفزع لا دوام الإصابة وإلا فمجرد دوام الإصابة لا يكون حاملا على الفزع لأنه لا يظهر لكل أحد بخلاف الكثرة ومجرد الكثرة لا يكون سببا لقطع الكهانة أو أنها قبل البعث كانت ترمى من جانب دون آخر وبعد البعثة رميت من جميع الجوانب وإليه الإشارة بقوله تعالى { ويقذفون من كل جانب دحورا } فكان ذلك سببا للفزع والمراد وجود ذلك مع دوام الإصابة ليكون سببا لقطع الكهانة وإلا فمجرد الرمى من كل جانب مع قلة الإصابة لا يكون سببا لقطع الكهانة ولما انقطعت الكهانة بعدم إخبار الجن قالت العرب هلك من في السماء فجعل صاحب الإبل ينحر كل يوم بعيرا وصاحب البقر ينحر كل يوم بقرة وصاحب الغنم ينحر كل يوم شاة حتى أسرعوا في أموالهم أي في إتلافها فقالت ثقيف وكانت أعقل العرب أيها الناس أمسكوا على أموالكم فإنه لم يمت من في السماء ألستم ترون معالمكم من النجوم كما هي والشمس والقمر كذا في كلام بعضهم ولعله لا يخالف ما تقدم من أن أول العرب فزع للرمى بالنجوم ثقيف وأنهم جاءوا إلى رجل منهم يقال له
عمرو بن أمية ولرجل آخر يقال له عبدياليل لجواز أن يكون ما ذكر هنا صدر من بعضهم لبعض ثم اجتمعوا على عمرو وعبد ياليل والله أعلم
وظاهر القرآن والأخبار أن الذي يرمى به الشياطين المسترقون نفس النجم وإنه المعبر عنه بالكوكب وبالمصباح والشهاب وقيل الشهاب عبارة عن شعلة نار تنفصل من النجم أي كما قدمنا فأطلق عليها لفظ النجم ولفظ المصباح ولفظ الكوكب ويكون معنى { وجعلناها رجوما } جعلنا منها رجوما وهي تلك الشهب ومعنى كونها حفظا بإعتبار ما ينشأ عنها من تلك الشهب
وقالت الفلاسفة إن الشهب إنما هي أجزاء نارية تحصل في الجو عند إرتفاع الأبخرة المتصاعدة وإتصالها بالنار التي دون الفلك وقيل السحاب إذا اصطكت أجرامه تخرج نار لطيفة حديدة لا تمر بشيء إلا أتت عليه إلا أنها مع حدتها سريعة الخمود فقد حكى أنها سقطت على نخلة فأحرقت نحو النصف ثم طفئت قاله في الكشاف
ومما يؤيد أن الشعل منفصلة من النجوم ما جاء عن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه أن النجوم كلها كالقناديل معلقة في السماء الدنيا كتعليق القناديل بالمساجد مخلوقة من نور إنها معلقة بأيدي ملائكة ويعضد هذا القول قوله تعالى { إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت } أن انتثارها يكون بموت من كان يحملها من الملائكة وقيل إن هذا ثقب في السماء وقد وقع في سنة تسع وتسعين من القرن السادس أن النجوم ماجت وتطايرت تطاير الجراد ودام ذلك إلى الفجر وأفزع الخلق فلجئوا إلى الله تعالى بالدعاء قال بعضهم ولم يعهد ذلك إلا عند ظهور رسول الله صلى الله عليه وسلم
أقول قد وقع نظير ذلك في سنة إحدى وأربعين من القرن الثالث ماجت النجوم في السماء وتناثرت الكواكب كالجراد أكثر الليل كان أمرا مزعجا لم ير مثله ووقع في سنة ثلثمائة تناثر النجوم تناثرا عجيبا إلى ناحية المشرق والله أعلم
وأما ما جاء من ذكره صلى الله عليه وسلم أي ذكر اسمه وصفته أمته في الكتب القديمة أي كالتوراة المنزلة على موسى عليه الصلاة والسلام لست ليال خلون من رمضان اتفاقا والإنجيل المنزل على عيسى عليه الصلاة والسلام لثنتى عشرة خلت من رمضان وقيل لثلاث عشرة وقيل لثمان عشرة والزبور المنزل على داود عليه الصلاة والسلام لثنتي عشرة وقيل لثلاث عشرة وقيل لثمان عشرة وقيل في ست خلت من رمضان
وصحف شعياء ويقال له أشعياء أو مزامير داود وصحف شيث فقد أنزلت عليه خمسون صحيفة وقيل ستون وصحف إبراهيم فقد أنزل عليه عشرون صحيفة وقيل ثلاثون أول ليلة من رمضان اتفاقا وفي كتاب شعيب ولم يذكر صحف إدريس وقد أنزلت عليه ثلاثون صحيفة
وذكر بعضهم أن موسى عليه الصلاة والسلام أنزل عليه قبل التوراة عشرون صحيفة وقيل عشر صحائف وهذا كما لا يخفى يزيد على ما اشتهر أن الكتب المنزلة مائة وأربعة كتب
وفي كلام بعضهم أتفقوا على أن القرآن أنزل لأربع وعشرين ليلة خلت من رمضان
وعن أبي قلابة أنزلت الكتب كاملة ليلة أربع وعشرين من رمضان وحينئذ يكون من حكى الإتفاق في التوراة وصحف إبراهيم لم يطلع على هذا أو لم يعتد به فقد أشار إلى ذكره صلى الله عليه وسلم في جميع الكتب المنزلة الإمام السبكي رحمه الله تعالى في تائيته بقوله ** وفي كل كتب الله نعتك قد أتى ** يقص علينا ملة بعد ملة **
وهذا كما لا يخفى أبلغ من قول بعضهم ** ومن قبل مبعثه جاءت مبشرة ** به زبور وتوراة وإنجيل **
وقد اعترض على هذا القائل بعض الأغبياء بأن التوراة والإنجيل قد صحت بشارتهما به صلى الله عليه وسلم وأما الزبور فلا ندرى ولا نقول إلا ما نعلم ويرده ما ذكره الإمام السبكي وسنده قوله تعالى { وإنه لفي زبر الأولين } أي كتبهم فقد قال بعض المفسرين إن الضمير عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأن الإضافة حيث لا عهد تحمل على العموم وسيأتي أيضا التصريح بوجود اسمه في الزبور وقد جاء إن اسمه في التوراة أحمد يحمده أهل السماء والأرض كما تقدم
وقد قيل في سبب نزول قوله تعالى { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه } أن عبدالله بن سلام رضي الله تعالى عنه دعا ابني أخيه سلمة ومهاجرا إلى الإسلام فقال لهما قد علمتما أن الله تعالى قال في التوراة إني باعث من ولد إسمعيل نبيا اسمه أحمد من آمن به فقد اهتدى ورشد ومن لم يؤمن به فهو ملعون فأسلم سلمة وأبي مهاجر فأنزل الله الآية وفيها أيضا محمد واسمه فيها أيضا حمياطا وقيل أي يحمى الحرم من الحرام واسمه في التوراة أيضا قدمايا أي الأول السابق واسمه فيها أيضا ينديند واسمه أيضا أحيد وقيل أحيد أي يمنع نار جهنم عن أمته واسمه فيها أيضا طاب طاب أي طيب واسمه فيها ايضا كما
في الشفاء محمد حبيب الرحمن ووصف فيها بالضحوك أي طيب النفس وفيها محمد بن عبدالله ولده بمكة ومهاجرة إلى طابة وملكه بالشام والتوراة أي على فرض أن تكون اسما عربيا مأخوذة من التورية وهو كتمان السر بالتعريض لأن أكثرها معاريض من غير تصريح واسمه في الإنجيل المنحمنا والمنحمنا بالسريانية محمد
أي وما جاء عن سهل مولى خيثمة قال كنت يتيما في حجر عمي فأخذت الإنجيل فقرأته حتى مرت لي ورقة ملصقة بغراء ففتقتها فوجدت فيها وصف محمد صلى الله عليه وسلم فجاء عمي فلما رأى الورقة ضربني وقال مالك وفتح هذه الورقة وقراءتها فقلت فيها وصف النبي أحمد فقال إنه لم يأت بعد أي الآن
أي وفي الإنجيل اسمه حبنطا أي يفرق بين الحق والباطل ووصفه بأنه صاحب المدرعة وهي الدرع وفيه أيضا وصفه بأنه يركب الحمار والبعير وسيأتي أن راكب الحمار عيسى عليه الصلاة والسلام وراكب الجمل محمد صلى الله عليه وسلم وسيأتي الجواب وفي الإنجيل إن أحببتموني فاحفظوا وصيتي وأنا أطلب إلى ربي فيعطيكم بارقليط والبارقليط لا يجيئكم مالم أذهب فإذا جاء وبخ العالم على الخطيئة ولا يقول من تلقاء نفسه ولكنه ما يسمع يكلمهم به ويسوسهم بالحق ويخبرهم بالحوادث والغيوب أي وما جاء بذلك وأخبر بالحوادث والغيوب إلا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم والبارقليط أو الفارقليط الحكيم والرسول قيل والإنجيل أي على فرض أن يكون إسما عربيا مأخوذ من النجل وهو الخروج ومن ثم سمى الولد نجلا لخروجه أو مشتق من النجل وهو الأصل يقال لعن الله أناجيله أي أصوله فسمى هذا الكتاب بهذا الإسم لأنه الأصل المرجوع إليه في ذلك الدين وقيل من النجلة وهي سعة العين لأنه أنزل وسعة لهم أي لأن فيه تحليل بعض ما حرم عليهم
ومن ذلك ما جاء عن عطاء بن يسار قال لقيت عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما فقلت أخبرني عن صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوراة قال أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين أنت عبدي ورسولي سميتك بالمتوكل ليس بفظ أي سيء الخلق ولا غليظ أي شديد القول ولا صخاب بالسين والصاد في الأسواق أي لا يصبح فيها وفي الحديث أشد الناس عذابا كل جعار نعار سخاب
في الأسواق ولا يدفع السيئة بالسيئة ولكن يعفو ويغفر ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء أي ملة إبراهيم التي غيرتها العرب وأخرجها عن إستقامتها بأن يقول لا إله إلا الله يفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا أي لا تفهم كأنها في غلاف قال عطاء ثم لقيت كعب الأحبار رضي الله تعالى عنه فسألته فما أخطأ في حرف
أقول لكن في رواية كعب وأعطى المفاتيح ليبصرن الله به أعينا عورا وليسمع به آذانا صما ويقيم به ألسنة معوجة يعين المظلوم ويمنعه من أن يستضعف وفيها وصفه صلى الله عليه وسلم بأنه يسبق حلمه جهله ولا يزيده شدة الجهل عليه إلا حلما
وعن بعض أحبار اليهود أنه قال على جميع ما وصف به صلى الله عليه وسلم في التوراة وقفت إلا هذين الوصفين وكنت أشتهي الوقوف عليها فجاءه شخص يطلب منه ما يستعين به وذكر له أنه لم يكن عنده ما يعينه به فقلت هذه دنانير ندفعها له وتكون على كذا من التمر ليوم كذا ففعل فجئته قبل الأجل بيومين أو ثلاثة فأخذت بمجامع قميصه وردائه ونظرت إليه بوجه غليظ وقلت ألا تقضيني يامحمد في حقي إنكم يا بني عبدالمطلب مطل فقال لي عمر أي عدو الله تقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسمع وهم بي فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سكون وتؤدة وتبسم ثم قال أنا وهو أحوج إلى غير هذا منك يا عمر أن تأمرني بحسن الأداء وتأمره بحسن التباعة أي المطالبة أذهب وأوفه حقه وزده عشرين صاعا مكان مارعته أي خفته فأسلم اليهودي وذكر القصة
وفي التوراة لا يزال الملك في يهود إلى أن يجيء الذي إياه تنتظر الأمم أي لا يزال أمرهم ظاهرا إلى أن يجيء الذي تنتظره الأمم أي المرسل إليهم وهو محمد صلى الله عليه وسلم لأنه المرسل لجميع الأمم
وما زعمه اليهود بأنه يوشع رد بنص التوراة في محل آخر إن الله ربكم يقيم نبيا من إخوتكم مثلي وقد قال لي إنه سوف يقيم نبيا مثلك من إخوتهم وأجعل كلمتي في فيه وأيما إنسان لم يطع كلامه أنتقم منه لأن قوله مثلي أي رسولا بكتاب مشتمل على الأحكام والشرائع وذكر المبدإ والمعاد لأن يوشع لم يكن له كتاب بل كان متابعا لسنة موسى عليه الصلاة والسلام في بني إسرائيل خاصة وأيضا يوشع منهم لا من إخوتهم فلو كان يوشع لقال منكم
وما زعمه النصارى إنه المسيح رد عليهم بنصوص الإنجيل التي منها إن الله يقيم لكم نبيا من إخوتكم لأن المسيح ليس من إخوتهم بل منهم لأنه من نسل داود ففي زبور داود سيولد ولد أدعى له أبا ويدعى لي ابنا وإخوة بني إسرائيل إنما هم أولاد إسمعيل الذي هو أخو إسحق وبنو إسرائيل منه وأيضا لو كان المسيح لم يحسن أن يخاطب بهذا اللفظ
وفي الإنجيل جاء الله من طور سينا وظهر بساعير وأعلن بفارن أي عرف الله بإرساله موسى وعيسى ومحمدا صلوات الله وسلامه عليهم لأن ظهور نبوة موسى كان في طور سينا وتقدم أنه جبل بالشام قيل هو الذي بين مصر وإيليا وأنزلت التوراة عليه فيه وظهور نبوة عيسى كان في ساعير وهو جبل القدس لأن عيسى عليه الصلاة والسلام كان يسكن بقرية بأرض الخليل يقال لها ناصرة وبإسمها سمى من اتبعه وأنزل عليه الإنجيل بها وظهور نبوة محمد صلى الله عليه وسلم كان في فاران وهي مكة وأنزل عليه القرآن بها
وفي التوراة أن إسمعيل أقام بقرية فاران وإنما عبر في جانب موسى بالمجيء لأنه أول المشرعين لأن كتابه الذي هو التوراة أول كتاب اشتمل على الأحكام والشرائع بخلاف ما قبله من الكتب فإنها لم تشتمل على ذلك وإنما كانت مشتملة على الإيمان بالله تعالى وتوحيده ومن ثم قيل لها صحف وإطلاق الكتب عليها مجاز ولما حصل بعيسى وبكتابه الذي هو الإنجيل نوع ظهور عبر في جانبه بالظهور الذي هو أقوى من المجيء ثم لما زاد الظهور بمجيء محمد صلى الله عليه وسلم عبر عنه بالإعلان الذي هو أقوى من مجرد الظهور
وقد قيل في تفسير قوله تعالى { الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل } إنهم يجدون نعته { يأمرهم بالمعروف } وهو مكارم الأخلاق وصلة الأرحام { وينهاهم عن المنكر } وهو الشرك { ويحل لهم الطيبات } وهي الشحوم التي حرمت على بني إسرائيل والبحيرة والسائبة والوصيلة والحام التي حرمتها الجاهلية { ويحرم عليهم الخبائث } التي كانت تستحلها الجاهلية من الميتة والدم ولحم الخنزير { ويضع عنهم إصرهم } من تحريم العمل يوم السبت وعدم قبول دية المقتول وأن يقطعوا ما أصابهم من البول والله أعلم
ومن ذلك ما جاء عن النعمان السبائي رضي الله تعالى عنه وكان من أحبار يهود باليمن قال لما سمعت بذكر النبي صلى الله عليه وسلم قدمت عليه وسألته عن أشياء ثم قلت له إن أبي كان يختم على سفر ويقول لاتقرأه على يهود حتى تسمع بنيى قد خرج بيثرب فإذا سمعت به فافتحه قال النعمان فلما سمعت بك فتحت السفر فإذا فيه صفتك كما أراك الساعة وإذا فيه ما تحل وما تحرم وإذا فيه أنت خير الأنبياء وأمتك خير الأمم وإسمك أحمد صلى الله عليه وسلم وأمتك الحمادون أي يحمدون الله في السراء والضراء قربانهم دماؤهم أي يتقربون إلى الله سبحانه وتعالى بإراقة دمائهم في الجهاد وأناجيلهم في صدورهم أي يحفظون كتابهم لا يحضرون قتالا إلا جبريل معهم يتحنن الله عليهم كتحنن الطير على فراخه ثم قال لي يعني أباه إذا سمعت به فاخرج إليه وآمن به وصدقه فكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يسمع أصحابه حديثه فأتاه يوما فقال له النبي صلى الله عليه وسلم يانعمان حدثنا فابتدأ النعمان الحديث من أوله فرؤى رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم ثم قال أشهد أني رسول الله
أقول والنعمان هذا قتله الأسود العنسي الذي ادعى النبوة وقطعه عضوا عضوا وهو يقول إن محمدا رسول الله وإنك كذاب مفتر على الله ثم حرقه بالنار أي ولم يحترق كما وقع للخيل
وقيل الذي أحرقه الأسود العنسي بالنار ولم يحترق ذؤيب بن كليب أو ابن وهب ولما بلغه صلى الله عليه وسلم ذلك قال لأصحابه فقال عمر الحمد لله الذي جعل في أمتنا مثل إبراهيم الخليل وهذا السفر يحتمل أن يكون ملخصا من التوراة وقوله إلا وجبريل معهم يدل على أن جبريل يحضر كل قتال صدر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم للكفار بل ظاهره كل قتال صدر حتى من جميع الأمة وفي رواية بعضهم نقلا عن سفر من التوراة لا يلقون أي أمته عدوا إلا وبين أيديهم ملائكة معهم رماح
وفي التوراة في صفة أمته صلى الله عليه وسلم زيادة على ما سبق يوضئون أطرافهم ويأتزرون في أوساطهم يصفون في صلاتهم كما يصفون في قتالهم
وقد جاء ائتزوا كما رأيت الملائكة أي ليلة الإسراء تأتزر أي مؤتزرة عند ربها إلى أنصاف سوقها
وقد جاء عليكم بالعمائم وأرخوها خلف ظهوركم فإنها سيما الملائكة وكلاهما أي الإتزار وأرخاء العذبة من خصائص هذه الأمة
وقد جاء إن العمائم تيجان المسلمين وفي رواية من سيما المسلمين أي علاماتهم المميزة لهم عن غيرهم
ويؤخذ من وصفهم بأنهم يوضئون أطرافهم أن الأمم السابقة كانوا لا يتوضئون ويوافقه قول الحافظ ابن حجر إن الوضوء من خصائص الأنبياء دون أممهم إلا هذه الأمة ويوافقه ما رواه ابن مسعود مرفوعا يقول الله تبارك وتعالى افترضت عليهم أن يتطهروا في كل صلاة كما افترضت على الأنبياء أي أن يكونوا طاهرين أو أن هذا أي وجوب الطهر لكل صلاة كان في صدر الإسلام ولم ينسخ إلا في فتح مكة كما سيأتي
ويخالف كون الوضوء من خصائص هذه الأمة ما رواه الطبراني في الأوسط بسند فيه ابن لهيعة عن بريدة قال دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء فتوضأ واحدة واحدة فقال هذا الوضوء الذي لا يقبل الله الصلاة إلا به ثم توضأ ثنتين ثنتين فقال هذا وضوء الأمم قبلكم ثم توضأ ثلاثا ثلاثا ثم قال هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلى فإن هذا يفيد أن الوضوء كان للأمم السابقة لكن مرتين ولأنبيائهم كان ثلاثا وعليه فالخاص بهذه الأمة التثليث كوضوء الأنبياء أي كما اختصت هذه الأمة عمن عداها بالغرة والتحجيل
وعلى هذا يحمل قول ابن حجر الهيتمي إن الوضوء من خصائص هذه الأمة بالنسبة لبقية الأمم لا لأنبيائهم
وفي كلام ابن عبدالبر قيل إن سائر الأمم كانوا يتوضئون ولا أعرفه من وجه صحيح وفي كلام ابن حجر والذي من خصائصنا إما الكيفية المخصوصة أو الغرة والتحجيل هذا كلامه وهو يفيد أن كون الكيفية المخصوصة ومنها الترتيب من خصائصنا غير مقطوع به بل الأمر فيه على الإحتمال
ولا يخفى أن الإشارة في قوله صلى الله عليه وسلم هذا وضوء الأمم يدل على الترتيب فقد أستدل أئمتنا على وجوب الترتيب بأنه صلى الله عليه وسلم لم يتوضأ إلا مرتبا باتفاق أصحابه ولو كان جائزا لتركه في بعض الأحايين وما اعترض به على دعوى الإتفاق
بأنه جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه وصف وضوءه صلى الله عليه وسلم فتوضأ فغسل وجهه ثم يديه ثم رجليه ثم مسح رأسه أجيب عنه بضعف هذه الرواية
وعلى تقدير صحتها يجوز أن يكون ابن عباس نسي مسح الرأس فذكره بعد غسل رجليه فمسحه ثم أعاد غسل رجليه والراوي عن ابن عباس لم يقف على إعادة ابن عباس غسل رجليه
وفي التوراة في صفة أمته صلى الله عليه وسلم دويهم في مساجدهم كدوي النحل وفي رواية أصواتهم بالليل في جو السماء كأصوات النحل رهبان بالليل ليوث بالنهار وإذا هم أحدهم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة واحدة وإن عملها كتبت له عشر حسنات وإذا هم أحدهم بسيئة فلم يعلمها لم تكتب وإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالكتاب الأول أي وهو التوراة أو جنس الكتب السابقة والكتاب الآخر أي وهوالقرآن
وروى الإمام أحمد وغيره بإسناد صحيح قال الله تعالى لعيسى يا عيسى إني باعث من بعدك نبيا أمته إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا وإن أصابهم ما يكرهون صبروا وأحتسبوا ولا حلم ولا علم قال كيف يكون ذلك لهم ولاحلم ولاعلم قال أعطيهم من حلمي وعلمي وحينئذ يكون المراد ولا حلم ولا علم لهم كامل وأن الله تعالى يكمل علمهم وحلمهم من علمه وحلمه ويدل لذلك ما ذكره بعضهم أن هذه الأمة آخر الأمم فكان العلم والحلم الذي قسم بين الأمم كما شهد به حديث إن الله قسم بينكم أخلاقكم قد دق جدا فلم يدرك هذه الأمة إلا يسير من ذلك مع قصر أعمارهم فأعطاهم الله من حلمه وعلمه وجاء أنهم مسمون في التوارة صفوة الرحمن وفي الإنجيل حلماء علماء أبرار أتقياء كأنهم من الفقه أنبياء
وفي الطبراني أن عمر قال لكعب الأحبار كيف تجدني يعني في التوراة قال خليفة قرن من حديد أمير شديد لا تخاف في الله لومة لائم وزاد عن جواب السؤال قوله ثم الخليفة من بعدك يقتله أمة ظالمون له ثم يقع البلاء بعد
وفي صحف شعياء اسمه صلى الله عليه وسلم ركن المتواضعين وفيها إني باعث نبيا أميا أفتح به آذنا صما وقلوبا غلفا وأعينا عميا مولده بمكة ومهاجرته بطيبة وملكه بالشام رحيما بالمؤمنين يبكى للبهيمة المثقلة ويبكى لليتيم في حجر الأرملة لو يمر إلى
جنب السراج لم يطفئه من سكينته ولو يمشي على القضيب الرعراع يعني اليابس لم يسمع من تحت قدميه إلى آخر الرواية فإن فيها طولا وقد ساقها الجلال السيوطي في الخصائص الكبرى وشعياء هذا كان بعد داود وسليمان وقبل زكريا ويحيى عليهم الصلاة والسلام
ولما نهى بني إسرائيل عن ظلمهم وعتوهم طلبوه ليقتلوه فهرب منهم فمر بشجرة فانفلقت له ودخل فيها وأدركه الشيطان فأخذ بهدبة ثوبه فأبرزها فلما رأوا ذلك جاءوا بالمنشار فوضعوه على الشجرة فنشروها ونشروه معها
وكان من جملة الرسل الذين عناهم الله تعالى بقوله { وقفينا من بعده } أي موسى { بالرسل } وهم سبعة وهو ثالث تلك الرسل السبعة أي وهو المبشر بعيسى وبمحمد صلى الله عليهما وسلم فقال يخاطب بيت المقدس لما شكا له الخراب وإلقاء الجيف فيه أبشر يأتيك راكب الحمار يعني عيسى وبعده راكب الجمل يعني محمدا صلى الله عليه وسلم وتقدم في وصفه صلى الله عليه وسلم أنه يركب الحمار والبعير
وقد يقال لا مخالفة لأنه يجوز أن يكون عيسى اختص بركوب الحمار بخلاف محمد صلى الله عليه وسلم فإنه كان يركبهما هذا تارة وهذا أخرى فليتأمل ومن جملتهم أرمياء قيل وهو الخضر والله أعلم
واسمه صلى الله عليه وسلم في الزبور حاط حاط والفلاح الذي يمحق الله به الباطل وفارق وفاروق أي يفرق بين الحق والباطل وهو كما تقدم معنى فارقليط أو بارقليط بالفاء في الأول والموحدة في الثاني
وقيل معناه الذي يعلم الأشياء الخفية وفي الينبوع ومن الألفاظ التي رضوها لأنفسهم يعنى النصارى وترجموها على إختيارهم أن المسيح عليه الصلاة والسلام قال إني أسأل الله أن يبعث إليكم بارقليط آخر يكون معكم إلى الأبد وهو يعلمكم كل شيء ويفسر لكم الأسرار وهو يشهد لي كما شهدت له ويكون خاتم النبيين ولم يشهد له بالبراءة والصدق في النبوة بعده إلا محمد صلى الله عليه وسلم
وقد ذكر صاحب الدر المنظم بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعمر رضي الله تعالى عنه يا عمر أتدري من أنا أنا الذي بعثني الله في التوراة لموسى وفي الإنجيل لعيسى وفي الزبور لداود ولا فخر أي لا أقول ذلك على سبيل الإفتخار بل على
سبيل التحدث بالنعمة يا عمر أتدري من أنا أنا اسمي في التوراة أحيد وفي الإنجيل البارقليط وفي الزبور حمياطا وفي صحف إبراهيم طاب طاب ولا فخر
وذكر صاحب كتاب شفاء الصدور في مختصره أن من فضائله صلى الله عليه وسلم ما رواه مقاتل بن سليمان قال وجدت مكتوبا في زبور داود إني أنا الله لا إله إلا أنا ومحمد رسولي ووصف في مزامير داود بأنه يقوى الضعيف الذي لاناصر له ويرحم المساكين ويبارك عليه في كل وقت ويدوم ذكره إلى الأبد وبالجبار ففيها تقلد أيها الجبار سيفك
فإن قيل قال الله تعالى { وما أنت عليهم بجبار } أجيب بأن الأول هو الذي يجبر الخلق إلى الحق والثاني هو المتكبر وفيها يا دواد سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد ومحمد صادقا لا أغضب عليه أبدا ولا يعصيني أبدا وقد غفرت له قبل أن يعصيني ما تقدم من ذنبه وما تأخر أي على فرض وقوع ذلك الذنب والمراد به خلاف الأولى من باب حسنات الأبرار سيئات المقربين أي ما يعد حسنة بالنسبة لمقام الأبرار قد يعد سيئة بالنسبة لمقام المقربين لعلو مقامهم وارتفاع شأنهم وأمته مرحومة يأتون يوم القيامة ونورهم مثل نور الأنبياء
وفي بعض مزامير داود إن الله أظهر من صهيون إكليلا محمودا وصهيون اسم مكة والإكليل الإمام الرئيس وهو محمد صلى الله عليه وسلم
وفي صحف شيث أخوناخ ومعناه صحيح الإسلام وهذا يدل على أن مزامير داود نسخة مختلفة بالزيادة والنقص
وفي صحف إبراهيم اسمه يوذموذ وقيل إن ذلك في التوراة ولا مانع من وجوده فيهما وتقدم أنه في صحف إبراهيم اسمه طاب طاب ولا مانع من وجود الوصفين في تلك الصحف
وفي كتاب شعيب عليه السلام عبدي الذي يثبت شأنه أنزل عليه وحيي فيظهر في الأمم عدلي لا يضحك أي مع رفع الصوت ومن ثم قال ولا يسمع صوته في الأصوات لأن ضحكه كان ابتسم يفتح العيون العور والآذان الصم ويحيى القلوب الغلف وما لا أعطيه أحدا وفيه أيضا مشقح بالشين المعجمة والقاف والحاء المهملة أي زاهي يحمدالله حمدا جديدا أي مخترعا لم يسبقه إليه أحد يأتي من أقصى
الأرض لعل المراد به مكة به تفرح البرية وسكانها وهو ركن المتواضعين وهو نور الله الذي لا يطفأ سلطانه على كتفه وذكر البرية وسكانها إشارة لدولة العرب والمراد بسلطانه على كتفه خاتم النبوة لأنه علامة وبرهان على نبوته
أي وذكر ابن ظفر أن في بعض كتب الله المنزلة إني باعث رسولا من الأميين أسدده بكل جميل وأهب له كل خلق كريم وأجعل الحكمة منطقه والصدق والوفاء طبيعته والعفو والمعروف خلقه والحق شريعته والعدل سيرته والإسلام ملته أرفع به من الوضيعة وأهدى به من الضلالة وأؤلف به بين قلوب متفرقة وأهواء مختلفة وأجعل أمته خير الأمم
وأما ما جاء مما يدل على وجوه اسمه الشريف أعنى لفظ محمد مكتوبا في الأحجار والنبات والحيوان وغير ذلك بقلم القدرة فكثير
من ذلك ما جاء عن جابر بن عبدالله رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كان نقش خاتم سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام لا إله إلا الله محمد رسول الله قال المراد فص خاتمه
فعن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه مرفوعا إن فص خاتم سليمان بن داوود كان سماويا أي من السماء ألقى إليه فوضعه في خاتمه أي وكان به انتظام ملكه وكان نقشه أنا الله لا إله إلا أنا محمد عبدي ورسولي وحينئذ يكون ما تقدم عن حابر وما يأتي يجوز أن يكون روى بالمعنى وكان ينزعه إذا دخل الخلاء وإذا جامع وكان عند نزعه يتنكر عليه أمر الناس ولم يجد من نفسه ما كان يجده قبل نزعه
وفي أنس الجليل كان نقش خاتم سليمان لا إله إلا الله وحده لا شريك له محمد عبده ورسوله ووجد على بعض الحجارة القديمة مكتوب محمد تقي مصلح وسيد أمين وفي جامع مدينة قرطبة بالمغرب عمود أحمر مكتوب فيه بقلم القدرة محمد
وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما اقترف آدم الخطيئة قال يارب أسألك بحق محمد صلى الله عليه وسلم إلا غفرت لي قال وكيف عرفت محمدا وفي لفظ كما في الوفاء وما محمد ومن محمد قال لأنك لما خلقتني بيدك ونفخت في من روحك رفعت رأسي فرأيت على قوائم العرش مكتوبا لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق
إليك قال صدقت يا آدم ولولا محمد لما خلقتك أي وفي لفظ كما في الشفاء قال آدم لما خلقتني رفعت رأسي إلى عرشك فإذا فيه مكتوب لا إله إلا الله محمد رسول الله فعلمت أنه ليس أحد أعظم قدرا عندك ممن جعلت اسمه مع أسمك فأوحى الله تعالى إليه وعزتي وجلالي إنه لآخر النبيين من ذريتك ولولاه ما خلقتك
وفي الوفاء عن ميسرة قلت يا رسول الله متى كنت نبيا قال لما خلق الله الأرض واستوى إلى السماء فسواهن سبع سموات وخلق العرش كتب على ساق العرش محمد رسول الله خاتم الأنبياء وخلق الله الجنة التي أسكنها آدم وحواء وكتب اسمي أي موصوفا بالنبوة أو بما هو أخص منها وهو الرسالة على ما هو المشهور على الأبواب والأوراق والقباب والخيام وآدم بين الروح والجسد أي قبل أن تدخل الروح جسده فلما أحياه الله نظر إلى العرش فرأى اسمي فأخبره الله تعالى أنه سيد ولدك فلما غرهما الشيطان تابا واستشفعا بإسمي إليه أي فقد وصف صلى الله عليه وسلم بالنبوة قبل وجود آدم
وفي أيضا عن سعيد بن جبير اختصم ولد آدم أي الخلق أكرم على الله تعالى فقال بعضهم آدم خلقه الله بيده وأسجد له ملائكته وقال آخرون بل الملائكة لأنهم لم يعصوا الله عز وجل فذكروا ذلك ذلك لآدم فقال لما نفخ في الروح لم تبلغ قدمي حتى استويت جالسا فبرق لي العرش فنظرت فيه محمد رسول الله فذاك أكرم الخلق على الله عز وجل قيل وكان يكنى آدم بأبي محمد وبأبي البشر وظاهره أنه كان يكنى بذلك في الدنيا وتقدم أنه يكنى بأبي محمد في الجنة
ومن ذلك ما جاء عن عمر بن الخطاب أيضا رضي الله تعالى عنه قال لكعب الأحبار رضي الله تعالى عنه أخبرنا عن فضائل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مولده قال نعم يا أمير المؤمنين قرأت أن إبراهيم الخليل وجد حجرا مكتوبا عليه أربعة أسطر الأول أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني والثاني أنا الله لا إله إلا أنا محمد رسولي طوبى لمن آمن به واتبعه والثالث أنا الله لا إله إلا أنا الحرم لي والكعبة بيتي من دخل بيتي أمن من عذابي ولينظر الرابع
أي وذكر بعضهم أن في سنة أربع وخمسين وأربعمائة عصفت ريح شديدة بخراسان كريح عاد انقلب منها الجبال وفرت منها الوحوش فظن الناس أن القيامة قد قامت وابتهلوا إلى الله تعالى فنظروا فإذا نور عظيم قد نزل من السماء على جبل من تلك الجبال
ثم تأملوا الوحوش فإذا هي منصرفة إلى ذلك الجبل الذي سقط فيه ذلك النور فساروا معها إليه فوجدوا به صخرة طولها ذراع في عرض ثلاثة أصابع وفيها ثلاثة أسطر سطر فيه لا إله إلا أنا فاعبدون وسطر فيه محمد رسول الله القرشي وسطر ثالث فيه احذروا وقعة المغرب فإنها تكون من سبعة أو تسعة والقيامة قد أزفت أي قربت
وجاء أن آدم عليه الصلاة والسلام قال طفت السموات فلم أر في السموات موضعا إلا رأيت اسم محمد صلى الله عليه وسلم مكتوبا عليه ولم أر في الجنة قصرا ولا غرفة إلا اسم محمد مكتوب عليه ولقد رأيت اسمه صلى الله عليه وسلم على نحور الحور العين وورق آجام الجنة وشجرة طوبي وسدرة المنهى والحجب وبين أعين الملائكة وهذا الحديث قد حكم بعض الحفاظ بوضعه
أي وقد قيل إن أول شيء كتب القلم في اللوح المحفوظ بسم الله الرحمن الرحيم إني أنا الله لا إله إلا أنا محمد رسولي من استسلم لقضائي وصبر على بلائي وشكر على نعمائي ورضي بحكمي كتبته صديقا وبعثته يوم القيامة من الصديقين وفي روية مكتوب في صدر اللوح المحفوظ لا إله إلا الله دينه الإسلام محمد عبده ورسوله فمن آمن بهذا أدخله الله الجنة
وفي رواية لما أمر الله القلم أن يكتب ما كان وما يكون كتب على سرادق العرش لا إله إلا الله محمد رسول الله يتأمل هذا فإنه إن كان المراد كما هو المتبادر أن القلم لما أمر أن يكتب ما ذكر كان أول شيء كتبه على سرادق العرش ما ذكر ثم تمم كتابة ما أمر به على ذلك كما كتب أول ما ذكر البسملة في اللوح المحفوظ ثم تمم كتابة ما أمر به يلزم أن يكون القلم كتب ما كان وما يكون في اللوح وعلى سرادق العرش
ومن ذلك ما جاء عن عمر بن الخطاب أيضا رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم إن آدم عليه الصلاة والسلام قال وجدت اسم محمد صلى الله عليه وسلم على ورق شجرة طوبى وعلى ورق سدرة المنتهى أي وعلى ورق قصب آجام الجنة ومن ثم قال السيوطي في الخصائص الكبرى من خصائصه صلى الله عليه وسلم كتابة اسمه الشريف مع اسم الله تعالى على العرش وفيها ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب فكتبت عليه لا إله إلا الله محمد رسول الله فسكن ومكتوب اسمه صلى الله عليه وسلم على سائر ما في الملكوت أي من السموات والجنان وما فيهن
وفي الخصائص الصغرى له أيضا ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم كتابة اسمه الشريف على العرش وكل سماء والجنان وما فيها وسائر ما في الملكوت
أقول ولا يخالف هذا أي ما تقدم عن آدم ما جاء على تقدير صحته أن آدم لما نزل إلى الأرض استوحش فنزل جبريل عليه السلام فنادى بالأذان الله أكبر الله أكبر مرتين أشهد أن لا إله إلا الله مرتين أشهد أن محمدا رسول الله مرتين قال آدم من محمد قال جبريل هو أخر ولدك من الأنبياء لجواز أن يكون آدم عليه السلام أراد أن يستثبت هل هو محمد الذي رأى اسمه مكتوبا وأخبر بأنه آخر الأنبياء من ذريته وأنه لولا ما خلقه واستشفع به أو غيره فليتأمل وإنما قلنا على تقدير صحته لأنه سيأتي في بدء الأذان أن في سند هذا الحديث مجاهيل
وذكر صاحب كتاب شفاء الصدور في مختصره عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل أنه قال يا محمد وعزتي وجلالي لولاك ما خلقت أرضي ولا سمائي ولا رفعت هذه الخضراء لا بسطت هذه الغبراء وفي رواية عنه ولا خلقت سماء ولا أرضا ولا طولا ولا عرضا
وبهذا يرد على من رد على القائل في مدحه صلى الله عليه وسلم ** لولاه ما كان لا فلك ولا فلك ** كلا ولا بان تحريم وتحليل **
بأن قوله لولاه ما كان لافلك ولا فلك مثل هذا يحتاج إلى دليل ولم يرد في الكتاب ولا في السنة ما يدل على ذلك فيقال له بل جاء في السنة ما يدل على ذلك والله أعلم
ومن ذلك ما حدث به بعضهم قال غزونا الهند فوقعت في غيضة فإذا فيها شجر عليه ورق أحمر مكتوب عليه بالبياض لا إله إلا الله محمد رسول الله
وعن بعضهم رأيت في جزيرة شجرة عظيمة لها ورق كبير طيب الرائحة مكتوب عليه بالحمرة والبياض في الخضرة كتابة بينة واضحة خلقة ابتدعها الله تعالى بقدرته في الورقة ثلاثة أسطر الأول لا إله إلا الله والثاني محمد رسول الله والثالث إن الدين عند الله الإسلام
وعن بعض آخر قال دخلت بلاد الهند فرأيت في بعض قراها شجر ورد أسود ينفتح عن وردة كبيرة سوداء طيبة الرائحة مكتوب عليها بخط أبيض لا إله إلا الله محمد رسول الله أبو بكر الصديق عمر الفاروق فشككت في ذلك وقلت إنه معمول فعمدت إلى وردة
كبيرة لم تفتح فرأيت فيها كما رأيت في سائر الورق وفي البلد منها شيء كثير وأهل تلك البلد يعبدون الحجارة
ونقل ابن مرزوق في شرح البردة عن بعضهم قال عصفت بنا ريح ونحن في لجج بحر الهند فأرسينا في جزيرة فرأينا فيها وردا أحمر ذكي الرائحة مكتوب عليه بالأصفر براءة من الرحمن الرحيم إلى جنات النعيم لا إله إلا الله محمد رسول الله
أي ومن ذلك ما حكاه بعضهم قال رأيت في بلاد الهند شجرة تحمل ثمرا يشبه اللوز له قشران فإذا كسر خرج منه ورقة خضراء مطوية مكتوب عليها بالحمرة لا إله إلا الله محمد وسول الله كتابة جلية وهم يتبركون بتلك الشجرة ويستسقون بها إذا منعوا الغيث هذا وفي مزيل الخفاء الإقتصار على لا إله إلا الله أي وحينئذ لا يكون شاهدا على ما ذكرنا
أي ومن ذلك ما حكاه الحافظ السلفي عن بعضهم أن شجرة ببعض البلاد لها أوراق خضر وعلى كل ورقة مكتوب بخط أشد خضرة من لون الورق لا إله إلا الله محمد رسول الله وكان أهل تلك البلاد أهل أوثان وكانوا يقطعونها ويبقون أثرها فترجع إلى ما كانت عليه في أقرب وقت فأذابوا الرصاص وجعلوه في أصلها فخرج من حول الرصاص أربع فروع على كل فرع لا إله إلا الله محمد رسول اله فصاروا يتبركون ويستشفون بها من المرض إذا اشتد ويخلقونها بالزعفران وأجل الطيب
ومن ذلك أنه وجد في سنة سبع أو تسع وثمانمائة حبة عنب فيها بخط بارع بلون أسود محمد ومن ذلك ما ذكره بعضهم أنه اصطاد سمكة مكتوب على جنبها الأيمن لا إله إلا الله وعلى جنبها الأيسر محمد رسول الله قال فلما رأيتها ألقيتها في النهر إحتراما لها
وعن بعض آخر قال ركبت بحر الغرب ومعنا غلام معه سنارة فأدلاها في البحر فاصطاد سمكة قدر شبر بيضاء فنظرنا فإذا مكتوب بالأسود على أذنها الواحد لا إله إلا الله وفي قفاها وخلف أذنها الأخرى محمد رسول الله فقذفناها
وعن بعضهم أنه ظهرت له سمكة بيضاء وإذا على قفاها مكتوب بالأسود لا إله إلا الله محمد رسول الله
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا بطائر في فمه لوزة خضراء فألقاها فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم فوجد فيها دودة
خضراء مكتوب عليها بالأصفر لا إله إلا الله محمد رسول الله ومن ذلك ما حكاه بعضهم أنه كان بطبرستان قوم يقولون لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا يقرون لمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة وحصل منهم افتتان ففي يوم شديد الحر ظهرت سحابة شديدة البياض فلم تزل تنشأ حتى أخذت ما بين الخافقين وأحالت بين السماء والبلد فلما كان وقت الزوال ظهر في السحابة بخط واضح لا إله إلا الله محمد وسول الله فلم تزل كذلك إلى وقت العصر فتاب كل من كان افتتن وأسلم أكثر من كان بالبلد من اليهود والنصارى
ومن ذلك ما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال بلغني في قول الله تعالى { وكان تحته كنز لهما } قال كان ولوحا من ذهب وقيل لوح من رخام مكتوب فيه عجبا لمن أيقن بالموت أي بأنه يموت كيف يفرح عجبا لمن أيقن بالحساب اي أنه يحاسب كيف يغفل عجبا لمن أيقن بالقضاء أي أن الأمور بالقضاء والقدر كيف يحزن عجبا لمن يرى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها لا إله إلا الله محمد رسول الله
وروى البيهقي وغيره عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أن الكنز الذي ذكره الله تعالى في كتابة لوح من ذهب فيه بسم الله الرحمن الرحيم عجبت لمن أيقن بالقدر ثم ينصب أي يتعب عجبت لمن ذكر النار ثم يضحك عجبت لمن ذكر الموت ثم غفل لا إله إلا الله محمد رسول الله وفي لفظ لا إله إلا أنا محمد عبدي ورسولي
وفي تفسير القاضي البيضاوي عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن وعجبت لمن يؤمن بالرزق أي أن الله رازقه كيف ينصب أي يتعب وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها كيف يطمئن إليها لا إله إلا الله محمد رسول الله
أقول قد يقال يجوز أن يكون ما ذكر أولا في أحد وجهي ذلك اللوح وما ذكر ثانيا في الوجة الثاني أو أن بعض الرواة زاد وبعضهم نقص وبعضهم روى بالمعنى وحفظ ذلك الكنز لأجل صلاح أبيهما وكان تاسع أب لهما
وقد قال محمد بن المنكدر إن الله يحفظ بالرجل الصالح ولده وولد ولده وبقعته التي هو فيها والدويرات حوله فلا يزالون في حفظ الله وستره
ويذكر أن بعض العلوية هم هرون الرشيد بقتله فلما دخل عليه أكرمه وخلى سبيله
فقيل له بماذا دعوت حتى نجاك الله فقال قلت يا من حفظ الكنز على الصبيين لصلاح أبيهما احفظني منه لصلاح آبائي كذا في العرائس والله أعلم
ومن ذلك ما جاء عن جابر رضي الله تعالى عنه قال مكتوب بين كتفي آدم محمد رسول الله خاتم النبيين
أي وذكر بعضهم أنه شاهد في بعض بلاد خراسان مولودا على أحد جنبيه مكتوب لا إله إلا الله وعلى الآخر محمد رسول الله أي ومن ذلك ما حكاه بعضهم قال ولد عندي في عام أربعة وسبعين وستمائة جدى أسود غرته بيضاء على شكل الدائرة وفيها مكتوب محمد بخط في غاية الحسن والبيان
وما حكاه بعضهم قال شاهدت ببلدة من بلاد إفريقية بالمغرب رجلا ببياض عينه اليمنى من أسفل مكتوب بعرق أحمر كتابة مليحة محمد رسول الله
وذكر الشيخ عبدالوهاب الشعراني نفعنا الله تعالى ببركته في كتابه لواقح الأنوار القدسية في قواعد السادة الصوفية وفي يوم كتابتي لهذا الموضع رأيت علما من أعلام النبوة وذلك أن شخصا أتاني برأس خروف شواها وأكلها وأراني فيها مكتوبا بخط إلهي على الجبين لا إله إلا الله محمد رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق يهدى به من يشاء يهدي به من يشاء قال الشيخ عبدالوهاب وتكرير ذلك لحكمة فإن الله لا يسهو هذا كلامه وقد يقال لعل الحكمة التأكيد لعلو مقام الهداية كيف وهو المجانب لمقام الضلالة والغواية
وعن الزهري قال شخصت إلى هشام بن عبدالملك فلما كنت بالبلقاء رأيت حجرا مكتوبا عليه بالعبرانية فأرشدت إلى شيخ يقرؤه فلما قرأه ضحك وقال أمر عجيب مكتوب عليه باسمك اللهم جاء الحق من ربك بلسان عربي مبين لا إله إلا الله محمد رسول الله وكتبه موسى بن عمران
& باب سلام الحجر والشجر عليه صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه
عن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم على قبلي أن أبعث إني لأعرفه الآن قال جاء في بعض الروايات أن هذا الحجر هو الحجر الأسود أي وقيل غيره وأنه هو الذي في زقاق بمكة يعرف بزقاق الحجر أي ولعله غير الحجر الذي به أثر المرفق ذكر أنه صلى الله عليه وسلم اتكأ عليه بمرفقه وهوالذي يقال له زقاق المرفق وغير الحجر الذي به أثر الأصابع
وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد الله تعالى كرامته بالنبوة كان إذا خرج لحاجة أي لحاجة الإنسان أبعد حتى لا يرى ببناء ويفضى إلى الشعاب وبطون الأودية فلا يمر بحجر ولا شجر إلا قال الصلاة والسلام عليك يا رسول الله وكان يلتفت عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى أحدا هو إلى ذلك يشير صاحب الأصل بقوله ** لم يبق من حجر صلب ولا شجر ** إلا وسلم بل هناه ما وهبا **
وإلى ذلك يشير أيضا صاحب الهمزية بقوله ** والجمادات أفصحت بالذي أخ ** رس عنه لأحمد الفصحاء **
أي والجمادات التي لا روح فيها نطقت بكلام فصيح لا تلعثم فيه أي بالشهادة له صلى الله عليه وسلم بالرسالة ولم تنطق به أهل الفصاحة والبلاغة وهم الكفار من قريش وغيرهم
وعن علي رضي الله تعالى عنه قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فخرجنا في بعض نواحيها فما استقبله جبل ولا شجر إلا وهو يقول السلام عليك يا رسول الله
أقول وإلى تسليم الحجر قبل البعثة يشير الإمام السبكي رحمه الله تعالى في تائيته بقوله ** وما جزت بالأحجار إلا وسلمت ** عليك بنطق شاهد قبل بعثة **
وأما حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أوحى إلى جعلت لا أمر بحجر ولا شجر إلا قال السلام عليك يا رسول الله وما ذكره بعضهم أن الجن قالوا له صلى الله عليه وسلم بمكة من يشهد أنك رسول الله قال تلك الشجرة ثم قال لها من أنا فقالت رسول الله فليس من المترجم له
وفي الخصائص الصغرى وخص بتسليم الحجر وبكلام الشجر وبشهادتهما له بالنبوة وإجابتهما دعوته
وفي كلام السهيلي يحتمل أن يكون نطق الحجر والشجر كلاما مقرونا بحياة وعلم ويحتمل أن يكون صوتا مجردا غير مقترن بحياة وعلم وعلى كل هو علم من أعلام النبوة
وفي كلام الشيخ محيى الدين ابن العربي أكثر العقلاء بل كلهم يقولون عن الجمادات لا تعقل فوقفوا عند بصرهم والأمر عندنا ليس كذلك فإذا جاءهم عن نبي أو ولي أن حجرا كلمه مثلا يقولون خلق الله فيه العلم والحياة في ذلك الوقت والأمر عندنا ليس كذلك بل سر الحياة سار في جميع العالم
وقد ورد أن كل شيء سمع صوت المؤذن من رطب ويابس يشهد له ولا يشهد إلا من علم وأطال في ذلك وقال قد أخذ الله بأبصار الإنس والجن عن إدراك حياة الجماد إلا من شاء الله كنحن وأضرابنا فإنا لا نحتاج إلى دليل في ذلك لكون الحق تعالى قد كشف لنا عن حياتها عينا وأسمعنا تسبيحها ونطقها وكذلك إندكاك الجبل لما وقع التجلي إنما كان ذلك منه لمعرفته بعظمة الله عز وجل ولولا ما عنده من العظمة لما تدكدك والله أعلم & باب بيان حين المبعث وعموم بعثته صلى الله عليه وسلم
قال ابن إسحاق لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين سنة بعثه الله رحمه للعالمين وكافة للناس أجمعين وكان الله قد أخذ له الميثاق على كل نبي بعثه قبله بالإيمان به والتصديق له والنصر على من خالفه وأن يؤدوا ذلك إلى كل من آمن بهم وصدقهم أي فهم وأممهم من جملة أمته صلى الله عليه وسلم كما سيأتي عن السبكى
فعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث على رأس الأربعين قال وهذا هو المشهور بين الجمهور من أهل السير والعلم بالأثر وقيل بزيادة يوم وقيل بزيادة عشرة أيام وقيل بزيادة شهرين وقيل بزيادة سنتين وهو شاذ وأكثر منه شذوذا ما قيل إنه بزيادة ثلاث سنين وما قيل إنه بزيادة خمس سنين قال بعضهم والأربعون هي سن الكمال ونهاية بعث الرسل أي لا يرسلون دونها ومن ثم قال في الكشاف ويروى أنه لم يبعث نبي إلا على رأس أربعين سنة هذا كلام الكشاف وأما ما يذكر عن المسيح أنه رفع إلى السماء وهو ابن ثلاث أو أربع وثلاثين سنة أي ومعلوم أنه دعا إلى الله قبل ذلك فهو قول شاذ حكاه وهب بن منبه عن النصارى أ هـأي وعليه جرى غير واحد من المفسرين بل قال في ينبوع الحياة لم يبلغني أن أحدا من المفسرين ذكر في مبلغ سنه إذ رفع أكثر من ثلاث وثلاثين سنة هذا كلامه
وفي الهدى وأما ما يذكر عن المسيح أنه رفع إلى السماء وله ثلاث وثلاثون سنه فهذا لا يعرف به أثر متصل يجب المصير إليه هذا كلامه ويوافق ما تقدم عن المفسرين وما في العرائس ولما تمت له يعنى عيسى عليه الصلاة والسلام ثلاثون سنة أوحى الله تعالى إليه أن يبرز لناس ويدعوهم ويضرب الأمثال لهم ويداوي المرضى والزمني والعميان والمجانين ويقمع الشياطين ويذلهم ويدحرهم ففعل ما أمر به وأظهر المعجزات فأحيا ميتا يقال له عازر بعد ثلاثة ايام من موته
وعبارة الجلال المحلي في قطعة التفسير أحيا عيسى عليه الصلاة والسلام أربعة عازر صديقا له وابن العجوز وابنة العاشر وسام بن نوح هذا كلامه وذكر البغوي قصة كل واحد فراجعه وكان عيسى عليه الصلاة والسلام يمشى على الماء ومكث في الرسالة ثلاث سنوات ثم رفع ويوافق ذلك أيضا قول ابن الجوزى وأما حديث وما من نبي إلا نبي بعد الأربعين فموضوع لأن عيسى عليه الصلاة والسلام نبئ ورفع إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة أي نبيء وهو ابن ثلاثين سنة ورفع وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة بل قيل نبىء وهو طفل فاشتراط الأربعين في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ليس بشيء هذا كلامة أي وفيه أن هذا بمجرده لا يدل على وضع الحديث ويوافقه أيضا قول القاضي البيضاوي ونبىء نوح وهو ابن خمسين سنة وقيل
أربعين ويوافقه أيضا قول بعضهم ومما يدل على أن بلوغ الأربعين ليس شرطا للنبوة وقصة سيدنا يحيى صلوات الله وسلامه عليه بناء على أن الحكم في قوله تعالى { وآتيناه الحكم صبيا } النبوة لا الحكمة وفهم التوراة كما قيل بذلك بل أحكم إليه عقله في صباه واستنبأه قيل كان ابن سنتين أو ثلاث
ولما ولى الخلافة المقتدر وهو غير بالغ صنف الإمام الصولي له كتابا فيمن ولى الأمر وهو غير بالغ واستدل على جواز ذلك بأن الله بعث يحيى بن زكريا نبيا وهو غير بالغ وذكر فيه كل من استعمله النبي صلى الله عليه وسلم من الصبيان قال بعضهم وهو كتاب حسن فيه فوائد كثيرة
وكان ذبح يحيى قبل رفع عيسى عليهما الصلاة والسلام بسنة ونصف سنة
ومما يدل على ما تقدم عن الهدى أي من إنكار أن عيسى عليه الصلاة والسلام رفع وله ثلاث وثلاثون سنة قوله بعضهم الأحاديث الصحيحة تدل على أنه إنما رفع وهو ابن مائة وعشرين سنة من تلك الأحاديث قوله صلى الله عليه وسلم في مرض موته لإبنته فاطمة رضي الله تعالى عنها أخبرني جبريل أنه لم يكن نبي إلا عاش نصف عمر الذل كان قبله وأخبرني أن عيسى ابن مريم عاش عشرين ومائة سنة ولا أراني إلا ذاهبا على رأس الستين وفي الجامع الصغير ما بعث الله نبيا إلا عاش نصف ما عاش الذي قبله وعلى كون كل نبي عاش نصف ما عاش النبي الذي قبله يشكل أن نوحا كان أطول الأنيباء عمرا ومن ثم قيل له كبير الأنبياء وشيخ المرسلين وهو أول من تنشق عنه الأرض بعد نبينا صلى الله عليه وسلم ثم رأيت أن الحافظ الهيتمي ضعف حديث ما بعث الله نبيا إلا عاش نصف ما عاش النبي الذي قبله وقال العماد بن كثير إنه غريب جدا وعن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام تبوك قام من الليل يصلى فاجتمع رجال من أصحابه يحرسونه أي ينتظرون فراغه من الصلاة لأن نزول { والله يعصمك من الناس } كان قبل هذا حتى إذا صلى وانصرف إليهم قال لهم لقد أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد قبلي زاد في رواية لا أقولهن فخرا أما أولاهن فأرسلت إلى الناس كلهم عامة أي من في زمنه وغيرهم ممن تقدم أو تأخر أي وللشجر والحجر إلى آخر ما يأتي وكان من قبلي وفي لفظ وكان كل نبي إنما يرسل إلى قومه أي جميع أهل زمنه أو جماعة منهم خاصة ومن الأول نوح فإنه كان مرسلا لجميع من
كان في زمنه من أهل الأرض ولما أخبر بأنه لا يؤمن منهم إلا من آمن معه وهم أهل السفينة وكانوا ثمانين أربعين رجلا وأربعين امرأة
وفي عوارف المعارف أصحاب السفينة كانوا أربعمائة وقد يقال من الآدميين وغيرهم فلا مخالفة دعا على من عدا من ذكر بإستئصال العذاب لهم فكان الطوفان الذي كان به هلاك جميع أهل الأرض إلا من آمن ولو لم يكن مرسلا إليهم ما دعا عليهم بسبب مخالفتهم له في عبادة الأصنام لقوله تعالى { وما كنا معذبين } أي حتى في الدنيا { حتى نبعث رسولا }
وقد ثبت أن نوحا أول الرسل أي لمن يعبد الأصنام لأن عبادة الأصنام أول ما حدثت في قومه وأرسله الله إليهم ينهاهم عن ذلك وحينئذ لا يخالف كون أول الرسل آدم وأرسله الله تعالى إلى أولاده بالإيمان بالله تعالى وتعليم شرائعه وذكر بعضهم أنه كان مرسلا لزوجته حواء في الجنة لأن الله تعالى أمره أن يأمرها وينهاها في ضمن أخباره بأمره ونهيه بقوله تعالى { يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة } وذلك عين الإرسال كما ادعاه بعضهم
فعلم أن عموم رسالة نوح عليه الصلاة والسلام لجيمع أهل الأرض في زمنه لا يساوي عموم رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم لما علمت أن رسالته عامة حتى لمن يوجد بعد زمنه وحينئذ يسقط السؤال وهو لم يبق بعد الطوفان إلا مؤمن فصارت رسالة نوح عليه الصلاة والسلام عامة ويسقط جواب الحافظ ابن حجر عنه بأن هذا العموم الذي حصل بعد الطوفان لم يكن من أصل بعثته بل طرأ بعد الطوفان بخلاف رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قيل كان بين الدعوة والطوفان مائة عام وقد حققنا فيما سبق أن آدم ومن بعده دعا إلى الإيمان بالله تعالى وعدم الإشراك به إلا أن الإشراك به وعبادة الأصنام اتفق أنه لم يقع إلا زمن نوح ومن بعده
وأما قول اليهود أو بعضهم وهم العيسوية طائفة من اليهود أتباع عيسى الأصفهاني إنه صلى الله عليه وسلم إنما بعث للعرب خاصة دون بني إسرائيل وإنه صادق ففاسد لأنهم إذا سلموا أنه رسول الله وأنه صادق لا يكذب لزمهم التناقض لأنه ثبت بالتواتر عنه صلى الله عليه وسلم أنه رسول الله لكل الناس
أقول قال بعضهم ولا ينافيه قوله تعالى { وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه }
لأنه لا يدل على اقتصار رسالته عليهم بل على كونه متكلما بلغتهم ليفهموا عنه أولا ثم يبلغ الشاهد الغائب ويحصل الإفهام لغير أهل تلك اللغة من الأعاجم بالتراجم الذين أرسل إليهم فهو صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الكافة وإن كان هو وكتابه عربيين كما كان موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام مبعوثين لبني إسرائيل بكتابيهما العبراني أي وهو التوراة والسرياني وهو الإنجيل مع أن من جملتهم جماعة لا يفهمون بالعبرانية ولا بالسريانية كالأروام فإن لغتهم اليونانية والله أعلم
وأشار إلى الثانية من الخمس بقوله ونصرت بالرعب على العدو ولو كان بيني وبينه مسيرة شهر أي أمامه وخلفه بملأ مني رعبا أي يقذف الرعب في قلوب أعدائه صلى الله عليه وسلم وجعل الغاية شهرا لأنه لم يكن بين بلده وبين أحد من أعدائه أي المحاربين له أكثر من شهر
أي وجاء أن سيدنا سليمان عليه الصلاة والسلام ذهب هو وجنده من الإنس والجن وغيرهما إلى الحرم وكان يذبح كل يوم خمسة آلاف ناقة وخمسة آلاف ثور وعشرين ألف شاة لأن مساحة جنده كانت مائة فرسخ قال لمن حضر من أشراف جنده هذا مكان يخرج منه نبي عربي يعطى النصر على جميع من ناوأه وتبلغ هيبته مسيرة شهر القريب والبعيد عنده في الحق سواء لا تأخذه في الله لومة لائم ثم قالوا فبأي دين يا نبي الله يدين قال بدين الحنيفية فطوبى لمن آمن به قالوا كم بين خروجه وزماننا قال مقدار ألف عام
وأشار إلى الثالثة بقوله وأحلت لي الغنائم كلها وكان من قبلي أي من أمر الجهاد منهم يعطونها ويحرمونها أي لأنهم كانوا يجمعونها أي والمراد ما عدا الحيوانات من الأمتعة والأطعمة والأموال فإن الحيوانات تكون ملكا للغانمين دون الأنبياء ولا يجوز للإنبياء أخذ شيء من ذلك بسبب الغنيمة كذا في الوفاء وجاء في بعض الروايات وأطعمت أمتك الفىء ولم أحله لأمة قبلها أي والمراد بالفيء ما يعم الغنيمة كما أنه قد يراد بالغنيمة ما يعم الفيء هذا وفي بعض الروايات وكانت الأنبياء يعزلون الخمس فتجىء النار أي نار بيضاء مع السماء فتأكله أي حيث لا غلول وأمرت أن أقسمه في فقراء أمتي وفي تكملة تفسير الجلال السيوطي لتفسير الجلال المحلي أن ذلك لم يعهد في زمن عيسى عليه الصلاة والسلام ولعله لم يكن ممن أمر بالجهاد فلا يخالف ما سبق
وأشار إلى الرابعة بقوله وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا أينما أدركتني الصلاة تمسحت أي تيممت حيث لا ماء وصليت فلا يختص السجود منها بموضع دون غيره وكان من قبلي لا يعطون ذلك أي الصلاة في أي محل أدركتهم فيه إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم أي ولم يكن أحد منهم يتيمم لأن التيمم من خصائصنا وفي رواية جابر ولم يكن أحد من الأنبياء يصلى حتى يبلغ محرابه
وجاء في تفسير قوله تعالى { واختار موسى قومه } الآيات من المأثور أن الله تعالى قال لموسى أجعل لكم الأرض مسجدا فقال لهم موسى إن الله قد جعل لكم الأرض مسجدا قالوا لا نريد أن نصلى إلا في كنائسنا فعند ذلك قال الله تعالى { فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة } إلى قوله { المفلحون } أي وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم وفيه أنه قيل إن عيسى عليه الصلاة والسلام كان يسيح في الأرض يصلى حيث أدركته الصلاة ويحتاج إلى الجمع بين هذا وبين ما تقدم من قوله لم يكن أحد من الأنبياء يصلى حتى يبلغ محرابه إلا أن يقال لا يصلى مع أمته إلا في محرابه
وأما عيسى عليه الصلاة والسلام فخص بأنه كان يصلى حيث أدركته الصلاة وسيأتي في الخصائص الكلام على ذلك
وأشار إلى الخامسة بقوله قيل لي سل فإن كل نبي قد سأل فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله وهي لإخراج من في قلبه ذرة من الإيمان ليس له عمل صالح إلا التوحيد أي إخراج من ذكر من النار لأن شفاعة غيره صلى الله عليه وسلم تقع فيمن في قلبه أكثر من ذلك قاله القاضي عياض
أي وقد جاء في بيان من يشفع بإذن الله له في الشفاعة فلا يبقى نبي ولا شهيد إلا شفع وفي رواية ثم تشفع الملائكة والنبيون والشهداء والصالحون والمؤمنون فيشفعهم الله عز وجل وقد جاء إن أول شافع جبريل ثم إبراهيم ثم موسى ثم يقوم نبيكم رابعا لا يقوم بعد أحد فيما يشفع فيه
وفي الحديث آتى تحت العرش فأخر ساجدا فيقال يا محمد ارفع رأسك سل تعطه واشفع تشفع فأرفع رأسي فأقول يا رب أمتي يا رب أمتى فيقال انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من بر أو شعير من إيمان وفي لفظ حبة من خردل وفي لفظ أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل فأخرجه أي من النار فانطلق فأفعل أي أخرجه من النار وأدخله الجنة
وله صلى الله عليه وسلم شفاعة قبل هذه في إدخال أهل الجنة الجنة بعد مجاوزة الصراط ففي الحديث فإذا دخلت الجنة فنظرت إلى ربي خررت ساجدا فيأذن الله لي في حمده وتمجيده ثم يقول ارفع رأسك يا محمد واشفع تشفع واسأل تعطه فأقول يا رب شفعني في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة فيأذن الله تعالى في الشفاعة إلى آخر ما تقدم
ومن هذا يعلم أن الشفاعة في الإخراج من النار إنما تكون منه صلى الله عليه وسلم وهو في الجنة فما تقدم من قوله آتى تحت العرش فأخر ساجدا إلى آخره إنما ذلك في الشفاعة في فصل القضاء فهذا خلط من بعض الرواه أي خلط الشفاعة في الموقف التي هي الشفاعة في فصل القضاء بالشفاعة بعد مجاوزة الصراط في دخول أهل الجنة الجنة وبالشفاعة بعد دخول الجنة في إخراج أهل التوحيد من النار والشفاعة في فصل القضاء هي المشار إليها في قوله صلى الله عليه وسلم وأعطيت الشفاعة فقد قال ابن دقيق العيد الأقرب أن اللام فيها للعهد والمراد الشفاعة العظمى في إراحة الناس من هول الموقف أي وهذا هو المقام المحمود الذي يحمده ويغبطه فيه الأولون والآخرون المعنى بقوله تعالى { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا }
وعن حذيفة رضي الله تعالى عنه تجمع الناس في صعيد واحد فأول مدعو محمد صلى الله عليه وسلم فيقول لبيك وسعديك والشر ليس إليك والمهدي من هديت وعبدك بين يديك ولك وإليك لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك تباركت وتعاليت سبحانك رب البيت
وقد هاجب فتنة كبيرة ببغداد بسبب هذه الآية أعنى { عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا } فقالت الحنابلة معناه أن يجلسه الله تعالى على عرشه وقال غيرهم بل هي الشفاعة العظمى في فصل القضاء فدام الخصام إلى أن اقتتلوا فقتل كثيرون
وهذه الشفاعة إحدى الشفاعات الثلاث المعنية بقوله صلى الله عليه وسلم لي عند ربي ثلاث شفاعات وعدنيهن
وفي كلام بعضهم له صلى الله عليه وسلم تسع شفاعات أخر غير فصل القضاء جرى في إختصاصه ببعضها خلاف وهي الشفاعة في إدخال قوم الجنة بغير حساب ولا عقاب قال النووي وجماعة هي مختصة به صلى الله عليه وسلم والشفاعة في أناس استحقوا دخول النار فلا يدخلونها قال القاضي عياض وغيره ويشترك فيها من يشاء
الله تعالى والشفاعة في أخراج من أدخل النار من الموحدين وفي قلبه مثقال ذرة من إيمان وهي مختصة به صلى الله عليه وسلم والشفاعة في إخراج من أدخل منهم النار وفي قلبه أزيد من ذرة من إيمان ويشاركه فيها الأنبياء والملائكة والمؤمنون وظاهر هذا السياق أن المراد بمن في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلى آخره عام في أمته وغيرهم من الأمم وهو يخالف قول بعضهم جاء في الصحيح فأقول يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله أي ومات على ذلك قال ليس ذلك لك ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي لأخرجن من النار من قال لا إله إلا الله
ولا يشكل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم أتاني آت من عند ربي فخيرني بين أن يدخل نصف أمتي وفي رواية ثلثي أمتي الجنة أي بلا حساب ولا عذاب وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئا فاخترت الشفاعة وعلمت أنها أوسع لهم
لأنا نقول المراد بالذين تنالهم شفاعته صلى الله عليه وسلم ممن مات لا يشرك بالله شيئا خصوص أمته وأما من قيل له فيه ليس ذلك لك فهم الموحدون من الأمم السابقة فليتأمل مع ما سبق من شفاعة الأنبياء والملائكة والمؤمنين والشفاعة في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها وجوز النووي إختصاصها به صلى الله عليه وسلم والشفاعة في تخفيف العذاب عن بعض الكفار كأبي طالب وأبي لهب في كل إثنين بالنسبة لأبي لهب والشفاعة لمن مات بالمدينة الشريفة ولعل المراد أنه لا يحاسب
قد أوصل ابن القيم شفاعاته صلى الله عليه وسلم إلى أكثر من عشرين شفاعة وفي رواية أعطيت مالم يعطه أحد من الأنبياء نصرت بالرعب وأعطيت مفاتيح الأرض أي وفي لفظ وبينا أنا نائم رأيتني أوتيت مفاتيح خزائن الأرض فوضعت بين يدي ولا منافاة لأنه يجوز أنه أعطى ذلك يقظة بعد أن أعطيه مناما وسميت أحمد أي ومحمدا أي لأن أحد من الأنبياء لم يسم بذلك فهو من خصائصه صلى الله عليه وسلم بالنسبة للأنبياء كذا في الخصائص الصغرى وتقدم أن التسمية بأحمد من خصائصه صلى الله عليه وسلم على جميع الناس وفي وصفه صلى الله عليه وسلم نفسه بما ذكر وقول عيسى عليه الصلاة والسلام إني عبدالله الآية وقول سليمان عليه الصلاة والسلام { علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء } الآية هو الأصل في ذكر العلماء مناقبهم في كتبهم وهذا مأخوذ من قوله تعالى { وأما بنعمة ربك فحدث } ومن قوله صلى الله عليه وسلم
التحدث بنعمة الله شكر وتركه كفر قال الله تعالى { لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد }
صعد سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه المنبر فقال الحمدلله الذي صيرني ليس فوقي أحد ثم نزل فقيل له فقال في ذلك فقال إنما فعلت ذلك إظهارا للشكر
وعن سفيان الثوري رحمه الله من لم يتحدث ينعمة الله فقد عرضها للزوال
والحق في ذلك التفصيل وهو أن من خاف من التحدث بالنعمة وإظهارها الرياء فعدم التحدث بها وعدم إظهارها أولى ومن لم يخف ذلك فالتحدث بها وإظهارها أولى أي وفي الشفاء أنه أحمد المحمودين وأحمد الحامدين ويوم القيامة يحمده الأولون والآخرون لشفاعته لهم فحقيق أن يسمى محمدا وأحمد وتقدم أن هذا يوافق ما تقدم عن الهدى أن أحمد مأخوذ من الفعل الواقع على المفعول
وقد جاء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب الذي ليس بعدي نبي وجعلت أمتي خير الأمم
قال القاضي البيضاوي وفي التسمية بالأسماء العربية تنويه إلى تعظيم المسمى هذا كلامه وفي رواية لما أسرى بي إلى السماء قربني ربي حتى كان بيني وبينه كقاب قوسين أو أدنى قيل لي قد جعلت أمتك آخر الأمم لأفضح الأمم عندهم أي بوقوفهم على أخبارهم ولا أفضحهم عند الأمم أي لتأخرها عنهم وعليه فالضمير في دنا يعود إليه صلى الله عليه وسلم فالضمير في دنا إلى آخره يعود إلى الله تعالى وهو معنى لطيف وفي رواية نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة المقضي لهم قبل الخلائق وفي رواية نحن آخر الأمم وأول من يحاسب تنفرج لنا الأمم عن طريقنا فنمضى غرا محجلين من أثر الطهور وفي رواية من آثار الوضوء فتقول الأمم كادت هذه الأمة أن تكون أنبياء كلها هذا وفي رواية غرا من أثر السجود محجلين من أثر الوضوء وفي رواية فضلت على الأنبياء بست أي ولا مخالفة بين ذكر الخميس أولا وبين ذكر الست هنا لأنه يجوز أن يكون اطلع أولا على بعض ما اختص به ثم اطلع على الباقي هذا على اعتبار مفهوم العدد ثم أشار إلى بيان الست بقوله صلى الله
عليه وسلم أعطيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا وأرسلت إلى الخلق كافة والخلق يشمل الإنس والجن والملك والحيوانات والنبات والحجر
قال الجلال السيوطي وهذا القول أي إرساله للملائكة رجحته في كتاب الخصائص وقد رجحه قبلي الشيخ تقي الدين السبكي وزاد أنه مرسل لجميع الأنبياء والأمم السابقة من لدن آدم إلى قيام الساعة ورجحه أيضا البارزي وزاد أنه مرسل إلى جميع الحيوانات والجمادات وأزيد على ذلك أنه أرسل إلى نفسه
وذهب جمع إلى أنه لم يرسل للملائكة منهم الحافظ العراقي في نكته على ابن الصلاح والجلال المحلي في شرح جمع الجوامع ومشيت عليه في شرح التقريب وحكى الفخر الرازي في تفسيره والبرهان النسفي في تفسيره فيه الإجماع هذا كلامه وبهذا الثاني أفتى والد شيخنا الرملي وعليه فيكون قوله صلى الله عليه وسلم أرسلت للخلق كافة وقوله تعالى { ليكون للعالمين نذيرا } من العام المخصوص أو الذي أريد به الخصوص
ولا يشكل عليه حديث سلمان إذا كان الرجل في أرض وأقام الصلاة صلى خلفه من الملائكة ما لا يرى طرفاه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده لأنه يجوز أن لا يكون ذلك صادرا عن بعثته إليهم ولا يشكل عليه ما ورد بعثت إلى الأحمر والأسود لما تقدم أن المراد بذلك العرب والعجم وفي الشفاء وقيل الحمر الإنس والسود الجان واستدل للقول الأول القائل بأنه أرسل للملائكة بقوله تعالى { ومن يقل منهم } أي من الملائكة { إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم } فهي إنذار للملائكة على لسانه صلى الله عليه وسلم في القرآن العظيم الذي أنزل عليه فثبت بذلك إرساله إليهم ودعوى الإجماع منازع فيها فهي دعوى غير مسموعة ثم رأيت الجلال السيوطي ذكر هذا الإستدلال وهو واضح وذكر تسعة أدلة أيضا وهي لا تثبت المدعى الذي هو أن الملائكة يكلفون بشرعه صلى الله عليه وسلم كما لا يخفى على من رزق نوع فهم بالوقوف عليها
فعلم أنه صلى الله عليه وسلم مرسل لجميع الأنبياء وأممهم على تقدير وجوده في زمنهم لأن الله تعالى أخذ عليهم وعلى أممهم الميثاق على الإيمان به ونصرته مع بقائهم على نبوتهم ورسالتهم إلى أممهم فنبوته ورسالته أعم وأشمل وتكون شريعته في تلك
الأوقات بالنسبة إلى أولئك الأمم ما جاءت به أنبياؤهم لأن الأحكام والشرائع تختلف بإختلاف الأشخاص والأوقات قاله السبكي أي فجميع الأنبياء وأممهم من جملة أمته صلى الله عليه وسلم فقد قال صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه والذي نفسي بيده لو أن موسى عليه الصلاة والسلام كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني
وأخرج أحمد وغيره عن عبدالله بن ثابت قال جاء عمر رضي الله تعالى عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني مررت بأخ لي من قريظة فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا فسرى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال والذي نفس محمد بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه لضللتم إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين
وفي النهر لأبي حيان إن عبدالله بن سلام أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقيم على السبت وأن يقرأمن التوراة في صلاته من الليل فلم يأذن له وكون جميع الأنبياء وأممهم من أمته صلى الله عليه وسلم فالمراد أمة الدعوة لا أمة الإجابة لأنها مخصوصة بمن آمن به بعد البعثة على ما تقدم ويأتي وبعثته صلى الله عليه وسلم رحمه حتى للكفار بتأخير العذاب عنهم ولم يعاجلوا بالعقوبة كسائر الأمم المكذبة وحتى للملائكة قال تعالى { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين }
وقد ذكر في الشفاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل هل أصابك من هذه الرحمة شيء قال نعم كنت أخشى العاقبة فآمنت لثناء الله تعالى علي في القرآن بقوله عز وجل { ذي قوة عند ذي العرش مكين }
قال الجلال السيوطي إن هذا الحديث لم نقف له على إسناد فهو صلى الله عليه وسلم أفضل ما سائر المرسلين وجميع الملائكة المقربين وفي لفظ آخر فضلت على الأنبياء بست لم يعطهن أحد كان قبلي غفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر وأحلت لي الغنائم وجعلت أمتي خير الأمم وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأعطيت الكوثر ونصرت بالرعب والذي نفسي بيده إن صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة تحته آدم فمن دونه وفي رواية فما من أحد إلا وهو تحت لوائي يوم القيامة ينتظر الفرج وإن معي لواء الحمد أنا أمشي ويمشي الناس معي حتى آتى باب الجنة الحديث
أقول قد سئلت عما حكاه الجلال السيوطي أنه ورد إلى مصر نصراني من الفرنج وقال لي شبهة إن أزلتموها أسلمت فعقد له مجلس بدار الحديث الكاملية ورأس العلماء إذ ذاك الشيخ عز الدين بن عبدالسلام فقال له النصراني والناس يسمعون أي أفضل عندكم المتفق عليه أو المختلف فيه فقال له الشيخ عز الدين المتفق عليه فقال له النصراني قد اتفقنا نحن وأنتم على نبوة عيسى واختلفنا في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فيلزم أن يكون عيسى أفضل من محمد فأطرق الشيخ عز الدين ساكتا من أول النهار إلى الظهر حتى أرتج المجلس واضطرب أهله ثم رفع الشيخ رأسه وقال عيسى قال لبني إسرائيل { ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد } فيلزمك أن تتبعه فيما قال وتؤمن بأحمد الذي بشر به فأقام الحجة على النصراني وأسلم بأنه كيف أقام الحجة على كون محمد صلى الله عليه وسلم أفضل من عيسى إذ غاية ما ذكر أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجبت بأنه حيث ثبت أن محمدا رسول الله وجب الإيمان به وبما جاء به ومما جاء به وأخبر به أنه أفضل من جميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
وقد سئل أبو الحسن الحمال بالحاء المهملة من فقهائنا معاشر الشافعية محمد وموسى أيهما أفضل فقال محمد فقيل له ما الدليل على ذلك فقال إنه تعالى أدخل بينه وبين موسى لام الملك فقال تعالى { واصطنعتك لنفسي } وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم { إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله } فقرق بين من أقام بوصفه وبين من أقامه مقام نفسه والله أعلم
وفي رواية إذا كان يوم القيامة كان لي لواء الحمد وكنت إمام المرسلين وصاحب شفاعتهم وفي لفظ ألا وأنا حبيب الله ولا فخر وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر وأنا أول شافع وأنا أول مشفع يوم القيامة ولا فخر وأنا أول من يحرك حلق الجنة أي حلق بابها فيفتح الله لي فأدخلها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر أي وفي رواية آتى باب الجنة يوم القيامة فأستفتح أي بتحريك حلقة الباب أوقرعه بها لا بصوت فيقول الخازن أي وهو رضوان من أنت فأقول محمد وفي رواية أنا محمد فيقول بك أمرت لا أفتح وفي رواية أن لا أفتح لأحد قبلك زاد في رواية ولا أقوم لأحد بعدك لأفتح له فمن خصائصه صلى
الله عليه وسلم أن رضوان لايفتح إلا له ولا يفتح لغيره من الأنبياء وغيرهم وإنما يتولى ذلك غيره من الخزنة وهي خصوصية عظيمة نبه عليها القطب الخضري وكون الفاتح له صلى الله عليه وسلم الخازن لا ينافى ما قبله من كون الفاتح له الحق سبحانه وتعالى لما علم أن الخازن إنما فتح بأمر الله فهو الفاتح الحقيقي
وفي رواية أنا أول من يفتح له باب الجنة ولا فخر فآتى فآخذ بحلقة الجنة فيقال من هذا فأقول محمد فيفتح لي فيستقبلني الجبار جل جلاله فأخر له ساجدا أي فالكلام في يوم القيامة فلا يرد إدريس بناء على أن دخوله الجنة مترتب على فتح الباب غالبا لأن ذلك قبل يوم القيامة وفي يوم القيامة يخرج إلى الموقف فيكون مع أمته للحساب ولا ينافيه ماجاء أول من يقرع باب الجنة بلال من حمامة على تقدير صحته لأنه يجوز أن يكون يقرع الباب الأصلي لا حلقه أو الأول من الأمة والله أعلم
وفي الأوسط للطبراني بإسناد حسن حرمت الجنة على الأنبياء حتى أدخلها وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي وسيأتي أن هذا من جملة ما أوحى إليه المعراج الذي أشار إليه قوله تعالى { فأوحى إلى عبده ما أوحى } ولعل هذا هو المراد مما جاء في المرفوع عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حرمت الجنة على جميع الأمم حتى أدخلها أنا وأمتي وأن ظاهرها من أنه لا يدخلها أحد من الأنبياء إلا بعد دخول هذه الأمة ليس مرادا
وفي هاتين الروايتين منقبة عظيمة لهذه الأمة المحمدية وهي أنه لا يدخل أحد الجنة من الأمم السابقة ولو من صلحائها وعلمائها وزهادها حتى يدخل من كان يعذب في النار من عصاة هذه الأمة بناء على أنه لابد من تعذيب طائفة من هذه الأمة في النار ولا بعد في ذلك لأنه تقدم أن أول من يحاسب من الأمم هذه الأمة فيجوز أن الأمم لا يفرغ حسابهم ولا يأتون إلى باب الجنة إلا وقد خرج من كان يعذب من هذه الأمة في النار ودخل الجنة
وجاء إنه يدخلها قبله من أمته سبعون ألفا مع كل واحد سبعون ألفا لا حساب عليهم وذلك معارض لقوله صلى الله عليه وسلم أنا أول من يدخل الجنة إلا أن يقال أول من يدخل الجنة من الباب وهؤلاء السبعون ألفا ورد أنهم يدخلون من أعلى حائط الجنة فلا معارضة
ولا يعارض ذلك ما جاء أول من يدخل الجنة أبو بكر لأن المراد أول من يدخلها من رجال هذه الأمة غير الموالي
ولا يعارض ذلك ما تقدم عن بلال رضي الله تعالى عنه أنه أول من يقرع باب الجنة لأنه لا يلزم من القرع الدخول وعلى تسليم أن القرع كناية عن الدخول فالمراد من الموالي
ولا يعارض ذلك أيضا ما جاء أول من يدخل الجنة بنتى فاطمة كما لا يخفى لأن المراد أول من يدخلها من نساء هذه الأمة فالأولية إضافية
وجاء لأشفعن يوم القيامة لأكثر مما في الأرض من حجر وشجر وعن أنس رض الله تعالى عنه فضلت على الناس بأربع بالسخاء والشجاعة وقوة البطش وكثرة الجماع أي فعن سلمى مولاته صلى الله عليه وسلم أنها قالت طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على نسائه التسع ليلته وتطهر من كل واحدة قبل أن يأتي الأخرى وقال هذا أطهر وأطيب
ومما يدل على قوة بطشه صلى الله عليه وسلم ما وقع له مع ركانة كما سيأتي وفي الخصائص الصغرى وكان أفرس العالمين فهو صلى الله عليه وسلم أجود بني آدم على الإطلاق كما أنه أفضلهم وأشجعهم وأعلمهم وأكملهم في جميع الأخلاق الجميلة والأوصاف الحميدة
قال ابن عبدالسلام من خصائصه صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أخبره بالمغفرة أي لما تقدم وتأخر ولم ينقل أنه أخبر أحدا من الأنبياء بمثل ذلك أي ولأنه لو وقع لنقل لأنه مما تتوفر الدواعي على نقله بل ومما اختص به صلى الله عليه وسلم وقوع غفران نفس الذنب المتقدم والمتأخر كما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم في بيان ما اختص به عن الأنبياء وغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر أي ولا ينافى ذلك قوله تعالى في حق داود { فغفرنا له ذلك } لأنه غفران لذنب واحد قال ابن عبد السلام بل الظاهر أنه لم يخبرهم أي بغفران ذنوبهم بدليل قولهم في الموقف نفسي نفسي لأني إلى آخره وعن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سمع بي من يهودي أو نصراني ثم لم يسلم دخل النار أي لأنه يجب عليه أن يؤمن به
أقول والذي في مسلم والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي
أو نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار أي من سمع بنبينا صلى الله عليه وسلم ممن هو موجود في زمنه وبعده إلى يوم القيامة ثم مات غير مؤمن بما أرسل به كان من أصحاب النار أي ومن جملة ما أرسل به أنه أرسل إلى الخلق كافة لا لخصوص العرب تأمل وإنما خص اليهود والنصارى بالذكر تنبيها على غيرها لأنه إذا كان حالهما ذلك مع أن لهم كتابا فغيرهم مما لا كتاب له كالمجوسي أولى لأن اليهود كتابهم التوراة والنصارى كتابهم الإنجيل لأن شريعة التوراة التي هي شريعة موسى يقال لها اليهودية أخذا من قول موسى عليه الصلاة والسلام { إنا هدنا إليك } أي رجعنا إليك فمن كان على دين موسى يسمى يهوديا وشريعة الإنجيل يقال لها النصرانية أخذا من قول عيسى عليه الصلاة والسلام { من أنصاري إلى الله } فمن كان على دين عيسى يسمى نصرانيا وكان القياس أن يقال له أنصاري وقيل النصراني نسبة إلى ناصرة قرية من قرى الشام نزل بها عيسى عليه الصلاة والسلام كما تقدم ولا مانع من رعاية الأمرين في ذلك وجاء في رواية وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة أي والأمم السابقة كانوا يصلون متفرقين كل واحد على حدته وإن أمته صلى الله عليه وسلم حط عنها الخطأ والنسيان وحمل ما لا تطيقه الذي أشارت إليه خواتيم سورة البقرة وإن شيطانه صلى الله عليه وسلم أسلم وفي الخصائص الصغرى وأسلم قرينه ومجموع تلك الخصال سبع عشرة خصلة قال الحافظ ابن حجر ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع
وذكر أبو سعيد النيسابوري في كتابه شرف المصطفى أنه عد الذي اختص به نبينا صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء فإذا هو ستون خصلة أي ومن ذلك أي مما اختص به صلى الله عليه وسلم في أمته أن وصف الإسلام خاص بها لم يوصف به أحد من الأمم السابقة سوى الأنبياء فقط فقد شرفت هذه الأمة المحمدية بأن وصفت بالوصف الذي كان يوصف به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهو الإسلام على القول الراجح نقلا ودليلا لما قام عليه من الأدلة الساطعة قاله الجلال السيوطي رحمه الله
& باب بدء الوحي له صلى الله عليه وسلم
عن عائشة رضي الله تعالى عنها أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة حين أراد الله تعالى كرامته ورحمة العباد به الرؤيا الصالحة لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق أي وفي لفظ كفرق الصبح أي كضيائه وإثارته فلا يشك فيها أحد كما لا يشك أحد في وضوح ضياء الصبح ونوره وفي لفظ فكان لا يرى شيئا في المنام إلا كان أي وجد في اليقظة كما رأى فالمراد بالصالحة الصادقة وقد جاءت في رواية البخاري في التفسير أي ولا يخفى أن رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم كلها صادقة وإن كانت شاقة كما في رؤياه يوم أحد
قال القاضي وغيره وإنما ابتدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرؤيا لئلا يفجأه الملك الذي هو جبريل عليه الصلاة والسلام بالنبوة أي الرسالة فلا تتحملها القوى البشرية أي لأن القوى البشرية لا تتحمل رؤية الملك وإن لم يكن على صورته التي خلقه الله عليها ولا على سماع صوته ولا على ما يخبر به لا سيما الرسالة فكانت الرؤيا تأنيسا له صلى الله عليه وسلم والمراد بالملك جبريل لكن ذكر بعضهم أن من لطف الله تعالى بنا عدم رؤيتنا للملائكة أي على الصورة التي خلقوا عليها لأنهم خلقوا على أحسن صورة فلو كنا نراهم لطارت أعيننا وأرواحنا لحسن صورهم
وعن علقمة بن قيس أول ما يؤتى به الأنبياء في المنام أي ما يكون في المنام حتى تهدأ قلوبهم ثم ينزل الوحي اه أي في اليقظة لأن رؤيا الأنيباء وحي وصدق وحق لا أضغاث أحلام ولا تخيل من الشيطان إذ لا سبيل له عليهم لأن قلوبهم نورانية فما يرونه في المنام له حكم اليقظة فجميع ما ينطبع في عالم مثالهم لا يكون إلا حقا ومن ثم جاء نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا
قول وحينئذ يكون في القول بأن من خصوصياته صلى الله عليه وسلم اجتماع أنواع الوحي الثلاثة له وعد منها الرؤيا في المنام وعد منها الكلام من غير واسطة وبواسطة جبريل نظر لما علمت أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جميعهم مشتركون في الرؤيا وموسى عليه الصلاة والسلام حصل له كل من الكلام بلا واسطة وبواسطة جبريل
وذكر بعضهم أن مدة الرؤيا ستة أشهر قال فيكون ابتداء الرؤيا حصل في شهر ربيع الأول وهو مولده صلى الله عليه وسلم ثم أوحى الله إليه في اليقظة أي في رمضان ذكره البيهقي وغيره
وجاء في الحديث الرؤيا الصادقة وفي البخاري الرؤيا الحسنة أي الصادقة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة قال بعضهم معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بعث أقام بمكة ثلاث عشرة سنة وبالمدينة عشر سنين يوحى إليه ومدة الوحي إليه في اليقظة ثلاث وعشرون سنة ومدة الوحي إليه في المنام أي التي هي الرؤيا ستة أشهر فالمراد خصوص رؤيته وخصوص نبوته صلى الله عليه وسلم وهذا القيل نقله في الهدى وأقره حيث قال كانت الرؤيا ستة أشهر ومدة النبوة ثلاثا وعشرين سنة فهذه الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا هذا كلامه وحينئذ يكون المعنى ورؤيتي جزء من ستة وأربعين جزءا من نبوتي ولا يخفى أن هذا لا يناسب الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح إذ هو يقتضى أن مطلق الرؤيا الصالحة جزء من مطلق النبوة الشامل لنبوته صلى الله عليه وسلم ونبوة غيره فليتأمل ولم أقف في كلام أحد على مشاركة أحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام له صلى الله عليه وسلم في هاتين المدتين وحينئذ تحمل الخصوصية التي ادعاها بعضهم على هذا
ومما يدل على أن المراد مطلق الرؤيا ومطلق النبوة لا خصوص رؤياه ونبوته صلى الله عليه وسلم ما جاء في ذلك من الألفاظ التي بلغت خمسة عشر لفظا
ففي رواية أنها جزء من سبعين جزءا وفي رواية من أربعة وأربعين وفي رواية أنها جزء من خمسين جزءا من النبوة وفي رواية من تسعة وأربعين وفي أخرى أنها جزء من ستة وسبعين وفي أخرى من خمسة وعشرين جزءا وفي أخرى من ستة وعشرين جزءا وفي أخرى من أربعة وعشرين جزءا فإن ذلك بإعتبار الأشخاص لتفاوت مراتبهم في الرؤيا
وذكر الحافظ أبن حجر أن أصح الروايات مطلقا رواية ستة وأربعين ويليها رواية أنها جزء من سبعين جزءا
فعلم أن الرؤية المذكورة جزءمن مطلق النبوة أي كجزء منها من جهة الإطلاع على بعض الغيب فلا ينافى انقطاع النبوة بموته صلى الله عليه وسلم
ومن ثم جاء ذهبت النبوة أي لا توجد بعدي وبقيت المبشرات أي المرائى
التي كانت مبشرات الأنبياء بالنبوة بدليل ما في رواية لم يبق بعدي من المبشرات أي مبشرات النبوة إلا الرؤيا أي مجرد الرؤيا الخالية عن شي من مبشرات النبوة بدليل ما في لفظ لم يبق إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أي لنفسه أو ترى له
لا يقال الرؤيا الصادقة تكون من الكافر أو ترى له وهو خارج بالرجل الصالح وبالمسلم لأنا نقول لو فرض وقوع ذلك كان استدراجا وفيه أنها واقعة وظاهر سياق الحديث الحصر وكما تكون الرؤيا مبشرة بخير عاجل أو آجل تكون منذرة بشر كذلك قال بعضهم وقد تطلق البشارة التي هي الخبر السار على ما يشمل النذارة التي هي الخبر الضار بعموم المجاز بأن يراد بالبشارة ما يعود إلى الخير لأن النذارة ربما قادت إلى الخير
وفي الإتقان ومن المجاز تسمية الشيء بإسم ضده نحو { فبشرهم بعذاب أليم } اه أي وهي في هذه الآية للتهكم
وجاء رجل أي وهو أبو قتادة الأنصاري إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني أرى في المنام الرؤيا تمرضني فقال له النبي صلى الله عليه وسلم الرؤيا الحسنة من الله والسيئة من الشيطان فإذا رأيت الرؤيا تكرهها فاستعذ بالله من الشيطان واتفل عن يسارك ثلاث مرات فإنها لا تضرك أي وحكمة التفل احتقار الشيطان واستقذاره
وفي رواية إذا رأى أحدكم ما يكره فليعذ بالله من شرها ومن الشيطان كأن يقول أعوذ بالله من شر ما رأيت ومن شر الشيطان وليتفل ثلاثا ولا يحدث بها أحدا فإنها لا تضره زاد في رواية وأن يتحول عن جنبه الذي كان عليه زاد في أخرى وليقم فليصل أي ليكون فعل ذلك سببا للسلامة من المكروه الذي رآه
وفي البخاري إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها فإنما هي من الله فليحمد الله عليها وليتحدث بها أي ولا يخبر بها إلا من يحب وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من الشيطان أي لا حقيقة لها وإنما هي تخيل يقصد به تخويف الإنسان والتهويل عليه فليستعذ بالله من شرها ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره وفي الأذكار ثم ليقل اللهم إني أعوذ بك من عمل الشيطان وسيئات الأحلام وفي الحديث الرؤيا من الله والحلم من الشيطان
قيل في معناه لأن صاحب الرؤيا يرى الشيء على ما هو عليه بخلاف صاحب الحلم
فإنه يراه على خلاف ماهو عليه فإن الحلم مأخوذ من حلم الجلد إذا فسد والرؤيا قيل إنها أمثلة يدركها الرائي بجزء من القلب لم تستول عليه آفة النوم وإذا ذهب النوم عن أكثر القلب كانت الرؤيا أصفى وذكر الفخر الرازي أن الرؤيا الرديئة يظهر تعبيرها أي أثرها عن قرب والرؤيا الجيدة إنما يظهر تعبيرها بعد حين
والسبب فيه أن حكمة الله تعالى تقتضى أن لا يحصل الإعلام بوصول الشر إلا عند قرب وصوله حتى يكون الحزن والغم أقل
وأما الإعلام بالخير فإن يحصل متقدما على ظهوره بزمان طويل حتى تكون البهجة الحاصلة بسبب توقع حصول ذلك الخير أكثر وهذا جرى على ما هو الغالب وإلا فقد قيل لجعفر الصادق كم تتأخر الرؤيا فقال رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه كأن كلبا أبقع يلغ في دمه فكان أي ذلك الكلب الأبقع شمرا قاتل الحسين وكان أبرص فكان تأخير الرؤيا بعد خمسين سنة
وجاء عن عمرو بن شرحبيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة إذا خلوت سمعت نداء أن يا محمد يا محمد وفي رواية أرى نورا أي يقظة لا مناما وأسمع صوتا وقد خشيت أن يكون والله لهذا أمر وفي رواية والله ما أبغضت بغض هذه الأصنام شيئا قط ولا الكهان وإني لأخشى أن أكون كاهنا أي فيكون الذي يناديني تابعا من الجن لأن الأصنام كانت الجن تدخل فيها وتخاطب سدنتها والكاهن يأتيه الجني بخبر السماء وفي رواية وأخشى أن يكون بي جنون أي لمة من الجن فقالت كلا يا بن عم ماكان الله ليفعل ذلك بك فوالله إنك لتؤدي الأمانة وتصل الرحم وتصدق الحديث وفي رواية إن خلقك لكريم أي فلا يكون للشيطان عليك سبيل استدلت رضي الله تعالى عنها بما فيه من الصفات العلية والأخلاق السنية على أنه لا يفعل به إلا خيرا لأن من كان كذلك لا يجزي إلا خيرا
ونقل الماوردي عن الشعبي أن الله قرن إسرافيل عليه السلام بنبيه ثلاث سنين يسمع حسه ولا يرى شخصه يعلمه الشيء بعد الشيء ولا يذكر له القرآن فكان في هذه المدة مبشرا بالنبوة وأمهله هذه المدة ليتأهب لوحيه
وفيه أنه لو كان في تلك المدة مبشرا بالنبوة ما قال لخديجة ما تقدم إلا أن يقال ما تقدم إنما قاله لخديجة في أول الأمر ويدل لذلك ما قيل إنه صلى الله عليه وسلم مكث
خمس عشرة سنة يسمع الصوت أحيانا ولا يرى شخصا وسبع سنين يرى نورا ولم ير شيئا غير ذلك وإن المدة التي بشر فيها بالنبوة كانت ستة أشهر من تلك المدة التي هي إثنان وعشرون سنة وهذا الشي الذي كان يعلمه له إسرافيل لم أقف على ما هو والله أعلم
وبعد ذلك حبب الله إليه صلى الله عليه وسلم الخلوة التي يكون بها فراغ القلب والإنقطاع عن الخلق فهي تفرغ القلب عن أشغال الدنيا لدوام ذكر الله تعالى فيصفوا وتشرق عليه أنوار المعرفة فلم يكن شيء أحب إليه من أن يخلو وحده وكان يخلو بغار حراء بالمد والقصر وهذا الجبل هو الذي نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله إلى يا رسول الله لما قال له ثبير وهو على ظهره أهبط عني فإني أخاف أن تقتل على ظهري فأعذب فكان صلى الله عليه وسلم يتحنث أي يتعبد به أي بغار حراء الليالي ذوات العدد ويروى أولات العدد أي مع أيامها وإنما غلب الليالي لأنها أنسب بالخلوة قال بعضهم وأبهم العدد لإختلافه بالنسبة إلى المدد فتارة كان ثلاث ليال وتارة سبع ليال وتارة شهر رمضان أو غيره
وفي كلام بعضهم ما قد يدل على أنه لم يختل صلى الله عليه وسلم أقل من شهر وحينئذ يكون قوله في الحديث الليالي ذوات العدد محمول على القدر الذي كان يتزود له فإذا فرغ زاده رجع إلى مكة وتزود إلى غيرها إلى أن يتم الشهر وكذا قول بعضهم فتارة كان ثلاث ليال وتارة سبع ليال وتارة شهرا ولم يصح أنه صلى الله عليه وسلم اختلى أكثر من شهر قال السراج البلقيني في شرح البخاري لم يجىء في الأحاديث التي وقفنا عليها كيفية تعبده عليه الصلاة والسلام هذا كلامه وسيأتي بيان ذلك قريبا
ثم إذا مكث صلى الله عليه وسلم تلك الليالي أي وقد فرغ زاده يرجع إلى خديجة رضي الله تعالى عنها فيتزود لمثلها أي قيل وكانت زوادته صلى الله عليه وسلم الكعك والزيت وفيه أن الكعك والزيت يبقى المدة الطويلة فيمكث جميع الشهر الذي يختلي فيه ثم رأيت عن الحافظ ابن حجر مدة الخلوة كانت شهرا فكان يتزود لبعض ليالي الشهر فإذا نفد ذلك الزاد رجع إلى أهله يتزود قدر ذلك ولم يكونوا في سعة بالغة من العيش وكان غالب أدمهم اللبن واللحم وذلك لا يدخر منه لغاية شهر لئلا يسرع الفساد إليه ولا سيما وقد وصف بأنه صلى الله عليه وسلم كان يطعم من يرد عليه هذا كلامه وهو يشير فيه إلى ثلاثة أجوبه
==================ج4.================
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب:السيرة الحلبية في سيرة الأمين المأمون
المؤلف:علي بن برهان الدين الحلبي
الأول أنه لم يكن في سعة بحيث يدخر ما يكفيه شهرا من الكعك والزيت
الثاني أن غالب أدمهم كان اللحم واللبن وهو لا يدخر شهرا
الثالث أنه على فرض أن يدخر ما يكفيه شهرا أي من الكعك والزيت إلا أنه صلى الله عليه وسلم كان يطعم فربما نفد ما ادخره
وإنما اختار الزيت للأدم لأن دسومته لا ينفر منها الطبع بخلاف اللبن واللحم ومن ثم جاء ائتدموا بالزيت وادهنوا به فإنه يخرج من شجرة مباركة وقوله ائتدموا من هذه الشجرة المباركة أي من عصارة ثمرة هذه الشجرة المباركة التي هي الزيتونة وهو الزيت وقيل لها مباركة لأنها لا تكاد تنبت إلا في شريف البقاع التي بورك فيها كأرض بيت المقدس حتى فجأه الحق وهو في غار حراء أي في اليوم والشهر المتقدم ذكره
وعن عبيد بن عمير رضي الله تعالى عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في حراء في كل سنة شهرا وكان ذلك مما تتحنث فيه قريش في الجاهلية أي المتألهين منهم أي وكان أول من تحنث فيه من قريش جده صلى الله عليه وسلم عبدالمطلب فقد قال ابن الأثير أول من تحنث بحراء عبدالمطلب كان إذا دخل شهر رمضان صعد حراء وأطعم المساكين ثم تبعه على ذلك من كان يتأله أي يتعبد كورقة بن نوفل وأبي أمية ابن المغيرة وقد أشار إلى تعبده صلى الله عليه وسلم صاحب الهمزية بقوله ** ألف النسك والعبادة والخل ** وة طفلا وهكذا النجباء ** ** وإذا حلت الهداية قلبا ** نشطت في العبادة الأعضاء **
أي ألف صلى الله عليه وسلم العبادة والخلوة في حال كونه طفلا ومثل هذا الشأن العلي شأن الكرام وإنما كان هذا شأن الكرام لأنه إذا حلت الهداية قلبا نشطت الأعضاء في العبادة لأن القلب رئيس البدن المعول عليه في صلاحه وفساده ولعل الخلوة في كلام صاحب الهمزية المراد بها مطلق اعتزاله للناس وأراد بطفلا زمن رضاعه صلى الله عليه وسلم عند حليمة
فقد تقدم عنها رضي الله تعالى عنها أنها قالت لما ترعرع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى الصبيان وهم يلعبون فيتجنبهم لا خصوص اعتزاله الناس في غار حراء فلا ينافى قوله طفلا ظاهر ما تقدم من أن خلوته صلى الله عليه وسلم بغار حراء كانت في زمن
تزوجه صلى الله عليه وسلم بخديجة رضي الله تعالى عنها فكان صلى الله عليه وسلم يجاور ذلك الشهر يطعم من جاءه من المساكين أي لأنه كان من نسك قريش في الجاهلية أي في ذلك المحل أن يطعم الرجل من جاءه من المساكين
وقد قيل إن هذا كان تعبده في غار حراء أي مع الإنقطاع عن الناس وإلا فمجرد إطعام المساكين لا يختص بذلك المحل إلا إن كان ذلك المحل صار في ذلك الشهر مقصودا للمساكين دون غيره
وقيل كان تعبده صلى الله عليه وسلم التفكر مع الإنقطاع عن الناس أي لا سيما إن كانوا على باطل لأن في الخلوة يخشع القلب وينسى المألوف من مخالطة أبناء الجنس المؤثرة في البنية البشرية ومن ثم قيل الخلوة صفوة الصفوة
وقول بعضهم كان يتعبد بالتفكر أي مع الإنقطاع عما ذكرنا وإلا فمجرد التفكر لا يختص بذلك المحل إلا أن يدعى أن التفكر فيه أتم من التفكر في غيره لعدم وجود شاغل به وقيل تعبده صلى الله عليه وسلم كان بالذكر وصححه في سفر السعادة وقيل بغير ذلك
ومن ذلك الغير أنه كان يتعبد قبل النبوة بشرع إبراهيم وقيل بشريعة موسى غير ما نسخ منها في شرعنا وقيل بكل ما صح أنه شريعة لمن قبله غير ما نسخ من ذلك في شرعنا
وفي كلام الشيخ محيى الدين بن العربي تعبد صلى الله عليه وسلم قبل نبوته بشريعة إبراهيم حتى فجأه الوحي وجاءته الرسالة فالولي الكامل يجب عليه متابعة العمل بالشريعة المطهرة حتى يفتح الله له في قلبه عين الفهم عنه فيلهم معاني القرآن ويكون من المحدثين بفتح الدال ثم يصير إلى إرشاد الخلق وكان صلى الله عليه وسلم إذا قضى جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف قبل أن يدخل بيته الكعبة فيطوف بها سبعا أو ماشاء الله تعالى ثم يرجع إلى بيته حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله تعالى به ما أراد من كرامته صلى الله عليه وسلم وذلك شهر رمضان وقيل شهر ربيع الأول وقيل شهر رجب خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حراء كما كان يخرج لجواره ومعه أهله أي عياله التي هي خديجة رضي الله تعالى عنها إما مع أولادها أو بدونهم حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله تعالى فيها برسالته ورحم العباد بها وتلك الليلة ليلة سبع عشرة من ذلك الشهر وقيل رابع عشريه وقيل كان ذلك ليلة ثمان من ربيع الأول أي وقيل ليلة ثالثة
قال بعضهم القول بأنه في ربيع الأول يوافق القول بأنه بعث على رأس الأربعين لأن مولده صلى الله عليه وسلم كان في ربيع الأول على الصحيح أي وهو قول الأكثرين وقيل كان ذلك ليلة أو يوم السابع والعشرين من رجب
فقد أورد الحافظ الدمياطي في سيرته عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال من صام يوم سبع وعشرين من رجب كتب الله تعالى له صيام ستين شهرا وهو اليوم الذي نزل فيه جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة وأول يوم هبط فيه جبريل هذا كلامه أي أول يوم هبط فيه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يهبط عليه قبل ذلك وسيأتي في بعض الروايات أن جبريل عليه السلام نزل في سحر تلك الليلة التي هي ليلة الإثنين ويجوز أن يكون كل من تلك الليالي كانت ليلة الإثنين فقد جاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لبلال لا يفوتك صوم يوم الإثنين لأني ولدت فيه ونبئت فيه فلا مخالفة بين كونه نبىء في الليل وبين كونه نبيء في اليوم لأن السحر قد يلحق بالليل
وفي كلام بعضهم أتاه صلى الله عليه وسلم جبريل ليلة السبت وليلة الأحد ثم ظهر له بالرسالة يوم الإثنين لسبع عشرة خلت من رمضان في حراء فجاء بأمر الله تعالى وهذا القول أي أن البعث كان في رمضان قال به جماعة منهم الإمام الصرصري حيث قال ** وأتت عليه أربعون فأشرقت ** شمس النبوة منه في رمضان **
واحتجوا بأن أول ما أكرمه الله تعالى بنبوته أنزل عليه القرآن وأجيب بأن المراد بنزول القرآن في رمضان نزوله جملة واحدة في ليلة القدر إلى بيت العزة في سماء الدنيا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءني وأنا نائم بنمط وهو ضرب من البسط وفي رواية جاءني وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب أي كتابة فقال اقرأ فقلت ما أقرأ أي أنا أمي لا أحسن القراءة أي قراءة المكتوب أو مطلقا فغطني أو فغتني بالتاء بدل من الطاء به أي غمني بذلك النمط بأن جعله على فمه وأنفه قال حتى ظننت أنه الموت ثم أرسلني فقال اقرأ أي من غير هذا المكتوب فقلت ماذا أقرأ وما أقول ذلك إلا افتداء منه أي تخلصا منه أن يعود لي بمثل ما صنع أي إنما استفهمت عما أقرؤه ولم أنف خوفا أن يعود لي بمثل ما صنع عند النفي أي وفي رواية فقلت والله ما قرأت
شيئا قط وما أدري شيئا أقرؤه أي لأني ما قرأت شيئا فهو من عطف السبب على المسبب قال { اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم } فقرأتها فانصرف عني وهببت أي استيقظت من نومي فكأنما كتب في قلبي كتابا
أقول أي أستقر ذلك في قلبي وحفظته ثم لا يخفى أن كلام هذا البعض وهو أنه جاءه ليلة السبت وليلة الأحد ثم ظهر له يوم الإثنين محتمل لأن يكون أتاه بذلك النمط في ليلة السبت وليلة الأحد وسحر يوم الإثنين وهو نائم لا يقظة لقوله ثم هببت من نومي
ولا ينافي ذلك قوله ثم ظهر له بالرسالة أي أعلن له بما يكون سببا للرسالة الذي هو اقرأ الحاصل في اليقظة وحينئذ يكون تكرر مجيئه هو السبب في إستقرار ذلك في قلبه صلى الله عليه وسلم وحينئذ لا يبعده قوله في الليلة الثانية ما قرأت شيئا لأن المراد لم يتقدم لي قراءة قبل مجيئك إلى ولا يبعده أيضا قوله ما أدري ما أقرأ لأنه لم يستقر ذلك في قلبه لما علمت أن سبب الإستقرار التكرر فلم يستقر ذلك في قلبه صلى الله عليه وسلم في الليلة الأولى
وفي سيرة الشامي أن مجىء جبريل عليه السلام له صلى الله عليه وسلم بالنمط لم يتكرر وأنه كان قبل دخوله صلى الله عليه وسلم غار حراء وهذا السياق يدل على أنه كان بعده
وفي سفر السعادة ما يقتضى أنه جاء بالنمط يقظة في حرا ونصه فبينما هو في بعض الأيام قائم على جبل حرا إذ ظهر له شخص وقال أبشر يا محمد أنا جبريل وأنت رسول الله لهذه الأمة ثم أخرج له قطعة نمط من حرير مرصعة بالجواهر ووضعها في يده وقال اقرأ قال والله ما أنا بقارئ ولا أدري في هذه الرسالة كتابة أي لا أعلم ولا أعرف المكتوب فيها قال فضمني إليه وغطني حتى بلغ مني الجهد فعل ذلك بي ثلاثا وهو يأمرني بالقراءة ثم قال اقرأ باسم ربك هذا كلامه فليتأمل والله أعلم قال فخرجت أي من الغار أي وذلك قبل مجىء جبريل إليه صلى الله عليه وسلم باقرأ خلافا لما يقتضيه السياق حتى إذا كنت في شط من الجبل أي في جانب منه سمعت صوتا من السماء يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل فوقفت أنظر إليه فإذا جبريل على
صورة رجل صاف قدميه أي وفي رواية واضعا إحدى رجليه على الأخرى في أفق السماء أي نواحيها يقول يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي فبلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني ذلك ثم انصرف عني وأنصرفت راجعا إلى أهلي حتى أتيت خديجة أي في الغار فجلست إلى فخذها مضيفا إليها أي مستندا إليها فقال يا أبا القاسم أين كنت فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك فبلغوا مكة ورجعوا إلي
أقول وهذا يدل على أن خديجة رضي الله تعالى عنها كانت معه بغار حرا وهو الموافق لما تقدم من قوله ومعه أهله أي خديجة رضي الله تعالى عنها على ما تقدم
وقد يخالف ذلك ما روى أن خديجة رضي الله تعالى عنها صنعت طعاما ثم أرسلته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تجده بحراء فأرسلت في طلبه إلى بيت أعمامه وأخواله فلم تجده فشق ذلك عليها فبينما هي كذلك إذا أتاها فحدثها بما رأى وسمع فإن هذا يدل على أنها لم تكن معه صلى الله عليه وسلم بحرا
وقد يقال يجوز أن تكون خرجت معه أولا وأرسلت رسلها إليه صلى الله عليه وسلم وهي بحرا فلم تجده وأن الرسل أخطئوا محل وقوفه صلى الله عليه وسلم بالجبل الذي هو حرا ثم رجعت إلى مكة وأرسلت رسلها إليه صلى الله عليه وسلم بحراء لإحتمال عوده إليه ثم أرسلت إلى بيت أعمامه وأخواله لما لم تجده صلى الله عليه وسلم بحراء فإرسالها تكرر مرتين مع إختلاف محلها ويكون قوله وانصرفت راجعا إلى أهلي أي بمكة لا بحراء لأنه يجوز أن يكون بلغه رجوع خديجة رضي الله تعالى عنها إلى مكة
هذا على مقتضى الجمع وأما على ظاهر الرواية الأولى يكون رجوعه إلى أهله بحراء كما ذكرنا وهويدل على أن خروجه صلى الله عليه وسلم إلى شط الجبل كان من غار حراء كما ذكرنا لا من مكة الذي يدل عليه قول الشمس الشامي فخرج مرة أخرى إلى حراء قال فخرجت حتى أتيت الشط من الجبل سمعت صوتا إلى آخره فليتأمل والله أعلم
قال ثم حدثتها بالذي رأيت أي من سماع الصوت ورؤية جبريل وقوله له
يا محمد أنت رسول الله فقالت أبشر يا بن عمي واثبت فوالذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة ثم قامت فجمعت عليها ثيابها أي التي تتجمل بها عند الخروج
ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل فأخبرته بما أخبرها به رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه رأى وسمع أي رأى جبريل وسمع منه أنت رسول الله وأنا جيريل فقال ورقة قدوس قدوس بالضم والفتح والذي نفسي بيده لئن كنت صدقت يا خديجة لقد جاءه الناموس الأكبر الذي يأتي موسى الذي هو جبريل وإنه لنبي هذه الأمة فقولي له يثبت والقدوس الطاهر المنزه عن العيوب وهذا يقال للتعجب أي وجاء بدل قدوس سبوح سبوح وما لجبريل يذكر في هذه الأرض التي تعبد فيها الأوثان جبريل أمين الله بينه وبين رسله أي لأن هذا الإسم لم يكن معروفا بمكة ولا غيرها من بلاد العرب فرجعت خديجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقول ورقة بن نوفل فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم جواره وانصرف أي فرغ ما تزوده وليس المراد انقضاء جواره بانقضاء الشهر لأن ذلك كان قبل أن يجئ إليه جبريل باقرأ باسم ربك يقظة كما تقدم أي وذلك كان في الشهر الذي أكرمه الله فيه برسالته
فعند ذلك صنع كما كان يصنع بدأ بالكعبة فطاف بها فلقيه ورقة بن نوفل وهو يطوف بالكعبة فقال له يا ابن أخي أخبرني بما رأيت وسمعت فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ورقة والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى ولتكذبنه ولتؤذينه و لتقاتلنه ولتخرجنه بهاء السكت ولا تكون إلا ساكنة ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرا يعلمه ثم أدنى ورقة رأسه صلى الله عليه وسلم منه وقبل يأفوخه أي وسط رأسه لأن اليأفوخ بالهمزة وسط الراس إذا استد وقيل استداده كما في رأس الطفل يقال له الفادية بالفاء ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله أي ولا مانع من تكرار مراجعة ورقة فتارة قال قدوس قدوس وتارة قال سبوح سبوح أو جمع بين ذلك في وقت واحد وبعض الرواة اقتصر على أحد اللفظين وقد جاء أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه دخل على خديجة أي وليس عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له يا عتيق إذهب بمحمد صلى الله عليه وسلم إلى ورقة أي بعد أن أخبرته بما
أخبرها به رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سيذكر فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ أبو بكر بيده فقال انطلق بنا إلى ورقة وذهب به إلى ورقة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي يا محمد يا محمد فانطلق هاربا إلى الأرض فقال له لا تفعل إذا أتاك فاثبت حتى تسمع ما يقول ثم ائتني أي وهذا قبل أن يراه ويجتمع به ويجئ إليه بالقرآن وحينئذ يكون تكرر سؤال ورقة ثلاث مرات الأولى علي يد أبي بكر رضي الله تعالى عنه وذلك قبل أن يرى جبريل والثانية التي رأى فيها جبريل وسمع منه ولم يجتمع به وذلك عند إجتماعه صلى الله عليه وسلم به في المطاف والثالثة التي بعد مجئ جبريل له يقظة بالقرآن أي باقرأ باسم ربك على المشهور من أنه أول ما نزل وذلك على يد خديجة ولاينافى ذلك ما ذكره الحافظ ابن حجر كما سيأتي أن القصة واحدة لم تتعدد ومخرجها متحد لأن مراده قصة مجئ جبريل له يقظة باقرأ باسم ربك وسيأتي ما فيه
وإنما قال ورقة له صلى الله عليه وسلم ياابن أخي قيل لأنه يجتمع مع عبدالله والد النبي صلى الله عليه وسلم في قصي فكان عبدالله بمثابة الأخ له أو أنه قال ذلك توقيرا له وإنما ذكر ورقة موسى دون عيسى عليهما الصلاة والسلام مع أن عيسى أقرب منه وهو على دينه لأنه كان على دين موسى ثم صار على دين عيسى عليهما الصلاة والسلام أي كان يهوديا ثم صار نصرانيا أي لأن نبوة موسى عليه الصلاة والسلام مجمع عليها أي على أنها ناسخة لما قبلها وأن شريعة عيسى عليه الصلاة والسلام قيل إنها متممة ومقررة لشريعة موسى عليه الصلاة والسلام لا ناسخة لها قيل ولأن ورقة كان ممن تنصر أي كما علمت والنصارى لا يقولون بنزول جبريل على عيسى عليه الصلاة والسلام أي بل كان يعلم الغيب لأنهم يقولون فيه إنه أحد الأقانيم الثلاثة اللاهوتية وذلك الأقنوم هو أقنوم الكلمة التي هي العلم حل بناسوت المسيج واتحد به فلذلك كان يعلم علم الغيب ويخبر بما في الغد
أقول وفيه أن في رواية وإنك على مثل ناموس موسى وعيسى عليهما الصلاة والسلام أي ففي بعض الروايات جمع وفي بعضها اقتصر على موسى وفي الإقتصار على موسى دون الإقتصار على عيسى ما علمت ثم رأيت أنه جاء في غير الصحيح
الإقتصار على عيسى فقال هذا الناموس الذي نزل على عيسى فهو كما جاء الجمع بينهما جاء الإقتصار على كل منهما
ولا ينافى ذلك أي مجئ جبريل لعيسى ما تقدم عن النصارى من أنهم لا يقولون بنزول جبريل على عيسى لجواز أن يكون المراد لا ينزل عليه دائما وأبدا بالوحي بل في بعض الأحيان وفي بعضها يعلم الغيب بغير واسطة ثم رأيت في فتح الباري أن عند إخبار خديجة لورقة بالقصة قال لها هذا ناموس عيسى بحسب ما هو فيه من النصرانية وعند إخبار النبي صلى الله عليه وسلم له بالقصة قال له هذا ناموس موسى للمناسبة بينهما لأن موسى أرسل بالنقمة على فرعون وقد وقعت النقمة على يد نبينا صلى الله عليه وسلم على فرعون هذه الأمة الذي هو أبو جهل هذا كلامه فليتأمل وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم قال في حق أبي جهل في يوم بدر هذا فرعون هذه الأمة والله أعلم
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها جاءه الملك سحرا أي سحر يوم الإثنين يقظة لا مناما أي بغير نمط فقال له اقرأ قال ما أنا بقارئ أي لا أوجد القراءة قال فأخذني فغطني أي ضمني وعصرني وفي لفظ فأخذ بحلقي حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ أي لا أحسن القراءة أي لا أحفظ شيئا أقرؤه فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارئ أي أي شيء أقرؤه
وفيه أنه لو كان كذلك لقال ما أقرأ أو ماذا أقرأ إلا أن يقال أطلق ذلك وأراد لازمه الذي هو الإستفهام خصوصا وقد قدمه قال فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال { اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم }
أقول فقولنا أي بغير نمط هو ظاهر الروايات ويجوز أن يكون لفظ النمط سقط في هذه الرواية كغيرها من الروايات ويؤيده اقتصار السيرة الشامية على مجيئه بالنمط وأيضا كيف الجمع بين قوله هنا ما ذكر وبين قوله هناك فكأنما كتب في قلبي كتابا وما بالعهد من قدم إلا أن يقال يجوز أن يكون صلى الله عليه وسلم حوز أن يكون جبريل يريد منه قراءة غير الذي قرأه وكتب في قلبه ولا يخفى أنه علم أن قول جبريل اقرأ أمر بالقراءة
وفيه أنه من التكليف بما لا يطاق أي في الحال أي ومن ثم ادعى بعضهم أنه لمجرد التنبيه واليقظة لما يلقى إليه
وفيه أنه لو كان كذلك لم يحسن أن يقال في جوابه ما أنا بقارئ الذي معناه لا أوجد القراءة إلا أن يقال جبريل عليه الصلاة والسلام أراد التنبيه لا الأمر وجوابه صلى الله عليه وسلم بناء على مقتضى ظاهر اللفظ
وعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم ما أنا بقارئ في المواضع الثلاثة معناه مختلف ففي الأول معناه الإخبار بعدم إيجاد القراءة والثاني معناه الإخبار بأنه لا يحسن شيئا يقرؤه وإن كان ذلك هو مستند الأول والثالث معناه الإستفهام عن أي شيء أن يقرؤه وفيه ماعلمت
وبعضهم جعل قوله الأول لا أقرأ لا أحسن القراءة بدليل أنه جاء في بعض الروايات ما أحسن أن أقرأ وحينئذ يكون بمعنى الثاني فيكون تأكيدا له أي الغرض منهما شيء واحد
قال بعضهم وجه المناسة بين الخلق من العلق والتعليم وتعليم العلم أن أدنى مراتب الإنسان كونه علقة وأعلاها كونه عالما فالله سبحانه وتعالى امتن على الإنسان بنقله من أدنى المراتب وهي العلقة إلى أعلاها وهي تعلم العلم
وقد اشتملت هذه الآيات على براعة الإستهلال وهو أن يشتمل أول الكلام على ما يناسب الحال المتكلم فيه ويشير إلى ما سبق الكلام لأجله فإنها اشتملت على الأمر بالقراءة والبداءة فيها ببسم الله إلى غير ذلك مما ذكره في الإتقان قال فيه من ثم قيل إنها جديرة أن تسمى عنوان القرآن لأن عنوان الكتاب ما يجمع مقاصده بعبارة موجزة في أوله وكرر جبريل الغط ثلاثا للمبالغة وأخذ منه بعض التابعين وهو القاضي شريح أن المعلم لا يضرب الصبي على تعليم القرآن أكثر من ثلاث ضربات
وأورد الحافظ السيوطي عن الكامل لإبن عدي بسند ضعيف عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يضرب المؤدب الصبي فوق ثلاث ضربات
وذكر السهيلي أن في ذلك أي الغط ثلاثا إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم يحصل له شدائد ثلاث ثم يحصل له الفرج بعد ذلك فكانت الأولى إدخال قريش له صلى الله عليه
وسلم الشعب والتضييق عليه والثانية اتفاقهم على الإجتماع على قتله صلى الله عليه وسلم والثالثة خروجه من أحب البلاد إليه وجاءه صلى الله عليه وسلم جبريل وميكائيل أي قبل قول جبريل له اقرأ فشق جبريل بطنه وقلبه إلى آخر ما تقدم في الكلام على أمر الرضاع ثم قال له جبريل اقرأ الحديث فعلم أن اقرأ باسم ربك نزلت من غير بسملة وقد صرح بذلك الإمام البخاري وما ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بأن أول ما نزل جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم قال يا محمد استعذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ثم قال قل بسم الله الرحمن الرحيم ثم قال اقرأ باسم ربك قال الحافظ ابن كثير هذا الأثر غريب في إسناده ضعف وإنقطاع أي فلا يدل للقول بأن أول ما نزل بسم الله الرحمن الرحيم حكاه ابن النقيب في مقدمة تفسيره وبه يرد على الجلال السيوطي حيث قال وعندي فيه أن هذا لا يعد قولا برأسه فإن من ضرورة نزول السورة أي سورة اقرأ نزول البسملة معها فهي أول آية نزلت على الإطلاق هذا كلامه والله أعلم
قال الحافظ ابن حجر هذا الذي وقع له صلى الله عليه وسلم في ابتداء الوحي من خصائصه إذ لم ينقل عن أحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أنه جرى له عند ابتداء الوحي مثل ذلك ولما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الآية رجع بها ترجف بوادره والبادرة اللحمة التي بين المنكب والعنق تتحرك عند الفزع ويقال لها الفريصة والفرائض اي وفي رواية فؤاده أي قلبه ولا مانع من إجتماع الأمرين لأن تحرك البادرة ينشأ عن فزع القلب حتى دخل صلى الله عليه وسلم على خديجة فقال زملوني زملوني أي غطوني بالثياب فزملوه حتى ذهب عنه الروع بفتح الراء أي الفزع ثم أخبرها الخبر وقال لقد خشيت على نفسي وفي رواية على عقلي كما في الإمتاع قالت له خديجة كلا أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا أي لا يفضحك إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتحمل الكل أي الشيء الذي يحصل منه التعب والإعياء لغيرك وتكسب المعدوم بضم التاء والمعدوم الذي لا مال له لأن من لا مال له كالمعدوم أي توصل إليه الخير الذي لا يجده عند غيرك
وبهذا يعلم سقوط قول الخطابي الصواب المعدم بلا واو لأن المعدوم أي الشخص المعدوم لا يكسب أي لا يعطى الكسب وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق أي
على حوادثه فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل فقالت له خديجة رضي الله تعالى عنها أي عم اسمع من ابن أخيك أي وقولها أي عم صوابه ابن عم لأنه ابن عمها لا عمها كما وقع في مسلم
قال ابن حجر وهو وهم لأنه وإن كان صحيحا لجواز إرادة التوقير لكن القصة لم تتعدد ومخرجها متحد أي فلا يقال يجوز أنها جاءت إليه بعد نزول الآية مرتين قالت في مرة أي عم وفي مرة أي ابن عم قال ورقة يا ابن أخي ماذا ترى فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى فقال له ورقة هذا الناموس الذي أنزل علي موسى أي صاحب سر الوحي وهو جبريل يا ليتني فيها جذعا أي يا ليتني حينئذ أكون في زمن الدعوى إلى الله أي إظهاره الذي جاء به وأنذر أو أصل وجودها بناء على تأخر الدعوى التي هي الرسالة عن النبوة على ما يأتي شابا حتى أبالغ في نصرتها يا ليتني أكون حيا حين يخرجك قومك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مخرجي هم بتشديد الياء المفتوحة لأنه جمع مخرج والأصل أو مخرجوني حذفت النون للإضافة فصار مخرجوى قلبت الواو ياء وأدغمت قال ورقة نعم لم يأت رجل بما جئت به إلا عودى أي فتكون المعاداة سببا لإخراجه
وهذا يفيد بظاهره أن من تقدم من الأنبياء أخرجوا من أماكنهم لمعاداة قومهم لهم وإلا فمجرد المعاداة لا يقتضى الإخراج فلا يحسن أن يكون علامة عليه وقد يؤيد ذلك ما تقدم عند الكلام على بناء الكعبة أن كل نبي إذا كذبه قومه خرج من بين أظهرهم إلى مكة يعبد الله عز وجل بها حتى يموت وتقدم ما فيه
وفي كونه صلى الله عليه وسلم لم يقل شيئا في جواب قول ورقة إنه يكذب ويؤذي ويقاتل وقال في جواب قوله إنه يخرج أو مخرجي هم إستفهاما إنكاريا دليل على شدة حب الوطن وعسر مفارقته خصوصا وذلك الوطن حرم الله وجوار بيته ومسقط رأسه قال ورقة وإن أدركت يومك أنصرك نصرا مؤزرا أي شديدا قويا من الأزر وهو الشدة الذي في الحديث الصحيح وإن يدركني يومك وسيأتي في بعض الروايات وإن يدركني ذلك قال السهيلي وهو القياس لأن ورقة سابق بالوجود والسابق هو الذي يدركه ما يأتي بعده كما جاء أشقى الناس من أدركته الساعة وهو حي هذا كلامه
أي وفي بعض الروايات أنه قال لها إن ابن عمك لصادق وإن هذا البدء نبوة وفي لفظ إنه لنبي هذه الأمة أي وفي الشفاء أن قوله صلى الله عليه وسلم لخديجة لقد خشيت على نفسي ليس معناه الشك فيما آتاه الله تعالى من النبوة ولكنه لعله خشى أن لا تحتمل قوته صلى الله عليه وسلم مقاومة الملك وأعباء الوحي بناء على أنه قال ذلك بعد لقاء الملك وإرساله إليه بالنبوة فإن للنبوة أثقالا لا يستطيع حملها إلا أولو العزم من الرسل
وفي كلام الحافظ ابن حجر اختلف العلماء في هذه الخشية على أثني عشر قولا وأولاها بالصواب وأسلمها من الإرتياب أن المراد بها الموت أو المرض أو دوام المرض هذا كلامه فليتأمل مع رواية خشيت على عقلي
قال وفي بعض الروايات أن خديجة قبل أن تذهب به إلى ورقة ذهبت به إلى عداس وكان نصرانيا من أهل نينوى قرية سيدنا يونس عليه الصلاة والسلام فقالت له يا عداس أذكرك الله إلا ما أخبرتني هل عندكم علم من جبريل أي فإن هذا الإسم لم يكن معروفا بمكة ولا بغيرها من أرض العرب كما تقدم فقال عداس قدوس قدوس ما شأن جبريل يذكر بهذه الأرض التي أهلها أهل أوثان أي والقدوس المنزه عن العيوب وأن هذا يقال للتعجب كما تقدم فقالت أخبرني بعلمك فيه قال هو أمين الله بينه وبين النبيين وهو صاحب موسى عليهما الصلاة والسلام اه
وفيه أنه سيأتي عند الكلام على ذهابه صلى الله عليه وسلم للطائف بعد موت أبي طالب يلتمس إسلام ثقيف اجتماعه بعداس الموصوف بما ذكر لكن في تلك القصة ما قد يبعد معه كل البعد أنه المذكور هنا فليتأمل ثم رأيت أن عداسا المذكور هنا كان راهبا وكان شيخا كبير السن وقد وقع حاجباه على عينيه من الكبر وأن خديجة قالت له أنعم صباحا يا عداس فقال كأن هذا الكلام كلام خديجة سيدة نساء قريش قالت أجل قال أدنى منى فقد ثقل سمعي فدنت منه ثم قالت له ما تقدم وهذا صريح في أنه غير عداس الآتي ذكره وأنهما اشتركا في الإسم والبلد والدين أي وكونهما غلامين لعتبة بن ربيعة
ففي كلام ابن دحية عداس كان غلاما لعتبة بن ربيعة من أهل نينوى عنده علم من الكتاب فأرسلت إليه خديحة تسأله عن جبريل فقال قدوس قدوس الحديث ولا يخفى أن هذا اشتباه وقع من بعض الرواة بلا شك
وفي رواية أن عداسا هذا قال لها يا خديجة إن الشيطان ربما عرض للعبد فأراه أمورا فخذي كتابي هذا فانطلقي به إلى صاحبك فإن كان مجنونا فإنه سيذهب عنه وإن كان من الله فلن يضره فانطلقت بالكتاب معها فلما دخلت منزلها إذا هي برسول الله صلى الله عليه وسلم مع جبريل يقرئه هذه الآيات { ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون } فلما سمعت خديجة قراءته اهتزت فرحا ثم قالت للنبي صلى الله عليه وسلم فداك أبي وأمي امض معي إلى عداس فلما رآه عداس كشف عن ظهره فإذا خاتم النبوة يلوح بين كتفيه فلما نظر عداس إليه خر ساجدا يقول قدوس قدوس أنت والله النبي الذي بشر بك موسى وعيسى الحديث
وفيه إن كان هذا قبل أن تذهب به إلى ورقة اقتضى أن نزول سورة ن قبل اقرأ و لا يحسن ذلك مع قوله لجبريل ما أنابقارئ إذ هو صريح في أنه صلى الله عليه وسلم لم يقرأ قبل ذلك شيئا ومن ثم كان المشهور أن أول ما نزل اقرأ وكون ن نزلت لهذا السبب مخالف لما ذكر في أسباب النزول أنها نزلت لما وصفه المشركون بأنه مجنون إلا أن يقال لا مانع من تعدد النزول
وذكر ابن دحية أيضا أنه صلى الله عليه وسلم لما أخبرها بجبريل ولم تكن سمعت به قط كتبت إلى بحيرا الراهب فسألته عن جبريل فقال لها قدوس قدوس يا سيد نساء قريش أنى لك بهذا الإسم فقالت بعلى وابن عمي أخبرني بأنه يأتيه فقال إنه السفير بين الله وبين أنبيائه وإن الشيطان لا يجترئ أن يتمثل به ولا أن يتسمى باسمه وهذه العبارة أي كون جبريل هو السفير بين الله وبين أنبيائه صدرت من الحافظ السيوطي وزاد ولا يعرف ذلك لغيره من الملائكة
واعترض عليه بعضهم بأن إسرافيل كان سفيرا بين الله وبينه صلى الله عليه وسلم فعن الشعبي أنه جاءته صلى الله عليه وسلم النبوة وهو ابن أربعين سنة وقرن بنبوته إسرافيل ثلاث سنين فلما مضت ثلاث سنين رن بنبوته جبريل وفي لفظ عنه فلما مضت ثلاث سنين تولى عنه إسرافيل وقرن به جبريل أي وقد تقدم أن إسرافيل قرن به صلى الله عليه وسلم قبل النبوة ثلاث سنين يسمع حسه ولا يرى شخصه يعلمه الشيء بعد الفيء إلى آخره وحينئذ يلزم أن يكون قرن به بعد النبوة ثلاث سنين أيضا
وسيأتي عن بحث بعض الحفاظ أنها مدة فترة الوحي فليتأمل وأجاب الحافظ السيوطي عن ذلك بأن السفير هو المرصد لذلك وذلك لا يعرف لغير جبريل ولا ينافى ذلك مجئ غيره من الملائكة إلى النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأحيان
ولك أن تقول إن كان المراد بالمجيء إليه بوحى من الله كما هو المتبادر فليس في هذه الرواية أن إسرافيل كان يأتيه بوحي في تلك المدة وجواب الحافظ السيوطي بقتضى أن إسرافيل وغيره من الملائكة كان يأتيه بوحي من الله قبل مجيء جبريل له صلى الله عليه وسلم بوحي غير النبوة ولا يخرجه ذلك عن الإختصاص باسم السفير وبأن إسرافيل لم ينزل لغير النبي صلى الله عليه وسلم من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم كما ثبت في الحديث فلم يكن السفير بين الله وجميع أنبيائه
قيل وإنما خص بذلك لأنه أول من سجد من الملائكة لآدم ورأيته سئل هل عيسى بعد نزوله يوحى إليه فأجاب بنعم وأورد حديث النواس بن سمعان الذي أخرجه مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم وفيه التصريح بأنه يوحى إليه قال والظاهر أن الجائي إليه بالوحي جبريل قال بل هو الذي يقطع به ولا يتردد فيه لأن ذلك وظيفته وهو السفير بين الله تعالى وبين أنبيائه لا يعرف ذلك لغيره من الملائكة ثم استدل على ذلك بما يطول
قال وما اشتهر على ألسنة الناس أن جبريل لا ينزل إلى الأرض بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فهو شيء لا أصل له وزعم زاعم أن عيسى إنما يوحى إليه وحى إلهام ساقط قال وحديث لا وحى بعدي باطل أي ويدل له ما رأيته في كلام بعضهم جبريل ملك عظيم ورسول كريم مقرب عند الله أمين على وحيه وهو سفيره إلى أنبيائه كلهم وسماه روح القدس والروح الأمين واختصه بوحيه من بين الملائكة المقربين
قال ورأيت في بعض التواريخ أن جبريل نزل عليه صلى الله عليه وسلم ستا وعشرين ألف مرة ولم يبلغ أحد من الأنبياء هذا العدد والله أعلم
وفي أسباب النزول للواحدي عن علي رضي الله تعالى عنه لما سمع النداء يا محمد قال لبيك قال قل أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله ثم قال قل { الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين } حتى فرغ من السورة أي فلما
بلغ { ولا الضالين } فقال قل آمين فقال آمين كما في رواية عن وكيع وابن أبي شيبة وجاء في حديث قال بعضهم إسناده ليس بالقائم إذا دعا أحدكم فليختم بآمين فإن آمين في الدعاء مثل الطابع على الصحيفة وفي الجامع الصغير آمين خاتم رب العالمين على لسان عباده المؤمنين أي خاتم دعاء رب العالمين أي يمنع من أن يتطرق إليه رد وعدم قبول ومن ثم لما سمع صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو قال قد وجب إن ختم بآيمن
فأتى صلى الله عليه وسلم ورقة فذكر له ذلك فقال له ورقة أبشر ثم أبشر فإني أشهد أنك الذي بشر بك ابن مريم فإنك على مثل ناموس موسى وإنك نبي مرسل وإنك ستؤمر بالجهاد بعد يومك ولئن أدركني ذلك لأجاهدن معك
أقول هذا لا يدل للقول بأن الفاتحة أول ما نزل وعليه كما قال في الكشاف أكثر المفسرين إذ يبعد كل البعد أن تكون هذه الرواية قبل نزول { اقرأ باسم ربك } ثم رأيت عن البيهقي أنه قال فيما تقدم عن أسباب النزول هذا مرسل ورجاله ثقات فإن كان محفوظا فيحتمل أن يكون خبرا عن نزولها بعد ما نزلت عليه اقرأ والمدثر أي والمدثر نزلت بعد يا أيها المزمل
ثم رأيت ابن حجر اعترض ما تقدم عن الكشاف بقوله الذي ذهب إليه أكثر الأمة هو الأول أي القول بأنه اقرأ وأماالذي نسبه إلى الأكثر فلم يقل به إلا عدد أقل من القليل بالنسبة إلى من قال بالأول هذا كلامه
ثم رأيت الإمام النووي قال القول بأن الفاتحة أول ما نزل بطلانه أظهر من أن يذكر أي ومما يدل على ذلك ما جاء من طرق عن مجاهد أن الفاتحة نزلت بالمدينة ففي تفسير وكيع عن مجاهد فاتحة الكتاب مدنية وفيه أنه جاء عن قتادة أنها نزلت بمكة
وعن علي كرم الله وجهه كما في أسباب النزول للواحدي أنها نزلت بمكة من كنز تحت العرش وفيها عنه لما قام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة فقال { بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين } قالت قريش رض الله فاك وفي الكشاف أن الفاتحة نزلت بمكة وقيل نزلت بالمدينة فهي مكية مدنية هذا كلامه وتبعه على ترجيح أنها مكية القاضي البيضاوي حيث قال وقد صح أنها مكية وفي الإتقان وذكر قوم منه أي مما تكرر نزوله الفاتحة فليتأمل فإنه لا يقال ذلك إلا بناء على أنها نزلت بهما أي نزلت
بمكة ثم بالمدينة مبالغة في شرفها وقد أشار القاضي البيضاوي إلى أن تكرير نزولها ليس بمجزوم به وقيل نزل نصفها بمكة ونصفها بالمدينة
قال في الإتقان والظاهر أن النصف الذي نزل بالمدينة النصف الثاني قال ولا دليل لهذا القول هذا كلامه
واستدل بعضهم على أنها مكية بأنه لا خلاف أن سورة الحجر مكية وفيها { ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم } وهي الفاتحة فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قرئ عليه الفاتحة والذي نفسي بيده ما أنزل الله تعالى في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها إنها لهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته
وقد حكى بعضهم الإتفاق على أن المراد بالسبع المثاني في آية الحجر هي الفاتحة ويرد دعوى الإتفاق قول الجلال السيوطي وقد صح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تفسير السبع المثاني في آية الحجر بالسع الطوال
ومما يدل على أن المراد بها الفاتحة ما ذكر في سبب نزولها وهو أن عيرا لأبي جهل قدمت من الشام بمال عظيم وهي سبع قوافل ورسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ينظرون إليها وأكثر الصاحبة بهم عرى وجوع فخطر ببال النبي صلى الله عليه وسلم شيء لحاجة أصحابه فنزل { ولقد آتيناك } أي أعطيناك { سبعا من المثاني } مكان سبع قوافل ولا تنظر إلى ما أعطيناه لأبي جهل وهو متاع الدنيا الدنية { ولا تحزن عليهم } أي على أصحابك { واخفض جناحك } له فإن تواضعك لهم أطيب لقلوبهم من ظفرهم بما تحب من أسباب الدنيا
وفي زوائد الجامع الصغير لو أن فاتحة الكتاب جعلت في كفة الميزان وجعل القرآن في الكفة الأخرى لفضلت فاتحة الكتاب على القرآن سبع مرات وفي لفظ فاتحة الكتاب شفاء من كل داء وفي لفظ فاتحة الكتاب تعدل ثلثي القرآن فليتأمل ولها إثنان وعشرون إسما
وذكر بعضهم أن لها ثلاثين إسما وذكرها الأستاذ الشيخ أبو الحسن البكري في تفسيره الوسيط قال السهيلي ويكره أن يقال لها أم الكتاب أي لما ورد لا يقولن أحدكم أم الكتاب وليقل فاتحة الكتاب قال الحافظ السيوطي رحمه الله ولا أصل له
في شيء من كتب الحديث وإنما أخرجه ابن الضريس بهذا اللفظ عن ابن سيرين وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة تسميتها بذلك هذا كلامه ولا يخفى أنه جاء في تسمية الفاتحة ذكر المضاف تارة وهو سورة كذا وإسقاطه أخرى وتارة جوزوا الأمرين معا وهو يشكل على أن تسمية السور توقيفي
ثم رأيت في الإتقان قال قال الزركشي في البرهان ينبغي البحث عن تعداد الأسامي هل هو توقيفي أو بما يظهر من المناسبات فإن كان الثاني فيمكن الفطن أن يستخرج من كل سورة معاني كثيرة تقتضى اشتقاق أسمائها وهو بعيد عن هذا كلامه ويلزم القول بأنها إنما نزلت في المدينة أن مدة إقامته صلى الله عليه وسلم بمكة كان يصلي بغير الفاتحة قال في أسباب النزول وهذا مما لا تقبله العقول أي لأنه لم يحفظ أنه كان في الإسلام صلاة بغير الفاتحة أي ويدل لذلك ما رواه الشيخان لا صلاة لمن يقرأ بفاتحة الكتاب وفي رواية لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها الرجل بفاتحة الكتاب والمراد في كل ركعة لقوله صلى الله عليه وسلم للمسيء صلاته إذا استقبلت القبلة فكبر ثم اقرأ بأم القرآن ثم اقرأ بما شئت إلى أن قال ثم اصنع ذلك أي القراءة بأم القرآن في كل ركعة وجاء على شرط الشيخين أم القرآن عوض عن غيرها وليس غيرها منها عوضا ويدل لذلك أيضا وصف القول بأنها إنما نزلت بالمدينة بأنه هفوة من قائله لأنه تفرد بهذا القول والعلماء على خلافه أي لأن نزولها كان بعد فترة الوحي بعد نزول { يا أيها المدثر } ويلزم على كونها نزلت بعد المدثر أنه صلى الله عليه وسلم صلى بغير الفاتحة في مدة فترة الوحي أي لأن المدثر نزلت بعد فترة الوحي على ما سيأتي
وقد يقال لا ينافيه ما تقدم من أنه لم يحفظ أنه لم يكن في الإسلام صلاة بغير الفاتحة لجواز أن يراد صلاة من الصلوات الخمس وما تقدم مما يدل على تعين الفاتحة في الصلاة يجوز أن يكون صدر منه صلى الله عليه وسلم بعد فرض الصلوات الخمس
وفي الإمتاع إنزال الملك يبشره بالفاتحة وبالآيتين من سورة البقرة يدل على أنه نزلت بالمدينة
فقد أخرج مسلم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال بينما جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نغيضا أو صوتا من فوقه فرفع رأسه فقال هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح قط إلا اليوم فنزل منه ملك فقال هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم
فسلم وقال أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما من قبلك فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة هذا كلامه فليتأمل وجه الدلالة من هذا على أنه سيأتي عن الكامل للهذلي ما يصرح بأن خواتيم البقرة نزلت عليه صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء بقاب قوسين
ومما يدل على أن البسملة آية منها نزولها معها أي كما في بعض الروايات وإلا فالرواية المتقدمة تدل على أنها لم تنزل معها
ويدل لكون البسملة آية من الفاتحة أيضا ما أخرجه الدارقطني وصححه والبيهقي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأتم الحمد لله فاقرءوا بسم الله الرحمن الرحيم إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني وبسم الله الرحمن الرحيم أحدى آياتها
وقد أخرج الدارقطني عن علي رضي الله تعالى عنه أنه سئل عن السبع المثاني فقال الحمدلله رب العالمين فقيل له إنما هي ست آيات فقال بسم الله الرحمن الرحيم آية وقيل لها السبع المثاني لأنها سبع آيات وتثنى في الصلاة وقيل المثاني كل القرآن لأنه يثنى فيه صفات المؤمنين والكفار والمنافقين وقصص الأنبياء والوعد والوعيد
قال بعضهم والوجه أن يقال المراد بالسبع المثاني السبع الطوال أي كما أنها المراد بقوله تعالى { ولقد آتيناك سبعا من المثاني } على ما تقدم وهي البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والسابعة يونس وقيل براءة وقيل الكهف
وعن أم سلمة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم عد البسملة آية من الفاتحة وبهذا يعلم ما في تفسير البيضاوي عن أم سلمة من أنه صلى الله عليه وسلم عد بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله رب العالمين آية فقد ذكر بعض الحفاظ أن هذا اللفظ لم يرد عن أم سلمة والذي رواه جماعة من الحفاظ عن أم سلمة بألفاظ تدل على أن بسم الله الرحمن الرحيم آية وحدها
منها أنها ذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلى في بيتها فيقرأ { بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين } وفي رواية عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الصلوات بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والإستدلال على أن البسملة آية من الفاتحة بكونها نزلت معها يقتضى أن البسملة ليست آية من { اقرأ باسم ربك }
ومن ثم قال الحافظ الدمياطي نزول اقرأ بسملة يدل على أن البسملة ليست آية من كل سورة واستدل به أي بعدم نزولها في أول سورة اقرأ أيضا كما قال الإمام النووي من يقول إن البسملة ليست بقرآن في أوائل السور أي وإنما أنزلت وكتبت للفصل والتبرك بالإبتداء بها وهذا القول ينسب لقول إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه في القديم هو قول قدماء الحنفية
قال وجواب المثبتين أي لقرآنيتها في ذلك أنها نزلت في وقت آخر كما نزل باقي السورة أي سورة اقرأ
وجوابهم أيضا بأن الإجماع من الصحابة والسلف على إثباتها في مصاحفهم مع مبالغتهم في تجريدها عن كتابة غير القرآن فيها حتى إنهم لم يكتبوا آمين فيها واستدل أيضا لعدم قرآنيتها في أوائل السور بعدم تواترها في محلها
ورد بأن عدم تواترها في محلها لا يقتضى سلب القرآنية عنها ورد هذا الرد بأن الإمام الكافيجي قال المختار عند المحققين من علماء السنة وجوب التواتر أي في القرآن في محله ووضعه وترتيبه أيضا كما يجب تواتره في أصله أي وفي الفتوحات البسملة من القرآن بلا شك عند العلماء بالله وتكرارها في السورة كتكرار ما تكرر في القرآن من سائر الكلمات وهو بظاهره يؤيد ما ذهب إليه إمامنا من أنها آية من أول كل سورة ومحتمل لما قاله السهيلي حيث قال نقول إنها آية من كتاب الله مقترنة مع السورة
وفي كلام أبي بكر بن العربي وزعم الشافعي أنها آية من كل سورة وما سبقه إلى هذا القول أحد فإنه لم يعدها أحد آية من سائر السور
ونقل عن إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه أنها آية من أول الفاتحة دون بقية السور فعن الربيع قال سمعت الشافعي يقول أول الحمد بسم الله الرحمن الرحيم وأول البقرة ألم قال بعضهم وهو يدل على أن البسملة آية من أول الفاتحة دون بقية السور فإنها ليست آية من أولها بل هي آية في أولها إعادة لها وتكريرا لها وربما يوافق ذلك قول الجلال السيوطي في الخصائص الصغرى وخص صلى الله عليه وسلم بالبسملة والفاتحة هذا كلامه وكونه خص بالبسملة يخالف قوله في الإتقان عن الدارقطني إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبعض أصحابه لأعلمنك آية لم تنزل على نبي بعد سليمان غيري بسم الله الرحمن الرحيم كما سيأتي وسيأتي ما فيه
قيل وإنما تركت البسملة أول براءة لعدم المناسبة بين الرحمة التي تدل عليها البسملة والتبري الذي يدل عليه أول براءة ورده في الفتوحات بأنها جاءت في أوائل السور المبدوءة بويل قال وأين الرحمة من الويل
وذكر بعضهم أن الأنفال وبراءة سورة واحدة أي فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال سألت عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه لم لم يكتبوا بين براءة والأنفال سطر بسم الله الرحم الرحيم فقال كانت الأنفال من أول ما نزل بالمدينة وكانت براءة من آخر ما نزل بالمدينة وكانت قصتها شبيهة بالأخرى فظننت أنهما سورة واحدة
وفي كلام بعض المفسرين عن طاوس وعمر بن عبدالعزيز أنهما كانا يقولان إن الضحى وألم نشرح سورة واحدة فكانا يقرآنهما في ركعة واحدة ولا يفصلان بينهما ببسم الله الرحمن الرحيم وذلك لأنهما رأيا أن أولها مشبه لقوله { ألم يجدك يتيما } وليس كذلك لأن تلك حال إغتامه صلى الله عليه وسلم بإيذاء الكفار فهي حال محنة وضيق وهذه حال إنشراح الصدر وتطييب القلب فكيف يجتمعان هذا كلامه
وذكر أئمتنا أنه يكفي في وجوب الإتيان بالبسملة في الفاتحة في الصلاة الظن المفيد له خبر الآحاد ولعدم التواتر بذلك لا يكفر من نفى كونها آية من الفاتحة بإجماع المسلمين وقد جهر بها صلى الله عليه وسلم كما رواه جمع من الصحابة قال ابن عبد البر بلغت عدتهم أحدا وعشرين صحابيا
وأما ما رواه مسلم عن أنس قال صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم أجيب عنه بأنه لم ينف إلا السماع ويجوز أنهم تركوا الجهر بها في بعض الأوقات بيانا للجواز ويؤيده قول بعضهم كانوا يخفون البسملة
وأما ما رواه البخاري وأبو داود والترمذي وغيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين فمعناه بسورة الحمد لا بغيرها من القرآن لا يبعد هذا الحمل ما في رواية عبدالله بن مغفل أنه قال سمعني أبي وأنا أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم فقال أي بني إياك والحدث فإني صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر فلم أسمع أحدا منهم يقوله فإذا قرأت فقل الحمد لله رب العالمين فإنه لما لم يسمع فهم أنهم لم يأتوا بها رأسا فقال ذلك وكذا يقال فيما روى
كانوا لا يقرءون بسم الله الرحمن الرحيم فعلى تقدير ثبوت تلك الرواية وصحتها يجوز أن يكون الراوي فهم مما تقدم ترك البسملة فروي بالمعنى فأخطأ
ومما استدل به على أن البسملة ليست آية من الفاتحة ما جاء عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تبارك وتعالى قسمت الصلاة أي الفاتحة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل فإذا قال الحمد لله رب العالمين قال الله تعالى حمدني عبدي وإذا قال الرحمن الرحيم قال مجدني عبدي وإذا قال مالك يوم الدين قال فوض إلي عبدي وإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال هذه بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فيقول عبدي اهدنا الصراط المستقيم إلى آخرها
قال أبو بكر بن العربي المالكي فانتفى بذلك أن تكون بسم الله الرحمن الرحيم آية منها من وجهين أحدهما أنه لم يذكرها في القسمة والثاني أنها إن صارت في القسمة لما كانت نصفين بل يكون ما لله فيها أكثر مما للعبد لأن بسم الله ثناء على الله تعالى لا شيء للعبد فيه ثم ذكر أن التعبير بالصلاة عن الفاتحة يدل على أن الفاتحة من فروضها وأطال في ذلك وسيأتي في الحديبية أنه صلى الله عليه وسلم كان يكتب بإسم اللهم موافقة للجاهلية قيل كتب ذلك في أربعة كتب وأول من كتبها أمية بن أبي الصلت فلما نزل { بسم الله مجراها ومرساها } كتب بسم الله ثم لما نزل { ادعوا الله أو ادعوا الرحمن } كتب بسم الله الرحمن ثم نزلت إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم كتب بسم الله الرحمن الرحيم كذا نقل عن الشعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتب بسم الله الرحمن الرحيم حتى نزلت سورة النمل وهذا يفيد أن البسملة لم تنزل قبل ذلك في شيء من أوائل السور ويؤيده قول السهيلي ثم كان بعد ذلك أي بعد نزل { وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } ينزل جبريل عليه الصلاة والسلام ببسم الله الرحمن الرحيم مع كل سورة أي تمييزا لها عن غيرها وقد ثبت في سواد المصحف الإجماع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم على ذلك هذا كلامه فليتأمل ما فيه فإنه قد يدل للقول بأن البسملة ليست من أوائل السور وإنما هي للفصل فقد علمت أن البسملة نزلت أول الفاتحة على ما في بعض الروايات
ونقل أبو بكر التونسي إجماع علماء كل أمة على أن الله سبحانه وتعالى افتتح جميع كتبه ببسم الله الرحمن الرحيم
وفي الإتقان عن الدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبعض الصحابة لأعلمنك آية لم تنزل على نبي بعد سليمان غيري بسم الله الرحمن الرحيم وبهذا يعلم ما في الخصائص الصغرى أن البسملة من خصائصه صلى الله عليه وسلم وقوله صلى الله عليه وسلم على نبي بعد سليمان غيري يشكل عليه أن عيسى بين سليمان وبينه صلى الله عليه وسلم وكتابه الإنجيل وهو من جملة كتب الله المنزلة
وعن النقاش أن البسملة لما نزلت سبحت الجبال فقالت قريش سحر محمد الجبال قال السهيلي إن صح ما ذكره فإنما سبحت الجبال خاصة لأن البسملة إنما نزلت على آل داود وقد كان الجبال تسبح مع داود والله أعلم
ثم لم يلبث ورقة أن توفى قال سبط ابن الجوزي وهو آخر من مات في الفترة ودفن بالحجون فلم يكن مسلما ويؤيده ما جاء في الرواية في سندها ضعف عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه ما ت على نصرانيته وهذا يدل على أن من أدرك النبوة وصدق بنبوته صلى الله عليه وسلم ولم يدرك الرسالة بناء على تأخرها لا يكون مسلما بل من أهل الفترة فلما توفى ورقة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد رأيت القس يعني ورقة في الجنة وعليه ثياب حرير أي والقس بكسر القاف رئيس النصارى وبفتحها تتبع الشي
هذا وفي القاموس القس مثلث القاف تتبع الشيء وطلبه كالتقسس وبالفتح صاحب الإبل الذي لا يفارقها ورئيس النصارى في العلم وفي رواية أبصرته في بطنان الجنة وعليه السندس وفي رواية قد رأيته فرأيت عليه ثيابا بيضا وأحسبه أي أظنه لو كان من أهل النار لم تكن عليه ثياب بيض
أقول صريح الرواية الثالثة أنه لم يره في الجنة فقد تعددت الرؤية وأما الرواية الثانية فلا تخالف الرواية الأولى لأن السندس من أفراد الحرير فلا دلالة في ذلك على التعدد والله أعلم وفي رواية لا تسبوا ورقة فإني رأيت له جنة أو جنتين لأنه آمن بي وصدقني أي قبل الدعوة التي هي الرسالة وحينئذ يكون معنى قوله له جنة أو جنتين هيئت له جنة أو جنتين ولا مانع أن يكون بعض أهل الفترة من أهل الجنة إذ لو كان مسلما حقيقة بأن أدرك الدعوة وصدق به لم يقل فيه صلى الله عليه وسلم وأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه ثياب بيض وجزم ابن كثير بإسلامه
قال بعضهم وهو الراجح عند جهابذة الأئمة أي بناء على أنه أدرك الدعوة إلى الله تعالى التي هي الرسالة
ففي الإمتاع أن ورقة مات في السنة الرابعة من المبعث ويوافقه ما يأتي عن سيرة ابن إسحاق وعن كتاب الخميس وحينئذ يكون قوله صلى الله عليه وسلم لأنه آمن بي وصدقني واضحا لكن ينازع في ذلك قوله وأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه ثياب بيض وسيأتي عن الذهبي ما يخالفه
ويخالفه أيضا ما تقدم عن سبط ابن الجوزي أنه من أهل الفترة وعن يحيى بن بكير قال سألت جابر بن عبدالله يعني عن ابتداء الوحي فقال لا أحدثك إلا ما حدثنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جاودة بحراء فلما قضيت جواري هبطت فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئا فنظرت عن يساري فلم أر شيئا فنظرت من خلفي فلم أر شيئا فرفعت رأسي فرأيت شيئا بين السماء والأرض أي وفي رواية فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي زاد في رواية متربعا عليه وفي لفظ على عرش بين السماء والأرض فرعبت منه فأتيت خديجة فقلت دثروني دثروني أي وفي رواية زملوني زملوني وصبوا على ماء باردا فدثروني وصبوا علي ماء باردا فنزلت هذه الآية { يا أيها المدثر } أي الملتف بثيابه { قم فأنذر وربك فكبر } ولم يقل بعد فأنذر وبشر لأنه كما بعث بالنذارة بعث بالبشارة لأن البشارة إنما تكون لمن آمن ولم يكن أحد آمن قبل وهذا يدل على أن هذه الآية أول ما نزل أي قبل اقرأ وأن النبوة والرسالة مقترنان
قال الإمام النووي والقول بأن أول ما نزل { يا أيها المدثر } ضعيف باطل وإنما نزلت بعد فترة الوحي أي ومما يدل على ذلك قوله فإذا الملك الذي جاءني بحراء ومما يدل على ذلك أيضا ما في البخاري أن في رواية جابر أنه صلى الله عليه وسلم حدث عن فترة الوحي أي لا عن ابتداء الوحي فما تقدم من قول بعضهم يعني عن إبتداء الوحي فيه نظر وكذا في قول الراوي عن جابر جاورت بحراء فلما قضيت جواري هبطت لأن جواره بحراء كان قبل فترة الوحي إلا أن يقال جابر جاء عنه روايتان واحدة في ابتداء الوحي وأخرى في فترة الوحي وبعض الرواة خلط فإن صدر الرواية يدل على أن ذلك كان عند ابتداء الوحي وعجزها يدل على أن ذلك كان في فترة الوحي
هذا ويجوز أن يكون صلى الله عليه وسلم جاور بحراء في مدة فترة الوحي ويؤيد ذلك ما في البيهقي عن مرسل عبيد بن عمير أنه صلى الله عليه وسلم كان يجاور في كل سنة شهرا وهو رمضان وكان ذلك في مدة فترة الوحي وسيأتي الجمع بين الروايات في أول ما نزل وعن إسماعيل بن أبي حكيم مولى الزبير أنه حدث عن خديجة رضي الله تعالى عنها أنه قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك قال نعم أي وذلك قبل أن يأتيه بالقرآن أي بشيء منه وهو { اقرأ باسم ربك } بناء على أنه أول ما نزل ولا ينافي ذلك قولها هذا الذي يأتيك إذا جاءك لأن المعنى الذي يتراءى لك إذا رأيته فجاءه جبريل عليه الصلاة والسلام فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم يا خديجة هذا جبريل قد جاءني أي قد رأيته لكن سيأتي عن ابن حجر الهيتمي أن ذلك كان بعد البعثة قالت قم ياابن عمي فاجلس على فخذي فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذها قالت هل تراه قال نعم قالت فتحول فاجلس في حجري فتحول رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس في حجرها قالت هل تراه قال نعم فألقت خمارها و رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في حجرها ثم قالت هل تراه قال لا قالت يا ابن عمي اثبت وأبشر فوالله إنه لملك ما هذا بشيطان وإلى ذلك أشار صاحب الهمزية بقوله ** وأتاه في بيتها جبرئيل ** ولذى اللب في الأمور ارتياء ** ** فأماطت عنها الخمار لتدرى ** أهو الوحي أم هو الإغماء ** ** فاختفى عند كشفها الرأس حبري ** ل فما عاد أو أعيد الغطاء ** ** فاستبانت خديجة أنه الكن ** ز الذي حاولته والكيمياء **
أي وأتاه قال ابن حجر أي بعد البعثة أي النبوة واجتماعه به في بيتها حامل الوحي جبريل ولصاحب العقل الكامل في الأحوال التي قد تشتبه استبصار فبسبب كمال استبصارها أزالت عن رأسها ما يغطى به الرأس لتعلم عين اليقين أن هذا الذي يعرض له صلى الله عليه وسلم هل هو حامل الوحي الذي كان يأتي به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبله أو هو الإغماء الذي هو بعض الأمراض الجائزة عليهم عليهم الصلاة والسلام
وفيه أنه ينبغي أن يكون المراد به الإغماء الناشئ عن لمة الجن فيكون من الكهان لا من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الذي قال بسببه لخديجة لقد خشيت على نفسي وسيأتي
أنه كان يعتريه وهو بمكة قبل أن ينزل عليه القرآن ما كان يعتريه عند نزول الوحي عليه أي من الإغماء إلى آخره فبسبب إزالتها ما تغطى به رأسها عنها اختفى فلم يعد إلى أن أعادت غطاء رأسها عليه فاستبانت علمت علم اليقين أن ما يعرض له صلى الله عليه وسلم هو الوحي أي لا الجني لأن الملك لا يرى الرأس المكشوف من المرأة بخلاف الجنى وشبه الناظم ذلك بالشيء النفيس والأمر العظيم لأن كلا من الكنز والكيمياء لا يظفر به إلا القليل من الناس لعزتهما
أقول وفي الخصائص الكبرى ما يدل لما قلناه من أن أول ما فعلته خديجة كان عند ترائيه له صلى الله عليه وسلم وقبل اجتماعه به
وقول بعضهم إن ذلك من خديجة كان بإرشاد من ورقة فإنه قال لها اذهبي إلى المكان الذي رأى فيه ما رأى فإذا رآه فتحسري فإن لم يكن من عند الله لا يراه أي فتراءى له وهو في بيت خديجة ففعلت قالت فلما تحسرت تغيب جبريل فلم يره فرجعت فأخبرت ورقة فقال إنه ليأتيه الناموس الأكبر
وفي فتح الباري أن في سيرة ابن إسحاق أن ورقة كان يمر ببلال رضي الله تعالى عنه وهو يعذب وذلك يقتضى أنه تأخر إلى زمن الدعوة وإلى أن دخل بعض الناس في الإسلام أي وفي كلام صاحب كتاب الخميس في الصحيحين أن الوحي تتابع في حياة ورقة وأنه آمن به وتقدم أنه الموافق لما في الإمتاع من أنه مات في السنة الرابعة من البعثة وتقدم أنه مخالف لما تقدم عن سبط ابن الجوزي ومخالف أيضا لقول الذهبي الأظهر أنه مات بعد النبوة وقبل الرسالة أي بناء على تأخرها ويدل لتأخرها ما تقدم من قول ورقة يا ليتني فيها جذع فقد تقدم أن المراد يا ليتني أكون في زمن الدعوة أي ومن أدرك النبوة ولم يدرك البعثة لا يكون مسلما بل هو كما تقدم من أهل الفترة لأن الإيمان النافع عند الله تعالى الذي يصير به الشخص مستحقا لدخول الجنة ناجيا من الخلود في النار التصديق بالقلب بما علم بالضرورة أنه من دين محمد صلى الله عليه وسلم أي بما أرسل به وإن لم يقر بالشهادتين مع التمكن من ذلك حيث لم يطلب منه ذلك ويمتنع
وقيل لا بد مع ذلك من الإقرار بالشهادتين للتمكن من وحيث أدرك الرسالة فقد أسلم وحينئذ يكون صحابيا
ونقل بعضهم عن الحافظ ابن حجر أنه في الإصابة تردد في ثبوت الصحبة لورقة بن نوفل قال لكن المفهوم من كلامه في شرح النخبة ثبوتها وأنه يفرق بينه وبين بحيرا بأن ورقة أدرك البعثة وأنه لم يدرك الدعوة بخلاف بحيرا وهو ظاهر والتعريف السابق يشمله هذا كلامه
وتعريفه السابق للصحابي هو من اجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا وعبارة شرح النخبة هل يخرج أي من تعريف الصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به من لقيه مؤمنا بأنه سيبعث ولم يدرك البعثة محل نظر
ولا يخفى عليك أن ما في شرح النخبة لا يدل لهذا البعض على أنه تقدم أن ابن حجر في الإصابة قال في بحيرا ما أدرى أدرك البعثة أم لا
ولا يخفى عليك أن ما تقدم عن ابن حجر من أن ورقة أدرك البعثة وأنه لم يدرك الدعوة فإنه يقتضى أن البعثة عبارة عن النبوة لا عن الرسالة وأن الرسالة هي الدعوة لا البعثة
وروى ابن إسحاق عن شيوخه أنه صلى الله عليه وسلم كان يرقى من العين وهو بمكة قبل أن ينزل عليه القرآن فلما نزل عليه القرآن أصابه نحو ما كان يصيبه قبل ذلك هذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم كان يصيبه قبل نزول القرآن ما يشبه الإغماء بعد حصول الرعدة وتغميض عينيه وتربد وجهه ويغط كغطيط البكر فقالت له خديجة أوجه إليك من يرقيك قال أما الآن فلا ولم أقف على من كان يرقيه ولا على ما كان يرقى به
واشتهر على بعض الألسنة أن آمنة يعنى أمه صلى الله عليه وسلم رقت النبي من العين ولعل مستند ذلك ما تقدم عن أمه أنها لما كانت حاملا به جاءها الملك وقال لها قولي إذا ولدتيه أعيذه بالواحد من شر كل حاسد والظاهر أنها قالت ذلك
وعن أسماء بنت عميس رضي الله تعالى عنها أنها قالت يا رسول الله إن ابني جفعر أي ولديها من جعفر بن أبي طالب تصيبهما العين أفنسترقى لهما قال نعم لو كان شيء سابق القدر لسبقته العين
فإن قيل بهذه الأمور علم صلى الله عليه وسلم أن جبريل ملك لا جنى فمن أين علم أنه يتكلم عن الله تعالى أجيب بأنه على تسليم أن قول ورقة المذكور وما تقدم عنه لا يفيده العلم فقد يقال خلق الله تعالى فيه صلى الله عليه وسلم علما ضروريا بعد ذلك علم به أنه
جبريل وأنه يتكلم عن الله تعالى كا خلق في جبريل علما ضروريا بأن الموحى إليه هو الله
وقد ذكر بعض المفسرين أنه صلى الله عليه وسلم كان له عدو من شياطين الجن يقال له الأبيض كان يأتيه في صورة جبريل واعترض بأنه يلزم عليه عدم الوثوق بالوحي
وأجيب عنه بمثل ما هنا وهو أن الله تعالى جعل في النبي صلى الله عليه وسلم علما ضروريا بميز به بين جبريل عليه السلام وبين هذا الشيطان ولعل هذا الشيطان غير قرينه الذي أسلم
وفي كلام ابن العماد وشيطان الأنبياء يسمى الأبيض والأنبياء معصومون منه وهذا الشيطان هو الذي أغوى به برصيصا الراهب العابد بعد عبادته خمسمائة سنة وهو المعنى بقوله تعالى { كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك } هذا كلامه والله أعلم
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كان من الأنبياء من يسمع الصوت أي ولا يرى مصوتا فيكون بذلك نبيا قال بعضهم يحتمل أن يكون صوتا خلقه الله تعالى في الجو أي ليس من جنس الكلام وخلق لذلك النبي فهم المراد منه عند سماعه
ويحتمل أن يكون من جنس الكلام المعهود يتضمن كون ذلك الشخص صار نبيا
قال صلى الله عليه وسلم وإن جبريل يأتيني فيكلمني كما يأتي أحدكم صاحبه فيكلمه ويبصره من غير حجاب أي وفي رواية كنت أراه أحيانا كما يرى الرجل صاحبه من وراء الغربال
ولا يخفى أن هاتين الحالتين كل منهما حالة من حالات الوحي وحينئذ إما أن يكون جبريل عليه السلام على صورة دحية الكلبي وهو بكسر الدال المهملة على المشهور وحكى فتحها أو على صورة غيره ومنه ما وقع في حديث عمر رضي الله تعالى عنه بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد الحديث ورواية البخاري تدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يعرفه إلا في آخر الأمر وورد ما جاءني يعني جبريل في صورة لم أعرفها إلا في هذه المرة
وفي صحيح ابن حبان والذي نفسي بيده ما اشتبه على منذ أتاني قبل مرته هذه وما عرفته حتى ولى وبهذا يعلم ما في كلام الإمام السبكي حيث قسم الوحي إلى ثلاثة أقسام حيث قال في تائيته ** ولازمك الناموس إما بشكله ** وإما بنفث أو بحلية دحية **
فليتأمل قيل وكان إذا أتاه على صورة الآدمي يأتيه بالوعد والبشارة
فإن قيل إذا جاء جبريل عليه السلام على صورة الآدمي دحية أو غيره هل هي الروح تتشكل بذلك الشكل وعليه هل يصير جسده الأصلي حيا من غير روح أو يصير ميتا
أجيب بأن الجائي يجوز أن لا يكون هو الروح بل الجسد لأنه يجوز أن الله تعالى جعل في الملائكة قدرة على التطور والتشكل بأي شكل أرادوه كالجن فيكون الجسد واحدا ومن ثم قال الحافظ ابن حجر إن تمثل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسا لم يخاطبه والظاهر أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى بل يخفى على الرائي فقط
وأخذ من ذلك بعض غلاة الشيعة أنه لا مانع ولا بعد أن الحق سبحانه وتعالى يظهر في صورة علي رضي الله تعالى عنه وأولاده أي الأئمة الإثنى عشر وهم الحسن والحسين وابن الحسين زين العابدين وابنه محمد الباقر وابن محمد الباقر جعفر الصادق وابن جعر الصادق موسى الكاظم وابن موسى الكاظم على الرضا وابن علي الرضا محمد الجواد وابن محمد الجواد على التقي والحادي عشر حسن العسكري والثاني عشر ولد حسن العسكري وهو المهدي صاحب الزمان وهو حي باق إلى أن يجتمع بسيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام على ما فيه فقد قال عبدالله بن سبأ يوما لعلي رضي الله تعالى عنه أنت أنت يعني أنت الإله فنفاه على إلى المدائن وقال لا تساكني في بلد أبدا وكان عبدالله بن سبأ هذا يهوديا كان من أهل صنعاء وأمه يهودية سوداء ومن ثم كان يقال له ابن السوداء وكان أول من أظهر سب الشيخين ونسبهما للإفتيات على سيدنا علي رضي الله تعالى عنه
ولما قيل لسيدنا علي لولا أنك تضمر ما أعلن به هذا ما اجترأ على ذلك فقال علي معاذ الله أنى أضمر لهما ذلك لعن الله من أضمر لهما إلا الحسن الجميل فأرسل إلى ابن سبأ فأظهر الإسلام في أول خلافة عثمان وقيل في أول خلافة عمر وكان قصده بإظهار الإسلام بوار الإسلام وخذلان أهله
وكان يقول قبل إظهاره الإسلام في يوشع بن نون بمثل ما قال في علي وكان يقول في علي إنه حي لم يقتل وإن فيه الجزء الإلهي وإنه يجئ في السحاب والرعد صوته والبرق سوطه وإنه ينزل بعد ذلك إلى الأرض فيملؤها عدلا كما ملئت جورا وظلما وعبدالله هذا كان يظهر أمر الرجعة أي أنه صلى الله عليه وسلم يرجع إلى الدنيا كما يرجع عيسى وكان يقول العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع إلى الدنيا ويكذب برجعة محمد وقد قال الله تعالى { إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد } فمحمد أحق بالرجوع من عيسى وأظهر أمر الوصية أي أن عليا رضي الله تعالى عنه أوصى له صلى الله عليه وسلم بالخلافة وكان هو السبب في إثارة الفتنة التي قتل فيها عثمان رضي الله تعالى عنه كما سيأتي
ومن غلاة الشيعة من قال بألوهية أصحاب الكساء الخمسة محمد صلى الله عليه وسلم وعلي وفاطمة والحسن والحسين رضي الله تعالى عنهم
ومنهم من قال بألوهية جعفر الصادق وألوهية آبائه وهم الحسين وابنه زين العابدين وابن زين العابدين محمد الباقر وهؤلاء الشيعة موافقون في ذلك لمن يقول بالحلول وهم الحلاجية أصحاب حسين بن منصور الحلاج كانوا إذا رأوا صورة جميلة زعموا أن معبودهم حل فيها
وممن زعم الحلول حتى ادعى الألوهية المقنع عطاء الخراساني وذلك في سنة ثلاث وستين ومائة ادعى أن الله عزوجل في صورة آدم ثم في صورة نوح ثم إلى أن حل في صورته هو فاقتنن به خلق كثير بسبب التمويهات التي أظهرها لهم فإنه كان يعرف شيئا من السحر والنيرنجيات فقد أظهر قمرا يراه الناس من مسافة شهرين من موضعه ثم يغيب ولما اشتهر أمره ثار عليه الناس وقصدوه ليقتلوه وجاءوا إلى القعلة التي كان متحصنا بها فلما علم ذلك أسقى أهله سما فماتوا ومات ودخل الناس تلك القلعة فقتلوا من بقى حيا بها من أتباعه
والقول بالإتحاد كفر فقد قال العز بن عبدالسلام من زعم أن الإله يحل في شيء من أجسام الناس أو غيرهم فهو كافر وأشار إلى أنه كافر إجماعا من غير خلاف وأنه لا يجرى فيه الخلاف الذي جرى في تكفير المجسمة ومن ثم ذكر القاضي عياض في الشفاء أن من ادعى حلول الباري في أحد الأشخاص كان كافرا بإجماع المسلمين
وقول بعض العارفين وهو أبو يزيد البسطامي سبحاني ما أعظم شأني وقوله { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني } وقوله وأنا ربي الأعلى وقوله أنا الحق وهو أنا وأنا هو ليس من دعوى الحلول في شيء وإنما قوله سبحاني إني أنا الله محمول على الحكاية أي قال ذلك على لسان الحق من باب حديث إن الله تعالى قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده وقوله أنا ربي الأعلى وأنا الحق الخ إنما قال ذلك لأنه انتهى سلوكه إلى الله تعالى بحيث استغرق في بحر التوحيد بحيث غاب عن كل ما سواه سبحانه وصار لا يرى في الوجود غيره سبحانه وتعالى الذي هو مقام الفناء ومحو النفس وتسليم الأمر كله له تعالى وترك الإرادة منه والإختيار
فالعارف إذا إلى هذا المقام وصل ربما قصرت عبارته عن بيان ذلك الحال الذي نازله فصدرت عنه تلك العبارة الموهمة للحلول
وقد اصطلحوا على تسمية هذا المقام الذي هو مقام الفناء بالإتحاد ولا مشاحة في الإصطلاح لأنه اتحد مراده بمراد محبوبه فصار المرادان واحدا لفناء إرادة المحب في مراد المحبوب فقد فنى عن هوى نفسه وحظوظها فصار لا يحب إلا لله ولا يبغض إلالله ولا يوالى إلالله ولا يعادي إلالله ولا يعطى إلا لله ولا يمنع إلا لله ولا يرجو إلا لله ولا يستعين إلا بالله فيكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما
وفي كلام سيدي علي رضي الله تعالى عنه حيث أطلق القول بالإتحاد في كلام القوم في الصوفية فمرادهم فناء مرادهم في مراد الحق جل وعلا كما يقول بين فلان وفلان اتحاد إذا عمل كل منهما على وفق مراد الآخر { ولله المثل الأعلى } هذا كلامه رضي الله تعالى عنه ورضى عنا به وهذا مقام غير مقام الوحدة المطلقة الخارجة عن دائرة العقل التي ذكر السعد والسيد أن القول بها باطل وضلال أي لأنه يلزم عليها القول بالجمع بين الضدين
فقد قال بعض العلماء حضرة الجمع عبارة عن شهود اجتماع الرب والعبد في حال فناء العبد فيكون موجودا في آن واحد ولا يدرك ذلك إلا من أشهده الله الجمع بين الضدين ومن لم يشهد ذلك أنكره ويجوز أن يكون الجسد للملك متعددا وعليه فمن الممكن أن يجعل الله لروح الملك قوة يقدر بها على التصرف في جسد آخر غير جسدها المعهود مع تصرفها في ذلك الجسد المعهود كما هو شأن الأبدال لأنهم يرحلون إلى مكان ويقيمون في مكانهم شبحا آخر مشبها لشبحهم الأصلي بدلا عنه
وقد ذكر ابن السبكي في الطبقات أن كرامات الأولياء أنواع وعد منها أن يكون لهم أجساد متعددة قال وهذا الذي تسميه الصوفية بعالم المثال ومنه قصة قضيب البان وغيره أي كواقعة الشيخ عبدالقادر الطحطوطي نفعنا الله تعالى به
فقد ذكر الجلال السيوطي رحمه الله تعالى أنه رفع إليه سؤال في رجل حلف بالطلاق أن ولى الله الشيخ عبدالقادر الطحطوطي بات عنده ليلة كذا فحلف آخر بالطلاق أنه بات عنده تلك الليلة بعينها فهل يقع الطلاق على أحدهما قال فأرسلت قاصدي إلى الشيخ عبدالقادر فسأله عن ذلك فقال ولو قال أربعة إني بت عندهم لصدقوا فأفتيت أنه لا حنث على واحد منهما لأن تعدد الصور بالتخيل والتشكل ممكن كما يقع ذلك للجان
وقد قيل في الأبدال إنهم إنما سموا أبدالا لأنهم قد يرحلون إلى مكان ويقيمون في مكانهم الأول شبحا آخر شبيها بشبحهم الأصلي بدلا عنه ويقال عالم المثال كما تقدم فهو عالم متوسط بين عالم الأجساد وعالم الأرواح فهو الطف من عالم الاجساد وأكثف من عالم الأرواح فالأرواح تتجسد وتظهر في صور مختلفة من عالم المثال قال وهذا الجواب أولى مما تكلفه بعضهم في الجواب عن جبريل بأنه كان يندمج بعضه في بعض أي الذي أجاب به الحافظ ابن حجر
ومما يدل على وجود المثال رؤيته صلى الله عليه وسلم للجنة والنار في عرض الحائط وقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى { لولا أن رأى برهان ربه } بأنه مثل له يعقوب بمصر وهو بالشام
ومن ذلك ما اشتهر أن الكعبة شوهدت تطوف ببعض أولياء في غير مكانها وممن وقع له ذلك أبو يزيد البسطامي والشيخ عبدالقادر الجيلي والشيخ إبراهيم المتبولي نفعنا الله تعالى ببركاتهم ولعل مجئ جبريل على صورة دحية كان في المدينة بعد إسلام دحية وإسلامه كان بعد بدر فإنه لم يشهدها وشهد المشاهد بعدها إذ يبعد مجيئه على صورة دحية قبل إسلامه
قال الشيخ الأكبر رضي الله تعالى عنه دحية الكلبي كان أجمل أهل زمانه وأحسنهم صورة فكان الغرض من نزول جبريل على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في صورته إعلاما من الله تعالى أنه ما بيني وبينك يا محمد سفير إلا صورة الحسن والجمال وهي التي لك عندي فيكون ذلك بشرى له ولا سيما إذا أتى بأمر الوعيد والزجر فتكون
تلك الصورة الجميلة تسكن منه ما يحركه ذلك الوعيد والزجر هذا كلامه وهو واضح لو كان لا يأتيه إلا على تلك الصورة الجميلة إلا أن يدعى أن من حين أتاه على صورة دحية لم يأته على صورة آدمي غيره وتكون واقعة سيدنا عمر سابقة على ذلك لكن تقدم أنه كان إذا أتاه على صورة الآدمي يأتيه بالوعد والبشارة أي لا بالوعيد والزجر فليتأمل
وفي البرهان للزركشي في التنزيل أي تلقى القرآن طريقان
أحدهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انخلع من صورة البشرية إلى صورة الملكية وأخذه من جبريل أي لأن الأنبياء يحصل لهم الإنسلاخ من البشرية إلى الملكية بالفطرة الإلهية من غير إكتساب فيما هو أقرب من لمح البصر
والثاني أن الملك من الملكية البشرية إلى حتى أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم منه هذا كلامه والراجح أن المنزل اللفظ والمعنى تلقفه جبريل من الله تعالى تلقفا روحانيا أو أن الله تعالى خلق تلك الألفاظ أي الأصوات الدالة عليها في الجو وأسمعها جبريل وخلق فيه علما ضروريا أنها دالة على ذلك المعنى القديم القائم بذاته تعالى وأوحاه إليه صلى الله عليه وسلم كذلك أو حفظه جبريل من اللوح المحفوط ونزل به
واعلم أن من حالات الوحي النفث أي أنه كان ينفث في روعه الكلام نفثا قال صلى الله عليه وسلم إن روح القدس أي المخلوق من الطهارة يعنى جبريل نفث أي ألقى
والنفث في الأصل النفخ اللطيف الذي لا ريق معه في روعي بضم الراء أي قلبي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها ورزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب أي عاملوا بالجميل في طلبكم وتتمته ولا يحملنكم إستبطاء الرزق على أن تطلبوه بمعصية الله أي كالكذب فإن ما عند الله لن ينال إلا بطاعته
وفي كلام ابن عطاء الله الإجمال في الطلب يحتمل وجوها كثيرة
منها أن لا يطلبه مكبا عليه مشتغلا عن الله تعالى به ومنها أن يطلبه من الله تعالى ولا يعين قدرا ولا وقتا لأن من طلب وعين قدرا أو وقتا فقد تحكم على ربه وأحاطت الغفلة بقلبه ومنها أن يطلب وهو شاكر لله إن أعطى وشاهد حسن إختياره إذا منع ومنها أن يطلب من الله تعالى ما فيه رضاه ولا يطلب ما فيه حظوظ دنياه
ومنها أن يطلب ولا يستعجل الإجابة وفي حديث ضعيف اطلبوا الحوائج بعزة النفس فإن الأمور تجرى بالمقادير
ومن حالات الوحي أنه كان يأتيه في مثل صلصلة الجرس وهي أشد الأحوال عليه صلى الله عليه وسلم أي لما قيل إنه كان يأتيه في هذه الحالة بالوعيد والنذارة
أقول روى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن الحارث بن هشام رضي الله تعالى عنه وهو أخو أبو جهل لأبويه وكان يضرب به المثل في السودد حتى قال الشاعر ** أحسبت أن أباك حين تسبنى ** في المجد كان الحارث بن هشام ** ** أولى قريش بالمكارم والندى ** في الجاهلية كان والإسلام **
أسلم يوم الفتح وسيأتي أنه استجار في ذلك اليوم بأم هانئ أخت علي بن أبي طالب وأراد علي قتله فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ وحسن إسلامه وشهد حنينا وكان من المؤلفة كما سيأتي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يأتيك الوحي أي حامله الذي هو جبريل قال أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيقصم بالفاء أي يقلع عني وقد وعيت ما قال وفي رواية يأتيني أحيانا له صلصلة كصلصلة الجرس وأحيانا يتمثل لي الملك الذي هو حامل الوحي رجلا أي يتصور بصورة الرجل وفي رواية في صورة الفتي فيكلمني فأعي ما يقول وروى أنه في الحالة الثانية ينفلت منه ما يعيه بخلاف الحالة الأولى
ونص هذا الرواية كان الوحي يأتيني على نحوين يأتيني جبريل فيلقيه على كما يلقى الرجل على الرجل فذلك ينفلت مني ويأتيني في شيء مثل صوت الجرس حتى يخالط قلبي فذاك الذي لا ينفلت مني
قيل وإنما كان ينفلت منه في الحالة الأولى لشدة تأنسه بحامله لأنه يأتي إليه في صورة يعهدها ويخاطبه بلسان يعهده فلا يثبت فيما ألقى إليه بخلافه في الحالة الثانية لأن سماع مثل هذاالصوت الذي يفزع منه القلب مع عدم رؤية أحد يخاطبه إذا علم أنه وحي واضطر إلى التثبيت في ذلك وقولنا أي حامله يخالف قول الحافظ ابن حجر حيث ذكر أن قوله مثل صلصة الجرس بين بها صفة الوحي لا صفة حامله
وفيه أن ذلك لا يناسب قوله وقد وعيت ما قال وقول بعضهم الصلصلة المذكورة
هي صوت الملك بالوحي وقوله يأتيني أحيانا له كصلصلة الجرس وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا وكان صلى الله عليه وسلم يجد ثقلا عند نزول الوحي ويتحدر جبينه عرقا في البرد كأنه الجمان وربما غط كغطيط البكر محمرة عيناه
وعن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه كان إذا نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثقل لذلك ومرة وقع فخذه على فخذي فوالله ما وجدت شيئا أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وربما أوحى إليه وهو على راحلته فترعد حتى يظن أن ذراعها ينفصم وربما بركت
أي وجاء أنه لما نزلت سورة المائدة عليه صلى الله عليه وسلم كان على ناقته فلم تستطع أن تحمله فنزل عنها
وفي رواية فاندق كتف راحلته العضباء من ثقل السورة ولا يخالفه ما قبله لأنه جاز أن يكون حصل لها ذلك فكان سببا لنزوله ثم رأيت في رواية ما يصرح بذلك
وجاء ما من مرة يوحى إلى إلا ظننت أن نفسي تقبض منه وعن أسماء بنت عميس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي يكاد يغشى عليه وفي رواية يصير كهيئة السكران
أقول أي يقرب من حال المغشى عليه لتغيره عن حالته المعهودة تغيرا شديدا حتى تصير صورته صورة السكران أي مع بقاء عقله وتمييزه
ولا ينافى ذلك قول بعضهم ذكر العلماء أنه صلى الله عليه وسلم كان يؤخذ عن الدنيا لأنه يجوز أن يكون مع ذلك على عقله وتمييزه على خلاف العادة وهذا هو اللائق بمقامه صلى الله عليه وسلم وحينئذ لا ينتقض وضوؤه
ثم رأيت صاحب الوفاء قال فإن قال قائل ما كان يجرى عليه صلى الله عليه وسلم من البرحاء حين نزول الوحي هل ينتقض وضوؤه
والجواب لا لأنه صلى الله عليه وسلم كان محفوظا في منامه تنام عيناه ولا ينام قلبه فإن كان النوم الذي يسقط فيه الوكاء لا ينقض وضوءه فالحالة التي أكرم فيها بالمسارة وإلقاء الهدى إلى قلبه أولى لكون طباعه فيها معصومة من الأذى هذا كلامه وما ذكرناه أولى لما تقرر أن الإغماء أبلغ من النوم فليتأمل
وفي كلام الشيخ محيى الدين ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم وجميع من يأتيه الوحي
من الأنبياء كان إذا جاءه الوحي يستلقى على ظهره حيث قال سبب أضطجاع الأنبياء على ظهورهم عند نزول الوحي إليهم أن الوارد الإلهي الذي هو صفة القيومية إذا جاءهم اشتغل الروح الإنساني عن تدبيره فلم يبق للجسم من يحفظ عليه قيامه ولا قعوده فرجع إلى أصله وهو لصوقه بالأرض
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي صدع فيغلف رأسه بالحناء قيل وهو محمل قول بعض الصحابة إنه صلى الله عليه وسلم كان يخضب بالحناء وإلا فهو عليه الصلاة والسلام لم يخضب لأنه لم يبلغ سنا يخضب فيه
وفيه أنه أمر بالخضاب للشباب فقد جاء اختضبوا بالحناء فإنه يزيد في شبابكم وجمالكم ونكاحكم وفي مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي لم يستطع أحد منا يرفع طرفه إليه حتى ينقضى الوحي وفي لفظ كان إذا نزل عليه صلى الله عليه وسلم الوحي استقبلته الرعدة وفي رواية كرب لذلك وتربد له وجهه وغمض عينيه وربما غط كغطيط البكر
وعن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه كان إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم السورة الشديدة أخذه من الشدة والكرب على قدر شدة السورة وإذا أنزل عليه السورة اللينة أصابه من ذلك على قدر لينها
وعن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان إذا نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي يسمع عند وجهه كدوى النحل
وذكر الحافظ ابن حجر أن دوى النحل لا يعارض صلصلة الجرس أي المتقدم ذكرها لأن سماع الدوى بالنسبة للحاضرين والصلصلة بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فالراوي شبه بدوي النحل والنبي صلى الله عليه وسلم شبه بصلصلة الجرس أي فالمراد بهما شيء واحد والله أعلم
ومن حالاته أي حالات الوحي أي حامله أنه كان يأتيه على صورته التي خلقه الله تعالى عليها له ستمائة جناح
أقول فيوحى إليه في تلك الحالة كما هو المتبادر وفيه أنه جاء عن عائشة وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير جبريل على صورته التي خلقه الله
عليها إلا مرتين حين سأله أن يريه نفسه فقال وددت أني رأيتك في صورتك أي وذلك بحراء أوائل البعثة بعد فترة الوحي بالأفق الأعلى من الأرض وهذه المرة هي المعنية بقوله تعالى { ولقد رآه بالأفق المبين } وبقوله تعالى { فاستوى وهو بالأفق الأعلى } طلع جبريل من المشرق فسد الأفق إلى المغرب فخر النبي صلى الله عليه وسلم مغشيا عليه فنزل جبريل عليه السلام في صورة الآدميين وضمه إلى نفسه وجعل يمسح الغبار عن وجهه الحديث والأخرى ليلة الإسراء المعنية بقوله تعالى { ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى } وسيأتي الكلام على ذلك
وفي الخصائص الصغرى خص صلى الله عليه وسلم برؤيته جبريل في صورته التي خلقه الله عليها أي لم يره أحد من الأنبياء على تلك الصورة إلا نبينا صلى الله عليه وسلم
وذكر السهيلي أن المراد بالأجنحة في حق الملائكة صفة الملكية وقوة روحانية وليست كأجنحة الطير ولا ينافى ذلك وصف كل جناح منها بأنه يسد ما بين المشرق والمغرب هذا كلامه فليتأمل
ولعله لا ينافيه ما تقدم عن الحافظ ابن حجر من أن تمثل الملك رجلا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلا بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسا لمن يخاطبه
والظاهر أن القدر الزائد لا يزول ولا يفنى بل يخفى على الرائي فقط والله اعلم
ومن حالات الوحي أي نفسه أي الموحى به لا حامله الذي هو جبريل أن الله تعالى أوحى إليه صلى الله عليه وسلم بلا وساطة ملك بل من وراء حجاب يقظة أو من غير حجاب بل كفاحا وذلك ليلة المعراج واسم الإشارة يحتمل أن يكون لنوعين وقع كل منهما ليلة الإسراء
ويحتمل أن يكون نوعا واحدا وأن الأول بناء على القول بعدم الرؤية والثاني بناء على القول بالرؤية وحينئذ لا يناسب عد ذلك نوعين كما فعل الشامي ومن ثم نسب ابن القيم هذاالنوع الثاني لبعضهم كالمتبرئ منه حيث قال وقد زاد بعضهم مرتبة ثانية وهي تكليم الله تعالى له صلى الله عليه وسلم كفاحا بغير حجاب هذا كلامه لأن ابن القيم ممن لا يقول بوجود الرؤية فما زاده بعضهم بناء على القول بوجود الرؤية كما علمت وحينئذ يكون هذا ليلة المعراج وعلى هذا جاء قوله تعالى { وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا }
وقول ابن القيم السادسة أي من حالات الوحي ما أوحاه الله تعالى إليه وهو فوق السموات من فرض الصلوات وغيرها لأن ذلك إنما هو ليلة المعراج بغير واسطة ملك وهذا يحتمل لأن يكون من غير حجاب وأن يكون من وراء الحجاب فهي لم تخرج عما تقدم
وكذا قوله السابعة أي من حالات الوحي كلام الله تعالى منه إليه بلا واسطة ملك كما كلم موسى أي من وراء حجاب فهي لم تخرج عما تقدم وحينئذ يكون كلمه صلى الله عليه وسلم في ليلة المعراج بواسطة الملك وكلمه بغير واسطة الملك من وراء حجاب ومشافهة من غير حجاب وصاحب المواهب نقل عن الولي العراقي كلاما فيه الإعتراض على ابن القيم بغير ما ذكر والجواب عنه وأقره مع ما في ذلك الكلام من النظر الظاهر الذي لا يكاد يخفى والله أعلم
قال الحافظ السيوطي وليس في القرآن من هذاالنوع أي مما شافهه به الحق تعالى من غير حجاب شيء فيما أعلم
نعم يمكن أن يعد منه آخر سورة البقرة أي آمن الرسول إلى آخر الآيات لأنها نزلت كما في الكامل للهذلي بقاب قوسين
وروى الديلمي قيل يا رسول الله أي آية في كتاب الله تحب أن تصيبك وأمتك قال آخر سورة البقرة فإنها من كنز الرحمن من تحت العرش ولم تترك خيرا في الدنيا والآخرة إلا اشتملت عليه ولعل هذا لا يعارض ما جاء في فضل آية الكرسي من قوله صلى الله عليه وسلم وقد قيل له يا رسول الله أي آية في كتاب الله تعالى أعظم قال آية الكرسي أعظم وما جاء عن الحسن رضي الله تعالى عنه مرسلا افضل القرآن البقرة وأفضل آية الكرسي وفي رواية أعظم آية فيها آية الكرسي وفي الجامع الصغير آية الكرسي ربع القرآن
ونزل في ذلك الموطن الذي هو قاب قوسين بعض سورة الضحى وبعض سورة ألم نشرح قال صلى الله عليه وسلم سألت ربي مسألة وودت أني لم أكن سألته سألت ربي اتخذت إبراهيم خليلا وكلمت موسى تكليما فقال يا محمد ألم أجدك يتيما فآويتك وضالا فهديتك وعائلا فأغنيتك وشرحت لك صدرك ووضعت عنك وزرك ورفعت لك ذكرك فلا أذكر إلا وتذكر معي انتهى
أقول قد يقال لا يلزم من النزول في قاب قوسين أن يكون مشافهة من غير حجاب وقوله فقال يا محمد ألم أجدك إلى آخره ليس هذا نص التلاوة وإن هذا ظاهر في أن المتلو الدال على ما ذكر نزل قبل ذلك وأن هذا تذكير به والله أعلم
ومن حالات الوحي أنه أوحى إليه بلا واسطة ملك مناما كما في حديث معاذ أتاني ربي وفي لفظ رأيت ربي في أحسن صورة أي خلقة فقال فيما يختصم الملأ الأعلى يا محمد قلت أنت أعلم أي رب فوضع كفه بين كتفي فوجدت بردها بين ثديى فعلمت ما في السماء والأرض أي وفي كلام الشيخ محيى الدين بن العربي رضي الله تعالى عنه فهذا علم حاصل لا عن قوة من القوى الحسية أو المعنوية وهذا لا يبعد أن يقع مثله للأولياء بطريق الإرث أي تجلى له الحق بالتجلي الخاص الذي ما ذكر عبارة عنه وفي رواية فعلمت علم الأولين والآخرين أي ومن حالات الوحي رؤيا النوم قال صلى الله عليه وسلم رؤيا الأنبياء وحي كما تقدم
ومن حالاته العلم الذي يلقيه الله تعالى في قلبه عند الإجتهاد في الأحكام بناء على ثبوته لا بواسطة ملك وبذلك فارق النفث في الروع
وبذكر هذه الأنواع للوحي يعلم أن ما تقدم من حصره في الحالتين المذكورتين عند سؤال الحارث له صلى الله عليه وسلم أغلبي أو أن ما عداهما وقع بعد سؤال الحارث له
وفي ينبوع الحياة عن ابن جرير مانزل جبريل بوحي قط إلا وينزل معه من الملائكة حفظة يحيطون به وبالنبي الذي يوحى إليه يطردون الشياطين عنهما لئلا يسمعوا ما يبلغه جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الغيب الذي يوحيه إليه فيلقوه إلى أوليائهم ثم رأيته في الإتقان ذكر أن من القرآن ما نزل معه ملائكة مع جبريل تشيعه من ذلك سورة الأنعام شيعها سبعون ألف ملك وفاتحة الكتاب شيعها ثمانون ألف ملك وآية الكرسي شيعها ثمانون ألف ملك وسورة يس شيعها ثلاثون ألف ملك { واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا } شيعها عشرون ألف ملك ولعل هذا لا ينافى ما تقدم من أن الغرض من تساقط النجوم عند البعثة حراسة السماء من استراق الشياطين لما يوحى لجواز أن يكون هذا لحفظ ما يوحى من إستراقه في الأرض وبين السماء والأرض
وعن النخعي إن أول سورة أنزلت عليه صلى الله عليه وسلم { اقرأ باسم ربك }
قال الإمام النووي وهو الصواب الذي عليه الجماهير من السلف والخلف هذا كلامه ولا يخفى أن مراد النخعي بالسورة هنا القطعة من القرآن أي أول آيات أنزلت فلا ينافى ما تقدم من رواية عمرو بن شرحبيل مما يدل على أن أول سورة أنزلت فاتحة الكتاب لأن المراد أول سورة كاملة نزلت لا في شأن الإنذار فلا ينافي ما تقدم من رواية جابر ما يقتضى أن أول ما نزل { يا أيها المدثر } لأن المراد بذلك أول سورة كاملة نزلت في شأن الإنذار بعد فترة الوحي أي فإنها نزلت قبل تمام نزول سورة اقرأ وهذا الجمع تقدم الوعد به أي لكن يشكل عليه ما في الكشاف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مانزل علي القرآن إلا آية آية وحرفا حرفا ما خلا سورة براءة وقل هو الله أحد فإنهما أنزلتا علي ومعهما سبعون ألف صف من الملائكة فإن هذاالسياق يدل على أنه لم ينزل عليه صلى الله عليه وسلم سورة كاملة إلا براءة { قل هو الله أحد } ويخالفه ما في الإتقان أن مما نزل جملة سورة الفاتحة وسورة الكوثر وسورة تبت وسورة لم يكن وسورة النصر والمرسلات والأنعام لكن ذكر ابن الصلاح أن هذا روى بسند فيه ضعف قال ولم أر له إسنادا صحيحا
وقد روى ما يخالفه ولم يذكر في الإتقان مما نزل جملة سورة براءة وذكر أن المعوذتين نزلتا دفعة واحدة وحينئذ يكون المراد بقوله صلى الله عليه وسلم إلا آية آية وحرفا حرفا أي كلمة والمراد بها ما قابل السورة وإلا فقد أنزل عليه ثلاث آيات وأربع آيات وعشر آيات كما أنزل آية وبعض آية فقد صح نزول { غير أولي الضرر } منفردة وهي بعض آية
وفي الإتقان عن جابر بن زيد قال أول ما أنزل الله تعالى من القرآن بمكة أقرأ { باسم ربك } ثم { ن والقلم } ثم { يا أيها المزمل } ثم { يا أيها المدثر } ثم الفاتحة إلى آخر ما ذكر
ثم قال قلت هذا السياق غريب وفي هذا الترتيب نظر وجابر بن زيد من علماء التابعين هذا كلامه وذكر بعض المفسرين أن سورة التين أول ما نزل من القرآن والله أعلم وما تقدم من أن نزول { يا أيها المدثر } كان في شأن الإنذار بعد فترة الوحي لأنه كان بعد نزول جبريل عليه باقرأ باسم ربك مكث مدة لا يرى جبريل
أي وإنما كان كذلك ليذهب ما كان يجده من الرعب وليحصل له التشوف إلى العود
ومن ثم حزن لذلك حزنا شديدا حتى غدا مرارا كي يتردى من رءوس شواهق الجبال فكلما وافى بذروة كي يلقى نفسه منها تبدي له جبريل عليه السلام فقال يامحمد إنك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه أي قلبه وتقر نفسه ويرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فإذا وافى ذروة جبل تبدى له مثل ذلك قال وفي رواية أنه لما فتر الوحي عنه صلى الله عليه وسلم حزن حزنا شديدا حتى كان يغدو إلى ثبير مرة وإلى حراء مرة أخرى يريد أن يلقى نفسه منه فكلما وافى ذروة جبل منهما كي يلقى نفسه تبدي له جبريل فقال يا محمد أنت رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه وتقر عينه ويرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي عاد لمثل ذلك وكانت تلك المدة أربعين يوما وقيل خمسة عشر يوما وقيل اثنى عشر يوما وقيل ثلاثة أيام قال بعضهم وهو الأشبه بحاله عند الله تعالى انتهى
أقول ويبعد هذا الأشبه قوله فإذا طالت عليه فترة الوحي والله أعلم وفي الأصل وهذه الفترة لم يذكر لها ابن إسحاق مدة معينة
أقول في فتح الباري أن ابن إسحاق جزم بأنها ثلاث سنين والله أعلم
قال أبو القاسم السهيلي وقد جاء في بعض الأحاديث المسندة أن مدة هذه الفترة كانت سنتين ونصف سنة أي وفي كلام الحافظ ابن حجر وهذا الذي اعتمده السهيلي لا يثبت وقد عارضه ما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن مدة الفترة كانت أياما أي وأقلها ثلاثة أي وتقدم ما فيه قال قال بعض الحفاظ والظاهر والله أعلم أنها أي مدة الفترة كانت بين اقرأ و { يا أيها المدثر } هي المدة التي اقترن معه فيها إسرافيل كما قال الشعبي انتهى
أقول ويوافق ذلك ما في الإستيعاب لإبن عبد البر أن الشعبي قال أنزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين وقرن بنبوته إسرافيل عليه الصلاة والسلام ثلاث سنين وقد تقدم ذلك
وفي الأصل عن الشعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل به إسرافيل فكان يتراءى له ثلاث سنين ويأتيه بالكلمة من الوحي ولم ينزل القرآن أي شيء منه على لسانه ثم وكل به جبريل فجاءه بالوحي والقرآن وهو موافق في ذلك لما في سيرة شيخه الحافظ الدمياطي حيث قال قال بعض العلماء وقرن به إسرافيل ثم قرن به جبريل وهو
ظاهر في أن اقتران إسرافيل به كان بعد النبوة ويؤيده قوله ويأتيه بالكلمة من الوحي ومحتمل لأن يكون ذلك قبل النبوة فيوافق ما تقدم عن الماوردي لكن تقدم أنه كان يسمع حسه ولا يرى شخصه إلا أن يقال لا يلزم من كونه يتراءى له أن يراه وقوله يأتيه بالكلمة من الوحي هو معنى قوله يأتيه بالشيء بعد الشيء ثم رأيت الواقدي أنكر على الشعبي كون إسرافيل قرن به أولا وقال لم يقترن به من الملائكة إلا جبريل أي بعد النبوة ويحتمل مطلقا قال بعضهم ما قاله الشعبي هو الموافق لما هو المشهور المحفوظ الثابت في الأحاديث الصحيحة وخبر الشعبي مرسل أو معضل فلا يعارض ما في الأحاديث الصحيحة هذا كلامه
ثم رأيت الحافظ ابن حجر نظر في كلام الواقدي بأن المثبت مقدم على النافي إلا أن صحب النافي دليل نفيه فيقدم هذا كلامه
لا يقال قد وجد الدليل فقد جاء بينا النبي صلى الله عليه وسلم جالس وعنده جبريل إذ سمع نغيضا أي هده من السماء فرفع جبريل بصره إلى السماء فقال يا محمد هذا ملك قد نزل لم ينزل إلى الأرض قط قال جماعة من العلماء إن هذا الملك إسرافيل لأنا نقول هذا مجرد دعوى لا دليل عليها ولا يحسن أن يكون مستندهم في ذلك ما في الطبراني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد هبط على ملك من السماء ما هبط على نبي قبلي ولا يهبط على أحد بعدي وهو إسرافيل فقال أنا رسول ربك الحديث
ومن ثم عد السيوطى من خصائصه صلى الله عليه وسلم هبوط إسرافيل عليه إذ ليس في ذلك دليل على أن إسرافيل لم يكن نزل إليه قبل ذلك حتى يكون دليلا على أن اقتران جبريل به سابق على اقتران إسرافيل به
هذا وفي كلام الحافظ السيوطي أن مجئ إسرافيل كان بعد ابتداء الوحي بسنتين قال كما يعرف ذلك من سائر طرق الأحاديث وهو بظاهره يرد ما في سفر السعادة أنه صلى الله عليه وسلم لما بلغ تسع سنين أمر الله تعالى إسرافيل أن يقوم بملازمته
ولما بلغ إحدى عشرة سنة أمر جبريل بملازمته صلى الله عليه وسلم فلازمه تسعا وعشرين سنة فليتأمل
وعن يحيى بن بكير قال ما خلق الله خلقا في السموات أحسن صوتا من إسرافيل فإذا قرأ في السماء يقطع على أهل السماء ذكرهم وتسبيحهم
ثم رأيت في فتح الباري ليس المراد بفترة الوحي المقدرة بثلاث سنين أي على ما تقدم ما بين نزول اقرأ ويا أيها المدثر عدم مجئ جبريل إليه بل تأخر نزول القرآن عليه فقط هذا كلامه أي فكان جبريل يأتى إليه بغير قرآن بعد مجيئة إليه باقرأ ولم يجئ إليه بالقرآن الذي هو يا أيها المدثر إلا بعد الثلاث سنين على ما تقدم ثم في تلك المدة مكث أياما لا يأتيه أصلا ثم جاءه بيا أيها المدثر فكان قبل تلك الأيام يختلف إليه هو وإسرافيل وهذا السياق كما لا يخفى يؤخذ منه عدم المنافاة بين كون مدة فترة الوحي ثلاث سنين كما يقول ابن إسحاق وسنتين ونصفا كا يقول السهيلي وسنتين كما يقول الحافظ السيوطى وبين كونها أياما أقلها ثلاثة وأكثرها أربعون كما تقدم عن ابن عباس لأن تلك الأيام هي التي كانت لا يرى فيها جبريل أصلا على ما تقدم أي ولا يرى فيها إسرافيل أيضا وفي غير تلك الأيام كان يأتيه بغير القرآن وحينئذ لا يحسن رد الحافظ فيما سبق على السهيلي وينبغي أن تكون تلك الأيام التي لا يرى فيها جبريل وإسرافيل هي التي يريد فيها أن يلقى نفسه من رءوس شواهق الجبال وهذا السياق أيضا يدل على أن النبوة سابقة على الرسالة بناء على أن الرسالة كانت بيا أيها المدثر ويصرح به ما تقدم من قول بعضهم نبأه بقوله { اقرأ باسم ربك } وأرسله بقوله { يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر } وأن بينهما فترة الوحي وعليه أكثر الروايات
وقيل النبوة والرسالة مقترنان ولعل من يقول بتلك يقول يا أيها المدثر دلت على طلب الدعوة إلى الله تعالى وهذا غير إظهار الدعوة والمفاجأة بها الذي دل عليه قوله تعالى { فاصدع بما تؤمر } فليتأمل
وذكر السهيلي أن من عادة العرب إذا قصدت الملاطفة أن تسمى المخاطب بإسم مشتق من الحالة التي هو عليها فلاطفه الحق سبحانه وتعالى بقوله { يا أيها المدثر } فبذلك علم رضاه الذي هو غاية مطلوبه وبه كان يهون عليه تحمل الشدائد ومن هذه الملاطفة قوله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وقد نام وترب جنبه قم يا أبا تراب وقوله صلى الله عليه وسلم لحذيفة في غزوة أحد وقد نام إلى الإسفار قم يا نومان
وذكر الشيخ محيى الدين بن العربي في قوله تعالى { يا أيها المدثر قم فأنذر } أعلم أن التدثر إنما يكون من البرودة التي تحصل عقب الوحي وذلك أن الملك إذا ورد على النبي صلى الله عليه وسلم بعلم أو حكم تلقى ذلك الروح الإنساني وعند ذلك تشتعل الحرارة الغريزية فيتغير الوجه لذلك وتنتقل الرطوبات إلى سطح البدن لاستيلاء الحرارة فيكون من ذلك العرق فإذا سرى عنه ذلك سكن المزاج وانقشعت تلك الحرارة وانفتحت تلك المام وقبل الجسم الهواء من خارج فيتحلل الجسم فيبرد المزاج فتأخذه القشعريرة فتزاد عليه الثياب ليسخن هذا ملخص كلامه
وذكر بعضهم في تفسير قوله تعالى { وثيابك فطهر } أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي نفعنا الله تعالى ببركاته قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم فقال يا أبا الحسن طهر ثيابك من الدنس تحظ بمدد الله تعالى في كل نفس فقلت يا رسول الله وما ثيابي قال إن الله كساك حلة التوحيد وحلة المحبة وحلة المعرفة قال ففهمت حينئذ قوله تعالى { وثيابك فطهر }
وجاء في وصف إسرافيل في بعض الأحاديث لا تفكروا في عظم ربكم ولكن تفكروا فيما خلق الله من الملائكة فإن خلقا من الملائكة يقال له إسرافيل زاوية من زوايا العرش على كاهله وقدماه في الأرض السفلى وقد مرق رأسه من سبع سموات وإنه ليتضاءل من عظمة الله تعالى حتى يصير كأنه الوصع فهو عند نزوله يكون حاملا لزاوية العرش أو يخلفه غيره من الملائكة في ذلك & باب ذكر وضوئه وصلاته صلى الله عليه وسلم أول البعثة
أي أول الإرسال إليه باقرأ
أقول في المواهب أنه روى أن جبريل عليه الصلاة والسلام بدا له صلى الله عليه وسلم في أحسن صورة وأطيب رائحة فقال له يا محمد إن الله تعالى يقرئك السلام ويقول لك أنت رسول الله إلى الجن والإنس فادعهم إلى قول لا إله إلا الله ثم ضرب برجله
الأرض فنبعت عين ماء فتوضأ منها جبريل ثم أمره أن يتوضأ وقام جبريل يصلى وأمره أن يصلى معه فعلمه الوضوء والصلاة الحديث
وقوله فعلمه الوضوء يحتمل أن يكون بفعله المذكور ويحتمل أن يكون علمه بقوله افعل كذا في وضوئك وصلاتك ويدل للأول ما سيأتي
وفيه أن قول جبريل المذكور إنما كان عند أمره بإظهار الدعوة والمفاجأة بها إلى الله تعالى بعد فترة الوحي كما سيأتي فالجمع بينه وبين قوله ثم ضرب برجله الأرض إلى آخره لا يحسن لأنه سيأتي أن ذلك كان في يوم نزوله له { اقرأ باسم ربك } ولعله من تصرف بعض الرواة والله أعلم
فعن ابن إسحاق حدثني بعض أهل العلم أن الصلاة حين افترضت على النبي صلى الله عليه وسلم أي قبل الإسراء أتاه جبريل وهو بأعلى مكة فهمز له بعقبه في ناحية الوادي فانفجرت منه عين فتوضأ جبريل و رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر ليريه كيف الطهور أي الوضوء للصلاة أي فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ومسح برأسه وغسل رجليه إلى الكعبين كما في بعض الروايات أي وفي رواية فغسل كفيه ثلاثا ثم تمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثم غسل يديه إلى المرفقين ثم مسح رأسه ثم غسل رجليه ثلاثا ثلاثا ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم فتوضأ مثل وضوئه
أقول وبهذه الرواية يرد قول بعضهم إن النبي صلى الله عليه وسلم زاد في الوضوء التسمية وغسل الكفين والمضمضة والإستنشاق ومسح جميع الرأس والتخليل ومسح الأذنين والتثليث إلا أن يقال مراد هذا البعض أن ما ذكر زاده على ما في الآية وفي كلام بعضهم كانت العرب في الجاهلية يغتسلون من الجنابة ويداومون على المضمضة والإستنشاق والسواك والله أعلم
ثم قام جبريل فصلى به صلى الله عليه وسلم ركعتين يحتمل أن تلك الصلاة كانت بالغداة قبل طلوع الشمس ويحتمل أنها كانت بالعشي أي قبل غروب الشمس وفي الإمتاع وإنما كانت الصلاة قبل الإسراء صلاة بالعشي أي قبل غروب الشمس ثم صارت صلاة بالغداة وصلاة بالعشي ركعتين أي ركعتين بالغداة وركعتين بالعشى والعشى هو العصر
ففي كلام بعض أهل اللغة العصر والعشاء والعصران الغداة والعشى وكانت صلاته
صلى الله عليه وسلم نحو الكعبة واستقبل الحجر الأسود أي جعل الحجر الأسود قبالته وهذا يدل على أنه لم يستقبل في تلك الصلاة بيت المقدس لأنه لا يكون مستقبلا لبيت المقدس إلا إذا صلى بين الركنين الأسود واليماني كما كان يفعل بعد فرض الصلوات الخمس وهو بمكة كما سيأتي أنه كان يصلي بين الركنين الركن اليماني والحجر الأسود ويجعل الكعبة بينه وبين الشام أي بينه وبين بيت المقدس أي صخرته إلا أن يقال يجوز أن يكون عند صلاته إلى الكعبة كان بينهما إلا أنه كان إلى الحجر الأسود أقرب منه إلى اليماني فقيل استقبل الحجر الأسود فلا مخالفة لكن سيأتي ما قد يفيد أنه لم يستقبل بيت المقدس إلا في الصلوات الخمس أي بعد الإسراء وقبل ذلك كان يستقبل الكعبة إلى أي جهة من جهاتها ولما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بصلاة جبريل قال جبريل هكذا الصلاة يا محمد ثم انصرف جبريل فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خديجة وأخبرها فغشي عليها من الفرح فتوضأ لها ليريها كيف الطهور للصلاة كما أراه حبريل فتوضأت كما توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صلى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صلى به جبريل عليه الصلاة والسلام
وفي سيرة الحافظ الدمياطي ما يفيد أن ذلك كان في يوم نزول جبريل عليه الصلاة والسلام له ب { اقرأ باسم ربك } حيث قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم يوم الإثنين وصلى فيه وصلت خديجة آخر يوم الإثنين ويوافقه ظاهر ما جاء أتاني جبريل في أول ما أوحى إلي فعلمني الوضوء والصلاة فلما فرغ الوضوء أخذ غرفة من الماء فنضح بها فرجه أي رش بها فرجه أي محل الفرج من الإنسان بناء على أنه لا فرج له وكون الملك لا فرج له لو تصور بصورة الإنسان استدل عليه بأنه ليس ذكر أو لا أنثى وفيه نظر لأنه يجوز أن يكون له آلة ليست كآلة الذكر ولا كآلة الأنثى كما قيل بذلك في الخنثى ويقال لذلك فرج
وبعض شراح الحديث حمل الفرج على ما يقابل الفرج من الإزار وبذلك استدل أئمتنا على أنه يستحب لمن استنجى بالماء أن يأخذ بعض الإستنجاء كفا من ماء ويرش في ثيابه التي تحاذى فرجه حتى إذا خيل له أن شيئا خرج ووجد بلللا قدر أنه من ذلك الماء ولعل هذا هو المراد بقوله صلى الله عليه وسلم علمني جبريل الوضوء وأمرني أن أنضح تحت ثوبي مما يخرج من البول بعد الوضوء أي دفعا لتوهم خروج شيء من البول بعد الوضوء لو وجد بلل بالمحل
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان ينضح سراويله حتى يبلها وما جاء أنه لما أقرأه باسم ربك قا له جبريل انزل عن الجبل فنزل معه إلى قرار الأرض قال فأجلسني عن درنوك بالدال المهملة والراء والنون أي وهو نوع من البسط ذو خمل ثم ضرب برجله الأرض فنبعت عين ماء فتوضأ منها جبريل الحديث فمشروعية الوضوء كانت مع مشروعية الصلاة التي هي غير الخمس وإن ذلك كان في يوم نزول جبريل باقرأ وهو مخالف لقول ابن حزم لم يشرع الوضوء إلا بالمدينة
ومما يرد ما قاله ابن حزم نقل ابن عبدالبر اتفاق أهل السير على أنه لم يصل صلى الله عليه وسلم قط إلا بوضوء قال وهذا مما لا يجهله عالم هذا كلامه إلا أن يقال مراد ابن حزم أنه لم يشرع وجوبا إلا في المدينة وهو الموافق لقول بعض المالكية إنه كان قبل الهجرة مندوبا أي وإنما وجب بالمدينة بآية المائدة { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم } الآية
ويرده ما في الإتقان أن هذه الآية مما تأخر نزوله عن حكمه يعنى قوله تعالى { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا } إلى قوله { لعلكم تشكرون } فالآية مدنية إجماعا وفرض الوضوء كان بمكة مع فرض الصلاة أي فالوضوء على هذا مكي بالفرض مدني بالتلاوة
قال والحكمة في ذلك أي في نزول الآية بعد تقدم العمل لما يدل عليه أن تكون قرآنيته متلوة هذا كلامه
وقوله مع فرض الصلاة يحتمل أن المراد صلاة الركعتين بناء على أنهما كانتا واجبتين عليه صلى الله عليه وسلم وهو الموافق لما تقدم عن ابن إسحاق ويحتمل أن المراد الصلاة الخمس أي ليلة الإسراء وهو الموافق لما اقتصر عليه شيخنا الشمس الرملي حيث قال وكان فرضه مع فرض الصلاة قبل الهجرة بسنة هذا كلامه وحينئذ يكون قبل ذلك مندوبا حتى في صلاة الليل
وقول صاحب المواهب ما ذكر من أن جبريل عليه الصلاة والسلام علمه الوضوء وأمره به يدل على أن فرضية الوضوء كانت قبل الإسراء فيه نظر ظاهر إذ لا دلالة في ذلك على الفرضية إذ يحتمل أي يكون اللفظ الصادر من جبريل له أمرتك أن تفعل كفعلي وصيغة أمره مشتركة بين الوجوب والندب
وذكر بعضهم أن الغرض من نزول آية المائدة بيان أن من لم يقدر على الوضوء والغسل لمرض أو لعدم الماء يباح له التيمم أي ففرضية الوضوء والغسل سابقة على نزولها ويؤيد ذلك قول عائشة رضي الله تعالى عنها في الآية فانزل الله تعالى آية التيمم ولم تقل آية الوضوء وهي هي لأن الوضوء كان مفروضا قبل أن توجد تلك الآية ويوافقه ما ذكره ابن عبد البر من اتفاق أهل السير على أن الغسل من الجنابة فرض عليه صلى الله عليه وسلم وهو بمكة
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ما يقتضى أن فرض الغسل كان مع فرض الصلوات ليلة الإسراء فقد جاء عنه كانت الصلاة خمسين والغسل من الجنابة سبع مرات فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل حتى جعل الصلاة خمسا والغسل من الجنابة مرة قال بعض فقهائنا رواه أبو داود ولم يضعفه وهو إما صحيح أو حسن قال ذلك البعض ويجوز أن يكون المراد بها أي الغرض من نزولها فرض غسل الرجلين في قراءة من قرأ { وأرجلكم } بالنصب فإن حديث جبريل ليس فيه إلا مسحهما أي وهو أن جبريل أول ما جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي توضأ فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ومسح رأسه ورجليه إلى الكعبين وسجد سجدتين أي ركع ركعتين مواجهة البيت ففعل النبي صلى الله عليه وسلم كما يرى جبرل يفعله هذا كلامه وفيه نظر لأن أكثر الروايات وغسل رجليه كما تقدم فرجليه في هذه الرواية معطوفة على وجهه كما أن أرجلكم في الآية على قراءة الجر معطوفة على الوجوه وإنما جر للمجاورة وإن كان الجر للمجاورة في غير النعت قليلا أو عبر عن الغسل الخفيف بالمسح
وفي كلام الشيخ محيى الدين مسح الرجلين في الوضوء بظاهر الكتاب وغسلهما بالسنة المبينة للكتاب قال ويحتمل العدول عن الظاهر بناء على أن المسح فيه يقال للغسل فيكون من الألفاظ المترادفة وفتح أرجلكم لايخرجها عن الممسوح فإن هذه الواو قد تكون واو المعية
وجاء أنه صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة أي عملا بظاهر قوله تعالى { إذا قمتم إلى الصلاة } الآية فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات الخمس بوضوء واحد فقال له سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه فعلت شيئا لم تكن تفعله فقال عمدا فعلته
يا عمر أي للإشارة إلى جواز الإقتصار على وضوء واحد للصلوات الخمس وجواز ذلك ظاهر في نسخ وجوب الوضوء عليه لكل صلاة ويوافقه قول بعضهم قيل كان ذلك الوضوء لكل صلاة واجبا عليه ثم نسخ هذا كلامه أي ويؤيده ذلك ظاهر ما جاء أنه أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر فلما شق ذلك عليه صلى الله عليه وسلم وضع عنه الوضوء إلا من حدث أي ويكون وقت المشقة يوم فتح مكة لما علمت أنه لم يترك الوضوء لكل صلاة إلا حينئذ وهذا السياق يدل على أن وجوب الوضوء لكل صلاة كان من خصوصياته صلى الله عليه وسلم
ويدل لذلك ما روى عن أنس رضي الله تعالى عنه كان رسول الله عليه وسلم يتوضأ لكل صلاة قيل لهم كيف تصنعون أي هل كنتم تفعلون كفعله صلى الله عليه وسلم قال يجزى أحدنا الوضوء ما لم يحدث أي فوجب الوضوء لكل صلاة كان من خصوصياته صلى الله عليه وسلم وذكر فقهاؤنا أن الغسل كان واجبا عليه صلى الله عليه وسلم لكل صلاة فنسخ بالنسبة للحدث الأصغر تخفيفا فصار الوضوء بدلا عنه ثم نسخ الوضوء لكل صلاة فظاهر سياقهم يقتضى أن وجوب الغسل ثم الوضوء لكل صلاة كان عاما في حقه صلى الله عليه وسلم وحق أمته ويحتاج إلى بيان وقت نسخ وجوب الغسل في حقه صلى الله عليه وسلم وحق أمته وبيان وقت نسخ وجوب الوضوء لكل صلاة في حق الأمة ومنه يعلم أن نسخ وجوب الوضوء لكل صلاة يكون بالنسبة للأمة ثم بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم وحينئذ لا يشكل قول فقهائنا الآية تقتضي وجوب الطهر بالماء أو التراب لكل صلاة خرج الوضوء بالسنة أي بماتقدم من فعله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح وبتجويزه صلى الله عليه وسلم للأمة أن يصلى الواحد منهم الصلوات بوضوء واحد وبقى التيمم على مقتضى الآية فقد وقع النسخ أولا بالنسبة للأمة ثم ثانيا بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم ولعل وجوب الغسل لكل صلاة كان بوحي غير قرآن أو بإجتهاد
ولا يخفى أن كون ظاهر الآية يقتضى وجوب الوضوء والتيمم لكل صلاة إنما هو بقطع النظر عما نقله إمامنا رضي الله تعالى عنه عن زيد بن أسلم أن الآية فيها تقديم وحذف وأن التقدير { إذا قمتم إلى الصلاة } من النوم { أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء } { فاغسلوا وجوهكم } الآية والله أعلم
وعن مقاتل بن سليمان فرض الله تعالى في أول الإسلام الصلاة ركعتين بالغداة أي قبل طلوع الشمس وركعتين بالعشى أي قبل غروب الشمس
أقول إن كان المراد بأول الإسلام نزول جبريل عليه بأقرأ يرد ما تقدم عن الإمتاع أن أول ما وجب ركعتان بالعشي ثم صارت صلاة بالغداة وصلاة بالعشي ركعتين إلا أن يراد الأولية الإضافية
وفي بعض الأحاديث ما يدل على أن وجوب الركعتين كان خاصا به صلى الله عليه وسلم دون أمته
منها قوله صلى الله عليه وسلم أول ما افترض الله على أمتي الصلوات الخمس وفيه أنه افترض عليها قبل ذلك صلاة الليل ثم نسخ بالصلوات الخمس
وفي الإمتاع كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إلى الكعبة أول النهار فيصلى صلاة الضحى وكانت صلاة لا تنكرها قريش وكان صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذا جاء وقت العصر تفرقوا في الشعاب فرادى ومثنى أي فيصلون صلاة العشي وكانوا يصلون الضحى والعصر ثم نزلت الصلوات الخمس هذا كلامه وهو يفيد أن الركعتين الأوليين كان يصليهما وقت الضحى لا قبل الشمس فليتأمل والله أعلم ثم فرضت الخمس ليلة المعراج
وذهب جمع إلى أنه لم يكن قبل الإسراء صلاة مفروضة أي لا عليه ولا على أمته إلا ما وقع الأمر به من صلاة الليل من غير تحديد أي بقوله تعالى { فاقرؤوا ما تيسر } أي صلوا
أقول وهو الناسخ لما وجب قبل ذلك من التحديد في أول السورة الحاصل بقوله { قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه } وقد نسخ قيام الليل بالصلوات الخمس ليلة الإسراء ولم يذكر أئمتنا وجوب صلاة الركعتين عليه صلى الله عليه وسلم بل قالوا أول ما فرض عليه الإنذار والدعاء إلى التوحيد ثم فرض عليه قيام الليل المذكور في أول سورة المزمل ثم نسخ بما في آخرها ثم نسخ بالصلوات الخمس وهو مخالف لما تقدم عن ابن إسحاق من وجوب صلاة الركعتين عليه ويوافقه قول ابن كثير في قولهم ماتت خديجة قبل أن تفرض الصلوات مرادهم قبل أن تفرض الصلوات الخمس ليلة الإسراء
قال بعضهم وإنما قال ذلك لأن أصل الصلاة في حياة خديجة الركعتين بالغداة والركعتين بالعشي
وفي كلام ابن حجر الهيتمي لم يكلف الناس إلا بالتوحيد فقط ثم استمر على ذلك مدة مديدة ثم فرض عليهم من الصلاة ما ذكر في سورة المزمل ثم نسخ ذلك كله بالصلوات الخمس ثم لم تكثر الفرائض وتتابع إلا بالمدينة ولما ظهر الإسلام وتمكن في القلوب وكان كلما زاد ظهورا وتمكن ازدادت الفرائض وتتابعت هذا كلامه
ولم أقف على ما كان يقرأ في صلاة الركعتين قبل فترة الوحي وبعدها وقبل نزول الفاتحة بناء على تأخر نزولها عن ذلك كما هو الراجح ثم رأيته في الإتقان ذكر أن جبريل حين حولت القبلة أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الفاتحة ركن في الصلاة كما كانت بمكة هذا كلامه وينبغى حمله على الصلوات الخمس وحينئذ يكون ما تقدم من قول بعضهم لم يحفظ أنه كان في الإسلام صلاة بغير الفاتحة محمولا على ذلك أيضا وقد تقدم ذلك والله أعلم & باب ذكر أول الناس إيمانا به صلى الله عليه وسلم
أي بعد البعثة أي الرسالة وهي المرادة عند الإطلاق بناء على أنها مقارنة للنبوة
لا يخفى أنه صلى الله عليه وسلم لما بعث أخفى أمره وجعل يدعو إلى الله سرا وابتعه ناس عامتهم ضعفاء من الرجال والنساء وإلى هذا الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم إن هذا الدين بدا غريبا وسيعود كما بدا فطوبى للغرباء ولا يخفى أن أهل الأثر وعلماء السير على أن أول الناس إيمانا به صلى الله عليه وسلم على الإطلاق خديجة رضي الله تعالى عنها
أقول نقل الثعلبي المفسر إتفاق العلماء عليه وقال النووي إنه الصواب عند جماعة من المحققين وقال ابن الأثير خديجة أول خلق الله تعالى أسلم بإجماع المسلمين لم يتقدمها رجل ولا امرأة
وفيه أن بناته الأربع كن موجودا عند البعثة ويبعد تأخر إيمانهن إلا أن يقال خديجة تقدم لها إشراك بخلافهن أخذا مما يأتي
وعن ابن إسحاق أن خدجة كانت أول من آمن بالله ورسوله وصدقت ما جاء به عن الله تعالى وكان لا يسمع شيئا يكرهه من قومه إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها فأخبرها به
ثم علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه ففي المرفوع عن سلمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أول هذه الأمة ورودا على الحوض أولها إسلاما علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وجاء أنه لما زوجه فاطمة قال لها زوجتك سيدا في الدنيا والآخرة وإنه لأول صحابي إسلاما وأكثرهم علما وأعظمهم حلما وكان لم يبلغ الحلم كما سيأتي حكاية الإجماع عليه كان سنه ثمان سنين وكان عند النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه يطعمه ويقوم بأمره لأن قريشا كان أصابهم قحط شديد وكان أبو طالب كثير العيال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه العباس إن أخاك أبا طالب كثير العيال والناس فيما ترى من الشدة فانطلق بنا إليه فلنخفف من عياله تأخذ واحدا وأنا واحدا فجاءا إليه وقالا إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه فقال لهما أبو طالب إذا تركتما لي عقيلا قيل وطالبا فاصنعا ما شئتما فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله تعالى عنه فضمه إليه وأخذه العباس جعفرا فضمه إليه وتركا له عقيلا وطالبا فلم يزل علي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم
وفي خصائص العشرة للزمخشري أن النبي صل الله عليه وسلم تولى تسميته بعلي وتغذيته أياما من ريقه المبارك بمصه لسانه فعن فاطمة بنت أسد أم علي رضي الله تعالى عنها أنا قالت لما ولدته سماه عليا وبصق في فيه ثم إنه ألقمه لسانه فما زال يمصه حتى نام قالت فلما كان من الغد طلبنا له مرضعة فلم يقبل ثدي أحد فدعونا له محمدا صلى الله عليه وسلم فألقمه لسانه فنام فكان كذلك ما شاء الله عز وجل هذا كلامه فليتأمل
وعنها رضي الله تعالى عنها أنها في الجاهلية أرادت أن تسجد لهبل وهي حامل بعلي فتقوس في بطنها فمنعها من ذلك وكان علي رضي الله تعالى عنه أصغر إخوته فكان بينه وبين أخيه جعفر عشر سنين وبين جعفر وبين أخيه عقيل كذلك وبين عقيل وأخيه طالب ذلك أيضا فكل أكبر من الذي بعده بعشر سنين فأكبرهم طالب ثم عقيل ثم جعفر ثم علي أي وكلهم أسلموا إلا طالبا فإنه اختطفته الجن فذهب ولم يعلم إسلامه
وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم قال لعقيل لما أسلم يا أبا يزيد إني أحبك حبين حبا لقرابتك مني وحبا لما كنت أعلم لحب عمي إياك
وكان عقيل أسرع الناس جوابا وأبلغهم في ذلك قال له معاوية يوما أين ترى عمك أبا لهب من النار فقال إذا دخلتها يا معاوية فهو على يسارك مفترضا عمتك حمالة الحطب والراكب خير من المركوب
ولما وفد على معاوية وقد غضب من أخيه علي لما طلب منه عطاءه وقال له اصبر حتى يخرج عطاؤك مع المسلمين فأعطيك فقال له لأذهبن إلى رجل هو أوصل إلى منك فذهب إلى معاوية فأعطاه مائة ألف درهم ثم قال له معاوية اصعد المنبر فاذكر ما أولاك علي وما أوليتك فصعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إني أخبركم أني أردت عليا على دينه فاختار دينه وإني أردت معاوية على دينه فاختارني على دينه وفي رواية أن معاوية قال لجماعة يوما بحضرة عقيل هذا أبو يزيد يعنى عقيلا لولا علمه بأني خير له من أخيه لما أقام عندنا وتركه فقال عقيل أخي خير لي في ديني وأنت خير لي في دنياي وأسأل الله تعالى خاتمه الخير توفى عقيل في خلافة معاوية
قال وسبب إسلام على كرم الله وجهه أنه دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ومعه خديجة وهما يصليان سرا فقال ماهذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دين الله الذي اصطفاه لنفسه وبعث به رسله فأدعوك إلى الله وحده لا شريك له وإلى عبادته وإلى الكفر باللات والعزى فقال علي هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم فلست بقاض أمرا حتى أحدث أبا طالب وكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفشي عليه سره قبل أن يستعلن أمره فقال له يا علي إذا لم تسلم فاكتم هذا فمكث ليلته ثم إن الله تبارك وتعالى هداه للإسلام فأصبح غاديا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم اه
أقول وذلك في اليوم الثاني من صلاته صلى الله عليه وسلم هو وخديجة وهو يوم الثلاثاء كما في سيرة الدمياطي أي لأنه تقدم أن صلاته صلى الله عليه وسلم مع خديجة كانت آخر يوم الإثنين وهذا إنما يأتي على القول بأن النبوة والرسالة تقارنتا لا على أن الرسالة تأخرت عن النبوة وأن بينهما فترة الوحي على ما تقدم
وفي أسد الغابة أن أبا طالب رأى النبي صلى الله عليه وسلم وعليا يصليان وعلي على يمينه فقال لجعفر رضي الله الله تعالى عنه صل جناح ابن عمك فصلى عن يساره وكان إسلام جعفر بعد إسلام أخيه علي بقليل قال بعضهم وإنما صح إسلام علي أي مع أنهم أجمعوا على أنه لم يكن بلغ الحلم أي ومن ثم نقل عنه أنه قال
** سبقتكمو إلى الإسلام طرا ** صغيرا ما بلغت أوان حملي **
أي كان عمره ثمان سنين على ما سبق لأن الصبيان كانوا إذ ذاك مكلفين لأن القلم إنما رفع عن الصبي عام خيبر
وعن البيهقي أن الأحكام إنما تعلقت بالبلوغ في عام الخندق وفي لفظ في عام الحديبية وكانت قبل ذلك منوطة بالتمييز
هذا وقد ذكر أنه لم يحفظ عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال شعرا وقيل لم يقل إلا بيتين أي ولعل أحدهما ما تقدم ثم رأيت عن القاموس أن البيتين هما قوله ** تلكم قريش تمنانى لتقتلني ** فلا وربك ما بروا ولا ظفروا ** ** فإن هلكت فرهن مهجتي لهمو ** بذات ودقين لا تبقى ولا تذر **
وذات ودقين هي الداهية
وقد ذكر أن الزبير بن العوام أسلم وهو ابن ثمان سنين وقيل ابن خمس عشرة سنة وقيل ابن اثنتي عشرة سنة وقيل ابن ست عشرة سنة
ومما يدل للأول ما جاء عن بعضهم كان علي والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص ولدوا في عام واحد
ومن العجب أن الزمخشري في خصائص العشرة اقتصر على أن سن الزبير حين أسلم ست عشرة سنة وذكر بعد ذلك بأسطر أنه أول من سل سيفا في سبيل الله وهو ابن اثنتي عشرة سنة مقتصرا على ذلك
ومما يدل للأول أيضا ما جاء في كلام بعض آخر أسلم علي بن أبي طالب والزبير ابن العوام وهما ابنا ثمان سنين وإجماعهم على أن عليا لم يكن بلغ الحلم يرد القول بأن عمره كان إذ ذاك عشر سنين أي بناء على أن سن إمكان الإحتلام تسع سنين كما تقول به أئمتنا
ويوافقه ما حكاه بعضهم أن الراشد بالله وهو الحادي والثلاثون من خلفاء بني العباس لما كان عمره تسع سنين وطئ جارية حبشية فحملت منه فولدت ولدا حسنا ويرد القول بأن سنه إذا ذاك كان ثلاث عشرة أو خمس عشرة أو ست عشرة سنة
أقول قال بعض متأخري أصحابنا وإنما صحت عبادة الصبي المميز ولم يصح إسلامه لأن عبادته نفل والإسلام لا يتنفل به وعلى هذا مع ما تقدم يشكل ما في الإمتاع وأما
على بن أبي طالب فلم يكن مشركا بالله أبدا لأنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في كفالته كأحد أولاده يتبعه في جميع أموره فلم يحتج أن يدعى للإسلام فيقال أسلم هذا كلامه فليتأمل فإن عليا كان تابعا لأبيه في دينه ولم يكن تابعا له صلى الله عليه وسلم كأولاده
وقوله فلم يحتج أن يدعى للإسلام يرده ما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم له أدعوك إلى الله وحده إلى آخره
ثم رأيت في الحديث ما يدل لما في الإمتاع وهو ثلاثة ما كفروا بالله قط مؤمن آل يس وعلي بن أبي طالب وآسية أمرأة فرعون
والذي في العرائس روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين حزقيل مؤمن آل فرعون وحبيب النجار صاحب يس وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم وهو أفضلهم إلا أن يراد بعدم كفرهم أنهم لم يسجدوا لصنم وفيه أنه قد يخالف ذلك قوله صلى الله عليه وسلم له وأدعوك إلى الكفر باللات والعزى وأنه قيل أيضا إن أبا بكر لم يسجد لصنم قط
وقد عد ابن الجوزي من رفض عبادة الأصنام الجاهلية أي لم يأت بها أبا بكر الصديق وزيد بن عمرو بن نفيل وعبيدالله بن جحش وعثمان بن الحويرث وورقة بن نوفل ورباب بن البراء وأسعد بن كريب الحميري وقس بن ساعدة الإيادي وأبا قيس ابن صرمة ولا يخفى أن عدم السجود للأصنام لا ينافي الحكم بالكفر على من لم يسجد لها لكن في كلام السبكي الصواب أن يقال الصديق لم يثبت عنه حال كفر بالله تعالى فلعل حاله قبل البعث كحال زيد بن عمرو بن نفيل وأضرابه فلذلك خص الصديق بالذكر عن غيره من الصحابة هذا كلامه وهو واضح إذا لم يكن أحد من جميع من ذكر أسلم
وفي كلام الحافظ ابن كثير الظاهر أن أهل بيته صلى الله عليه وسلم آمنوا قبل كل أحد خديجة وزيد وزوجة زيد أم أيمن وعلي رضي الله تعالى عنهم فليتأمل قوله آمنوا قبل كل أحد وكذا يتأمل قول ابن إسحاق أما بناته صلى الله عليه وسلم فكلهن أدركن الإسلام فأسلمن
وعن ابن إسحاق ذكر بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا
حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة وخرج معه على مستخفيا من قومه فيصليان فيهما فإذا أمسيا رجعا كذلك ثم إن أبا طالب عثر أي اطلع عليهما يوما وهما يصليان أي بنخلة المحل المعروف فقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا ابن أخي ما هذا الذي أراك تدين به فقال هذا دين الله ودين ملائكته ورسله ودين أبينا إبراهيم بعثني الله به رسولا إلى العباد وأنت أحق من بذلت له النصيحة ودعوته إلى الهدى وأحق من أجابني إلى الله تعالى وأعانني عليه فقال أبو طالب إني لا أستطيع أن أفارق دين آبائي وما كانوا عليه وفي رواية انه قال له ما بالذي تقول من بأس ولكن والله لا تعلوني أستى أبدا وهذا كما لا يخفى ينبغي أن يكون صدر منه قبل ما تقدم من قوله لإبنه جعفر صل جناح ابن عمك وصل على يساره لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وعليا علي يمينه لكن يروى أن عليا رضي الله تعالى عنه ضحك يوما وهو على المنبر فسئل عن ذلك فقال تذكرت أبا طالب حين فرضت الصلاة ورآني أصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بنخلة فقال ما هذا الفعل الذي أرى فلما أخبرناه قال هذا حسن ولكن لا أفعله أبدا إني لا أحب أن تعلوني أستى فلما تذكرت الآن قوله ضحكت وقوله حين فرضت الصلاة يعني الركعتين بالغداة والركعتين بالعشي وهذا يؤيد القول بأن ذلك كان واجبا
وذكر أن أبا طالب قال لعلي أي بني ما هذا الذي أنت عليه فقال يا أبت آمنت بالله ورسوله وصدقت ما جاء به ودخلت معه واتبعته فقال له أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه
أي ويذكر أنه كان يقول إني لأعلم أن ما يقوله ابن أخي لحق ولولا أني أخاف أن تعيرني نساء قريش لأتبعته
وعن عفيف الكندي رضي الله تعالى عنه قال كنت امرأ تاجرا قدمت للحج وأتيت العباس بن عبدالمطلب لأبتاع منه بعض التجارة وكان العباس لي صديقا وكان يختلف إلى اليمن يشتري العطر ويبيعه أيام الموسم فبينما أنا عند العباس بمنى أي وفي لفظ بمكة في المسجد إذا رجل مجتمع أي بلغ أشده خرج من خباء قريب منه فنظر إلى الشمس فلما رآها مالت توضأ فأسبع الوضوء أي أكمله ثم قام يصلى أي إلى الكعبة كما في بعض الروايات ثم خرج غلام مراهق أي قارب البلوع فتوضأ ثم قام إلى جنبه
يصلي ثم جاءت امرأة من ذلك الخباء فقامت خلفهما ثم ركع الرجل وركع الغلام وركعت المرأة ثم خر الرجل ساجدا وخر الغلام وخرت المرأة فقلت ويحك يا عباس ما هذا الدين فقال هذا دين محمد بن عبدالله أخي يزعم أن الله بعثه رسولا وهذا ابن أخي علي بن أبي طالب وهذه امرأته خديجة قال عفيف بعد أن أسلم يا ليتني كنت رابعا أي ولعل زيد بن حارثة لم يكن موجودا عندهم في ذلك الوقت فلا ينافي أنه كان يصلي معهم أو أن ذلك كان قبل إسلامه لأنه سيأتي قريبا أن إسلامه بعد إسلام علي وكذا أبو بكر لم يكن موجودا عندهم بناء على أن إسلامه كان قبل إسلام علي ويؤيده ما قيل أول من صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم أبو بكر لكن في الإستيعاب لإبن عبد البر أن العباس قال لعفيف الكندي لما قال له ما هذا الذي يصنع قال يصلى وهو يزعم أنه نبي ولم يتبعه على أمره إلا امرأته وابن عمه هذا الغلام
وفيه أن عليا قال لقد عبدت الله قبل أن يعبده أحد من هذه الأمة خمس سنين أي ولعل المراد أنه عبده بغير الصلاة
وقوله في هذا الحديث فنظر إلى الشمس فلما رآها مالت توضأ وصلى قد يخالف ما تقدم من أن فرض الصلاة كان ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي قبل غروب الشمس فقط
أقول قد يقال لامخالفة لأنه يجوز أن تكون صلاته في الوقت ليست مما فرض عليه والجماعة في ذلك جائزة وقد فعلها صلى الله عليه وسلم في النفل المطلق وهذا يدل على أن الجماعة كانت مشروعة بمكة حتى في صدر الإسلام قبل فرض الصلوات الخمس
وفي كلام بعض فقهائنا أنها لم تشرع إلا في المدينة دون مكة لقهر الصحابة رضي الله تعالى عنهم إلا أن يقال المراد بمشروعيتها طلبها فكانت في المدينة مطلوبة استحبابا أو وجوبا كفاية أو عينا على الخلاف عندنا في ذلك وفي مكة كانت مباحة لكن في كلام بعض آخر من فقهائنا أن الجماعة لم تفعل بمكة لقهر الصحابة وفيه أن القهر إنما ينافى إظهار الجماعة لا فعلها إلا أن يقال تركت حسما للباب وفيه أنه يبعد تركها وهم مستخفون في دار الأرقم فليتأمل والله أعلم
ثم بعد إسلام علي رضي الله تعالى عنه أسلم من الصحابة رضي الله تعالى عنهم زيد بن حارثة بن شرحبيل
وقال ابن هشام شرحبيل مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته له خديجة أي لما تزوجها صلى الله عليه وسلم أي وكان اشتراه لها ابن أخيها حكيم بن حزام ممن سباه من الجاهلية أي فإن عمته خديجة أمرته أن يبتاع لها غلاما ظريفا عربيا فلما قدم سوق عكاظ وجد زيدا يباع أي وعمره ثمان سنين فإنه أسر من عند أخواله طى وعليه اقتصر السهيلي
فإن أمه لما خرجت به لتزيره أهلها فأصابته خيل فباعوه فاشتراه أي وقيل اشتراه من سوق حباشنة بأربعمائة درهم ويقال بستمائة درهم فلما رأته خديجة أعجبها فأخذته أي ولعل هذا مراد من قال فباعه من عمته خديجة أي اشتراه لها فلما تزوجها صلى الله عليه وسلم وهو عندها أعجب به فاستوهبه منها فوهبته له فأعتقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبناه قبل الوحي
أي وقيل اشتراه صلى الله عليه وسلم لها فإنه جاء إلى خديجة فقال رأيت غلاما بالبطحاء قد أوقفوه ليبيعوه ولو كان لي ثمنه لأشتريته قالت وكم ثمنه قال سبعمائة درهم قالت خذ سبعمائة درهم فاذهب فاشتره فاشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء به إليها وقال إنه لو كان لي لأعتقته قالت هو لك فأعتقه وقيل بل اشتراه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشام لخديجة حيث توجه مع ميسرة فوهبته له فليتأمل ذلك
وزعم أبو عبيدة أن زيد بن حارثة لم يكن أسمه زيدا ولكن النبي صلى الله عليه وسلم سماه بذلك باسم جده قصي حين تبناه
ثم إنه خرج في إبل لأبي طالب إلى الشام فمر بأرض قومه فعرفه عمه فقام إليه وقال من أنت يا غلام قال غلام من أهل مكة قال من أنفسهم قال لا قال فحر أنت أم مملوك قال مملوك قال عربي أنت أم أعجمي قال بل عربي قال من أهلك قال من كلب قال من أي كلب قال من بني عبد ود قال ويحك ابن من أنت قال ابن حارثة بن شرحبيل قال وأين أصبت قال في أخوالي قال ومن أخوالك قال طي قال ما اسم أمك قال سعدى فالتزمه وقال ابن حارثة
ودعا أباه فقال يا حارثة هذا ابنك فأتاه حارثة فلما نظر إليه عرفه قال كيف صنع مولاك إليك قال يؤثرني على أهله وولده ورزقت منه حبا فلا أصنع إلا ما شئت فركب معه أبوه وعمه وأخوه
وفي رواية أن ناسا من قومه حجوا فرأوا زيدا فعرفوه وعرفهم فانطلقوا وأعلموا أباه ووصفوا له مكانه فجاء أبوه وعمه
وقد يقال لا مخالفة لجواز أن يكون إجتماعه بعمه وأبيه كان بعد إخبار أولئك الناس فلما جاء أهله في طلبه ليفدوه خيره النبي صلى الله عليه وسلم بين المكث عنده والرجوع إلى أهله فاختار المكث عند رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقد ذكر أنهم لما جاءوا للنبي صلى الله عليه وسلم قالوا يابن عبد المطلب يابن سيد قومه أي وفي لفظ لما قدم أبوه وعمه في فدائه سألا عن النبي صلى الله عليه وسلم فقيل هو في المسجد فدخلا عليه فقالا يابن عبدالمطلب يا بن هاشم يا ابن سيد قومه أنتم أهل حرم الله وجيرانه تفكون الأسير العاني وتطعمون الجائع جئناك في ولدنا عندك فامنن علينا وأحسن في فدائه فإنا سندفع لك فقال وما ذاك قال زيد بن حارثة فقال أو غير ذلك قالوا وما هو قال ادعوه فخيروه فإن اختاركم فهو لكم من غير فداء وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على الذي اختارني فداء فقالوا زدت على النصف وفي لفظ زدتنا على النصف وأحسنت فدعاه فقال تعرف هؤلاء قال نعم أبي وعمي ولعل سكوته عن أخيه لإستصغاره بالنسبة لأبيه وعمه على أن أكثر الروايات الإقتصار على مجئ أبيه وعمه
وفي كلام السهيلي أن زيدا لما جاء قال صلى الله عليه وسلم له من هذان فقال هذا أبي حارثة بن شرحبيل وهذا كعب بن شرحبيل عمي فعند ذلك قال صلى الله عليه وسلم له أنا من علمت وقد رأيت صحبتي لك فاخترني أو أخترهما فقال زيد ما أنا بالذي أختار عليك أحدا أنت مني مكان الأب والعم فقالا ويحك يا زيد تختار العبودية على الحرية وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك قال نعم ما أنا بالذي أختار عليه أحدا فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه ما رأى أخرجه إلى الحجر أي الذي هو محل جلوس قريش فقال إن زيدا ابني أرثه ويرثني فطابت أنفسهما وانصرفا
وفي كلام ابن عبدالبر أنه حين تبناه رسول الله صلى الله عليه وسلم كان سنة ثمان
سنين وأنه حين تبناه طاف به على حلق قريش يقول هذا ابني وارثا وموروثا ويشهدهم على ذلك وكان الرجل في الجاهلية يعاقد الرجل فيقول دمى دمك وهدمي هدمك وثأري ثأرك وحربي حربك وسلمى سلمك ترثني وأرثك وتطلب بي وأطلب بك وتعقل عني وأعقل عنك فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف أي من حالفه فنسخ ذلك وهذا الذي ذكره ابن عبدالبر من أنه صلى الله عليه وسلم حين تبناه كان عمره ثمان سنين يدل على أن ذلك كان عقب ملكه صلى الله عليه وسلم له قبل الوحي وأن ذلك كان قبل مجئ أبيه وعمه وحينئذ يكون عتقه وتبنيه بعد مجئ أبيه وعمه إظهارا لما تقدم فليتأمل
وفي أسد الغابة أن حارثة أسلم وفي كلام بعضهم لم يثبت إسلام حارثة إلا المنذري ولما تبنى رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدا كان يقال له زيد بن محمد ولم يذكر في القرآن من الصحابة أحد بإسمه إلا هو كما سيأتي قال ابن الجوزي إلا ما يروى في بعض التفاسير أن السجل الذي في قوله تعالى { يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب } اسم رجل كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم
أي وقد أبدى السهيلي حكمة لذكر زيد بإسمه في القرآن وهي أنه لما نزل قوله تعالى { ادعوهم لآبائهم } وصار يقال له زيد بن حارثة ولا يقال له زيد بن محمد ونزع منه هذا التشريف شرفه الله تعالى بذكر اسمه في القرآن دون غيره من الصحابة فصار إسمه يتلى في المحاريب
ولا يخفى أنه يأتي في زيد ما تقدم في علي ولم تذكر في القرآن امرأة بإسمها إلا مريم ولزيد أخ اسمه جبلة أسن منه
سئل جبلة من أكبر أنت أم زيد فقال زيد أكبر مني وأنا ولدت قبله أي لأن زيدا أفضل منه لسبقه للإسلام
ثم أسلم من الصحابة أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال بعضهم في سبب إسلامه إنه كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر غشيانه في منزله ومحادثته وكان سمع قول ورقة له لما ذهب معه إليه كما تقدم فكان متوقعا لذلك فهو مع حكيم بن حزام في بعض الأيام إذ جاءت مولاة لحكيم وقالت له إن عمتك خديجة تزعم في هذا اليوم أن زوجها نبي مرسل مثل موسى فانسل أبو بكر حتى أتى رسول
الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن خبره فقص قصته المتضمنة لمجئ الوحي له بالرسالة فقال صدقت بأبي أنت وأمي وأهل الصدق أنت أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله فيقال إنه سماه يومئذ الصديق وهذا السياق ربما يدل على أن إسلام أبي بكر تأخر إلى نزل { يا أيها المدثر } بعد فترة الوحي بناء على ما تقدم وكونه سماه يومئذ الصديق لا ينافى ما سيأتي أنه سمى بذلك صبيحة الإسراء لما صدقه وقد كذبته قريش لجواز أنه لم يشتهر بذلك إلا حينئذ
وقد جاء في تفسير قوله تعالى { والذي جاء بالصدق وصدق به } أن الذي جاء بالصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي صدق به أبو بكر قال ولما سمعت خديجة مقالة أبي بكر خرجت وعليها خمار أحمر فقالت الحمدلله الذي هداك يابن أبي قحافة واسمه عبدالله أي سماه بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان اسمه قبل ذلك عبد الكعبة فأبو بكر رضي الله تعالى عنه أول من غير رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه ولقبه عتيق لحسن وجهه أو لأنه عتق من الذم والعيب أي أو نظر إليه صلى الله عليه وسلم فقال هذا عتيق من النار فهو أول لقب وجد في الإسلام
وقيل سمته بذلك أمه لأنه كان لا يعيش لها ولد فلما ولدته استقبلت به الكعبة ثم قالت اللهم هذا عتيقك من الموت فهبه لي فعاش قيل ويدل له ما ذكر بعضهم أن أمه كانت إذا هزته تقول عتيق وما عتيق ذو المنظر الأنيق
وفي كلام ابن حجر الهيتمي وصح أن الملقب له به النبي صلى الله عليه وسلم لما دخل عليه في بيت عائشة وأنه غلب عليه من يومئذ قال وبه يندفع أن الملقب له أبوه وزعم أنه أمه هذا كلامه وليتأمل قوله في بيت عائشة مع ما تقدم وما في كلامه السهيلي
وقيل وسمى عتيقا لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حين أسلم أنت عتيق من النار
وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه صدرا معظما في قريش على سعة من المال وكرم الأخلاق من رؤساء قريش ومحط مشورتهم وكان من أعف الناس كان رئيسا مكرما سخيا يبذل المال محببا في قومه حسن المجالسة وكان من أعلم الناس بتعبير الرؤيا ومن ثم قال ابن سيرين وهو المقدم في هذاالعلم اتفاقا كان أبو بكر أعبر هذه الأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم وكان أعلم الناس بأنساب العرب
فقد جاء عن جبير بن مطعم البالغ النهاية في ذلك أنه قال إنما أخذت النسب من أبي بكر لا سيما أنساب قريش فإنه كان أعلم قريش بأنسابها وبما كان فيها من خير وشر وكان لا يعد مساويهم فمن ثم كان محببا فيهم بخلاف عقيل بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فإنه كان بعد أبي بكر أعلم قريش بأنسابها وبآبائها وما فيها من خير وشر لكن كان مبغضا إليهم لأنه كان يعد مساويهم وكان عقيل يجلس إليه في المسجد النبوي لأخذ علم الأنساب وأيام العرب ووقائعهم
وفي كلام بعضهم كان أبو بكر عند أهل مكة من خيارهم يستعينون به فيما يأتيهم وكانت له بمكة ضيافات لا يفعلها أحد
قال الزمخشري ولعله كنى بأبي بكر لإبتكاره الخصال الحميدة وكان نقش خاتمه نعم القادر الله وكان نقش خاتم عمر رضي الله تعالى عنه كفى بالموت واعظا يا عمر وكان نقش خاتم عثمان آمنت بالله مخلصا وكان نقش خاتم علي الملك لله وكان نقش خاتم أبي عبيدة بن الجراح الحمد لله
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت عند كبوة أي وقفة وتأخر وتردد إلا ما كان من أبي بكر
وفي رواية ما كلمت أحدا في الإسلام إلا أبي علي وراجعني في الكلام إلا ابن أبي قحافة فإني لم أكلمه في شيء إلا قبله واستقام عليه أي ومن ثم كان أسد الصحابة رأيا وأكملهم عقلا لخبر تمام أتاني جبريل فقال لي إن الله أمرك أن تستشير أبا بكر ونزل فيه وفي عمر { وشاورهم في الأمر } كان أبو بكر رضي الله تعالى عنه بمكان الوزير من رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يشاوره في أموره كلها
وقد جاء إن الله تعالى أيدني بأربعة وزراء أثنين من أهل السماء جبريل ومكائيل واثنين من أهل الأرض أبي بكر وعمر وفي حديث رواته ثقات إن الله يكره أن يخطأ أبو بكر وفي رواية إن الله يكره في السماء أن يخطأ أبو بكر الصديق في الأرض
وجاء الحسن بن علي وهو صغير إلى أبي بكر وهو يخطب على المنبر فقال له انزل عن مجلس أبي فقال مجلس أبيك والله لا مجلس ابي فأجلسه في حجره وبكى فقال علي والله ما هذا عن رأيى فقال والله ما اتهمتك
ووقع نظير ذلك لسيدنا عمر رضي الله تعالى عنه مع سيدنا الحسين فإنه قال له
وهو يخطب انزل عن منبر أبي فقال له منبر أبيك لا منبر أبي من أمرك بهذا فقام علي فقال له ما أمره بهذا أحد ثم قال للحسين لأوجعنك يا غدر فقال لا توجع ابن أخي صدق منبر أبيه
قال وسبب مبادرته إلى التصديق ما علمه من دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم وبراهين صدق دعوته قبل دعوته ولرؤيا رآها قبل ذلك رآى القمر نزل إلى مكة فدخل في كل بيت منه شعبة ثم كان جميعه في حجره فقصها على بعض أهل الكتاب فعبرها له بأنه يتبع النبي المنتظر الذي قد ظل زمانه وأنه يكون أسعد الناس به ولعل هذا الذي من أهل الكتاب هو بحيرا فقد رأيت أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه رأى رؤيا فقصها على بحيرا فقال له إن صدقت رؤياك فإنه سيبعث نبي من قومك تكون أنت وزيره في حياته وخليفته بعد مماته
أي وأخرج أبو نعيم عن بعض الصحابة أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة أي علم أنه النبي المنتظر لما مر عن بحيرا الراهب ولما سمعه من شيخ عالم من الأزد قد قرأ الكتب نزل به في اليمن فقال له أحسبك حرميا فقال أبو بكر نعم فقال له أحسبك قرشيا قال نعم فقال له أحسبك تيميا قال نعم قال له بقيت لي فيك واحدة قال وما هي قال له تكشف لي عن بطنك فقال له لا أفعل أو تخبرني لم ذلك فقال أجد في العلم النجيح الصادق أن نبيا يبعث في الحرم يعاون على أمره فتى كهل فأما الفتى فخواص غمرات ودفاع معضلات وأما الكهل فأبيض نحيف على بطنه شامة وعلى فخذه اليسرى علامة أي مع كونه حرميا قرشيا تيميا بدليل قوله أحسبك حرميا أحسبك قرشيا أحسبك تيميا وما عليك أن تريني ما سألتك فقد تكاملت فيك الصفة أي كونه حرميا قرشيا تيميا أبيض نحيفا إلا ما خفى علي فقال أبو بكر فكشفت له عن بطني فرأى شامة بيضاء أو سواداء فوق سرتي أي ورأى العلامة على الفخذ الأيسر فقال أنت هو ورب الكعبة قال أبو بكر فلما قضيت أربى من اليمن أتيته لأودعه فقال أحافظ عني أبياتا من الشعر قلتها في ذلك النبي قلت نعم فذكرله أبياتا قال أبو بكر فقدمت مكة وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم فجاءني صناديد قريش كعقبة بن أبي معيط وشيبة بن ربيعة وأبي جهل وأبي البختري فقالوا يا أبا بكر يتيم أبي طالب يزعم أنه نبي ولولا إنتظارك ما انتظرنا به فإذا قد جئت فأنت الغاية
والكفاية أي لأن أبا بكر كما تقدم كان صديقا له صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر فصرفتهم على أحسن شيء ثم جئته صلى الله عليه وسلم فقرعت عليه الباب فخرج إلي وقال لي يا أبا بكر إني رسول الله إليك وإلى الناس كلهم فآمن بالله فقلت وما دليلك على ذلك قال الشيخ الذي أفادك الأبيات فقلت ومن أخبرك بهذا يا حبيبي قال الملك العظيم الذي يأتي الأنبياء قبلى قلت مد يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه فانصرفت وما بين لابتيها أشد سرورا من رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامي وفي لفظ اشد سرورا مني بإسلامي ولا مانع من صدور الأمرين منه رضي الله تعالى عنه
ويحتاج للجمع بين هذا وبين ما تقدم من أنه كان مع حكيم بن حزام يوما إلى آخره على تقدير صحة الروايتين وما جاء من شعر حسان رضي الله تعالى عنه من أن أبا بكر أول الناس إسلاما حيث يقول فيه ** وأول الناس منهم صدق الرسلا **
وأنه صلى الله عليه وسلم سمع ذلك منه ولم ينكره بل قال صدقت بإحسان كما سيأتي عند الكلام على الهجرة
وقول بعض الحفاظ إن أبا بكر رضي الله تعالى عنه أول الناس إسلاما هو المشهور عند الجمهور من أهل السنة لا ينافي ما تقدم من أن عليا أول الناس إسلاما بعد خديجة ثم مولاه زيد بن حارثة لأن المراد أول رجل بالغ ليس من الموالي أسلم أبو بكر
أي وعبارة ابن الصلاح والأورع أن يقال أول من أسلم من الرجال الأحرار أي غير الموالي أبو بكر ومن الصبيان علي ومن النساء خديجة ومن الموالي زيد بن حارثة وهذا وما قبله يدل على أن إسلام زيد بن حارثة كان بعد البلوغ وإلا فلا حاجة لزيادة ليس من الموالي تأمل
أو أن مراد من قال إن أبا بكر سبق عليا في الإسلام أي في إظهار الإسلام لأنه حين أسلم أظهر إسلامه بخلاف علي فقد جاء عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال إن أبا بكر رضي الله تعالى عنه سبقني إلى أربع وعد منها إظهار الإسلام قال وأنا أخفيته ولعله لا ينافي ذلك ما جاء بسند حسن أن أول من جهر بالإسلام عمر بن الخطاب لأن ذلك كان عند اختفائه صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه في دار الأرقم كما سيأتي فالأولية في إظهار الإسلام إضافية
قال ابن كثير وورد عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال أنا أول من أسلم
ولا يصح إسناد ذلك إليه قال وقد روى في هذا المعنى أحاديث أوردها ابن عساكر كثيرة منكرة كلها لا يصح شيء منها هذا كلامه وعلى تقدير صحتها مراده أول من أسلم من الصبيان فالأولية إضافية
ومما يؤثر عن علي رضي الله تعالى عنه لاتكن ممن يرجو بغير عمل ويؤخر التوبة لطول الأمل يحب الصاليحن ولا يعلم بأعمالهم البشاشة فخ المودة والصبر قبر العيوب والغالب بالظلم مغلوب العجب ممن يدعو ويستبطئ الإجابة وقد سد طرقها بالمعاصي
وأول من أسلم من النساء بعد خديجة رضي الله تعالى عنها أم الفضل زوج العباس وأسماء بنت أبي بكر وأم جميل فاطمة بنت الخطاب أخت عمر بن الخطاب
وينبغي أن تكون أم أيمن سابقة في الإسلام على أم الفضل على ما تقدم وقول السراج البلقيني موافقة للزين العراقي إن أول رجل أسلم ورقة بن نوفل لقوله للنبي صلى الله عليه وسلم أنا أشهد أنك الذي بشر بك عيسى ابن مريم وأنك على مثل ناموس موسى وأنك نبي مرسل قد علمت ما فيه وأنه إنما كان من أهل الفترة كما صرح به الحافظ الذهبي وهو يرد القول المتقدم بأن وفاة ورقة تأخرت عن البعثة فورقة ونحوه كبحيرا ونسطورا من أهل الفترة لا من أهل الإسلام ويؤيده ما تقدم أنه بإجماع المسلمين لم يتقدم خديجة في الإسلام لا رجل ولا امرأة لكن هؤلاء من القسم الذي تمسك بدين قبل نسخه وآمن وصدق بأنه صلى الله عليه وسلم الرسول المنتظر وذلك نافع له في الآخرة ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم لما توفى ورقة لقد رأيت القس يعني ورقة في الجنة وعليه ثياب الحرير لأنه آمن بي وصدقني إلى آخر ما تقدم
وعلى تسليم أنه لا يشترط في المسلم أن يؤمن ويصدق برسالته صلى الله عليه وسلم بعد وجودها بل يكفي ولو قبل ذلك فليس ورقة بصحابي لأن الصحابي من اجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد الرسالة مؤمنا بما جاء به عن الله تعالى أي محكوما بإيمانه
ومن ثم رد الحافظ الذهبي على ابن منده أي ومن وافقه كالزين العراقي في عده له من الصحابة أي كما عد منهم بحيرا ونسطورا بقوله الأظهر أن من مات بعد النبوة وقبل الرسالة فهو من أهل الفترة هذا كلام الحافظ الذهبي والمراد بالرسالة نزول { يا أيها المدثر } لاإظهارها ونزول قوله تعالى { فاصدع بما تؤمر } بناء على تأخر الرسالة
وحين أسلم ابو بكر رضي الله تعالى عنه دعا إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم من وثق به من قومه فأسلم بدعائه عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس
أي ولما أسلم عثمان رضي الله تعالى عنه أخذه عمه الحكم بن أبي العاص بن أمية والد مروان فأوثقه كتافا وقال ترغب عن ملة آبائك إلى دين محمد والله لا أحلك أبدا حتى تدع ما أنت عليه فقال عثمان والله لا أدعه أبدا ولا أفارقه فلما رأى الحكم صلابته في الحق تركه وقيل عذبه بالدخان ليرجع فما رجع
وفي كلام ابن الجوزي أن المعذب بالدخان ليرجع عن الإسلام الزبير بن العوام هذا كلامه ولا مانع من تعدد ذلك وجاء لكل نبي رفيق في الجنة ورفيقي فيها عثمان ابن عفان
وأسلم بدعاء أبي بكر أيضا الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه وكان عمره ثمان سنين على ما تقدم وعبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه أي وكان اسمه في الجاهلية عبد عمر وقيل عبد الكعبة وقيل عبدالحارث فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالرحمن قال وكان أمية بن خلف لي صديقا فقال لي يوما أرغبت عن اسم سماك به أبوك فقلت نعم فقال لي إني لاأعرف الرحمن ولكن أسميك بعبد الإله فكان يناديني بذلك
قال وسبب إسلام عبدالرحمن بن عوف ما حدث به قال سافرت إلى اليمن غير مرة وكنت إذا قدمت نزلت على عسكلان بن عواكف الحميري فكان يسألني هل ظهر فيكم رجل له نبأ له ذكر هل خالف أحد منكم عليكم في دينكم فأقول لا حتى كانت السنة التي بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمت اليمن فنزلت عليه إلى آخر القصة
وعن علي رضي الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعبد الرحمن بن عوف أنت أمين في أهل الأرض أمين في أهل السماء وجاء أنه وصفه بالصادق الصالح البار
وأسلم بدعاية أبي بكر رضي الله تعالى عنه أيضا سعد بن أبي وقاص أي فإن أبا بكر لمادعاه إلى الإسلام لم يبعد وأتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن أمره فأخبره به فأسلم وكان عمره تسع عشرة سنة وهو رضي الله تعالى عنه من بني زهرة ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم وقد أقبل عليه سعد خالي فليرني امرؤ خاله
وفي كلام السهيلي أنه عم آمنة بنت وهب أم النبي صلى الله عليه وسلم وكرهت أمه إسلامه وكان بارا بها فقالت له ألست تزعم أن الله يأمرك بصلة الرحم وبر الولدين قال فقلت نعم فقالت والله لا أكلت طعاما ولا شربت شرابا حتى تكفر بما جاء به محمد أي وتمس إسافا ونائلة فكانوا يفتحون فاها ثم يلقون فيه الطعام والشراب فأنزل الله تعالى { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما } الآية وفي رواية أنها مكثت يوما وليلة لا تأكل فأصبحت وقد خمدت ثم مكثت يوم وليلة لا تأكل ولا تشرب قال سعد فلما رأيت ذلك قلت لها تعلمين والله يا أمه لو كان لك مائة نفس تخرج فسا ما تركت دين هذا النبي صلى الله عليه وسلم فكلي إن شئت أو لا تأكلي فلما رأت ذلك أكلت
وفي الأنساب للبلاذري عن سعد قال أخبرت أمي أني كنت أصلي العصر أي الركعتين اللتين كانوا يصلونهما بالعشي فجئت فوجدتها على بابها تصيح ألا أعوان يعينوني عليه من عشيرتي أو عشيرتي فأحبسه في بيت وأطبق عليه بابه حتى يموت أو يدع هذا الدين المحدث فرجعت من حيث جئت وقلت لا أعود إليك ولا أقرب منزلك فهجرتها حينا ثم أرسلت إلى أن عد إلى منزلك ولا تتضيفن فيلزمنا عار فرجعت إلى منزلي فمرة تلقاني بالبشر ومرة تلقاني بالشر وتعيرني بأخي عامر وتقول هي البر لا يفارق دينه ولا يكون تابعا فلما أسلم عامر لقى منها مالم يلق أحد من الصياح والأذى حتى هاجر إلى الحبشة ولقد جئت والناس مجتمعون على أمي وعلى أخي عامر فقلت ما شأن الناس فقالوا هذه أمك قد أخذت أخاك عامرا وهي تعطى الله عهدا لا يظلها نخل و لا تأكل طعاما ولا تشرب شرابا حتى يدع صبأته فقلت لها والله يا أمه لا تستظلين ولا تأكلين ولا تشربين حتى تتبوئى مقعدك من النار
وجاء أنه صلى الله عليه وسلم أمر سعد بن أبي وقاص أن يأتي الحارث بن كلدة طبيب العرب ليستوصفه في مرض نزل بسعد وكان ذلك في حجة الوداع فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يعود عبدالرحمن بن عوف لمرض نزل به فوجد عند الحارث فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبدالرحمن إني لأرجو أن يشفيك الله حتى يضر بك قوم وينتفع بك آخرون ثم قال للحارث بن كلدة عالج سعدا مما به وكان سعد بالمجلس فقال والله إني لأرجو شفاءه فيما ينفعه من رجله هل معك من هذه الثمرة العجوة شيء قال نعم فخلط ذلك الثمر بحلبة ثم أوسعها سمنا ثم أحساه إياها فكأنما نشط من عقال وهذا استدل
به على إسلام الحارث بن كلدة لأن حجة الوداع لم يحج فيها مشرك فهو معدود من الصحابة وأنكر بعضهم إسلامه وجعله دليلا على جواز استشارة أهل الكفر في الطب إذا كانوا من أهله
وممن أسلم بدعاية أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أيضا طلحة بن عبدالله التيمي فجاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم حين استجاب له فأسلم
أي ولما تظاهر أبو بكر وطلحة بالإسلام فأخذهما نوفل بن العدوية وكان يدعى أسد قريش فشدهما في حبل واحد ولم يمنعهما بنو تيم ولذلك سمى أبو بكر وطلحة القرينين ولشدة ابن العدوية وقوة شكيمته كان صلى الله عليه وسلم يقول اللهم اكفنا شر ابن العدوية
أقول سبب إسلام طلحة بن عبيدالله رضي الله تعالى عنه ما تقدم أنه قال حضرت سوق بصرى فإذا راهب في صومعته يقول سلوا أهل هذا الموسم هل ثم من أهل الحرم أحد فقلت نعم أنا قال هل ظهر أحد بعد قلت ومن أحمد قال ابن عبدالله بن عبدالمطلب هذا شهره الذي يخرج فيه وهو آخر الأنبياء مخرجه من الحرم ومهاجره إلى أرض ذات نخل وسباخ فإياك أن تسبق إليه قال طلحة فوقع في قلبي ما قال فخرجت سريعا حتى قدمت مكة فقلت هل كان من حدث قالوا نعم محمد بن عبدالله الأمين يدعو إلى الله وقد تبعه ابن أبي قحافة فخرجت حتى دخلت على أبي بكر رضي الله تعالى عنه فأخبرته بما قال الراهب فخرج أبو بكر حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك فسر بذلك وأسلم طلحة
وطلحة هذا هو أحد العشرة المبشرين بالجنة وقد شاركه رجل آخر في اسمه واسم أبيه ونسبه وهو طلحة بن عبيد الله التيمي وهو الذي نزل فيه قوله تعالى { وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه } الآية لأنه قال لئن مات محمد رسول الله لأتزوجن عائشة وفي لفظ يتزوج محمد بنات عمنا ويحجبهن عنا لئن مات لأتزوجن عائشة من بعده فنزلت الآية
قال الحافظ السيوطي وقد كنت في وقفة شديدة من صحة هذا الخبر لأن طلحة أحد العشرة أجل مقاما من أن يصدر عنه ذلك حتى رأيت أنه رجل آخر شاركه في إسمه وإسم أبيه ونسبه هذا كلامه
والحاصل أن أبا بكر أسلم على يده خمسة من العشرة المبشرين بالجنة وهم عثمان وطلحة بن عبيدالله ويقال له طلحة الفياض وطلحة الجود والزبير وسعد ابن أبي وقاص وعبدالرحمن بن عوف وزاد بعضهم سادسا وهو أبو عبيدة بن الجراح وكان كل من أبي بكر وعثمان بن عفان وعبدالرحمن بن عوف وطلحة بزازا وكان الزبير جزارا وكان سعد بن أبي وقاص يصنع النبل والله أعلم ثم دخل الناس في الإسلام أرسالا من الرجال والنساء
وذكر في الأصل جماعة من السابقين للإسلام منهم عبدالله بن مسعود وأن سبب إسلامه ما حدث به قال كنت في غنم لآل عقبة بن أبي معيط فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر بن أبي قحافة فقال النبي صلى الله عليه وسلم هل عندك لبن فقلت نعم ولكني مؤتمن قال هل عندك من شاة لم ينز عليها الفحل قلت نعم فأتيته بشاة شصوص لا ضرع لها فمسح النبي صلى الله عليه وسلم مكان الضرع فإذا ضرع حافل مملوء لبنا كذا في الأصل وفي الصحاح كما في النهاية الشصوص التي ذهب لبنها وحينئذ يكون قول الأصل لا ضرع لها أي لا لبن لها ويدل لذلك قول ابن حجر الهيتمي في شرح الأربعين فمسح ضرعها وقول ابن مسعود فمسح مكان الضرع أي محل اللبن فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم بصخرة منقورة فاحتلب النبي صلى الله عليه وسلم فسقى أبا بكر وسقاني ثم شرب ثم قال للضرع اقلص فرجع كما كان أي لا وجود له على ظاهر ما في الأصل أو لا لبن فيه على ما في النهاية كالصحاح وإلى ذلك أشار الإمام السبكي في تائيته بقوله ** ورب عناق مانزا الفحل فوقها ** مسحت عليها باليمين فدرت **
قال ابن سمعود فما رأيت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت يارسول الله علمني فسمح رأسي وقال بارك الله فيك فإنك غلام معلم
أقول فإن قيل قول ابن مسعود ولكني مؤتمن وعدوله صلى الله عليه وسلم عن ذات اللبن إلى غيرها يخالف ما سيأتي في حديث المعراج والهجرة أن العادة كان جارية بإباحة مثل ذلك اللبن لابن السبيل إذا احتاج إلى ذلك فكان كل راع مأذونا له في ذلك وإذا كان ذلك أمرا متعارفا مشهورا يبعد خفاؤه
قلنا قد يقال لا مخالفة لأن ابن السبيل المسافر وجاز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم
وأبو بكر رضي الله تعالى عنه لم يكونا مسافرين لجواز أن تكون تلك الغنم التي كان فيها ابن مسعود ببعض نواحي مكة القريبة منها التي لا يعد قاصدها مسافرا ولعله لا ينافى ذلك ما سيأتي أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم أبيح له أخذ الطعام والشراب من مالكهما المحتاج إليهما إذا احتاج صلى الله عليه ولم إليهما وأنه يجب على مالكهما بذل ذلك له
وكان عبدالله بن مسعود يعرف بأمه وهي أم عبد وكان قصيرا جدا طوله نحو ذراع خفيف اللحم ولما ضحكت الصحابة رضي الله تعالى عنهم من دقة رجليه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل عبدالله في الميزان أثقل من أحد وقال صلى الله عليه وسلم في حقه رضيت لأمتي ما رضى لها ابن ام عبد وسخطت لها ما سخط لها ابن أم عبد
وقوله لرجل عبدالله في الميزان يدل للقول بأن الموزون الإنسان نفسه لا عمله وكان صلى الله عليه وسلم يكرمه ويدنيه ولا يحجبه فلذلك كان كثير الولوج عليه صلى الله عليه وسلم وكان يمشي أمامه صلى الله عليه وسلم ومعه ويستره إذا اغتسل ويوقظه إذا نام ويلبسه نعليه إذا قام فإذا جلس أدخلهما في ذراعيه ولذلك كان مشهورا بين الصحابة رضي الله تعالى عنهم بأنه صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة ولم أقف على أنه أسلم حين أجفلت الشاة لكن قول العلامة ابن حجر الهيتمي في شرح الأربعين أسلم قديما بمكة لما مر به صلى الله عليه وسلم وهو يرعى غنما إلى آخره يدل على أنه أسلم حينئذ ومما يؤثر عنه الدنيا كلها هموم فما كان فيها من سرور فهو ربح والله أعلم
وذكر في الأصل أن من السابقين أبا ذر الغفاري واسمه جندب بن جنادة بضم الجيم فيهما قال وسبب إسلامه ما حدث به قال صليت قبل أن ألقى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين لله أتوجه حيث يوجهني ربي فبلغنا أن رجلا خرج بمكة يزعم أنه نبي فقلت لأخي أنيس انطلق إلى هذا الرجل فكلمه وأتني بخبره فلما جاء أنيس قلت له ما عندك فقال والله رأيت رجلا يأمر بخير وينهى عن الشر وفي رواية رأيتك على دينه يزعم أن الله أرسله ورأيته يأمر بمكارم الأخلاق قلت فما يقول الناس فيه قال يقولون شاعر كاهن ساحر والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون فقلت اكفني حتى أذهب فانظر قال نعم وكن على حذر من أهل مكة فحملت جرابا وعصا ثم
أقبلت حتى أتيت مكة فجعت لا أعرفه وأكره أن أسأل عنه فمكثت في المسجد ثلاثين ليلة ويوما وما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما وجدت على بطني سحنة جوع والسحنة بالتحريك قيل حرارة يجدها الإنسان من الجوع ففي ليلة لم يطف بالبيت أحد وإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه جاءا فطافا بالبيت ثم صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما قضى صلاته أتيته فقلت السلام عليك يا رسول الله أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فرأيت الإستبشار في وجهه ثم قال من الرجل قلت من غفار بكسر المعجمة قال متى كنت قال كنت من ثلاثين ليلة ويوما ههنا قال فمن كان يطعمك قلت ما كان لي طعام إلا ماء زمزم فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما أجد على بطني سحنة جوع قال مبارك إنها طعام طعم وشفاء سقم أي وجاء ماء زمزم لما شرب له إن شربته لتشفى شفاك الله وإن شربته لتشبع أشبعك الله وإن شربته لتقطع ظمأك قطعه الله وهي هزمة جبريل وسقيا الله إسمعيل وجاء التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق وجاء آية ما بيننا وبين المنافق أنهم لا يتضلعون من ماء زمزم
وذكر أن أبا ذر أول من قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم السلام عليك التي هي تحية الإسلام فهو أول من حيا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتحية الإسلام وبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يأخذه في الله لومة لائم وعلى أن يقول الحق ولو كان مرا ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أظلت الخضراء أي السماء ولا أقلت الغبراء أي الأرض أصدق من أبي ذر وقال صلى الله عليه وسلم في حقه أبو ذر يمشي في الأرض على زهد عيسى ابن مريم وفي الحديث أبو ذر أزهد أمتي وأصدقها وقد هاجر أبو ذر إلى الشام بعد وفاة أبي بكر واستمر بها إلى أن ولى عثمان فاستقدمه من الشام لشكوى معاوية منه وأسكنه الربذة فكان بها حتى مات فإن أبا ذر صار يغلظ القول لمعاوية ويكلمه بالكلام الخشن
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن لقيا أبي ذر لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان بدلالة علي رضي الله تعالى عنه وأنه قال له ما أقدمك هذه البلدة فقال له أبو ذر إن كتمت علي أخبرتك وفي رواية إن أعطيتني عهدا وميثاقا أن ترشدني أخبرتك ففعل قال أبو ذر فأخبرته فأرشدني وأوصلني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأسلمت
وفي الإمتاع أن عليا استضاف أبا ذر ثلاثة أيام لا يسأله عن شيء وهو لا يخبره ثم في الثالث قال له ما أمرك وما أقدمك هذه البلدة قال له إن كتمت علي أخبرتك قال فإني أفعل قال له بلغنا أنه خرج هنا رجل يزعم أنه نبي فأرسلت أخي ليكلمه فرجع ولم يشفني من الخبر فأردت أن ألقاه فقال له أما إنك قد رشدت هذا وجهي أي خروجي إليه فاتبعني أدخل حيث أدخل فإن رأيت أحدا أخافه عليك قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي وفي لفظ كأني أريق الماء فامض أنت قال أبو ذر فمضى ومضيت حتى دخل ودخلت معه على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له أعرض علي الإسلام فعرضه علي فأسلمت مكاني الحديث
وما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم له من كان يطعمك وجواب أبي ذر له صلى الله عليه وسلم بقوله ماكان لي طعام إلا ماء زمزم يبعد أن يكون علي رضي الله تعالى عنه أضاف أبا ذر ولم يأكل عنده وكذا يبعده ما جاء أن أبا بكر قال يا رسول لله ائذن لي في إطعامه الليلة قال أبو ذر فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر فانطلقت معهما ففتح أبو بكر بابا فجعل يفيض لنا من زبيب الطائف فكان ذلك أول طعام أكلته إلا أن يحمل الطعام على خصوص الزبيب
ويمكن التوفيق بين الروايتين أي رواية دخوله على النبي صلى الله عليه وسلم مع علي فأسلم ورواية إجتماعه به في الطواف فأسلم بأن يكون أبو ذر دخل عليه أولا مع علي ثم لقيه في الطواف ويكون المراد حينئذ بإسلامه الثاني الثبات عليه بتكرير الشهادتين وعذره في عدم إجتماعه به في المسجد مدة ثلاثين يوما عدم خلو المطاف كما يرشد لذلك قوله ففي ليلة لم يطف بالبيت أحد إلى آخره وإلا فيبعد أن يكون صلى الله عليه وسلم لم يدخل المسجد للطواف مدة ثلاثين يوما
ويبعد هذا الجمع قوله صلى الله عليه وسلم له من الرجل إلى آخره ثم قال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر يا أبا ذر اكتم هذا الأمر وارجع إلى قومك فأخبرهم يأتوني فإذا بلغك ظهورنا فأقبل فقلت والذي بعثك بالحق لأصرخن بهذا بين ظهرانيهم قال وكنت في أول الإسلام خامسا وفي رواية رابعا ولعل المراد من الإعراب فلا ينافي ما يأتي في وصف خالد بن سعيد فلما اجتمعت قريش بالمسجد ناديت بأعلى صوتي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فقالوا قوموا إلى هذا الصابئ فضربت
لأموت وفي لفظ فمال علي أهل الوادي بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشيا علي فأكب علي العباس ثم قال لهم ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار وأن طريق تجارتكم عليهم فخلوا عني قال فجئت زمزم فغسلت عني الدماء فلما أصبحت الغداة رجعت لمثل ذلك فصنع بي مثل ما صنع وأدركني العباس وكان منه كالأمس فخرجت وأتيت أنيسا فقال ما صنعت فقلت قد أسلمت وصدقت فقال ما لي رغبة عن دينك فإني قد أسلمت وصدقت فأتينا أمنا فقالت ما لي رغبة عن دينكما فإني أسلمت وصدقت ثم أتينا قومنا غفارا فأسلم نصفهم وقال نصفهم إذا قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أسلمنا فلما جاء المدينة أسلم نصفهم الثاني أي لأنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي ذر إني وجهت إلى أرض ذات نخل لا أراها إلا يثرب فهل أنت مبلغ قومك عسى الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم وجاءت أسلم القبيلة المعروفة فقالوا يا رسول الله نسلم على الذي أسلم عليه إخواننا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله
أي وقد ذكر أن أبا ذر وقف يوما عند الكعبة أي في حجة حجها أو عمرة اعتمرها فأكتنفه الناس فقال لهم لو أن أحدكم أراد سفرا أليس يعد زادا فقالوا بلى فقال سفر القيامة أبعد مما تريدون فخذوا ما يصلحكم قالوا وما يصلحنا قال حجوا حجة لعظائم الأمور وصوموا يوما شديدا حره ليوم النشور وصلوا في ظلمة الليل لوحشة القبور
وممن أسلم خالد بن سعيد بن العاص رضي لله تعالى عنه قيل كان حين أسلم رابعا وقيل خامسا وهو أول من أسلم من إخوته ويمكن أن يكون ذلك محمل قول ابنته أم خالد أول من أسلم أبي أي من إخوته
وسبب إسلامه أنه رأى في النوم النار ورأى من فظاعتها وأهوالها أمر مهولا ورأى أنه على شفيرها وأن أباه يريد أن يلقيه فيها ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذا بحجزته يمنعه من الوقوع فيها فقام من نومه فزعا وقال أحلف بالله أن هذه الرؤيا حق وعلم أن نجاته من النار تكون على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى أبا بكر فذكر له ذلك فقال له أريد بك خير هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه فأتاه فقال يا محمد إلام تدعو قال أدعو إلى الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده
ورسوله وتخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع فأسلم خالد
وفي الوفاء عن أم خالد بنت خالد بن سعيد أنها قالت كان خالد بن سعيد ذات ليلة نائما قبيل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رأيت كأنه غشيت مكة ظلمة حتى لا يبصر امرؤ كفه فبينما هو كذلك إذ خرج نور أي من زمزم ثم علا في السماء فأضاء في البيت ثم أصاب مكة كلها ثم تحول إلى يثرب فأصابها حتى أني لأنظر إلى اليسر في النخل فاستيقظت فقصصتها على أخي عمرو بن سعيد وكان جزل الرأي فقال يا أخي إن هذا الأمر يكون في بني عبدالمطلب ألا ترى أنه خرج من حفر أبيهم ثم إنه ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي بعد مبعثه فقال يا خالد أنا والله ذلك النور وأنا رسول الله وقص عليه ما بعثه الله به فأسلم خالد وعلم أبوه بذلك أبوه وهو سعيد أبو أجيحة وكان من عظماء قريش كان إذا أعتم لم يعتم قرشي إعظاما له ومن ثم قال فيه القائل ** أبا أجيحة من يعتم عمته ** يضرب وإن كان ذا مال وذا عدد **
وعند إسلام ولده خالد أرسل في طلبه فانتهره وضربه أي بمقرعة كانت في يده حتى كسرها على رأسه ثم قال اتبعت محمدا وأنت ترى خلافه لقومه وما جاء به من عيب آلهتهم وعيب من مضى من آبائهم فقال والله تبعته على ما جاء به فغضب أبوه وقال أذهب يالكع حيث شئت وقال والله لأمنعنك القوت قال إن منعتني فإن الله يرزقني ما أعيش به فأخرجه وقال لبنيه ولم يكونوا أسلموا لا يكلمه أحد منكم إلا صنعت به فانصرف خالد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يلزمه ويعيش معه ويغيب عن أبيه في نواحي مكة حتى خرج أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة في الهجرة الثانية فكان خالد أول من هاجر إليها
وذكر عن والده سعيد أنه مرض فقال إن رفعني الله من مرضي هذا لا يعبد إله ابن أبي كبشة بمكة أبدا فقال خالد عند ذلك اللهم لا ترفعه فتوفى في مرضه ذلك وخالد هذا أول من كتب بسم الله الرحمن الرحيم وأسلم أخوه عمرو بن سعيد بن العاص رضي الله تعالى عنه
قيل وسبب إسلامه أنه رأى نورا خرج من زمزم أضاءت له منه نخل المدينة حتى
رأى البسر فيها فقص رؤياه فقيل له هذه بئر بني عبدالمطلب وهذا النور منهم يكون فكان سببا لإسلامه وتقدم قريبا أن هذا الرؤيا وقعت لخالد فكانت سبب إسلامه وأنه قصه على أخيه عمرو المذكورة فهو من خلط بعض الرواة إلا أن يقال لا مانع من تعدد هذه الرؤية لخالد ولأخيه عمرو وأنها كانت سببا لإسلامهما وأسلم من بني سعيد أيضا أبان والحكم الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله
أي ومن السابقين للإسلام صهيب كان أبوه عاملا لكسرى أغارت الروم عليهم فسبت صهيبا وهو غلام صغير فنشأ في الروم حتى كبر ثم ابتاعه جماعة من العرب وجاءوا به إلى سوق عكاظ فابتاعه منهم بعض أهل مكة أي وهو عبداله بن جدعان فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مر صهيب على دار رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى عمار بن ياسر فقال له عمار بن ياسر أين تريد يا صهيب قال أريد أن أدخل إلى محمد فأسمع كلامه وما يدعو إليه قال عمار وأنا أريد ذلك فدخلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهما بالجلوس فجلسا وعرض عليهما الإسلام وتلا عليهما ما حفظ من القرآن فتشهدا ثم مكثا عنده يومهما ذلك حتى أمسيا خرجا مستخفيين فدخل عمار على أمه وأبيه فسألاه أين كان فأخبرهما بإسلامه وعرض عليهما الإسلام وقرأ عليهما ما حفظ من القرآن في يومه ذلك فأعجبهما فأسلما على يده فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسميه الطيب المطيب
وأسلم أيضا حصين والد عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما بعد إسلام والده عمران
وسبب إسلامه أن قريشا جاءت إليه وكانت تعظمه وتجله فقالوا له كلم لنا هذا الرجل فإنه يذكر آلهتنا ويسبها فجاءوا معه حتى جلسوا قريبا من باب النبي صلى الله عليه وسلم ودخل حصين فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم قال أوسعوا للشيخ وعمران وولده في الصحابة فقال حصين ما هذا الذي بلغنا عنك أنك تشتم آلهتنا وتذكرها فقال يا حصين كم تعبد من إله قال سبعة في الأرض وواحد في السماء فقال فإذا أصابك الضر لمن تدعو قال الذي في السماء قال فإذا هلك المال من تدعو قال الذي في السماء قال فيستجيب له وحده وتشرك معه أرضيته في الشرك يا حصين أسلم تسلم فأسلم فقام إليه ولده عمران فقبل رأسه ويديه ورجليه فبكى
صلى الله عليه وسلم وقال بكيت من صنع عمران دخل حصين وهو كافر فلم يقم إليه عمران ولم يلتفت ناحيته فلما أسلم وفي حقه فدخلني من ذلك الرقة فلما أراد حصين الخروج قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه شيعوه إلى منزله فلما خرج من سدة الباب أي عتبته رأته قريش قالوا قد صبا وتفرقوا عنه & باب استخفائه صلى الله عليه وسلم وأصحابه في دار الأرقم ابن الأرقم رضي الله تعالى عنهما ودعائه صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام جهرة وكلام قريش لأبي طالب في أن يخلى بينهم وبينه وما لقى هو وأصحابه من الأذى وإسلام عمه حمزة رضي الله تعالى عنه
عن ابن اسحاق أن مدة ما أخفى صلى الله عليه وسلم أمره أي المدة التي صار يدعو الناس فيها خفية بعد نزول { يا أيها المدثر } ثلاث سنين أي فكان من أسلم إذا أراد الصلاة يذهب إلى بعض الشعاب يستخفى بصلاته من المشركين أي كما تقدم فبينما سعد ابن أبي وقاص في نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شعب من شعاب مكة إذا ظهر عليه نفر من المشركين وهم يصلون فناكروهم وعابوا عليه ما يصنعون حتى قاتلوهم فضرب سعد بن أبي وقاص رجلا منهم بلحى بعير فشجه فهو أول دم أهريق في الإسلام ثم دخل صلى الله عليه وسلم وأصحابه مستخفين في دار الأرقم أي بعد هذه الواقعة فإن جماعة أسلموا قبل دخوله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم ودار الأرقم هي المعروفة الآن بدار الخيزران عند الصفا أشتراها الخليفة المنصور وأعطاها ولده المهدي ثم أعطاها المهدي للخيزران أم ولديه موسى الهادي وهرون الرشيد ولا يعرف أمرأة ولدت خليفتين إلا هذه وولادة جارية عبدالملك بن مروان فإنه أم الوليد وسليمان
وقد روت الخيزران عن زوجها المهدي عن أبيه عن جده عن ابن عباس رضي الله
تعالى عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من اتقى الله وقاه كل شيء
فكان صلى الله عليه وسلم وأصحابه يقيمون الصلاة بدار الأرقم ويعبدون الله تعالى فيها إلى أن أمره الله تعالى بإظهار الدين
أي وهذا السياق يدل على أنه صلى الله عليه وسلم استمر مستخفيا هو وأصحابه في دار الأرقم إلى أن أظهر الدعوة وأعلن صلى الله عليه وسلم في السنة الرابعة أي وقيل مدة استخفائه صلى الله عليه وسلم أربع سنين وأعلن في الخامسة وقيل أقاموا في تلك الدار شهرا وهم تسعة وثلاثون وقد يقال الإقامة شهرا مخصوصة بالعدد المذكور فلا منافاة وإعلانه صلى الله عليه وسلم كان في الرابعة أو الخامسة بقوله تعالى { فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين } وبقوله تعالى { وأنذر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين } أي أظهر ما تؤمر به من الشرائع وادع إلى الله تعالى ولا تبال بالمشركين وخوف بالعقوبة عشيرتك الأقربين وهم بنو هاشم وبنو المطلب أي وبنو عبد شمس وبنو نوفل أولاد عبد المطلب بدليل ما يأتي قال بعضهم آية { فاصدع بما تؤمر } اشتملت على شرائط الرسالة وشرائعها وأحكامها وحلالها وحرامها
وقال بعضهم إنما أمر بالصدع لغلبة الرحمة عليه صلى الله عليه وسلم قال ذكر بعضهم أنه لما نزل عليه صلى الله عليه وسلم قوله تعالى { وأنذر عشيرتك الأقربين } اشتد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وضاق به ذرعا أي عجز عن إحتماله فمكث شهرا أو نحوه جالسا في بيته حتى ظن عماته أن شاك أي مريض فدخلن عليه عائدات فقال صلى الله عليه وسلم ما اشتكيت شيئا لكن الله أمرني بقوله { وأنذر عشيرتك الأقربين } فأريد أن اجمع بني عبدالمطلب لأدعوهم إلى الله تعالى قلن فادعهم ولا تجعل عبدالعزى فيهم يعنين عمه أبا لهب فإنه غير مجيبك إلى ما تدعوه إليه وخرجن من عنده صلى الله عليه وسلم أي وكنى عبد العزى بأبي لهب لجمال وجهه ونضاره لونه كأنه وجهه وجبينه ووجنتيه لهب النار أي خلافا لما زعمه بعضهم أن ولده عقير الأسد أو ولد آخر غيره كان اسمه لهبا
قال وفي الإتقان ليس في القرآن من الكنى غير أبي لهب ولم يذكر اسمه وهو عبدالعزى أي الصنم لأنه حرام شرعا هذا كلامه وفيه أن الحرام وضع ذلك لا إستعماله
وفي كلام بعضهم ما يفيد أن الإستعمال حرام أيضا إلا أن يشتهر بذلك كما في الأوصاف المنقصة كالأعمش
وفي كلام القاضي وإنما كناه والكنية تكرمه أي بالعدول عن الإسم إليها لإشتهاره بكنيته ولأن اسمه عبدالعزى هو الصنم فاستكره ذكره ولأنه لما كان من أصحاب النار كانت الكنية أوفق بحاله في الآخرة فهي كنية تفيد الذم
فاندفع ما يقال هذا يخالف قولهم ولا يكنى كافر وفاسق ومبتدع إلا لخوف فتنة أو تعريف لأن ذلك خاص بالكنية التي تفيد المدح لا الذم ولم يشتهر بها صاحبها
قال فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى بني عبدالمطلب فحضروا وكان فيهم أبو لهب فلما أخبرهم بما أنزل الله عليه أسمعه ما يكره قال تبا لك ألهذا جمعتنا أي وأخذ حجرا ليرميه به وقال له ما رأيت أحدا قط جاء بني أبيه وقومه بأشر ما جئتهم به فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتكلم في ذلك المجلس انتهى
أي وفي الإمتاع أن أبا لهب ظن أنه صلى الله عليه وسلم يريد أن ينزع عما يكرهون إلى ما يحبون فقال له هؤلاء عمومتك وبنو عمومتك فتكلم بما تريد واترك الصبأة واعلم أنه ليس لقومك بالعرب طاقة وإن أحق من أخذك وحبسك أسرتك وبنوا أبيك إن أقمت على أمرك فهو أيسر عليك من أن تتب عليك بطون قريش وتمدها العرب فما رأيت يا ابن أخي أحدا قط جاء بني أبيه وقومه بشر ما جئتهم به وعند ذلك أنزل الله تعالى { تبت } أي خسرت وهلكت { يدا أبي لهب وتب } أي خسر وهلك بجملته أي والمراد بالأول جملته عبر عنها باليدين مجازا والمراد به الدعاء وبالثاني الخبر على حد قولهم أهلكه الله وقد هلك
أي ولما قال أبو لهب عند نزول { تبت يدا أبي لهب وتب } إن كان ما يقوله محمد حقا افتديت منه بمالي وولدي نزل { ما أغنى عنه ماله وما كسب } أي وأولاده لأن الولد من كسب أبيه أي وفي رواية وهي في الصحيحين أنه دعا قريشا فاجتمعوا فخص وعم فقال يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار أي وفيه أنه إنما أمر بالإنذار لعشريته الأقربين ثم قال صلى الله عليه وسلم يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد زهرة أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار يافاطمة أنقذي نفسك من النار يا صفية عمة محمد أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئا وفي لفظ لا أملك لكم من الدنيا منفعة ولا من
الآخرة نصيبا إلا أن تقولوا لا إله إلا الله أي لا تبقوا على كفركم إتكالا على قرابتكم مني فهو حث لهم على صالح الأعمال وترك الإتكال غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها أي أصلها بالدعاء أي والبلال بالفتح كقطام ما يبل الحلق من الماء أو اللبن وبل رحمه إذا وصلها وبلوا أرحامكم ندوها بالصلة وفي الحديث بلوا أرحامكم ولو بالسلام أي وصلوها أي وقد ذكر أئمتنا صابط الصلة
وفي تخصيصه صلى الله عليه وسلم فاطمة من بين بناته مع أنها أصغرهن وقيل أصغر بناته رقية وتخصيصه صلى الله عليه وسلم صفية من بين عماته حكمة لا تخفى ومن الغريب ما في الكشاف من زيادة يا عائشة بنت أبي بكر يا حفصة بنت عمر
عندي أن ذكر عائشة وحفصة بل وفاطمة هنا من خلط بعض الرواة وأن هذا ذكره صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فذكره بعض الرواة هنا فإن المراد بالإنقاذ من النار الإتيان بالإسلام بدليل قوله صلى الله عليه وسلم إلى أن تقولوا لا إله إلا الله مع أنه تقدم أن بناته عليه الصلاة والسلام لم يكن كفارا فليتأمل
ثم مكث صلى الله عليه وسلم أياما ونزول عليه جبريل وأمره بإمضاء أمر الله تعالى فجمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثانيا وخطبهم ثم قال لهم إن الرائد لا يكذب أهله والله لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم والله الذي لا إله إلا هو إني لرسول الله إليكم خاصة وإلى الناس كافة والله لتموتن كما تنامون ولتبعثن كما تستيقظون ولتحاسبن بما تعملون ولتجزون بالإحسان إحسانا وبالسوء سوءا وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا والله يابني عبدالمطلب ما أعلم شابا جاء قومه بأفضل مما جئتكم به إني قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة فتكلم القوم كلاما لينا غير أبي لهب فإنه قال يا بني عبدالمطلب هذه والله السوأة خذوا على يديه قبل أن يأخذ على يديه غيركم فإن أسلمتموه حينئذ ذللتم وإن منعتموه قتلتم فقالت له أخته صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله تعالى عنها أي أخي أيحسن بك خذلان ابن أخيك فوالله ما زال العلماء يخبرون أنه يخرج من ضئضئ أي أصل عبدالمطلب نبي فهو هو قال هذا والله الباطل والأماني وكلام النساء في الحجال إذا قامت بطون قريش وقامت معها العرب فما قوتنا بهم فوالله ما نحن عندهم إلا أكلة رأس فقال أبو طالب والله لنمنعنه ما بقينا ثم دعا النبي صلى الله عليه وسلم جميع قريش وهو قائم على الصفا وقال إن أخبرتكم
أن خيلا تخرج من سنح بالنون والحاء المهملة أي أصل وفي لفظ سفح بالفاء والحاء المهملة هذا الجبل تريد أن تغير عليكم أكنتم تكذبوني قالوا ما جربنا عليك كذبا فقال يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار فإني لا أغني عنكم من الله شيئا إني لكم نذير مبين بين يدي عذاب شديد أي وفي لفظ إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يريد أهله فخشى أن يسبقوه إلى أهله فجعل يهتف يا صباحاه يا صباحاه أتيتم أتيتم
ومن أمثاله صلى الله عليه وسلم أنا النذير العريان أي الذي ظهر صدقه من قولهم عرى الأمر إذا ظهر وقولهم الحق عار أي ظاهر وقيل الذي جرده العدو فأقبل عريانا ينذر بالعدو وعن عبدالله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألف مثل
واختلفت الروايات في محل وقوفه ففي رواية وقف على الصفا كما تقدم وفي رواية وقف على أضمة من جبل فعلا أعلاها حجرا يهتف يا صباحاه فقالوا من هذا الذي يهتف قالوا محمد فاجتمعوا إليه فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا الحديث وفي رواية صاح على ابي قبيس يا آل عبد مناف إني نذير وروى أنه لما نزل قوله تعالى { وأنذر عشيرتك الأقربين } جمع بني عبدالمطلب في دار أبي طالب وهم أربعون وفي الإمتاع خمسة وأربعون رجلا وامرأتان فصنع لهم علي طعاما أي رجل شاة مع مد من البر وصاعا من لبن فقدمت فهم الجفنة وقال كلوا بسم الله فأكلوا حتى شبعوا وشربوا حتى نهلوا وفي رواية حتى رووا وفي رواية قال ادنوا عشرة عشرة فدنا القوم عشرة عشرة ثم تناول القعب الذي فيه اللبن فجزع منه ثم ناولهم وكان الرجل منهم يأكل الجذعة وفي رواية يشرب العس من الشراب في مقعد واحد فقهرهم ذلك فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلم بدره أبولهب بالكلام فقال لقد سحركم صاحبكم سحرا عظيما وفي رواية محمد وفي رواية ما رأينا كالسحر اليوم فتفرقوا ولم يتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان الغد قال يا علي عد لنا بمثل ما صنعت بالأمس من الطعام والشراب قال علي ففعلت ثم جمعتهم له صلى الله عليه وسلم فأكلوا حتى شبعوا وشربوا حتى نهلوا ثم قال لهم يا بني عبدالمطلب إن الله قد بعثني إلى الخلق كافة وبعثني إليكم خاصة فقال { وأنذر عشيرتك الأقربين } وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان شهادة أن لا إله
إلا الله وأني رسول الله فمن يجيبني إلى هذا الأمر ويوازرني أي يعاونني على القيام به قال علي أنا يا رسول الله وأنا أحدثهم سنا وسكت القوم زاد بعضهم في الرواية يكن أخي ووزيرا وورثى وخليفتي من بعدي فلم يجبه أحد منهم فقام علي وقال أنا يا رسول الله قال اجلس ثم أعاد القول على القوم ثانيا فصمتوا فقام علي وقال أنا يا رسول الله فقال اجلس ثم أعاد القول على القوم ثالثا فلم يجبه أحد منهم فقام علي فقال أنا يا رسول الله فقال اجلس فأنت أخي ووزيري ووصيى ووارثي وخليفتي من بعدي
قال الإمام أبو العباس بن تيمية أي في الزيادة المذكورة أنها كذب وحديث موضوع من له أدنى معرفة في الحديث يعلم ذلك وقد رواه أي الحديث مع زيادته المذكورة ابن جرير والبغوي بإسناد فيه أبو مريم الكوفي وهو مجمع على تركه وقال أحمد إنه ليس بثقة عامة أحاديثه بواطيل وقال ابن المديني كان يضع الحديث وفي رواية عن علي رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر خديجة فصنعت له طعاما ثم قال لي ادع لي بني عبدالمطلب فدعوت أربعين رجلا الحديث ولا مانع من تكرر فعل ذلك ويجوز أن يكون علي فعل ذلك عند خديجة وجاء به إلى بيت أبي طالب ولعل جمعهم هذا كان متأخرا عن جمعهم مع غيرهم المتقدم ذكره ويشهد له السياق فعل ذلك حرصا على إسلام أهل بيته فلما دعا قومه ولم يردوا عليه ولم يجيبوه أي وفي رواية صار كفار قريش غير منكرين لما يقول فكان صلى الله عليه وسلم إذ مر عليهم في مجالسهم يشيرون إليه إن غلام بني عبد المطلب ليكلم من السماء وكان ذلك دأبهم حتى عاب آلهتهم أي وسفه عقولهم وضلل آباءهم أي حتى أنه مر يوما وهم في المسجد الحرام يسجدون للأصنام فقال يا معشر قريش والله لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم فقالوا إنما نعبد الأصنام حبا لله لتقربنا إلى الله فانزل الله تعالى { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } فتناكروه وأجمعوا خلافه وعداوته إلا من عصم الله منهم وجاءوا إلى أبي طالب وقالوا يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا أي عقولنا ينسبنا إلى قلة العقل وضلل آباءنا فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلى بيننا وبينه فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه فقال لهم أبو طالب قولا رقيقا وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم يظهر دين الله ويدعو إليه لا يرده عن ذلك شيء وإلى أشار صاحب الهمزية بقوله
** ثم قام النبي يدعو إلى الله ** وفي الكفر شدة وإباء ** ** أمما أشربت قلوبهم الكف ** ر فداء الضلال فيهم عياء **
أي ثم قام صلى الله عليه وسلم يدعو جماعتهم إلى الله تعالى بأن يقولوا لا إله إلا الله حسبما أمر فقدجاء أن جبريل تبدى له صلى الله عليه وسلم في أحسن صورة وأطيب رائحة وقال يا محمد إن الله يقرئك السلام ويقول لك أنت رسول الله إلى الجن والإنس فادعهم إلى قول لا إله إلا الله فدعاهم والحال أن في أهل الكفر قوة تامة وإمتناعا عن اتباعه اختلط الكفر بقلوبهم وتمكن فيها حبه حتى صارت لا تقبل غيره وبسبب ذلك صار داء الضلال أي داء هو الضلال فيهم عضال يعيى الأطباء مداواته وحصول شفائه ثم شرى الأمر أي الشين المعجمة وكسر الراء وفتح المثناة تحت كثر وتزايد وانتشر بينهم وبينه حتى تباعد الرجال وتضاغنوا أي أضمروا العداوة والحقد وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها وتذامروا عليه بالذال المعجمة وحض أي حث بعضهم بعضا على حربه وعداوته ومقاطعته ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا يا أبا طالب إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا وإنا قد طلبنا منك أن تنهى ابن أخيك فلم تنهه عنا وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا أي عقولنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين ثم أنصرفوا عنه فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم ولم يطب نفسا بأن يخذل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له يا ابن أخي إن قومك قد جاءوني فقالوا لي كذا وكذا فأبق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عمه خاذله وأنه ضعف عن نصرته والقيام معه فقال له يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله تعالى أو أهلك فيه ما تركته ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أي حصلت له العبرة التي هي دمع العين فبكى ثم قام فلما ولى ناداه أبو طالب فقال أقبل يا ابن أخي فأقبل عليه فقال اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك وأنشد أبياتا منها ** والله لن يصلوا إليك بجمعهم ** حتى أوسد في التراب دفينا **
وحكمة تخصيص الشمس والقمر بالذكر وجعل الشمس في اليمين والقمر في اليسار لا تخفى لأن الشمس النير الأعظم واليمين أليق به والقمر النير الممحو واليسار أليق به
وخص النيرين حيث ضرب المثل بهما لأن الذي جاء به نور قال تعالى { يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره }
ومن غريب التعبير أن رجلا كان عاملا لسيدنا عمر رضي الله تعالى عنه فقال لسيدنا عمر إني رأيت في المنام كأن الشمس والقمر يقتتلان ومع كل واحد منهما نجوم فقال له عمر مع أيهما كنت قال مع القمر قال كنت مع الآية الممحوة اذهب فلا تعمل لي عملا فاتفق أن هذا الرجل كان مع معاوية يوم صفين وقتل ذلك اليوم
فلما عرفت قريش أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله صلى الله عليه وسلم مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة فقالوا له يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد بن المغيرة أنهد أي أشد وأقوى فتى في قريش وأحمله فخذه لك ولدا أي بأن تتبناه وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي خالف دينك ودين آبائك وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم فنقتله فإنما هو رجل كرجل فقال لهم أبو طالب والله لبئس ما تسومونني أتعطوني إبنكم أغذوه لكم وأعطيكم ابني تقتلونه هذا والله لا يكون أبدا أي وقال أرأيتم ناقة تحن إلى غير فصيلها قال المطعم بن عدي والله يا أبا طالب لقد أنصفك قومك وجهدوا على التخلص مماتكره فما أراك تريد أن تقبل منهم شيئا فقال له أبو طالب والله ما أنصفوني ولكن قد أجمعت أي قصدت خذلاني ومظاهرة القوم أي معاونتهم علي فاصنع ما بدالك أي وقد مات عمارة بن الوليد هذا على كفره بأرض الحبشة بعد أن سحر وتوحش وسار في البراري والقفار كما سيأتي ومات المطعم بن عدي المذكور على كفره أيضا فعند عدم قبول أبي طالب ما أرادوه اشتد الأمر
ولما رأى أبو طالب من قريش ما رأى دعا بني هاشم وبني عبدالمطلب إلى ما هو عليه من منع رسول الله صلى الله عليه وسلم والقيام دونه فأجابوه غلى ذلك غير أبي لهب فكان من المجاهرين بالظلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولكل من آمن به وتوالى الأذى من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى من أسلم معه
فما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذية ما حدث به عمه العباس رضي الله تعالى عنه قال كنت يوما في المسجد فأقبل أبو جهل فقال لله علي إن رأيت محمد ساجدا أن أطأ عنقه فخرجت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بقول أبي جهل فخرج غضبان حتى دخل المسجد فعجل أن يدخل من الباب فاقتحم من الحائط وقرأ { اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق } حتى بلغ شأن أبي جهل كلا
{ إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى } إلى أن بلغ آخر السورة سجد فقال إنسان لأبي جهل يا أبا الحكم هذا محمد قد سجد فأقبل إليه ثم نكص راجعا فقيل له ذلك فقال أبو جهل ألا ترون ما أرى لقد سد أفق السماء علي وفي رواية رأيت بيني وبينه خندقا من نار وسيأتي أن قوله تعالى { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى } إلى آخر السورة نزل في أبي جهل
ومن ذلك ما حدث به بعضهم قال ذكر أن أبا جهل بن هشام قال يوما لقريش يا معشر قريش إن محمدا قد أتى إلى ما ترون من عيب دينكم وشتم آلهتكم وتسفيه أحلامكم وسب آبائكم إني أعاهد الله لأجلس له يعنى النبي صلى الله عليه وسلم غدا بحجر لا أطيق حمله فإذا سجد في صلاته رضخت به رأسه فأسلموني عند ذلك أو امنعوني فليصنع بي بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدالهم قالوا والله لا نسلمك لشيء أبدا فامض لما تريد فلما أصبح أبو جهل أخذ حجرا كما وصف ثم جلس لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظره وغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يغدو إلى الصلاة أي وكانت قبلته صلى الله عليه وسلم إلى الشام إلى صخرة بيت المقدس فكان يصلى بين الركن اليماني والحجر الأسود ويجعل الكعبة بينه وبين الشام على ما تقدم وقريش جلوس في أنديتهم وهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه أي متغيرا بالصفرة مع الكدرة من الفزع وقد يبست يداه على حجره حتى قذفه من يده أي بعد أن عالجوا فكه من يده فلم يقدروا كما سيأتي وقامت إليه رجال من قريش وقالوا مالك يا أبا الحكم قال قمت إليه لأفعل ما قلت لكم البارحة فلما دنوت منه عرض لي فحل من الإبل والله ما رأيت مثله قط هم بي أن يأكلني فلما ذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذاك جبريل لودنا لأخذه وإلى ذلك يشير صاحب الهمزية بقوله ** وأبو جهل إذ رأى عنق الفح ** ل إليه كأنه العنقاء **
أي وأبو جهل الذي هو أشد الأعداء على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت أن هم أن يلقى الحجر عليه صلى الله عليه وسلم وهو ساجد أبصر عنق الفحل وقد برزت إليه كأنه الدهية العظيمة أي فرجع عن ذلك الرمى بذلك الحجر أي وفي رواية أن أبا جهل قال رأيت بيني وبينه كخندق من نار ولا مانع أن يكون وجد الأمرين معا
وذكر في سبب نزول قوله تعالى { إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون } أي إنا جعلنا أيديهم متصلة بأعناقهم واصلة إلى أذقانهم ملصقة بها رافعون رءوسهم لا يستطيعون خفضها من أقمح البعير رفع رأسه { وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون } أن الآية الأولى نزلت في أبي جهل لما حمل الحجر ليرضخ به رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ورفعه أثبتت يداه إلى عنقه ولزق الحجر بيده فلما عاد إلى أصحابه أخبرهم فلم يفكوا الحجر من يده إلا بعد تعب شديد والآية الثانية نزلت في آخر لما رأى ما وقع لأبي جهل قال أنا ألقى هذا الحجر عليه فذهب إليه صلى الله عليه وسلم فلما قرب منه عمى بصره فجعل يسمع صوته ولا يراه فرجع إليهم فأخبرهم بذلك
وعن الحكم بن أبي العاص أي ابن مروان بن الحكم أن ابنته قالت له ما رأيت قوما كانوا أسوأ رأيا وأعجز في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم منكم يا بني أمية فقال لها لا تلومينا يا بنية إني لا أحدثك إلا ما رأيت لقد أجمعنا ليلة على اغتياله صلى الله عليه وسلم فلما رأيناه يصلى ليلا جئنا خلفه فسمعنا صوتا ظننا أنه ما بقى بتهامة جبل إلاتفتت علينا أي ظننا أنه يتفتت وأنه يقع علينا فما عقلنا حتى قضى صلاته صلى الله عليه وسلم ورجع إلى أهله ثم تواعدنا ليلة أخرى فلما جاء نهضنا إليه فرأينا الصفا والمروة التصقتا إحداهما على الأخرى فحالتا بيننا وبينه ويتأمل هذا لأن صلاته صلى الله عليه وسلم إنما تكون عند الكعبة وليست بين الصفا والمروة
وفي رواية كان صلى الله عليه وسلم يصلى فجاءه أبو جهل فقال ألم أنهك عن هذا فأنزل الله تعالى { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى } إلى آخر السورة
وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم لما انصرف من صلاته زأره أبو جهل أي انتهره وقال إنك لتعلم ما بها ناد أكثر مني فأنزل الله تعالى { فليدع ناديه سندع الزبانية } قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لودعا ناديه لأخذته زبانية الله أي قال يوما ولقد لقى النبي صلى الله عليه وسلم فقال للنبي صلى الله عليه وسلم لقد علمت أني أمنع أهل البطحاء وأنا العزيز الكريم فأنزل الله تعالى فيه { ذق إنك أنت العزيز الكريم } كذا قاله الواحدي أي تقول له الزبانية عند إلقائه في النار ما ذكر توبيخا له
ومن ذلك ما حدث به بعضهم قال لما أنزل الله تعالى سورة { تبت يدا أبي لهب }
جاءت امرأة أبي لهب وهي أم جميل وإسمها العوراء وقيل اسمها أروى بنت حرب أخت أبي سفيان بن حرب ولها ولولة وفي يدها فهر أي بكسر الفاء وسكون الهاء حجر يملأ الكف فيه طول يدق به في الهاون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر رضي الله تعالى عنه فلما رآها قال يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها امرأة بذية أي تأتي بالفحش من القول فلو قمت لتؤذيك فقال صلى الله عليه وسلم إنها لن تراني فجاءت فقالت يا أبا بكر صاحبك هجاني أي وفي لفظ ما شأن صاحبك ينشد في الشعر قال لا وما يقول الشعر أي ينشئه وفي لفظ لا ورب هذا البيت ماهجاك والله ما صاحبي بشاعر وما يدري ما الشعر أي لا يحسن إنشاءه قال له أنت عندي تصدق وانصرفت أي وهي تقول ما علمت قريش أني بنت سيدها أي تعني عبد مناف جد أبيها ومن كان عبد مناف أباه لا ينبغي لأحد أن يتجاسر على ذمه قلت يا رسول الله لم لم ترك قال لم يزل ملك يسترني بجناحه أي فقد جاء في رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر قل لها هل ترين عندي أحدا فسألها أبو بكر فقالت أتهزأ بي والله ما أرى عندك أحدا
أقول وفي الإمتاع أنها جاءت وهو صلى الله عليه وسلم في المسجد معه أبو بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وفي يدها فهر فلما وقفت على النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الله على بصرها فلم تره ورأت أبا بكر وعمر فأقبلت على أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقالت أين صاحبك قال وما تصنعين به قالت بلغني أنه هجاني والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فمه فقال عمر رضي الله تعالى عنه ويحك إنه ليس بشاعر فقالت إني لا أكلمك يابن الخطاب أي لما تعلمه من شدته ثم أقبلت على أبي بكر لما تعلمه من لينه وتواضعه فقالت والثواقب أي النجوم إنه لشاعر وإني لشاعرة أي فكما هجاني لأهجونه وانصرفت فقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إنها لن تراك فقال إنها لن تراني جعل بيني وبينها حجاب أي لأنه قرأ قرآنا اعتصم به كما قال تعالى { وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا } وفي رواية أقبلت ومعها فهران وهي تقول ** مذمما أبينا ** ودينه قلينا ** وأمره عصينا **
فقالت أين الذي هجاني وهجا زوجي والله لئن رأيته لأضربن أنثييه بهذين
الفهرين قال أبو بكر فقلت لها يا أم جميل والله ما هجاك ولا هجا زوجك قالت والله ما أنت بكذاب وإن الناس ليقولون ذلك ثم ولت ذاهبة فقلت يارسول الله إنها لم ترك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حال بيني وبينها جبريل ولعل مجيئها قد تكرر فلا منافاة بين ما ذكر وكذا ما يأتي وكما يقال في الحمد محمد يقال في الذم مذمم لأنه لا يقال ذلك إلا لمن ذم مرة بعد أخرى كما أن محمدا لا يقال إلا لمن حمد مرة بعد أخرى كما تقدم وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم قال ألا تعجبون كيف يصرف الله تعالى عني شتم قريش ولعنهم يشتمون مذمما ويلعنون مذمما وأنا محمد
وفي الدر المنثور أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس في الملأ فقالت يا محمد علام تهجوني قال إني والله ما هجوتك ماهجاك إلا الله قالت رأيتني أحمل حطبا أو رأيت في جيدي حبلا من مسد وهذا مما يؤيد ماقاله بعض المفسرين أن الحطب عبارة عن النميمة يقال فلان يحطب على أي ينم لأنها كانت تمشي بين الناس بالنميمة وتغرى زوجها وغيره بعداوته صلى الله عليه وسلم وتبلغهم عنه أحاديث لتحثهم بها على عداوته صلى الله عليه وسلم وأن الحبل عبارة عن حبل من نار محكم
وعن عروة بن الزبير مسد النار سلسلة من حديد ذرعها سبعون ذراعا والله أعلم وإلى ذلك أشار صاحب الهمزية بقوله ** وأعدت حمالة الحطب الفهر وجاءت كأنها الورقاء ** ** ثم جاءت غضبى تقول أفى مثلي من أحمد يقال الهجاء ** ** وتولت وما رأته ومن أين ترى الشمس مقلة عمياء **
أي وهيأت حمالة الحطب الفهر ولقبت بذلك كانت تحتطب أي تجمع الحطب وتحمله لبخلها ودناءة نفسها أو كانت تحمل الشوك والحسك وتطرحه في طريقه صلى الله عليه وسلم ولا مانع من إجتماع الأوصاف الثلاثة لكن استفهامها يبعد الوصفين الأخيرين والفهر الحجر الذي يملأ الكف كما تقدم لتضرب به النبي صلى الله عليه وسلم والحال أنها جاءت في غاية السرعة والعجلة كأنها في شدة السرعة الحمامة الشديدة الإسراع حالة كونها غضبى من شدة ما سمعت من ذمها في سورة تبت يدا أبي لهب نقول أفي مثلي وأنا بنت سيد بني عبد شمس يقال الهجاء والسب حالة كونه من أحمد وتولت والحال أنها ما رأته وكيف ترى الشمس عين عمياء
أقول في ينبوع الحياة أنها لما بلغها سورة { تبت يدا أبي لهب } جاءت إلى أخيها أبي سفيان في بيته وهي مضطرمة أي منحرقة غضبى فقالت له ويحك يا أحمس أي يا شجاع أما تغضب أن هجاني محمد فقال سأكفيك إياه ثم أخذ سيفه وخرج ثم عاد سريعا فقالت هل قتلته فقال لها يا أخية أيسرك أن رأس أخيك في فم ثعبان قالت لا والله قال فقد كان ذلك يكون الساعة أي فإنه رأى ثعبانا لو قرب منه صلى الله عليه وسلم لالتقم رأسه
ولما نزلت هذه السورة التي هي { تبت يدا أبي لهب } قال أبو لهب لأبنه عتبة أي بالتكبير رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم يوم الفتح كما سيأتي رأسي من رأسك حرام إن لم تفارق ابنة محمد يعني رقية رضي الله تعالى عنها فإنه كان تزوجها ولم يدخل بها ففارقها ووقع في كلام بعضهم طلقها لما أسلم فليتأمل
وكان أخوه عتبة بالتصغير متزوجا ابنته صلى الله عليه وسلم أم كلثوم ولم يدخل بها فقال أي وقد أراد الذهاب إلى الشام لآتين محمدا فلأوذينه في ربه فأتاه فقال يا محمد هو كافر بالنجم أي وفي لفظ برب النجم إذا هوى وبالذي دنا فتدلى ثم بصق في وجه النبي صلى الله عليه وسلم ورد عليه ابنته وطلقها فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم سلط وفي رواية الله ابعث عليه كلبا من كلابك وكان أبو طالب حاضرا فوجم لها أبو طالب وقال ما كان أغناك يا ابن أخي عن هذه الدعوة فرجع عتيبة إلى أبيه أبي لهب فأخبره بذلك ثم خرج هو وأبوه إلى الشام في جماعة فنزلوا منزلا فأشرف عليهم راهب من دير فقال لهم إن هذه الأرض مسبعة فقال أبو لهب لأصحابه إنكم قد عرفتم نسبي وحقي فقالوا أجل يا أبا لهب فقال أعينونا يا معشر قريش هذه الليلة فإني أخاف على ابني دعوة محمد فأجمعوا متاعكم إلى هذه الصومعة ثم افرشوا لإبني عليه ثم افرشوا حوله ففعلوا ثم جمعوا جمالهم وأناخوها حولهم وأحدقوا بعتيبة فجاء الأسد يتشمم وجوههم حتى ضرب عتيبة فقتله وفي رواية فضخ رأسه وفي رواية ثنى ذنبه ووثب وضربه بذنبه ضربة واحدة فخدشه فمات مكانه وفي رواية فضغمه ضغمة فكانت إياها فقال وهو بآخر رمق ألم أقل لكم إن محمدا أصدق الناس لهجة ومات فقال أبوه قد عرفت والله ما كان ليفلت من دعوة محمد أقول وحلفه بالنجم إلى آخره يدل على ذلك كان بعد الإسراء والمعراج
ووقع مثل ذلك لجعفر الصادق قيل له هذا فلان ينشد الناس هجاءكم يعني أهل البيت بالكوفة فقال لذلك القائل هل علقت من قوله بشيء قال نعم قال فأنشد ** صلبنا كمو زيدا على رأس نخلة ** ولم أر مهديا على الجذع يصلب ** ** وقستم بعثمان عليا سفاهة ** وعثمان خير من علي وأطيب **
فعند ذلك رفع جعفر يديه وقال اللهم إن كان كاذبا فسلط عليه كلبا من كلابك فخرج ذلك الرجل فافترسه الأسد وإنما سمي الأسد كلبا لأنه يشبه الكلب في أنه إذا بال رفع رجله ومن ثم قيل إن كلب أهل الكهف كان أسدا وقيل كان رجلا منهم جلس عند الباب طليعة لهم فسمى باسم الكلب لملازمته للحراسة ووصف ببسط الذراعين لأن ذلك من صفة الكلب الذي هو الحيوان
وقد جاء أنه ليس في الجنة من الحيوان إلا كلب أهل الكهف وحمار العزير وناقة صالح والله أعلم
ومما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذية ما حدث به عبدالله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وهو يصلى وقد نحر جزور وبقى فرثه أي روثه في كرشه فقال أبو جهل ألا رجل يقوم إلى هذا القذر يلقيه على محمد أي وفي رواية قال قائل ألا تنظرون إلى هذا المرائى أيكم يقوم إلى جزور بني فلان فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها فيجئ به ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه وفي رواية أيكم يأخذ سلى جزور بني فلان لجزور ذبحت من يومين أو ثلاثة فيضعه بين كتفيه إذا سجد فقام شخص من المشركين وفي لفظ أشقى القوم وهو عقبة بن أبي معيط وجاء بذلك الفرث فألقاه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد أي فاستضحكوا وجعل بعضهم يميل على بعض أي من شدة الضحك قال ابن مسعود فهبنا أي خفنا أن نلقيه عنه صلى الله عليه وسلم وفي لفظ وأنا قائم أنظر لو كانت لي منعة لطرحته عن ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءت فاطمة رضي الله تعالى عنها أي بعد أن ذهب إليها إنسان وأخبرها بذلك واستمر صلى الله عليه وسلم ساجدا حتى ألقته عنه واستمراره في الصلاة عند فقهائنا لعدم علمه بنجاسة ما ألقى عليه ولما ألقته عنه أقبلت عليهم تشتمهم فقام النبي صلى الله عليه وسلم
فسمعته يقول وهو قائم يصلى اللهم اشدد وطأتك أي عقابك الشديد على مضر سنين كسنى يوسف اللهم عليك بأبي الحكم بن هشام يعني أبا جهل وعتبة بن ربيعة وعقبة ابن أبي معيط وأمية بن خلف زاد بعضهم وشيبة بن أبي ربيعة والوليد بن عبتة بالمثناة فوق لا بالقاف كما وقع في رواية مسلم
فقد اتفق العلماء على أنه غلط لأنه لم يكن ذلك الوقت موجودا أو كان صغيرا جدا وعمارة بن الوليد أي وهو المتقدم ذكره الذي أرادوا أن يجعلوه عوضا عنه صلى الله عليه وسلم
أقول والذي في المواهب فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اللهم عليك بقريش ثم سمى اللهم عليك بعمرو بن هشام إلى آخر ماتقدم ذكره وفي الإمتاع فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته رفع يديه ثم دعا عليهم وكان إذا دعا دعا ثلاثا ثم قال اللهم عليك بقريش اللهم عليك بقريش اللهم عليك بقريش فلما سمعوا صوته ذهب منهم الضحك وهابوا دعوته ثم قال اللهم عليك بأبي جهل بن هشام الحديث وإن ابن مسعود قال والله لقد رأيتهم وفي رواية رأيت الذي سمى رسول الله صلى الله عليه وسلم صرعى يوم بدر ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر
واعترض بأن عمارة بن الوليد مات بالحبشة كافرا كما تقدم ويأتي وبأن عقبة بن أبي معيط لم يقتل ببدر وإنما أخذ أسيرا منها وقتل بعرق الظبية كما سيأتي وبأن أمية بن خلف لم يطرح بالقليب وأجيب بأن قول ابن مسعود رأيتهم أي رأيت أكثرهم
وقد يقال لا مانع أن يكون صلى الله عليه وسلم أتى بهذا الدعاء وهو قائم يصلى وبعد الفراغ من الصلاة فلا منافاة والله أعلم
والمراد بسنى يوسف بتخفيف الياء ويروى سنين بإثبات النون مع الإضافة القحط والجدب أي فاستجاب الله دعاءه فأصابتهم سنة أكلوا فيها الجيف والجلود والعظام والعلهز وهو الوبر والدم أي يخلط الدم بأوبار الإبل ويشوى على النار وصار الواحد منهم يرى ما بينه وبين السماء كالدخان من الجوع وجاءه صلى الله عليه وسلم جمع من المشركين فيهم أبو سفيان قالوا يا محمد إنك تزعم أنك بعثت رحمة وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسقوا الغيث فاطبقت عليهم سبعا فشكا الناس كثرة المطر فقال اللهم حوالينا ولا علينا فانحدرت السحابة
وجاء أنهم قالوا { ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون } أي لا نعود لما كنا عليه فلما كشف عنهم ذلك عادوا أي وفيه أن هذا إنما كان بعد الهجرة فسيأتي أنه صلى الله عليه وسلم مكث شهرا إذا رفع رأسه من ركوع الركعة الثانية من صلاة الفجر بعد قوله سمع الله لمن حمده يقول اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين بمكة اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلها عليهم سنين كسنى يوسف وربما فعل ذلك بعد رفعه من الركعة الأخيرة من صلاة العشاء وسيأتي ما فيه
وقد يقال لا مانع أن يكون حصل لهم ذلك قبل الهجرة وبعد الهجرة مرة أخرى سيأتي الكلام عليها
ثم رأيت في الخصائص الكبرى ما يوافق ذلك حيث قال قال البيهقي قد روى في قصة أبي سفيان ما دل على أن ذلك كان بعد الهجرة ولعله كان مرتين أي وسيأتي في السرايا أن ثمامة لما منع عن قريش الميره أن تأتي من اليمن حصل لهم مثل ذلك وكتبوا في ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم
وفي البخاري لما استعصمت قريش على النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليهم بسنين كسنى يوسف فبقيت السماء سبع سنين لا تمطر وفي رواية فيه أيضا لما أبطئوا على النبي صلى الله عليه وسلم بالإسلام قال اللهم اكفنيهم بسبع كسبع يوسف فأصابتهم سنة حصت كل شيء الحديث وفي رواية اللهم أعنى عليهم بسبع كسبع يوسف فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد فأنزل الله تعالى { فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين يغشى الناس هذا عذاب أليم } فأتى أبو سفيان رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله استسق لمضر فإنها قد هلكت فاستسقى صلى الله عليه وسلم فسقوا فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم فأنزل الله { يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون } يعني يوم بدر
ومن ذلك ما حدث به عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت ويده في يد أبي بكر وفي الحجر ثلاثة نفر جلوس عقبة ابن أبي معيط وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
عليه فلما حاذاهم اسمعوه بعض ما يكره فعرف ذلك في وجه النبي صلى الله عليه وسلم فدنوت منه حتى وسطته أي جعلته وسطا فكان صلى الله عليه وسلم بين وبين أبي بكر وأدخل أصابعه في أصابعي وطفنا جميعا فلما حاذاهم قال أبو جهل والله لا نصالحك ما بل بحر صوفة وأنت تنهى أن نعبد ما كان يعبد آباؤنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ذلك ثم مشى عنهم فصنعوا به في الشوط الثالث مثل ذلك حتى إذا كان الشوط الرابع ناهضوه أي قاموا له صلى الله عليه وسلم ووثب أبو جهل يريد أن يأخذ بمجامع ثوبه صلى الله عليه وسلم فدفعت في صدره فوقع على أسته ودفع أبو بكر أمية بن خلف ودفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عقبة بن أبي معيط ثم انفرجوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف ثم قال أما والله لا تنتهون حتى يحل بكم عقابه أي ينزل عليكم عاجلا قال عثمان فوالله ما منهم رجل إلا وقد أخذته الرعدة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بئس القوم أنتم لنبيكم ثم انصرف إلى بيته وتبعناه حتى انتهى إلى باب بيته ثم أقبل علينا بوجهه فقال أبشروا فإن الله عز وجل مظهر دينه ومتمم كلمته وناصر نبيه إن هؤلاء الذين ترون مما يذبح الله على أيديكم عاجلا ثم انصرفنا إلى بيوتنا فوالله لقد ذبحهم الله بأيدينا يوم بدر
أقول ولا يخالف ذلك كون عقبة بن أبي معيط حمل أسيرا من بدر وقتل بعرق الظبية صبرا وهم راجعون من بدر ولا كون عثمان بن عفان لم يحضر بدرا والله أعلم
وفي رواية أن عقبة بن أبي معيط وطئ على رقبته صلى الله عليه وسلم الشريفة وهو ساجد حتى كادت عيناه تبرزان
أي وفي رواية دخل عقبة بن أبي معيط الحجر فوجده صلى الله عليه وسلم يصلي فيه فوضع ثوبه على عنقه صلى الله عليه وسلم وخنقه خنقا شديدا فأقبل أبو بكر رضي الله تعالى عنه حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال { أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم }
أي وفي البخاري عن عروة بن الزبير رضي الله تعالى عنهما قال قلت لعبدالله بن عمرو بن العاص أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ
بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا فأقبل أبو بكر رضي الله تعالى عنه فأخذ بمنكبيه ودفع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث ولعل أشدية ذلك باعتبار ما بلغ عبدالله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما أو ما رآه
وعنه رضي الله تعالى عنه قال ما رأيت قريشا أصابت من عداوة أحد ما أصابت من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولقد حضرتهم يوما وقد اجتمع ساداتهم وكبراؤهم في الحجر فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا ما صبرنا لأمر كصبرنا لأمر هذا الرجل قط ولقد سفه أحلامنا وشتم آباءنا وعاب ديننا وفرق جماعتنا وسب آلهتنا لقد صبرنا منه على أمر عظيم فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل يمشي حتى استلم الركن ثم مر طائفا بالبيت فلما مر بهم لمزوه ببعض القول فعرفنا ذلك من وجهه ثم مر بهم الثانية فلمزوه بمثلها فعرفنا ذلك من وجهه ثم مر بهم الثالثة فلمزوه فوقف عليهم وقال أتسمعون يا معشر قريش أما والذي نفس محمد بيده لقد جئتكم بالذبح فارتعبوا لكلمته صلى الله عليه وسلم تلك وما بقى رجل منهم إلا كأنما على رأسه طائرا واقع فصاروا يقولون يا أبا القاسم انصرف فوالله ما كنت جهولا فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كان الغد اجتمعوا في الحجر وأما معهم فقال بعضهم لبعض ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه حتى إذا ناداكم بما تكرهون تركتموه فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتواثبوا إليه وثبة رجل واحد وأحاطوا به وهم يقولون أنت الذي تقول كذا وكذا يعني عيب آلهتم ودينهم فقال نعم أنا الذي أقول ذلك فأخذ رجل منهم بمجمع ردائه عليه الصلاة والسلام فقام أبو بكر دونه وهو يبكى ويقول { أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله } فأطلقه الرجل ووقعت الهيبة في قلوبهم فانصرفوا عنه فذلك أشد ما رأيتهم نالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم
وفي رواية ألست تقول في آلهتنا كذا وكذا قال بلى فتشبثوا به بأجمعهم فأتى الصريخ إلى أبي بكر فقيل له أدرك صاحبك فخرج أبو بكر حتى دخل المسجد فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس مجتمعون عليه فقال ويلكم { أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم } فكفوا عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم وأقبلوا على أبي بكر يضربونه قالت بنته أسماء فرجع إلينا فجعل لا يمس شيئا من غدائره إلا أجابه وهو يقول تباركت يا ذا الجلال والإكرام
وجاء أنهم جذبوا رأسه صلى الله عليه وسلم ولحيته حتى سقط أكثر شعره فقام أبو بكر دونه وهو يقول أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله أي وهو يبكى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعهم يا أبا بكر فوالذي نفسي بيده إني بعثت إليهم بالذبح ففرجوا عنه صلى الله عليه وسلم
وعن فاطمة رضي الله تعالى عنها قالت اجتمعت مشركو قريش في الحجر فقالوا إذا مر محمد فليضربه كل واحد منا ضربة فسمعت فدخلت على أبي فذكرت ذلك له أي قالت له وهي تبكي تركت الملأ من قريش قد تعاقدوا في الحجر فحلفوا باللات والعزى ومناة وإساف ونائلة إذا هم رأوك يقومون إليك فيضربونك بأسيافهم فيقتلونك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بنية اسكتي وفي لفظ لا تبكي ثم خرج صلى الله عليه وسلم أي بعد أن توضأ فدخل عليهم المسجد فرفعوا رءوسهم ثم نكسوا فاخذ قبضة من تراب فرمى بها نحوهم ثم قال شاهت الوجوه فما أصاب رجلا منهم إلا قتل ببدر أي وكان بجواره صلى الله عليه وسلم جماعة منهم أبو لهب والحكم بن أبي العاص ابن أمية والد مروان وعقبة بن أبي معيط فكانوا يطرحون عليه صلى الله عليه وسلم الأذى فإذا طرحوه عليه أخذه وخرج به ووقف على بابه ويقول يا بني عبد مناف أي جوار هذا ثم يلقيه في الطريق ولم يسلم ممن ذكر إلى الحكم وكان في إسلامه شيء وتقدم أنه صلى الله عليه وسلم نفاه إلى وج الطائف وأنه سيأتي السبب في نفيه وأشار صاحب الهمزية إلى أن هذه الأذية له صلى الله عليه وسلم لا يظن ظان أنها منقصة له صلى الله عليه وسلم بل هي رفعة له ودليل على فخامة قدره وعلو مرتبته وعظيم رفعته ومكانته عند ربه لكثرة صبره وحلمه وإحتماله مع علمه باستجابة دعائه ونفوذ كلمته عند الله تعالى وقد قال صلى الله عليه وسلم أشد الناس بلاء الأنبياء وذلك سنة من سنن النبيين السابقين عليهم الصلاة والسلام بقوله ** لا تخل جانب النبي مضاما ** حين مسته منهم الأسواء ** ** كل أمر ناب النبيين فالشدة ** فيه محمودة والرخاء ** ** لو يسمى النضار هو من النا ** ر لما اختير للنضار الصلاء **
أي لا تظن أن النبي صلى الله عليه وسلم حصل له الضيم وقت مسته الأذيات حالة كونها صادرة منهم لأن كل أمر من الأمور العظيمة أصاب النبيين فالشدة التي تحصل لهم منه محمودة لأنه لرفع الدرجات والضيقة التي تحصل لهم أيضا محمودة لأنه لو كان يمس الذهب هوان من إدخاله النار لما أختير له العرض على النار فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام كالذهب والشدائد التي تصيبهم كالنار التي يعرض عليها الذهب فإن ذلك لا يزيد الذهب إلا حسنا فكذلك الشدائد لا تزيد الأنبياء إلا رفعة
قال ومما وقع لأبي بكر رضي الله تعالى عنه من الأذية ما ذكره بعضهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل دار الأرقم ليعبدالله تعالى ومن معه من أصحابه فيها سرا أي كما تقدم وكانوا ثمانية وثلاثين رجلا ألح أبو بكر رضي الله تعالى عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهور أي الخروج إلى المسجد فقال يا أبا بكر إنا قليل فلم يزل به حتى خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من أصحابه إلى المسجد وقام أبوبكر في الناس خطيبا ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس ودعا إلى الله ورسوله فهو أول خطيب دعا إلى الله تعالى وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين يضربونهم فضربوهم ضربا شديدا ووطئ أبو بكر بالأرجل وضرب ضربا شديدا وصار عتبة بن ربيعة يضرب أبا بكر بنعلين مخصوفتين أي مطبقتين ويحرفهما إلى وجهه حتى صار لا يعرف أنفه من وجهه فجاءت بنو تيم يتعادون فأجلت المشركين عن أبي بكر وحملوه في ثوب إلى أن أدخلوه منزله ولا يشكون في موته أي ثم رجعوا فدخلوا المسجد فقالوا والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة ثم رجعوا إلى أبي بكر وصار والده أبو قحافة وبنو تيم يكلمونه فلا يجيب حتى إذا كان آخر النهار تكلم وقال ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فعذلوه فصار يكرر ذلك فقالت أمه والله مالي علم بصاحبك فقال اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب أخت عمر ابن الخطاب أي فإنها كانت أسلمت رضي الله تعالى عنها كما تقدم وهي تخفى إسلامها فأساليها عنه فخرجت إليها وقالت لها إن أبا بكر يسأل عن محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم فقال لا أعرف محمدا ولا أبا بكر ثم قالت لها تريدين أن أخرج معك قالت نعم فخرجت معها إلى أن جاءت أبا بكر رضي الله تعالى عنه فوجدته صريعا فصاحت وقالت إن قوما نالوا هذا منك لأهل فسق وإني لأرجو أن ينتقم الله
منهم فقال لها أبو بكر ما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له هذه أمك تسمع قال فلا عين عليك منها ألا أنها لا تفشي سرك قالت سالم فقال أين هو فقال في دار الأرقم فقال والله لا أذوق طعاما ولا أشرب شرابا أو آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت أمه فأمهلناه حتى إذا هدأت الرجل وسكن الناس فخرجنا به يتكئ علي حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فرق له رقة شديدة وأكب عليه يقبله وأكب عليه المسلمون كذلك فقال بأبي وأمي أنت يا رسول الله ما بي من بأس إلا ما نال الناس من وجهي وهذه أمي برة بولدها فعسى الله أن ينقذها بك من النار فدعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاها إلى الإسلام فأسلمت انتهى
هذا وذكر الزمخشري في كتابه خصائص العشرة أن هذه الواقعة خصلت لأبي بكر لما أسلم وأخبر قريشا بإسلامه فليتأمل فإن تعدد الواقعة بعيد
ومما وقع لإبن مسعود رضي الله تعالى عنه من الأذية أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمعوا يوما فقال والله ما سمعت قريش القرآن جهرا إلا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن فيكم يسمعهم القرآن جهرا فقال عبدالله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنا فقالوا نخشى عليك منهم إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم فقال دعوني فإن الله سيمنعني منهم ثم إنه قام عند المقام وقت الشمس وقريش في أنديتهم فقال { بسم الله الرحمن الرحيم } رافعا صوته { الرحمن علم القرآن } واستمر فيها فتأملته قريش وقالوا ما بال ابن أم عبد فقال بعضهم يتلو بعض ما جاء به محمد ثم قاموا إليه يضربون وجهه وهو مستمر في قراءته حتى قرأ غالب السورة ثم انصرف إلى أصحابه وقد أدمت قريش وجهه فقال له أصحابه هذا الذي خشينا عليك منه فقال والله ما رأيت أعداء الله أهون على مثل اليوم ولو شئتم لأتيتهم بمثلها غدا قالوا لا قد أسمعتهم ما يكرهون
ومما وقع له صلى الله عليه وسلم من الأذية أنه كان إذا قرأ القرآن تقف له جماعة من يمينه وجماعة من يساره ويصفقون ويصفرون ويخلطون عليه بالأشعار لأنهم تواصوا { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه } حتى كان من أراد منهم سماع القرآن أتى خفية واسترق السمع خوفا منهم
ومما وقع له صلى الله عليه وسلم من الأذية ما كان سببا لإسلام عمه حمزة رضي الله تعالى عنه وهو ما حدث به ابن إسحاق قال حدثني به رجل من أسلم أن أبا جهل مر برسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصفا أي وقيل عند الحجون فآذاه وشتمه ونال منه ما يكرهه أي وقيل إنه صب التراب على رأسه أي وقيل ألقى عليه فرثا ووطئ برجله على عاتقه فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومولاة لعبدالله بن جدعان في سكن لها تسمع ذلك وتبصره ثم انصرف أبو جهل إلى نادي قريش أي محل تحدثهم في المسجد فجلس معهم فلم يلبث حمزة أن أقبل متوشحا بسيفه راجعا من قنصه أي من صيده وكان من عادته إذا رجع من قنصه لا يدخل إلى أهله إلا بعد أن يطوف بالبيت فمر على تلك المولاة فأخبرته الخبر أي فقالت له يا أبا عمارة لو رأيت ما لقى ابن أخيك محمد صلى الله عليه وسلم آنفا من أبي الحكم بن هشام تعني أبا جهل وجده ههنا جالسا فآذاه وسبه وبلغ منه ما يكره ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد صلى الله عليه وسلم أي وقيل الذي أخبرته مولاة أخته صفية بنت عبدالمطلب قالت له إنه صب التراب على رأسه وألقى عليه فرثا ووطئ برجله على عاتقه وعلى إلقاء الفرث عليه اقتصر أبو حيان في النهر فقال لها حمزة أنت رأيت هذا الذي تقولين قالت نعم
وفي رواية فلما رجع من صيده إذا امرأتان تمشيان خلفه فقالت إحداهما لو علم ما صنع أبو جهل بابن أخيه أقصر عن مشيته فالتفت إليهما فقال ماذاك قالت أبو جهل فعل بمحمد كذا وكذا ولا مانع من تعدد الأخبار من المرأتين والمولاتين فاحتمل حمزة الغضب ودخل المسجد فرأى أبا جهل جالسا في القوم فأقبل نحوه حتى قام على رأسه رفع القوس وضربه فشجه شجة منكرة ثم قال أتشتمه فأنا على دينه أقول ما يقول فرد على ذلك إن استطعت
أي وفي لفظ أن حمزة لما قام على رأس أبي جهل بالقوس صار أبو جهل يتضرع إليه ويقول سفه عقولنا وسب آلهتنا وخالف آباءنا قال ومن أسفه منكم تعبدون الحجارة من دون الله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فقامت رجال من بني مخزوم أي من عشيرة أبي جهل إلى حمزة لينصروا أبا جهل فقالوا ما نراك إلا قد صبأت فقال حمزة وما يمنعني وقد استبان لي منه أنا أشهد أنه رسول الله
وأن الذي يقوله حق والله لا أنزع فامنعوني إن كنت صادقين فقال لهم أبو جهل دعوا أبا عمارة أي ويكنى أيضا بأبي يعلى اسم ولد له أيضا فإني والله لقد أسمعت ابن أخيه شيئا قبيحا وتم حمزة على إسلامه أي استمر أي بعد أن وسوس له الشيطان فقال لنفسه لما رجع إلى بيته أنت سيد قريش اتبعت هذا الصابي وتركت دين آبائك الموت خير لك مما صنعت ثم قال اللهم إن كان رشدا فاجعل تصديقه في قلبي وإلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجا فبات بليلة ثم لم يبت بمثلها من وسوسة الشيطان حتى أصبح فغذا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ياابن أخي إن قد وقعت في أمر لا أعرف المخرج منه وإقامة مثلي على ما لا أدري أرشد هو أم غي شديد فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره ووعظه وخوفه وبشره فألقى الله تعالى في قلبه الإيمان بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أشهد أنك لصادق فأظهر يابن أخي دينك
وقد قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إن هذه الواقعة سبب لنزول قوله تعالى { أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس } يعني حمزة { كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها } يعنى أبا جهل وسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلام حمزة سرورا كبيرأ لأنه كان أعز فتى في قريش واشدهم شكيمة أي أعظمهم في عزة النفس وشهامتها ومن ثم لما عرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عز كفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه صلى الله عليه وسلم وأقبلوا على بعض أصحابه بالأذية سيما المستضعفين منهم الذين لا جوار لهم أي لا ناصر لهم فإن كل قبيلة غدت على من أسلم منها تعذبه وتفتنه عن دينه بالحبس والضرب والجوع والعطش وغير ذلك أي حتى إن الواحد منهم ما يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضرب الذي به وكان أبو جهل يحرضهم على ذلك وكان إذا سمع بأن رجلا أسلم وله شرف ومنعة جاء إليه ووبخه وقال له ليغلبن رأيك وليضعفن شرفك وإن كان تاجرا قال والله لتكسدن تجارتك ويهلك مالك وإن كان ضعيفا أغرى به حتى أن منهم من فتن عن دينه ورجع إلى الشرك كالحارث بن ربيعة بن الأسود وأبي قيس بن الوليد بن المغيرة وعلى بن أمية بن خلف والعاص بن منبه بن الحجاج وكل هؤلاء قتلوا على كفرهم يوم بدر
وممن فتن عن دينه وثبت عليه ولم يرجع للكفر بلال رضي الله تعالى عنه وكان مملوكا
لأمية بن خلف فعن بعضهم أن بلالا كان يجعل في عنقه حبل يدفع إلى الصبيان يلعبون به ويطوفون به في شعاب مكة وهو يقول أحد أحد بالرفع والتنوين أو بغير تنوين أي الله أحد أو يا أحد فهو إشارة لعدم الإشراك وقد أثر الحبل ف عنقه
وعن ابن إسحاق أن أمية بن خلف كان يخرج بلالا إذا حميت الظهيرة بعد أن يجيعه ويعطشه يوما وليلة فيطرحه على ظهره في الرمضاء أي الرمل إذا اشتدت حرارته لو وضعت عليه قطعة لحم لنضجت ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوصع على صدره ثم يقول له لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى فيقول أحد أحد أي أنا لا أشرك بالله شيئا أنا كافر باللات والعزى
أي وقيل كان بلال مولدا من مولدي مكة وكان لعبدالله بن جدعان التيمي وكان من جملة مائة مملوك مولدة له فلما بعث الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أمر بهم فأخرجوا من مكة أي خوف إسلامهم فأخرجوا إلا بلالا فإنه كان يرعى غنمه فأسلم بلال وكتم إسلامه فسلح بلال يوما على الأصنام التي حول الكعبة
ويقال إنه صار يبصق عليها ويقول خاب وخسر من عبدكن فشعرت به قريش فشكوه إلى عبدالله وقالوا له أصبوت قال ومثلي يقال له هذا فقالوا له إن أسودك صنع كذا وكذا فأعطاهم مائة من الإبل ينحرونها للأصنام ومكنهم من تعذيب بلال فكانوا يعذبونه بما تقدم أي ويجوز أن يكون ابن جدعان بعد ذلك ملكه لأمية بن خلف فلا يخالفه ما تقدم من أن أمية بن خلف كان يتولى تعذيبه وما يأتي من أن أبا بكر رضي الله عنه اشتراه منه ويقال إنه صلى الله عليه وسلم مر عليه وهو يعذب فقال سينجيك أحد أحد
أي وقيل مر عليه ورقة بن نوفل وهو يقول أحد أحد فقال نعم أحد أحد والله يا بلال ثم أتى إلى أمية وقال له والله لئن قتلتموه على هذا لأتخذنه حنانا أي لأتخذن قبره منسكا ومسترحما لأنه من أهل الجنة وتقدم أن هذا يدل على أن ورقة أدرك البعثة التي هي الرسالة وتقدم ما فيه فكان بلال بقوله أحد أحد يمزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان
وقد وقع له رضي الله تعالى عنه أنه لما احتضر وسمع امرأته تقول واحزناه صار يقول واطرباه غدا ألقى الأحبة محمدا وحزبه فكان بلال يمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء وقد ذكر بعضهم أن هذا قاله أبو موسى الأشعري ومن معه لما وفدوا عليه صلى الله
عليه وسلم وهو في خيبر أي صاروا يقولون غدا نلقى الأحبة محمد وحزبه
ومر به أبو بكر رضي الله تعالى عنه يوما وهو ملقى على ظهره في الرمضاء وعلى ظهره تلك الصخرة فقال لأمية بن خلف ألا تتقي الله تعالى في هذا المسكين حتى متى تعذبه قال أنت أفسدته فأنقذه مما ترى قال أبو بكر عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى أي على دينك أعطيكه به قال قبلت قال هو لك فأعطاه أبو بكر غلامه ذلك وأخذ بلالا فأعتقه
وفي تفسير البغوي قال سعيد بن المسيب بلغني أن أمية بن خلف قال لأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في بلال حين قال أتبيعنيه قال نعم أبيعه بقسطاس يعني عبدا لأبي بكر رضي الله تعالى عنه كان صاحب عشرة آلاف دينار وغلمان وجوار ومواش وكان مشركا يأبى الإسلام فاشتراه أبو بكر به هذا كلامه
وفي الإمتاع لما ساوم أبو بكر أمية بن خلف في بلال قال أمية لأصحابه لألعبن بأبي بكر لعبة ما لعبها أحد بأحد ثم تضاحك وقال له أعطني عبدك قسطاس فقال أبو بكر إن فعلت تفعل قال نعم قال قد فعلت فتضاحك وقال لا والله حتى تعطيني معه امرأته قال إن فعلت تفعل قال نعم قال قد فعلت ذلك فتضاحك وقال لا والله حتى تعطيني ابنته مع امرأته قال إن فعلت تفعل قال نعم قال قد فعلت ذلك فتضاحك وقال لا والله حتى تزيدني معه مائتي دينار فقال أبو بكر رضي الله عنه أنت رجل لا تستحي من الكذب قال لا واللات والعزى لأن أعطيتني لأفعلن فقال هي لك فأخذه هذا كلامه
وقيل اشتراه بتسع وقيل بخمس أواق أي ذهبا أي وقيل ببردة وعشرة أواق من فضة وفي رواية برطل من ذهب
ويروى أن سيده قال لأبي بكر لو أبيت إلا أوقية أي لو قلت لا أشتريه إلا بأوقية لبعناكه فقال لو طلبت مائة أوقية لأخذته بها
ولما قال المشركون إنما أعتق أبو بكر بلالا ليد كانت له عنده ليكافئه بها انزل الله تعالى { والليل إذا يغشى } السورة فالأتقى أبو بكر رضي الله تعالى عنه والأشقى أمية بن خلف
قال الإمام فخر الدين أجمع المفسرون هنا على أن المراد بالأتقى أبو بكر وذهب
الشيعة إلى أن المراد به علي رضي الله تعالى عنه وكرم وجهه ويرده وصف الأتقى بقوله تعالى { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } لأن هذا الوصف لا يصدق على علي رضي الله تعالى عنه لأنه كان في تربية النبي صلى الله عليه وسلم أي كما تقدم فكان صلى الله عليه وسلم منعما عليه نعمة يجب عليه جزاؤها أي نعمة دنيوية لأنها التي يجازى عليها بخلاف أبي بكر فإنه لم يكن له صلى الله عليه وسلم نعمة دنيوية وإنما كان له نعمة الهداية وهي نعمة لا يجازي عليها قال الله تعالى { قل لا أسألكم عليه أجرا } فتعين حمل الآية على أبي بكر رضي الله تعالى عنه فيلزم من ذلك أن يكون أبو بكر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أفضل الخلق لأن الله تعالى يقول { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } والأكرم هوالأفضل وبين ذلك الفخر الرازي بأن الأمة مجمعة على أن أفضل الخلق بعد النبي صلى الله عليه وسلم إما أبو بكر وإما على فلا يمكن حمل الآية على علي لما تقدم فتعين حملها على أبي بكر
وذكر بعض أهل المعاني أي المبينين لمعاني القرآن كالزجاج والفراء والأخفش أن الراد بالأشقى والأتقى الشقي والتقي فأوقع أفعل التفضيل موضع فعيل فهو عام في أمية ابن خلف وأبي بكر وغيرهما وإن كان السبب خاصا والذي بخل واستغنى المراد به أبوسفيان لأنه كان عاتب أبا بكر في إنعامه وإعتاقه وقال له أضعت مالك والله لا تصيبه أبدا وقيل المراد به أمية بن خلف
ولما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن أبا بكر اشترى بلالا قال له الشركة يا أبا بكر فقال قد أعتقته يا رسول الله أي لأن بلالا قال لأبي بكر حين اشتراه إن كنت اشتريتني لنفسك فأمسكني وإن كنت إنما اشتريتني لله عز وجل فدعني لله فأعتقه
هذا وذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لقى أبا بكر رضي الله تعالى عنه فقال لو كان عندنا مال اشتريت بلالا فانطلق العباس رضي الله تعالى عنه فاشتراه فبعث به إلى أبي بكر أي ملكه له فاعتقه فليتأمل الجمع بين هذا وماتقدم
وقد اشترى أبو بكر رضي الله تعالى عنه جماعة آخرين ممن كان يعذب في الله منهم حمامة أم بلال ومنهم عامر بن فهيرة فإنه كان يعذب في الله تعالى حتى لا يدرى ما يقول وكان لرجل من بني تيم من ذوي قرابة أبي بكر رضي الله تعالى عنه ومنهم أبو فكيهة كان عبدا لصفوان بن أمية أسلم حين أسلم بلال فمر به أبوبكر رضي الله تعالى عنه وقد
أخذه أمية أبو صفوان وأخرجه نصف النهار في شدة الحر مقيدا إلى الرمضاء فوضع على بطنه صخرة فخرج لسانه وأخو أمية يقول له زده عذابا حتى يأتي محمد فيخلصه بسحره فاشتراه أبو بكر رضي الله تعالى عنه ومنهم امرأة وهي زنيرة بزاي فنون مشددة مكسورتين فمثناة تحتية ساكنة وهي في اللغة الحصاة الصغيرة عذبت في الله تعالى حتى عميت قال لها يوما أب جهل إن اللات والعزى فعلا بك ما ترين فقالت له كلا والله لا تملك اللات والعزى نفعا ولا ضرا هذا أمر من السماء وربي قادر على أن يرد علي بصري فأصبحت تلك الليلة وقد رد الله تعالى عليها بصرها فقالت قريش إن هذا من سحر محمد صلى الله عليه وسلم فاشتراها أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأعتقها أي وكذا ابنتها
وفي السيرة الشامية أم عنيس بالنون أو الباء الموحدة فمثناة تحتية فسين مهملة أمة لبني زهرة كان الأسود بن عبد يغوث يعذبها ولم يصفها بأنها بنت زنيرة فاشتراها أبو بكر رضي الله تعالى عنه وأعتقها وكذا النهدية وابنتها وكانتا للوليد بن المغيرة وكذا امرأة يقال لها لطيفة وكذا أخت عامر بن فهيرة أو أمه كانت لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قبل أن يسلم
فقد جاء أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه مر على عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهو يعذب جارية أسلمت استمر يضربها حتى مل قبل أن يسلم ثم قال لها إني أعتذر إليك فإني لم أتركك حتى مليت فقالت له كذلك يعذبك ربك إن لم تسلم فاشتراها منه وأعتقها
وفي السيرة الشامية وصفها بأنها جارية بني المؤمل بن حبيب وكان يقال لها لبينة فجملة هؤلاء تسعة
وممن فتن عن دينه فثبت عليه خباب بن الأرت بالمثناة فوق فإنه سبى في الجاهلية فاشترته أم أنمار أي وكان قينا أي حدادا وكان صلى الله عليه وسلم يألفه ويأتيه فلما أسلم وأخبرت بذلك مولاته صارت تأخذ الحديدية وقد أحمتها بالنار فتضعها على رأسه فشكا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اللهم انصر خبابا فاشتكت مولاته رأسها فكانت تعوي مع الكلاب فقيل لها اكتوي فكان خباب يأخذ الحديدة وقد أحماها فيكوي رأسها
وفي البخاري عن خباب قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد برده في ظل الكعبة ولقد لقينا معاشر المسلمين من المشركين شدة شديدة فقلت يا رسول الله ألا تدعو الله لنا فقعد صلى الله عليه وسلم محمرا وجهه فقال إنه كان من قبلكم ليمشط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه ويوضع المنشار على فرق رأس أحدهم فيشق ما يصرفه ذلك عن دينه وليظهرن الله تعالى هذاالأمر حتى يصير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه
قال وعن خباب رضي الله تعالى عنه أنه حكى عن نفسه قال لقد رأيتني يوما وقد أوقدوا لي نارا ووضعوها على ظهري فما أطفأها إلا ودك ظهري أي دهنه
وممن فتن عن دينه فثبت عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه كان يعذب بالنار وفي كلام ابن الجوزي كان صلى الله عليه وسلم يمر به وهو يعذب بالنار فيمر يده على رأسه ويقول يانار كونى بردا وسلاما على عمار كما كنت على إبراهيم هذا كلامه
ثم إن عمارا كشف عن ظهره فإذا هو قد برص أي صار أثر النار أبيض كالبرص ولعل حصول ذلك كان قبل دعائه صلى الله عليه وسلم بأن النار تكون بردا وسلاما عليه وعن أم هانئ رضي الله تعالى عنها أن عمار بن ياسر وأباه ياسر وأخاه عبدالله وسمية أم عمار رضي الله تعالى عنهم كانوا يعذبون في الله تعالى فمر بهم النبي صلى الله عليه وسلم صبرا آل ياسر صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة أي وفي رواية صبرا يا آل ياسر اللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلت فمات يا سر في العذاب وأعطيت سمية لأبي جهل أي أعطاها له عمه أبو حذيفة بن المغيرة فإنها كانت مولاته فطعنها في قلبها فماتت أي بعد أن قال لها إن آمنت بمحمد صلى الله عليه وسلم إلا لأنك عشقتيه لجماله ثم طعنها بالحربة في قبلها حتى قتلها فهي أو شهيدة في الإسلام اه
أي وعن بعضهم كان أبو جهل يعذب عمار بن ياسر وأمه ويجعل لعمار درعا من حديد في اليوم الصائف فنزل قوله تعالى { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون }
وجاء أن عمار بن ياسر قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقد بلغ منا العذاب
كل مبلغ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم صبرا أبا اليقظان ثم قال اللهم لا تعذب أحدا من آل عمار بالنار
قال بعضهم وحضر عمار بدرا ولم يحضرها من أبواه مؤمناه إلا هو أي من المهاجرين فلا ينافى أن بشر بن البراء بن معرور الأنصاري حضر بدرا وأبواه مؤمنان
ومما أوذى به أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ما روى عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت لما ابتلى المسلمون بأذى المشركين أي وحصروا بني هاشم والمطلب في شعب أبي طالب وأذن صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الهجرة إلى الحبشة وهي الهجرة الثانية خرج أبو بكر رضي الله تعالى عنه مهاجرا نحو أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد بالغين المعجمة موضع بأقاصي هجر وقيل موضع وراء مكة بخمسة أميال أي وفي رواية حتى إذا سار يوما أو يومين لقيه ابن الدغنة بفتح الدال وكسر الغين المعجمة وتخفيف النون وهو سيد القارة اي وهو اسمه الحارث والقارة قبيلة مشهورة كان يضرب بهم المثل في قوة الرمى ومن ثم قيل لهم رماة الحدق لا سيما ابن الدغنة والقارة أكمة سوداء نزلوا عندها فسموا بها قال له أي تريد يا أبا بكر قال أبو بكر أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي قال ابن الدغنة فإن ملثلك يا أبا بكر قال ابو بكر أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي قال ابن الدغنة فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج إنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقرى الضيف وتعين على نوائب الحق وأنا لك جار فارجع فاعبد ربك ببلدك فرجع مع ابن الدغنة فطاف ابن الدغنة في أشراف قريش وقال لهم إن ابا بكر لا يخرج مثله أتخرجون رجلا يكسب المعدوم 6 ويصل الرحم ويحمل الكل ويقرى الضيف ويعين على نوائب الحق وهو في جواري فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة أي لم يرد جواره وقالوا لإبن الدغنة مر أبا بكر فليعبد ربه في داره فليصل فيها وليقرأ ما شاء ولا يؤذنا بذلك ولا يستعلن به فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا فقال ابن الدغنة ذلك لأبي بكر رضي الله تعالى عنه فمكث ايو بكر يعبد ربه في داره ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره ثم ابتنى مسجدا بفناء داره فكان يصلى فيه ويقرأ القرآن وكان رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن فكانت نساء قريش يزدحمن عليه فأفزع ذلك كثيرا من أشراف قريش أي مع المشركين فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا إنا اجرنا أبابكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدا بفناء داره فأعلن بالصلاة
والقراءة وإنا قد خشينا أن يفتن نساؤنا وأبناءنا بهذا فإن أحب أن يقتصر على عبادة ربه في داره فعل وإن رأى أن يعلن بذلك فاسأله أن يرد إليك ذمتك فأنا قد كرهنا أن نخفرك أي نزل خفارتك أي ننقض جوارك ونبطل عهدك فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال قد علمت الذي قد عاقدت لك عليه فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع إلى ذمتي فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت أي أزيلت خفارتي في رجل عقدت له فقال له أبو بكر فإني أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله تعالى قال ولما رد جوار ابن الدغنة لقيه بعض سفهاء قريش وهو عابر إلى الكعبة فحثى على رأسه ترابا فمر عليه بعض كبراء قريش من المشركين فقال له أبو بكر رضي الله تعالى عنه ألا ترى ما صنع هذا السفيه فقال له أنت فعلت بنفسك فصارأبو بكر يقول رب ما أحلمك قال ذلك ثلاثا انتهى
أي وفي كلام بعضهم وينبغي لك أن تتأمل فيما وصف به ابن الدعنة أبا بكر بين أشراف قريش بتلك الأوصاف الجليلة المساوية لما وصفت به خديجة النبي صلى الله عليه وسلم ولم يطعنوا فيها مع ما هم متلبسون به من عظيم بغضه ومعاداته بسبب اسلامه فإن هذا منهم اعتراف أي اعتراف بإن أبا بكر كان مشهورا بينهم بتلك الأوصاف شهرة تامة بحيث لا يمكن أحد أن ينازع فيها ولا أن يجحد شيئا منها وإلا لبادوا إلى جحدها بكل طريق أمكنهم لما تحلوا به من قبيح العداوة له بسبب ما كانوا يرون منه من صدق موالاته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وعظيم محبته له
ومما يؤثر عنه رضي الله عنه صنائع المعروف تقي مصارع السوء ثلاث من كن فيه كن عليه البغي والنكث والمكر
باب عرض قريش عليه صلى الله عليه وسلم أشياء من خوارق العادات وغير العادات ليكف عنهم لما رأوا المسلمين يزيدون ويكثرون وسؤالهم له أشياء من خوارق العادات معينات وغير معينات وبعثهم إلى أحبار يهود المدينة يسألونهم عن صفة النبي صلى الله عليه وسلم وعما جاء به
ومن حديث الزبيدي وحديث المستهزئين به صلى الله عليه وسلم ومن حديثهم حديث الأراشي ومن قصد أذيته صلى الله عليه وسلم فرد خائبا
حدث محمد بن كعب القرظي قال حدثت أن عتبة بن ربيعة وكان سيدا مطاعا في قريش قال يوما وهو جالس في نادي قريش أي متحدثهم والنبي صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده يا معشر قريش ألا أقوم لمحمد صلى الله عليه وسلم وأكلمه وأعرض عليه أمور لعله يقبل بعضها فنعطيه إياها ويكف عنا قالوا يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه قال وفي رواية أخرى أن نفرا من قريش اجتمعوا وفي أخرى أشراف قريش من كل قبيلة اجتمعوا وقالوا ابعثوا إلى محمد حتى تعذروا فيه فقالوا انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا الرجل الذي فرق جماعتنا وشتت أمرنا وعاب ديننا فليكلمه ولينظر ماذا يريد فقالوا لا نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة انتهى
فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من السطة في العشيرة والمكان في النسب أي من الوسط أي الخيار حسبا ونسبا وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم قال زاد بعضهم أنه قال أيضا أنت خير أم عبدالله أنت خير أم عبدالمطلب أي فسكت إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبدت وإن كنت تزعم أنك خير منهم فقل يسمع لقولك لقد أفضحتنا في العرب حتى طار فيهم أن في قريش ساحرا وأن في قريش كاهنا
ما تريد إلا أن يقوم بعضنا لبعض بالسيوف حتى نتفانى انتهى فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قل يا أبا الوليد أسمع فقال يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت تريد شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا أي فيصير لك الأمر والنهى فهو أخص ما قبله وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا من الجن تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسمع منه قال لقد فرغت يا أبا الوليد قال نعم قال فاسمع مني قال أفعل قال { بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون } ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها فقرأها عليه وقد أنصت عتبة لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود } فأمسك عتبة على فيه صلى الله عليه وسلم وناشده الرحم أن يكف عن ذلك ثم انتهى إلى السجدة فيها فسجد ثم قال قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض يحلف لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به فلما جلس إليهم قالوا ما وراءك يا أبا الوليد قال ورائي أني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة يا معشر قريش أطيعوني فاجعلوها لي خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به قالوا سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه قال هذا رأيى فيه فاصنعوا ما بدالكم قال وفي رواية أن عتبة لما قام من عند النبي صلى الله عليه وسلم أبعد عنهم ولم يعد عليهم فقال أبو جهل والله يا معشر قريش ما نرى عتبة إلا قد صبأ إلى محمد صلى الله عليه وسلم وأعجبه كلامه فانطلقوا بنا إليه فأتوه فقال أبو جهل والله يا عتبة ما جئناك إلا أنك قد صبوت إلى محمد صلى الله عليه وسلم وأعجبك أمره فقص عليهم القصة فقال والله الذي
تصبها بنية يعني الكعبة ما فهمت شيئا مما قال غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود فأمسكت بفيه فأنشدته الرحم أن يكف وقد علمت أن محمدا صلى الله عليه وسلم إذا قال شيئا لم يكذب فخفت أن ينزل عليكم العذاب فقالوا له ويلك يكلمك الرجل بالعربية لا تدري ماقال قال والله ما سمعت مثله والله ما هو بالشعر إلى آخر ماتقدم فقالوا والله سحرك يا أبا الوليد قال هذا رأيي فيكم فاصنعوا ما بدا لكم اه
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن قريشا أي أشرافهم وشيختهم منهم الأسود بن زمعة والوليد بن المغيرة وأمية بن خلف والعاص بن وائل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبو سفيان والنضر بن الحارث وأبو جهل
وفي الينبوع أتى الوليد بن المغيرة في أربعين رجلا من الملأ أي من السادات منزل أبي طالب وسألوه أن يحضر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويأمره بإشكائهم ما يشكون منه أي أن يزيل شكواهم منه ويجيبهم إلى أمر فيه الألفة والإصلاح فأحضره وقال يا بن أخي هؤلاء الملأ من قومك فأشكهم وتألفهم فعاتبوا النبي صلى الله عليه وسلم على تسفيه أحلامهم وأحلام آبائهم وعيب آلهتهم الحديث أي قالوا له يا محمد إنا بعثنا إليك لنكلمك فإنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك لقد شتمت الآباء وعيبت الدين وسببت الآلهة وسفهت الأحلام وفرقت الجماعة ولم يبق أمر قبيح إلا أتيته فيما بيننا وبينك فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا فنحن نسودك ونشرفك علينا وإن كان هذا الذي يأتيك تابعا من الجن قد غلب عليك بذلنا أموالنا في طبك
وفي رواية أنهم لما اجتمعوا ودعوه صلى الله عليه وسلم فجاءهم مسرعا طمعا في هدايتهم حتى جلس إليهم وعرضوا عليه الأموال والشرف والملك فقال صلى الله عليه وسلم ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم ولكن الله بعثني إليكم رسولا وأنزل علي كتابا وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا فبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم وأن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم الله بيني وبينكم
وفي رواية أخرى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما دعت قريش النبي صلى الله
عليه وسلم إلى أن يعطوه مالا فيكون به أغنى رجل بمكة ويزوجوه ما أراد من النساء ويكف عن شتم آلهتهم ولا يذكرها بسوء فقد ذكر أن عتبة بن ربيعة قال له إن كان أن ما بك الباءة فاختر أي نساء قريش فنزوجك عشرا وقالوا له ارجع إلى ديننا واعبد آلهتنا واترك ما أنت عليه ونحن نتكفل لك بكل ما تحتاج إليه في دنياك وآخرتك وقالوا له إن لم تفعل فإنا نعرض عليك خصلة واحدة ولك فيها صلاح قال وماهي قال تعبد آلهتنا اللات والعزى سنة ونعبد إلهك سنة فنشترك نحن وأنت في الأمر فإن كان الذي تعبده خيرا مما نعبد كنت أخذت منه بحظك وإن كان الذي نعبد خيرا مما تعبد كما قد أخذنا منه بحظنا فقال لهم حتى أنظر ما يأتي من ربي فجاء الوحي بقوله تعالى { قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم } السورة
وعن جعفر الصادق أن المشركين قالوا له اعبد معنا آلهتنا يوما نعبد معك إلهك عشرة واعبد معنا آلهتنا شهرا نعبد معك إلهك سنة فنزلت اي لا أعبد ما تعبدون يوما ولا أنتم عابدون ما أعبد شهرا ولا أنا عابد ما عبدتم شهرا ولا أنتم عابدون ما أعبد سنة روى ذلك التقدير جعفر ردا على بعض الزنادقة حيث قالوا له طعنا في القرآن لو قال امرؤ القيس ** قفا نبك من ذكري حبيب منزل ** وكرر ذلك أربع مرات في نسق أما كان عيبا فكيف وقع في القرآن { قل يا أيها الكافرون } السورة وهي مثل ذلك وقوله { لكم دينكم ولي دين } نسخ بآية القتال وبقوله تعالى { أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون } { بل الله فاعبد وكن من الشاكرين } ولما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أنزل لما كرهتموه القرآن قالوا أئت بقرآن غير هذا فأنزل الله تعالى { ولو تقول علينا } الآيات
وقد يقال المناسب للرد عليهم قوله تعالى { قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي } الآية ثم رأيت في الكشاف ما يوافق ذلك وهو لما غاظهم ما في القرآن من ذم عبادة الأصنام والوعيد الشديد قالوا ائت بقرآن آخر ليس فيه ما يغيظنا من ذلك نتبعك أو بدله بأن تجعل مكان آية عذاب رحمة وتسقط ذكر الآلهة وذم عبادتها نزل قوله تعالى { قل ما يكون لي أن أبدله } الآية
قال وجلس أي صلى الله عليه وسلم مجلسا فيه ناس من وجوه قريش منهم أبو جهل
ابن هشام وعتبة بن ربيعة أي وشيبة بن ربيعة وأمية بن خلف والوليد بن المغيرة فقال لهم أليس حسنا ما جئت به فيقولون بلى والله وفي لفظ هل ترون بما أقول بأسا فيقولون لا فجاء عبدالله بن أم مكتوم وهو ابن خال خديجة أم المؤمنين وهوممن أسلم بمكة قديما والنبي صلى الله عليه وسلم مشتغل بأولئك القوم وقد رأى منهم مؤانسة وطمع في إسلامهم فصار يقول يا رسول الله علمني مما علمك الله وأكثر عليه فشق عليه صلى الله عليه وسلم ذلك فأعرض عن ابن أم مكتوم ولم يكلمه انتهى
أي وفي رواية أشار صلى الله عليه وسلم إلى قائد ابن أم مكتوم بأن يكفه عنه حتى يفرغ من كلامه فكفه القائد فدفعه ابن أم مكتوم فعبس صلى الله عليه وسلم وأعرض عنه مقبلا على من كان يكلمه فعاتبه الله تعالى في ذلك بقوله { عبس وتولى أن جاءه الأعمى وما يدريك } السورة أي والمجئ مع الأعمى ينشأ عن مزيد من الرغبة وتجشم الكلفة والمشقة في المجئ ومن كان هذا شأنه فحقه الإقبال عليه لا الإعراض عنه فكان بعد ذلك إذا جاءه يقول مرحبا بمن عاتبني فيه ربي ويبسط له رداءه قال وبهذا يسقط ما للقاضي أبي بكر ابن العربي هنا انتهى
أقول لعل الذي له هو ما ذكره تلميذه السهيلي وهو أن ابن أم مكتوم لم يكن أسلم حينئذ وإلا لم يسمعه بالإسم المشتق من العمر دون الإسم المشتق من الإيمان لو كان دخل في الإيمان قبل ذلك وإنما دخل فيه بعد نزول الآية ويدل على ذلك قوله للنبي صلى الله عليه وسلم استدنني يا محمد وليم يقل استدنني يا رسول الله ولعل في قوله تعالى { لعله يزكى } ما يعطى الترجى والإنتظار ولو كان إيمانه قد تقدم قبل هذا لخرج عن حد الترجي والإنتظار للتزكي هذا كلامه
وعن الشعبي قال دخل رجل على عائشة رضي الله تعالى عنها وعندها ابن أم مكتوم وهي تقطع له الأترج وتجعله في العسل وتطعمه فقيل لها في ذلك فقالت ما زال هذا له من آل محمد منذ عاتب الله عز وجل فيه نبيه صلى الله عليه وسلم والله أعلم
وفي فتاوي الجلال السيوطي من جملة أسئلة رفعت إليه فأجاب عنها بأنها باطلة أن أبا جهل قال يا محمد إن أخرجت لنا طاوسا من صخرة في داري آمنت بك فدعا ربه عز وجل فصارت الصخرة تئن كأنين المرأة الحبلى ثم انشقت عن طاوس صدره من ذهب
ورأسه من زبرجد وجناحاه من ياقوتة ورجلاه من جوهر فلما رأى ذلك أبو جهل أعرض ولم يؤمن
ومما سألوه صلى الله عليه وسلم من الآيات غير المعينات على ما رواه الشيخان أو معينة كما في رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وسيأتي ما يعلم منه أنهم سألوه صلى الله عليه وسلم أولا آية غير معينة ثم عينوها فلا مخالفة
فقد ذكر ابن عباس أن قريشا سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية
أي رواية عن ابن عباس اجتمع المشركون اي بمنى منهم الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام والعاص بن وائل والعاص بن هشام والأسود بن عبد يغوث والأسود بن المطلب وزمعة بن الأسود والنضر بن الحارث على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين نصفا على أبي قبيس ونصفا على قعيقعان وقيل يكون نصفه بالمشرق ونصفه الآخر بالمغرب وكانت ليلة أربعة عشر أي ليلة البدر فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إن فعلت تؤمنوا قالوا نعم فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه أن يعطيه ما سألوا فانشق القمر نصفا على ابي قبيس ونصفا على قعيقعان وفي لفظ فانشق القمر فرقتين فرقة فوق الجبل وفرقة دونه ولعل الفرقة التي كانت فوق الجبل كانت جهة المشرق والتي كانت دون الجبل كانت جهة المغرب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اشهدوا اشهدوا ولا منافاة بين الروايتين ولا بينهما وبين ما جاء في رواية فانشق القمر نصفين نصفا على الصفا ونصفا على المروة قدر ما بين العصر إلى الليل ينظر إليه ثم غاب أي ثم إن كان الإنشقاق قبل الفجر فواضح وإلا فمعجزة أخرى لأن القمر ليلة أربعة عشر يستمر جميع الليل وسيأتي عن زين المعمر أنه عاد بعد غروبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أشهدوا والفرقتان هما المرادتان بالمرتين في بعض الروايات التي أخذ بظاهرها بعضهم كالزين العراقي فقال إنه انشق مرتين لأن المرة قد تستعمل في الأعيان وإن كان أصل وضعها الأفعال فقد قال ابن القيم كون القمر انشق مرتين مرة بعد مرة في زمانين من له خبرة بأحوال الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرته يعلم أنه غلط وأنه لم يقع الإنشقاق إلا مرة واحدة وعند ذلك قال كفار قريش سحركم ابن أبي كبشة أي وهو أبو كبشة أحد أجداده صلى الله عليه وسلم من قبل أمه لأن وهب بن عبد مناف
ابن زهرة جد أبي آمنة أمه يكنى أبا كبشة أو هو من قبل مرضعته حليمة لأن والدها أو جدها كان يكنى بذلك أو كان لها بنت تسمى كبشة فكان زوجها الذي هو أبوه من الرضاعة يكنى بتلك البنت كما تقدم في الرضاع
وقد روى عنه صلى الله عليه وسلم فقال حدثني حاضني أبو كبشة أنهم لما أرادوا دفن سلول وكان سيدا معظما حفروا له فوقعوا على باب مغلق ففتحوه فإذا سرير وعليه رجل وعليه حلل عدة وعند رأسه كتاب أنا أبو شهر ذو النون مأوى المساكين ومستفاد الغارمين أخذني الموت غصبا وقد أعيى الجبابرة قيل قال صلى الله عليه وسلم كان ذو النون هذا هو سيف بن ذي يزن الحميري وقيل أبو كبشة جده صلى الله عليه وسلم لأبيه لأن أبا أم جده عبدالمطلب كان يدعى أبا كبشة وكان يعبد النجم الذي يقال له الشعرى وترك عبادة الأصنام مخالفة لقريش فهم يشيرون بذلك إلى أن له في مخالفته سلفا
وقيل الذي عبد الشعرى وترك الأصنام رجل من خزاعة فشبهوه صلى الله عليه وسلم به في مخالفته لهم في عبادة الأصنام أي ومما قد يؤيد هذا الأخير ما في الإتقان حيث مثل بهذا الآية للنوع المسمى بالتنكيت وهو أن يخص المتكلم شيئا من بين الأشياء بالذكر لأجل نكتة كقوله تعالى { وأنه هو رب الشعرى } خص الشعرى بالذكر دون غيرها من النجوم وهو سبحانه وتعالى رب كل شيء لأن العرب كان ظهر فيهم رجل يعرف بابن أبي كبشة عبدالشعرى ودعا خلقا إلى عبادتها فأنزل الله تعالى { وأنه هو رب الشعرى } التي ادعيت فيها الربوبية هذا كلامه وكبشة ليس مؤنث كبش لأن مؤنث كبش ليس من لفظه فقال رجل منهم إن محمدا إن كان سحر القمر أي بالنسبة إليكم فإنه لا يبلغ من سحره أن يسحر الأرض كلها أي جميع أهل الأرض وفي رواية لئن كان سحرنا ما يستطيع أن يسحر الناس كلهم فاسألوه من يأتيكم من بلد آخر هل رأوا هذا فسألوهم فأخبروهم أنهم رأوا مثل ذلك وفي رواية أن أبا جهل قال هذا سحر فسألوا أهل الآفاق وفي لفظ انظروا ما يأتيكم به السفار حتى تنظروا هل رأوا ذلك أم لا فأخبروا أهل الآفاق وفي لفظ فجاء السفار وقد قدموا من كل وجه فأخبروهم أنهم رأوه منشقا فعند ذلك قالوا هذا سحر مستمر أي مطرد فهو إشارة إلى ذلك وإلى ما قبله من الآيات وفي لفظ قالوا هذا سحر أسحر
السحرة فأنزل الله تعالى { اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر } أي مطرد كما تقدم أو محكم أو قوي شديد أو مار ذاهب لا يبقى وهذا الكلام كما لا يخفى يدل على أنه لم يختص برؤية القمر منشقا أهل مكة بل جميع أهل الآفاق وبه يرد قول بعض الملاحدة لو وقع إنشقاق القمر لاشترك أهل الأرض كلهم في معرفته ولم يختص بها أهل مكة ولا يحسن الجواب عنه بأنه طلبه جماعة خاصة فاختصت رؤيته بمن اقترح وقوعه ولا بأنه قد يكون القمر حينئذ في بعض المنازل التي تظهر لبعض أهل الآفاق دون بعض ولا بقول بعضهم إن انشقاق القمر آية ليلية جرى مع طائفة في جنح ليلة ومعظم الناس نيام
وفي فتح الباري حنين الجذع وإنشقاق القمر نقل كلا منهما نقلا مستفيضا يفيد القطع عند من يطلع على طرق الحديث
أقول وإلى إنشقاق القمر أشار صاحب الهمزية بقوله ** شق عن صدره وشق له البد ** ر ومن شرط كل شرط جزاء **
أي شق عن صدره صلى الله عليه وسلم وفي نسخة قلبه وكل منهما صحيح لأنه شق صدره أولا ثم شق قلبه ثانيا وشق لأجله القمر ليلة أربعة عشر وإنما شق له صلى الله عليه وسلم لأن من شرط كل شرط جزاء لأنه لما شق صدره صلى الله عليه وسلم جوزى على ذلك بأعظم مشابه له في الصورة وهو شق القمر الذي هو من أظهر المعجزات بل أعظمها بعد القرآن وقد أشار إلى ذلك أيضا الإمام السبكي في تائيته بقوله ** وبدر الدياجى انشق نصفين عندما ** أرادت قريش منك إظهار آية **
أي فإنهم ائتمروا فيما بينهم فاتفقوا على أن يقترحوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم إنشقاق القمر الذي هو بعيد عن الأطماع في غاية الإمتناع أي فقد سألوه أولا آية غير معينة ثم عينوها
وفي الإصابة عن بعضهم قال وأنا ابن تسع عشرة سنة سافرت مع أبي وعمي من خراسان إلى الهند في تجارة فلما بلغنا أوائل بلاد الهند وصلنا إلى شيعة من الضياع فعرج أهل القافلة نحوها فسألناهم عن ذلك فقالوا هذه ضيعة الشيخ زين الدين المعمر فرأينا شجرة خارج الضيعة تظل خلقا كثيرا وتحتها جمع عظيم من أهل تلك الضيعة فلما رأونا رحبوا بنا فرأينا زنبيلا معلقا في بعض أغصان تلك الشجرة فسألناهم فقالوا في هذا
الزنبيل الشيخ زين الدين رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا له بطول العمر ست مرات فبلغ ستمائة سنة كل دعوة بمائة سنة فسألناهم أن ينزلوا الشيخ لنسمع كلامه وحديثه فتقدم شيخ منهم فأنزل الزنبيل فإذا هو مملوء بالقطن والشيخ في وسط القطن وهو كالفرخ فوضع فمه على أذنه وقال يا جداه هؤلاء قوم قد قدموا من خراسان وقد سألوا أن تحدثهم كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وماذا قال لك فعند ذلك تنفس الشيخ وتكلم بصوت كصوت النحل بالفارسية ونحن نسمع فقال سافرت مع أبي وأنا شاب من هذه البلاد إلى الحجاز في تجارة فلما بلغنا بعض أودية مكة وكان المطر قد ملأ الأودية فرأيت غلاما حسن الشمائل يرعى إبلا في تلك الأودية وقد حالت السيل بينه وبين إبله وهو يخشى من خوض الماء لقوة السيل فعلمت حاله فأتيت إليه وحملته وخضت به السيل إلى عند إبله من غير معرفة سابقة فلما وضعته عند إبله نظر إلي ودعا لي ثم عدنا إلى بلادنا وتطاولت المدة ففي ليلة ونحن جلوس في ضيعتنا هذه في ليلة مقمرة ليلة البدر والبدر في كبد السماء إذ نظرنا إليه قد انشق نصفين فغرب نصف في المشرق ونصف في المغرب وأظلم الليل ساعة ثم طلع النصف من المشرق والثاني من المغرب إلى أن ألتقيا في وسط السماء كما كان أول مرة فتعجبنا من ذلك غاية العجب ولم نعرف لذلك سببا فسألنا الركبان عن سببه فأخبرونا أن رجلا هاشميا ظهر بمكة وادعى أنه رسول الله إلى كافة العالم وأن أهل مكة سألوه معجزة واقترحوا عليه أن يأمر لهم القمر فينشق في السماء ويغرب نصفه في المشرق ونصفه في المغرب ثم يعود إلى ما كان عليه ففعل لهم ذلك فاشتقت إلى رؤياه فذهبت إلى مكة وسألت عنه فدلوني على موضعه وأتيت إلى منزله واستأذنت فأذن لي في الدخول فدخلت عليه فلما سلمت عليه نظر إلي وتبسم وقال ادن مني وبين يديه طبق فيه رطب فتقدمت وجلست وأكلت من الرطب وصار يناولني إلى أن ناولني ست رطبات ثم نظر إلي وتبسم وقال لي ألم تعرفني قلت لا فقال ألم تحملني في عام كذا في السيل ثم قال امدد يدك فصافحني وقال قل أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فقلت ذلك فسر أي وقال عند خروجي من عنده بارك الله في عمرك قال ذلك ست مرات فبارك الله لي عمري بكل دعوه مائة سنة فعمري اليوم ستمائة سنة أي في المائة السادسة مشرف على تمامها تأمل
وسئل الحافظ السيوطي عن مثل هذا الحديث وهو الحديث الذي رواه معمر الذي يزعم أنه صحابي وأنه يوم الخندق صار ينقل التراب بغلقين وبقية الصحابة بغلق واحد فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بكفه الشريف بين كتفيه أربع ضربات وقال له عمرك الله يا معمر فعاش بعد ذلك أربعمائة سنة ببركة الضربات التي ضربها بين كتفيه كل ضربة مائة سنة وقال له بعد أن صافحه من صافحك إلى ست أو سبع لم تمسه النار هل هو صحيح أم كذب وإفتراء لا تجوز روايته فأجاب بأنه باطل وأن معمرا هذا كذاب دجال لأنه ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال قبل موته بشهر أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد وقد قال أهل الحديث وغيرهم إن من ادعى الصحبة بعد مائة سنة من وفاته صلى الله عليه وسلم فهو كذاب ومعلوم أن آخر الصحابة مطلقا موتا أبو الطفيل مات سنة عشر ومائة من الهجرة ثبت ذلك في صحيح مسلم واتفق عليه العلماء فمن ادعى الصحبة بعد أبي الطفيل فهو كذاب
ومما سألوه صلى الله عليه وسلم من الآيات المعينات ما حدث به بعضهم قال إن قريشا قالت له صلى الله عليه وسلم سل ربك يسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا ويبسط لنا بلادنا وليخرق فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق وليبعث لنا من مضى من آبائنا وليكن فيمن بعث لنا قصي بن كلاب فإنه كان شيخ صدق فنسأله عما تقول أحق هو أم باطل قال زاد في رواية فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك وعرفنا منزلتك من الله تعالى وأنه بعثك إلينا رسولا كما تقول فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بهذا بعثت لكم إنما جئتكم من الله بما بعثني به اه
ثم قالوا له واسأل ربك يبعث معك ملكا يصدقك فيما تقول ويراجعنا عنك أي وفي لفظ قالوا له لم لا ينزل علينا الملائكة فتخبرنا بأن الله أرسلك أو نرى ربنا فيخبرنا بأنه أرسلك فنؤمن حينئذ بك وقال آخر يا محمد لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا واسأله أن يجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه أي فلا بد أن تتميز عنا حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا أي وفي لفظ قالوا إن محمدا يأكل الطعام كما نحن نأكل ويمشي في الأسواق ويلتمس المعاش كما نلتمس نحن فلا يجوز
أن يمتاز عنا بالنبوة فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أنا بالذي يسأل ربه هذا وأنزل الله تعالى { وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق } ولما قالوا الله أعظم أن يكون رسوله بشرا منا أنزل الله تعالى { أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس } ثم قالوا وأسقط السماء علينا كسفا أي قطعا كما زعمت أن ربك إن شاء فعل وقد بلغنا أنك إنما يعلمك رجل باليمامة يقال له الرحمن وإنا والله لن نؤمن بالرحمن أبدا أي وقد عنوا بالرحمن مسيلمة وقيل عنوا كاهنا كان لليهود باليمامة وقد رد الله تعالى عليهم بأن الرحمن المعلم له هو الله تعالى بقوله { قل هو } أي الرحمن { ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب } أي توبتي ورجوعي وعند ذلك قام صلى الله عليه وسلم حزينا آسفا على ما فاته من هدايتهم التي طمع فيها وقال له عبدالله بن عمته عاتكة بنت عبدالمطلب قبل أن يسلم رضي الله تعالى عنه يا محمد قد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبل ثم سألوك أن تعجل بعض ما تخوفهم به من العذاب فلم تفعل والله لن نؤمن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما ثم ترقى فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها ثم تأتي معك بصك أي كتاب معه أربعة من الملائكة يشهدون أنك كما تقول وأيم الله إنك لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك فأنزل الله تعالى عليه الآيات التي فيها شرح هذه المقالات في سورة الإسراء وفيها الإشارة إلى أنه تعالى خيره بين أن يعطيه جميع ما سألوا وأنهم إن كفروا بعد ذلك استأصلهم بالعذاب كالأمم السابقة وبين أن يفتح لهم باب الرحمة والتوبة لعلهم يتوبون وإليه يرجعون فاختار الثاني لأنه صلى الله عليه وسلم يعلم من كثير منهم العناد وأنهم لا يؤمنون وإن حصل ما سألوا فيستأصلون بالعذاب لأن الله تعالى يقول { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة }
وعن محمد بن كعب ما حاصله أن الملأ من قريش أقسموا للنبي صلى الله عليه وسلم بالله عز وجل أنهم يؤمنون به إذا صار الصفا ذهبا فقام يدعو الله تعالى أن يعطيهم ما سألوه فأتاه جبريل فقال له إن شئت كان ذلك ولكني لم آت قوما بآية اقترحوها فلم يؤمنوا بها إلا أمرت بتعذيبهم وفيه أنه حينئذ يشكل رواية سؤالهم إنشقاق القمر
وفي رواية أتاه جبريل فقال يامحمد إن ربك يقرئك السلام ويقول إن شئت
أن يصبح لهم الصفا ذهبا فإن لم يؤمنوا أنزلت عليهم العذاب عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين وإن شئت لا تصير الصفا ذهبا وفتحت لهم باب الرحمة والتوبة فقال لا بل أن تفتح لهم باب الرحمة والتوبة
وفي رواية وإن شئت تركتهم حتى يتوب تائبهم فقال صلى الله عليه وسلم بل حتى يتوب تائبهم وأيضا وافق على فتح باب الرحمة والتوبة لأنه صلى الله عليه وسلم علم أن سؤالهم لذلك جهل لأنه خفيت عليهم حكمة إرسال الرسل وهي إمتحان الخلق وتعبدهم بتصديق الرسل ليكون إيمانهم عن نظر وإستدلال فيحصل الثواب لمن فعل ذلك ويحصل العقاب لمن أعرض عنه إذ مع كشف الغطاء يحصل العلم الضروري فلا يحتاج إلى إرسال الرسل ويفوت الإيمان بالغيب
وأيضا لو يسألوا من تلك الآيات إلا تعنتا وإستهزاء لا على جهة الإسترشاد ودفع الشك وإلى سؤالهم تلك الآيات وإرتيابهم في القرآن وقولهم فيه إنه سحر وإفتراء أي سحر يأثره أي يأخذه عن مثله وعن أهل بابل يفرق به بين المرء وأخيه وبين المرء وزوجه وبين المرء وعشيرته { إن هذا إلا قول البشر } من قول أبي اليسر وهوعبد لبني الحضرمي كان النبي صلى الله عليه وسلم يجالسه وإلى قول أبي جهل أيضا تزاحمنا نحن وبنو عبدالمطلب الشرف حتى صرنا كفرسى رهان قالوا منا نبي يوحى إليه والله لا نرضى به ولا نتبعه أبدا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه فنزل قوله تعالى { وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله } وإلى هذا أشار صاحب الهمزية بقوله ** عجبا للكفار زادوا ضلالا ** بالذي فيه للعقول اهتداء ** ** والذي يسألون منه كتاب ** منزل قد أتاهم وإرتقاء **
أي أعجب عجبا من حال الكفار حالة كونهم زادوا ضلالا بالقرآن الذي فيه إهتداء للعقول وأعجب عجبا أيضا من الأمر الذي يطلبونه منه صلى الله عليه وسلم وهو كثير من جملته كتاب منزل معه عليهم من السماء وهو القرآن ** أو لم يكفهم من الله ذكر ** فيه للناس رحمة وشفاء ** ** أعجز الإنس آية منه والجن ** فهلا يأتي به البلغاء ** ** كل يوم يهدى إلى سامعيه ** معجزات من لفظه القراء ** ** تتحلى به المسامع والأفواه ** فهو الحلى والحلواء ** **
رق لفظا وراق معنى فجاءت ** في حلاها وحليها الخنساء ** ** وأرتنا فيه غوامض فضل ** رقة من زلاله وصفاء ** ** إنما تجتلي الوجوه إذا ما ** جليت عن مرآتها الأصداء ** ** سور منه أشبهت صورا منا ** ومثل النظائر النظراء ** ** والأقاويل عندهم كالتماثيل ** فلا يوهمنك الخطباء ** ** كم أبانت آياته عن علوم ** من حروف أبان عنها الهجاء ** ** فهي كالحب والنوى أعجب الزرا ** ع منها سنابل وزكاء ** ** فأطالوا فيه التردد والريب فقالوا سحر وقالوا افتراء ** وإذا البينات لم تغن شيئا ** فالتماس الهدى بهن عناء ** ** وإذا ضلت العقول على علم ** فماذا تقوله الفصحاء **
أي أو لم يكفهم عما سألوه عنادا ذكر واصل إليهم حالة كونه من الله تعالى رحمة وشفاء للناس والجن والملائكة أعجز الإنس والجن آية منه فهلا يأتي بتلك الآية أهل البلاغة كل وقت يهدى قراؤه إلى سامعيه معجزات من لفظه ولذلك تتحلى بسماعه المسامع من التحلية التي هي لبس الحلي وتتحلى بألفاظه الأفواه من الحلواء فهو الحلى والحلواء حسن من جهة اللفظ وتصفى من شوائب النقص من جهة المعنى فأرتنارقة من زلاله وصفاء من ذلك الزلال خبايا فضل فيه وهي العلوم المستنبطة منه وإنما تظهر الوجوه ظهورا واضحا لا خفاء معه بوجه إذا قوبلت بمرآة وقت جلاء الأصداء عن تلك المرآة سور منه أشبهت صورا منا من حيث إشتمال كل صورة منا على عقل وفهم وخلق لا يشاركه فيه غيره والأقاويل الصادرة من الكفار في القرآن كالصور التي يصورها المصورون فإنه لا وجود لها في الحقيقة فما قالوه في القرآن باطل قطعي البطلان فاحذر الخطباء أن توقع في وهمك أن ما تأتي به يقارب القرآن كم أوضحت آياته علوما حالة كونها متولدة من حروف قليلة كشف عنها التهجي كالحب الذي يلقيه الزارع والنوى الذي يلقيه الغارس أعجب الزراع والغراس منها أي من تلك الحبوب والنوى سنابل وثمار وتمر فاق الحصر فأطالوا في تلك السور الشك فقالوا سحر وتمويه لا حقيقة له وقالوا مرة أخرى أساطير الأولين وإذا كانت الحجج والبراهين لم تفدهم شيئا من الهدى فطلب الهدى منهم بتلك الحجج تعب لا يفيد شيئا وإذا ضلت العقول
عن طرق الحق مع علم منها بتلك الطرق فأي قول يقوله الفصحاء أي وقال الوليد ابن المغيرة يوما أينزل القرآن على محمد وأترك أنا وأنا كبير قريش وسيدنا ويترك أبو مسعود الثقفي سيد ثقيف ونحن عظماء القريتين أي مكة والطائف فأنزل الله تعالة { وقالوا لولا } أي هلا { لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم } أي أعظم وأشرف من محمد صلى الله عليه وسلم فرد الله تعالى عليهم بقوله { أهم يقسمون رحمة ربك } الآية
وفي لفظ قال بعضهم كان الأحق بالرسالة الوليد بن المغيرة من أهل مكة أو عروة بن مسعود الثقفي من أهل الطائف ثم لا يخفى أن كفار قريش بعثوا مع النضر بن الحارث عقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة وقالوا لهما اسالاهم عن محمد وصفا لهم صفته وأخبراهم بقوله فإنهم أهل الكتاب الأول أي التوراة لأنه قبل الإنجيل وعندهم علم ليس عندنا فخرجا حتى قدما المدينة وسألا أحبار يهود أي قالا لهم أتيناكم لأمر حدث فينا منا غلام يتيم حقير يقول قولا عظيما يزعم أنه رسول الله وفي لفظ رسول الرحمن قالوا صفوا لنا صفته فوصفوا قالوا فمن يتبعه منكم قالوا سفلتنا فضحك حبر منهم وقالوا هذا النبي الذي نجد نعته ونجد قومه أشد الناس له عداوة
قالت لهم أحبار اليهود سلوه عن ثلاث فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل وإن لم يفعل فالرجل متقول سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول أي وهم أهل الكهف ما كان من أمرهم فإنه قد كان لهم حديث عجيب وسلوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها أي وهو ذو القرنين ما كان نبؤه وسلوه عن الروح ما هي فإذا أخبركم بذلك أي بحقيقة الأولين وبعارض من عوارض الثالث وهو كونها من أمر الله فاتبعوه فإنه نبي فرجع النضر وعقبة إلى قريش وقالا لهم قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد وأخبراهم الخبر فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسألوه عن ذلك فقال لهم عليه الصلاة والسلام أخبركم غدا ولم يستثن أي لم يقل إن شاء الله تعالى وانصرفوا فمكث صلى الله عليه وسلم خمسة عشرة يوما وقيل ثلاثة أيام وقيل أربعة أيام لا يأتيه الوحي وتكلمت قريش في ذلك بما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا إن محمدا قلاه ربه وتركه أي ومن جملة من قال ذلك له صلى الله عليه وسلم أم جميل امرأة عمه أبي لهب قالت له ما أرى صاحبك إلا وقد ودعك وقلاك أي تركك
وبغضك وفي رواية قالت امرأة من قريش أبطأ عليه شيطانه وشق عليه صلى الله عليه وسلم ذلك منهم ثم جاءه جبريل بسورة الكهف وفيها خبر الفتية الذين ذهبوا وهم أهل الكهف
ويروى أنهم يكونون مع عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام إذا نزل ويحجون البيت وخبر الرجل الطواف وهو ذو القرنين أي وهو إسكندر ذو القرنين كان له قرنان صغيران من لحم تواريهما العمامة
وفي لفظ كان له شبه القرنين في رأسه وقيل غديرتان من شعر وقيل لأنه قرن ما بين طلوع الشمس ومغربها أي بلغ قطرى المشرق والمغرب وقيل ضرب على قرن رأسه فمات ثم أحيى ثم ضرب على قرنه الآخر فمات ثم أحيى وقيل لأنه ملك الروم وفارس وقيل لأنه انقرض في زمنه قرنان من الناس والقرن زمان مائة سنة وكان ذو القرنين رجلا صالحا من أهل مصر من ولد يونن وفي لفظ يونان بن يافث بن نوح وكان من الملوك العادلة وكان الخضر صاحب لوائه الأكبر وقيل كان نبيا قاله الضحاك
وجاءه صلى الله عليه وسلم جبريل بالجواب عن الروح المذكور ذلك في سورة الإسراء وهو أن الروح من أمر الله أي قل لهم الروح من أمر ربي أي من علمه لا يعلمه إلا هو أي وكان في كتبهم أن الروح من أمر الله أي مما استأثر الله تعالى بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه ومن ثم جاء في بعض الروايات ما تقدم إن أجابكم عن حقيقة الروح فليس بنبي وإلا بأن أجابكم عنها بأنها من أمر الله فهو نبي ولعل هذا هو المراد كما جاء في بعض الروايات سلوه عن الروح مما استأثر الله تعالى بعلمه كيف يسألونه فيخبرهم بذلك إلا أن يقال المراد إن أجابكم بغير قوله من أمر ربي فاعلموا أنه غير نبي فإنه يحاول أن يخبركم عن حقيقتها وحقيقتها لا يعلمها إلا الله تعالى
ويوافقه ما في مأثور التفسير { من أمر ربي } من علم ربي لا علم لي به وفي بعض الروايات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما سلوه عن الروح التي نفخ الله تعالى في آدم فإن قال لكم من الله تعالى فقولوا له كيف يعذب الله في النار شيئا هو منه
وحاصل الجواب الذي أشارت إليه الآية أن الروح أمر بمعنى مأمور أي مأمور
من مأموراته وخلق من خلقه لا أنها جزء منه والله أعلم أي وهذا يدل على أن المسئول عنه روح الإنسان التي هي سبب في إفادة الحياة للجسد
وفي كلام الإمام الغزالي رحمه الله تعالى أن الروح روحان حيواني وهي التي تسميه الأطباء المزاج وهو جسم لطيف بخاري معتدل سار في البدن الحامل لقواه من الحواس الظاهرة والقوى الجسمانية وهذه الروح تفنى بفناء البدن وتنعدم بالموت وروح روحاني وهي التي يقال لها النفس الناطقة ويقال لها اللطيفة الربانية ويقال لها العقل ويقال لها الروح ويقال لها القلب من الألفاظ الدالة على معنى واحد لها تعلق بقوى النفس الحيواني وهذه الروح لا تفنى بفناء البدن وتبقى بعد الموت هذا كلامه
وفي كلام بعضهم والروح عند أكثر أهل السنة جسم لطيف مغاير للأجسام ماهية وهيئة متصرف في البدن حال فيه حلول الدهن في الزيتون يعبر عنه بأنا وأنت وإذا فارق البدن مات
وذهب جمع منهم الغزالي والإمام الرازي وفاقا للحكماء والصوفية إلى أنه جوهر مجرد غير حال بالبدن يتعلق به تعلق العاشق بالمعشوق يدبره أمره على وجه لا يعلمه إلا الله اه
ورأيت في كلام الشيخ الأكبر أن الإمام ركن الدين السمرقندي لما فتح المسلمون بلاد الهند خرج بعض علمائها ليناظر المسلمين فسأل عن العلماء فأشاروا إلى الإمام ركن الدين السمرقندي فقال له الهندي ما تعبدون قالوا نعبد الله بالغيب قال من أنبأكم قالوا محمد صلى الله عليه وسلم قال فما الذي قال في الروح قال هو من أمر ربي فقال صدقتم فأسلم وليس المراد بالروح خلق من الملائكة على صورة بني آدم أو ملك عظيم عرض شحمة أذنه خمسمائة عام إلى غير ذلك مما قيل قال بعضهم قلت كذا في هذه الرواية أنهم سألوه أي مشركو مكة عن الروح وحديث ابن مسعود يدل على أن السؤال عن الروح ونزول الآية كان بالمدينة أي من اليهود هذا كلامه
وفيه أنه سيأتي جواز تكرار السؤال وتكرر نزول الآية إلى آخر ما يأتي وبه يعلم ما في الإتقان حيث تعقب حيث تعقب قول بعضهم إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم سألوه عن الروح وعن ذي القرنين بقوله قلت السائل عن الروح وذي القرنين مشركو مكة أو اليهود كما في أسباب النزول لا الصحابة
وفي الإتقان قد يعدل عن الجواب اصلا إذا كان السائل قصده التعنت نحو { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي } قال صاحب الإفصاح إنما سأل اليهود تعجيزا وتغليظا إذا كان الروح يقال بالإشتراك على روح الانسان والقرآن وعيسى وجبريل وملك آخر وصنف من الملائكة فقصد اليهود أن يسألوه صلى الله عليه وسلم فبأي مسمى أجابهم قالوا ليس هو فجاءهم الجواب مجملا وكان هذا الإجمال كيدا يرد به كيدهم وفي سورة الكهف أيضا { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت } أي إذا أردت أن تقول سأفعل شيئا فيما يستقبل من الزمان تقول إن شاء الله فإذا نسيت التعليق بذلك ثم تذكرت تأتي بها فذكرها بعد النسيان كذكرها بعد القول قال جمع منهم حسن مادام في المجلس أي وظاهره وإن طال الفصل
وفي الخصائص الكبرى أن هذا أي الإتيان بالمشيئة بعد التذكر من خصائصه صلى الله عليه وسلم ليس لأحد منا أن يستثني أي يأتي بالمشيئة إلا في صلة يمينه
أقول كان ينبغي أن يقول في صلة إخباره لأن مساق الآية في الإخبار لافي الحلف
فإن قيل هي علامة في الخبر ة الحلف قلنا كان ينبغي أن يقول حينئذ في صلة كلامه وحينئذ يقتضي كلامه أنا نشاركه في الخبر دون الحلف والله أعلم
ثم لا يخفى أنه قيل سبب احتباس الوحي أنه لم يقل إن شاء الله تعالى وهو مشهور وقيل لإنه كان في بيته كلب وفي لفظ كان تحت سريره جرو ميت فقد جاء أنه لما صلى الله عليه وسلم عاتب جبريل في احتباسه قال أما علمت أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب أي أنه صلى الله عليه وسلم قال لخادمته خولة يا خولة ما حدث في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل لا يأتيني قالت فقلت في نفسي لو كنست البيت فأهوبت بالمكنسة تحت السرير فأخرجت الجرو الميت
أقول قال ابن كثير قد ثبت في الحديث المروي في الصحاح والسنن والمسانيد من حديث جماعة من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب ولا جنب وقد أورد بعض الزنادقة سؤالا وهو
إذا كانت الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب أو صورة أي صورة التماثيل التي فيها الأرواح يلزم أن لا يموت من عنده كلب أو صورة وأن لا يكتب عمله
وأجيب عنه بأن المراد لا تدخل الملائكة ذلك البيت دخول إكرام لصاحبه وتحصيل بركة فلا ينافي دخولهم لكتابة الأعمال وقبض الأرواح والله أعلم
وقيل لأنه صلى الله عليه وسلم زجر سائلا ملحا وقد كان قبل ذلك يرد السائل بقوله آتاكم الله من فضله أي ربما سكت فقد روى الشيخان ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فقال لا قال الحافظ بن حجر المراد بذلك أنه لا ينطق بالرد بل إن كان عنده شيئ أعطاه وإلا سكت وهذا هو المراد بما جاء أنه صلى الله عليه وسلم ما رد سائلا قط أي ما شافهه بالرد
وقد حكى بعضهم قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقلت يا رسول الله استغفر لي فسكت فقلت يا رسول الله إن ابن عيينة حدثنا عن جابر أنك ما سئلت شيئا قط فقلت لا فتبسم صلى الله عليه وسلم واستغفر لي أي فكان يأتي بالأول حيث لا يكون المقام يقتضي الاقتصار على السكوت ولعل هذا في غير رمضان
فلا يخالف ما رواه البزار عن أنس رضي الله تعالى عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل شهر رمضان اطلق كل أسير وأعطى كل سائل وبين الشيخ ابن الجوزي فبي النشر سبب إلحاح هذا السائل فقال إن النبي صلى الله عليه وسلم أهدى إليه قطف عنب قبل أوانه فهم أن يأكل منه فجاءه سائل فقال أطعموني مما رزقكم الله فسلم إليه ذلك القطف فلقيه بعض أصحابه فاشتراه منه وأهداه للنبي صلى الله عليه وسلم فعاد السائل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فأعطاه إياه فلقيه رجل آخر من الصحابة فاشتراه منه وأهداه للنبي صلى الله عليه وسلم فعاد السائل فسأله فانتهره وقال إنك ملح قال وهذا سياق غريب جدا وهو معضل
وقيل سبب ذلك غير ذلك من ذلك الغير أن جبريل عليه السلام لما قال له صلى الله عليه وسلم ما حبسك في قال كيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم و لا تنقون براجمكم ولا تأخذون شعوركم و لا تستاكون
أقول واختلاف هذه الأسباب ظاهر في أن الواقعة متعددة ولا ينافيه قوله ونزلت أي سورة الضحى ردا عليهم في قولهم إن محمداقلاه ربه وتركه وهي
{ ما ودعك ربك وما قلى } أي ما قطعك قطع المودع وما أبغضك لأنه لا يجوز أن يكون مما تكرر نزوله لاختلاف سببه
ويمكن أن يقال يجوز أن تكون الواقعة واحدة وتعددت أسبابها ولا ينافيه إخبار جبريل عليه السلام تارة بأن سبب احتباسه عدم قص الأظفار وما ذكر معه وتارة بأن الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب وتارة بقوله { وما نتنزل إلا بأمر ربك } كما يأتي قريبا وكما سيأتي في قصة الإفك لكن فال الحافظ بن حجر قصة إبطال جبريل بسبب الجرو مشهورة لكن كونها سبب نزول الآية أي { ما ودعك ربك وما قلى } غريب فالمعتمد ما في الصحيح هذا كلامه
أقول ومما يدل على أن واقعة الجرو كانت بالمدينة مافي بعض التفاسير أن هذا الجرو كان للحسن والحسين رضي الله عنهما ومارواه مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت واعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام في ساعة أن يأتيه فجاء تلك الساعة ولم يأته فيها قالت وكان بيده عصا فطرحها من يده وهو يقول ما يخلف الله وعده ولا رسله ثم التفت فإذا كلب تحت السرير فقال متى دخل هذا الكلب فقلت والله مادريت به فأمر به فأخرج فجاء جبريل عليه الصلاة والسلام فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وعدتني فجلست لك ولم تأت فقال منعني الكلب الذي كان في بيتك إنا لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة
وفي زيادة الجامع الصغير أتاني جبريل فقال لي إني كنت أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت عليك البيت الذي كنت فيه إلا أنه كان على الباب تماثيل وكان في البيت ستر فيه تماثيل وكان في البيت كلب فأمر صلى الله عليه وسلم برأس التمثال الذي في البيت فليقطع فيصير كهيئة الشجرة وأمر بالستر فليقطع فيجعل منه وسادتين منبوذتين توطآن وأمر بالكلب فأخرج ومعلوم أن مجئ جبريل له صلى الله عليه وسلم إكرام وتشريف له صلى الله عليه وسلم فلا ينافي ما تقدم فليتأمل
لما نزلت السورة المذكورة كبر صلى الله عليه وسلم فرحا بنزول الوحي واستمر صلى الله عليه وسلم لا يجاهر قومه بالدعو حتى نزل { وأما بنعمة ربك فحدث } فعند ذلك كبر صلى الله عليه وسلم أيضا وكان ذلك سببا للتكبير في افتتاح السورة التي بعدها وفي ختمها إلى آخر القرآن
وعن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه أنه قرأ كذلك على النبي صلى الله عليه وسلم بعد أمره له بذلك وأنه كان كلما ختم سورة وقف وقفة ثم قال الله أكبر
هذا وقيل ابتداء التكبير من أول ألم نشرح لا من أول والضحى وقيل إن التكبير إنما هو لآخر السورة وابتداؤه من آحر سورة الضحى إلى آخر { قل أعوذ برب الناس } والأتيان بالتكبير في الأول والآخر جمع بين الروايتين والرواية التي جاءت بأنه كبر في أول السورة المذكورة والرواية الأخرى أنه كبر في آخرها
ومما يدل على أن التكبير أول سورة الضحى ما جاء عن عكرمة بن سليمان قال قرأت على اسماعيل بن عبد ربه فلما بلغت الضحى قال كبر فإني قرأت على عبد الله بن كثير أحد القراء السبعة فلما بلغت والضحى قال لي كبر حتى تختم وأخبري ابن كثير أنه قرأ على مجاهد فأمره بذلك وأخبره أن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أمره بذلك وأخبره ابن عباس أن أبي بن كعب أمره بذلك أخبره أبي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بذلك قال بعضهم حديث غريب
ونقل عن إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه أنه قال لآخر إذا تركت التكبير من الضحى إلى الحمد في الصلاة وخارجها فقد تركت سنة من سنن نبيك صلى الله عليه وسلم لكن في كلام الحافظ ابن كثير ولم يرد ذلك أي التكبير عند نزول سورة الضحى باسناد يحكم عليه بصحة ولا ضعف
وقد ذكر الشيخ أبو المواهب الشاذلي رضي الله تعالى عنه عن شيخه أبي عثمان أنه قال إنما نزلت سورة ألم نشرح عقب قوله { وأما بنعمة ربك فحدث } إشارة إلى أن من حدث بنعمة الله فقد شرح الله صدره قال كأنه تعالى يقول إذا حدثت بنعمتي ونشرتها بين عبادي فقد شرحت صدرك
وعن ابن اسحاق ذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل لقد احتبست عني يا جبريل حتى سؤت ظنا وفي لفظ ما منعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا فقال له جبريل { وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا } أي لا ننتقل من مكان إلى مكان ولا ننزل في زمان دون زمان إلا بأمره ومشيئته على مقتضى حكمته وما كان ربك تاركا لك كما زعم الكفار بل كان ذلك لحمكة رآها
=========ج5....................
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب:السيرة الحلبية في سيرة الأمين المأمون
المؤلف:علي بن برهان الدين الحلبي
وأما حديث الزبيدي فقد حدث بعضهم قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد ومعه من الصحابة إذا رجل من زبيد يطوف على حلق قريش حلقة بعد أخرى وهو يقول يا معشر قريش كيف تدخل عليكم المارة أو يجلب إليكم جلب أو يحل بضم الحاء أي ينزل بساحتكم تاجر وأنتم تظلمون من دخل عليكم في حرمكم حتى انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه فقال له صلى الله عليه وسلم ومن ظلمك فذكر أنه قدم بثلاث أجمال خيرة إبله أي أحسنها فسامه بها أبو جهل ثلث أثمانها ثم لم يسمه بها لأجله سائم قال فأكسد علي سلعتي فظلمني فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وأين جمالك قال هذه هي بالحزورة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام أصحابه فنظروا إلى الجمال فرأى جمالا حسانا فساوم ذلك الرجل حتى ألحقه برضاه وأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم فباع جملين منها بالثمن وأفضل بعيرا باعه وأعطى أرامل بني عبد المطلب ثمنه وكل ذلك وأبو جهل جالس في ناحية من السوق ولم يتكلم ثم أقبل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له إياك يا عمرو أن تعود لمثل ما صنعت بهذا الرجل فترى مني ما تكره فجعل يقول لا أعود يا محمد لا أعود يا محمد فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل على أبي جهل أمية بن خلف ومن معه من القوم فقالوا له ذللت في يد محمد فإما أن تكون تريد أن تتبعه وإما رعب دخلك منه فقال لهم لا أتبعه أبدا إن الذي رأيتم مني لما رأيته رأيت معه رجالا عن يمينه ورجالا عن شماله معهم رماح يشرعونها إلي لو خالفته لكانت إياها أي لأتوا على نفسي
ونظير ذلك أن أبا جهل كان وصيا على يتيم فأكل ماله وطرده فاستغاث اليتيم بالنبي صلى الله عليه وسلم على أبي جهل فمشى معه إليه ورد عليه ماله فقيل له في ذلك فقال خفت من حربة عن يمينه وحربة عن شماله لو امتنعت أن أعطيه لطعنني
وأما حديث المستهزئين فمما استهزئ به على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حدث به بعضهم أن أبا جهل بن هشام ابتاع من شخص يقال له الإراشي بكسر الهمزة نسبة إلى إراشة بطن من خثعم أجمالا فمطله بأثمانها فدلته قريش على النبي صلى الله عليه وسلم لينصفه من أبي جهل استهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم لعلمهم بأنه لا قدرة له على أبي جهل أي بعد أن وقف على ناديهم فقال يا معشر قريش من رجل يعينني على أبي الحكم بن هشام فإني غريب وابن سبيل وقد غلبي على حقي فقالوا له أترى ذلك
الرجل يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهب إليه فهو يعينك عليه فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له حاله مع أبي جهل أي قال له يا أبا عبد الله إن أبا الحكم بن هشام غلبني على حق لي قبله وأنا غريب وابن سبيل وقد سألت هؤلاء القوم عن رجل يأخذ لي بحقي منه فأشاروا إليك فخذ حقي منه يرحمك الله فخرج النبي صلى الله عليه وسلم مع الرجل إلى أبي جهل وضرب عليه بابه فقال من هذا قال محمد فخرج إليه وقد انتقع لونه أي تغير وصار كلون النقع الذي هو التراب وهو الصفرة مع كدرة كما تقدم فقال له أعط هذا حقه قال نعم لا تبرح حتى أعطيه الذي له فدفعه إليه قال ثم إن الرجل أقبل حتى وقف على ذلك المجلس فقال جزاه الله خيرا يعني النبي صلى الله عليه وسلم فقد والله أخذ لي بحقي وقد كانوا أرسلوا رجلا ممن كان معهم خلف النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا له انظر ماذا يصنع فقالوا لذلك الرجل ماذا رأيت قال رأيت عجبا من العجب والله ما هو إلا أن ضرب عليه بابه فخرج إليه وما معه روحه فقال أعط هذا حقه فقال نعم لا تبرح حتى أخرج إليه حقه فدخل فخرج إليه بحقه فأعطاه إليه فعند ذلك قالوا لأبي جهل ويلك ما رأينا مثل ما صنعت قال ويحكم والله ما هو إلا أن ضرب علي بابي وسمعت صوته فملئت رعبا ثم خرجت إليه وإن فوق رأسي فحلا من الإبل ما رأيت مثله قط لو أبيت أو تأخرت لأكلني وإلى هذه القصة أشار صاحب الهمزية بقوله ** واقتضاه النبي دين الإراشي ** وقد ساء بيعه والشراء ** ** ورأى المصطفى أتاه بما لم ** ينج منه دون الوفاء النجاء ** ** هو ما قد رآه من قبل لكن ** ما على مثله يعد الخطاء **
أي وطلب صلى الله عليه وسلم من أبي جهل أن يؤدي دين الإراشي وقد ساء بيعه وشراؤه مع ذلك الرجل ورأى المصطفى صلى الله عليه وسلم وقد أتاه بفحل من الإبل لم ينج منه دون الوفاء لذلك الدين كثير النجاء وذلك الذي أتاه به هو الفحل الذي قد رآه من قبل أي لما أراد عدو الله أن يلقي عليه صلى الله عليه وسلم الحجر وهو ساجد كما تقدم لكن ما على مثله فضلا عنه يعد الخطأ لأن خطأه لا ينحصر
أي ومن استهزاء أبي جهل بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه في بعض الأوقات سار
خلف النبي صلى الله عليه وسلم يخلج بأنفه وفمه يسخر به فاطلع عليه صلى الله عليه وسلم فقال له كن كذلك فكان كذلك إلى أن مات
قال ابن عبدالبر وكان من المستهزئين الذين قال الله تعالى فيهم { إنا كفيناك المستهزئين } أبو جهل وأبو لهب وعقبة بن أي معيط والحكم بن العاص بن أمية وهو والد مروان بن الحكم عم عثمان بن عفان والعاص بن وائل فمن استهزاء أبي جهل ما تقدم
ومن استهزاء أبي لهب به صلى الله عليه وسلم أنه كان يطرح القذر على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم ومر يوما من الأيام فرآه أخوه حمزة رضي الله تعالى عنه قد فعل ذلك فأخذه وطرحه على رأسه فجعل أبو لهب ينفض رأسه ويقول صابئ أحمق
ومن استهزاء عقبة بن أبي معيط به صلى الله عليه وسلم أنه كان يلقى القذر أيضا على بابه صلى الله عليه وسلم كما تقدم وقد قال صلى الله عليه وسلم كنت بين شر جارين أبي لهب وعقبة بن أبي معيط إن كانا يأتيان بالفروث فيطرحانها على بابي كما تقدم
ومن استهزائه أنه بصق في وجه النبي صلى الله عليه وسلم فعاد بصاقه على وجهه وصار برصا أي فإنه صلى الله عليه وسلم كان يكثر مجالسة عقبة بن أبي معيط فقدم عقبة يوما من سفر فصنع طعاما ودعا الناس من أشراف قريش ودعا النبي صلى الله عليه وسلم فلما قرب إليهم الطعام أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأكل فقال ما أنا بآكل طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله فقال عقبة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله فأكل صلى الله عليه وسلم من طعامه وانصرف الناس وكان عقبة صديقا لأبي بن خلف فأخبر الناس أبيا بمقالة عقبة فأتى إليه وقال يا عقبة صبوت قال والله ما صبوت ولكن دخل منزلي رجل شريف فأبى أن يأكل طعامي إلا أن أشهد له فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم فشهدت له فطعم والشهادة ليست في نفسي فقال له أبي وجهي ووجهك حرام إن لقيت محمدا فلم تطأه وتبزق في وجهه وتلطم عينه فقال له عقبة لك ذلك ثم إن عقبة لقى النبي صلى الله عليه وسلم ففعل به ذلك قال الضحاك لما بزق عقبة لم تصل البزقة إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بل وصلت إلى وجهه هو كشهاب نار فاحترق مكانها وكان أثر الحرق في وجهه إلى الموت وحينئذ يكون المراد بقوله فيما تقدم فعاد بصاقه برصا في وجهه أي صار
كالبرص وأنزل الله تعالى في حقه { ويوم يعض الظالم على يديه } أي في النار يأكل إحدى يديه إلى المرفق ثم يأكل الأخرى فتنبت الأولى فيأكلها وهكذا
ومن استهزاء الحكم بن العاص أنه كان صلى الله عليه وسلم يمشى ذات يوم وهو خلفه يخلج بفمه وأنفه يسخر بالنبي صلى الله عليه وسلم فالتفت إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له كن كذلك فكان كذلك أي كما تقدم نظير ذلك لأبي جهل واستمر الحكم بن العاص يخلج بأنفه وفمه بعد أن مكث شهرا مغشيا عليه حتى مات أسلم يوم فتح مكة وكان في إسلامه شيء اطلع على رسول الله صلى الله عليه وسلم من باب بيته وهو عند بعض نسائه بالمدينة فخرج إليه صلى الله عليه وسلم بالعنزة أي وقيل بمدرى في يده والمدرى كالمسلة يفرق به شعر الرأس وقال من عذيرى من هذه الوزغة لو أدركته لفقأت عينه ولعنه وما ولد وغربه عن المدينة إلى وج الطائف فلم يزل حتى ولى ابن أخيه عثمان رضي الله تعالى عنه الخلافة فدخل المدينة بعد أن سأل عثمان أبا بكر في ذلك فقال لا أحل عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم سأل عمر لما ولى الخلافة فقال له مثل ذلك ولما أدخله عثمان نقم عليه الصحابة بسبب ذلك فقال أنا كنت شفعت فيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوعدني برده أي أني أرده ولا ينافى ذلك سؤال عثمان لأبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهم في ذلك كما لا يخفى لأنه يحتمل أن يرده عثمان إما بنفسه أو بسؤاله وسيأتي ذلك في جملة أمور نقمها عليه الصحابة
وعن هند ابن خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بالحكم فجعل يغمز بالنبي صلى الله عليه وسلم فرآه فقال اللهم اجعل به وزغا فرجف وأرتعش مكانه والوزغ الإرتعاش وفي رواية فما قام حتى ارتعش
وعن الواقدي استأذن الحكم بن العاص على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف صوته فقال ائذنوا له لعنه الله ومن يخرج من صلبه إلا المؤمنين منه وقليل ما هم ذو مكر وخديعة يعطون الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق وكان لا يولد لأحد ولد بالمدينة إلا أتى به النبي صلى الله عليه وسلم فأتى إليه بمروان لما ولد فقال هو الوزغ بن الوزغ الملعون ابن الملعون وعلى هذا فهو صحابي إن ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم رآه لأنه يحتمل أنه أتى به إليه صلى الله عليه وسلم فلم يأذن بإدخاله عليه وربما يدل ذلك قوله هو الوزغ إلى آخره
وفي كلام بعضهم أن مروان ولد بمكة وفي كلام بعض آخر أنه ولد بالطائف بعد أن نفى أبوه إلى الطائف أي ولم يجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم فهو ليس بصحابي ومن ثم قال البخاري مروان بن الحكم لم ير النبي صلى الله عليه وسلم وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت لمروان نزل في أبيك { ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم } وقالت له سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأبيك وجدك الذي هو العاص بن أمية إنهم الشجرة الملعونة في القرآن ولى مروان الخلافة تسعة أشهر
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت لمروان بن الحكم حيث قال لأخيها عبدالرحمن بن أبي بكر لما بايع معاوية لولده قال مروان سنة أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فقال عبدالرحمن بل سنة هرقل وقيصر وامتنع من البيعة ليزيد بن معاوية فقال له مروان أنت الذي أنزل الله فيك { والذي قال لوالديه أف لكما } فبلغ ذلك عائشة فقالت كذب والله ما هو به ثم قالت له أما أنت يا مروان فأشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن أباك وأنت في صلبه
وعن جبير بن مطعم كنا مع رسول الله صلى لله عليه وسلم فمر الحكم بن العاص فقال النبي صلى الله عليه وسلم ويل لأمتي مما في صلب هذا قال بعضهم وكون النبي صلى الله عليه وسلم مع ما هو عليه من الحلم والإغضاء على ما يكره فعل بالحكم ذلك يدل على أمر عظيم ظهر له في الحكم وأولاده
وعن حمران بن جابر الجعفي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ويل لبني أمية ثلاث مرات أي وقد ولى منهم الخلافة أربعة عشر رجلا أولهم معاوية بن أبي سفيان وآخرهم مروان بن محمد وكان مدة ولايتهم ثنتين وثمانين سنة وهي ألف شهر وقال بعضهم لا يزيد ذلك يوما ولا ينقص يوما قال ابن كثير وهذا غريب جدا وفيه نظر لأن معاوية حين تسلم الخلافة من الحسن كان ذلك سنة أربعين أو إحدى وأربعين واستمر الأمر في بني أمية إلى أن انتقل إلى بني العباس سنة ثنتين وثلاثين ومائة ومجموع ذلك ثنتان وتسعون سنة وألف شهر تعدل ثلاثا وثمانين سنة وأربعة أشهر هذا كلامه
ومن استهزاء العاص بن وائل أنه كان يقول غر محمد نفسه وأصحابه أن وعدهم أن يحيوا بعد الموت والله ما يهلكنا إلا الدهر ومرور الأيام والأحداث
أي ومن استهزائه أن خباب بن الأرت رضي الله تعالى عنه كان قينا بمكة أي حدادا يعمل السيوف وقد كان باع للعاص سيوفا فجاءه يتقاضى ثمنها فقال له يا خباب أليس يزعم محمد هذا الذي أنت على دينه أن في الجنة ما ابتغى أهلها من ذهب أو فضة أو ثياب أو خدم أو ولد قال خباب بلى قال فانظرني إلى يوم القيامة يا خباب حتى أرجع إلى تلك الدار فأقضيك هناك حقك ووالله لا تكونن أنت وصاحبك آثر عندالله مني ولا أعظم حظا في ذلك
وفي لفظ أن العاص قال له لا أعطيك حتى تكفر بمحمد فقال والله لا أكفر بمحمد حتى يميتك الله ثم يبعثك قال فذرني حتى أموت ثم أبعث فسوف أوتى مالا وولدا فأقضيك فأنزل الله تعالى فيه { أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا ونرثه ما يقول ويأتينا فردا }
وفي كلام ابن حجر الهيتمي وفي البخاري من عدة طرق أن خبابا رضي الله تعالى عنه طلب من العاص بن وائل السهمي دينا له عليه قال لا أعطيك حتى تكفر بمحمد فقال لا أكفربه حتى يميتك الله ثم يبعثك
وفيه أن هذا تعليق للكفر بممكن أي وتعليق الكفر ولو بمحال عادي وكذا شرعي أو عقلي على إحتمال كفر لأنه ينافى عقد التصميم الذي هو شرط في الإسلام
وأجيب بأنه لم يقصد التعليق قطعا وإنما أراد تكذيب ذلك اللعين في إنكار البعث ولا ينافيه قوله حتى لأنها تأتي بمعنى إلا المنقطعة فتكون بمعنى لكن الذي صرحوا بأن ما بعدها كلام مستأنف وعليه خرج ابن هشام الخضراوي حديث كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه أي لكن أبواه
وعد بعضهم من المستهزئين الحارث بن عيطلة ويقال ابن عيطل ينسب إلى أمه وكان من استهزائه ما تقدم عن العاص بن وائل وأبي جهل من الإختلاج خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم
وعد منهم الأسود بن عبد يغوث وهو ابن خال النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى المسلمين قال لأصحابه استهزاء بالصحابة قد جاءكم ملوك الأرض الذي يرثون كسرى
وقيصر أي لأن الصحابة كانوا متقشفين ثيابهم رثة وعيشهم خشن ويقول للنبي صلى الله عليه وسلم أما كلمت اليوم من السماء يا محمد وما أشبه هذا القول
وعد منهم الأسود بن عبدالمطلب ومن استهزائه أنه كان هو وأصحابه يتغامزون بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويصفرون إذا رأوهم
وعد منهم النضر بن الحارث فهلك غالبهم قبيل الهجرة بضروب من البلاء
أقول والذي ينبغي أن يكون المراد بالمستهزئين في الآية وهي { إنا كفيناك المستهزئين } الوليد بن المغيرة والد خالد وعم أبي جهل فإنه كان من عظماء قريش وكان في سعة من العيش ومكنة من السيادة كان يطعم الناس أيام منى حيسا وينهى أن توقد نار لأجل طعام غير ناره وينفق على الحاج نفقة واسعه وكان الأعراب تثنى عليه كانت له البساتين من مكة إلى الطائف وكان من جملتها بستان لا ينقطع نفعه شتاء ولا صيفا وببركته صلى الله عليه وسلم أصابته الجوائح والآفات في أمواله حتى ذهبت بأسرها ولم يبق له في أيام الحج ذكر وكان المقدم في قريش فصاحة وكان يقال له ريحانة قريش ويقال له الوحيد أي في الشرف والسودد والجاه والرياسة قال بعضهم بل هو وحيد في الكفر والخبث والعناد
والعاص بن وائل والد عمرو بن العاص والأسود بن المطلب والأسود بن عبد يغوث والحارث بن عيطلة وفي لفظ ابن الطلاطلة في اللغة الداهية قال بعضهم وهو إشتباه لأن ابن الطلاطلة اسمه مالك لا حارث
والحارث بن العيطلة كان أحد أشراف قريش في الجاهلية وإليه كانت الحكومة والأموال التي تجعل للآلهة وذكره ابن عبدالبر في الصحابة قال في أسد الغابة لم أر أحدا ذكره في الصحابة إلا أبا عمرو يعني ابن عبد البر والصحيح أنه كان من المستهزئين وهؤلاء الخمسة هم الذين اقتصر عليهم القاضي البيضاوي لما يروى أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد أي يطوف بالبيت وقال له أمرت أن أكفيكهم فلما مر الوليد بن المغيرة قال له يا محمد كيف تجد هذا فقال بئس عبدالله فأومأ إلى ساق الوليد وقال كفيته ومر العاص بن وائل فقال كيف تجد هذا يا محمد قال عبد سوء فأشار إلى أخمصه وقال كفيته ثم مر الأسود بن المطلب فقال كيف تجد هذا يا محمد قال عبد سوء فأومأ إلى عينه وقال كفيته ثم مر الأسود بن عبد يغوث
فقال كيف تجد هذا يامحمد قال عبد سوء فأومأ إلى رأسه وقال كفيته ثم مر الحارث بن عيطلة فقال كيف تجد هذا يا محمد قال عبد سوء فأومأ إلى بطنه وقال كفيته وحينئذ يكون معنى كفاية هذا له صلى الله عليه وسلم أنه لم يسع ولم يتكلف في تحصيل ذلك وإلى هذا أشار الإمام السبكي في تائيته بقوله ** وجبريل لما استهزأت فرقة الردى ** أشار إلى كل بأقبح ميتة **
والله أعلم
قال وروى الزهري أن الأسود بن عبد يغوث خرج من عند أهله فاصابته السموم فاسود وجهه فأتى أهله فلم يعرفوه وأقفلوا دونه الباب وسلط عليه العطش فلا زال يشرب الماء حتى انشق بطنه وهذا يناسب ما سيأتي عن الهمزية ولا يناسب أن جبريل عليه الصلاة والسلام أشار إلى رأسه وف يكلام البلاذري عن عكرمة أن جبريل أخذ بعنق الأسود بن عبد يغوث فحنى ظهره حتى احقوقف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خالي خالي أي لأنه كما تقدم ابن خاله فهو إما على حذف المضاف أو لأجل مراعاة أبيه أي يراعى لأجل أبيه الذي هو خالي فقال جبريل يا محمد دعه وفي رواية قال له جبريل خل عنك ثم حثاه حتى قتله وهذا لا يناسب كون جبريل أشار إلى رأسه
والمناسب لذلك ما ذكره بعضه أنه امتخض رأسه قيحا ثم لم يزل يضرب برأسه أصل شجرة حتى مات وكذا الحارث بن عيطلة أي وفي كلام القاضي حارث ابن قيس
وفي تكملة الجلال السيوطي عدي بن قيس فقد أكل حوتا مملحا فلم يشرب عليه الماء حتى انقد بطنه وهذا المناسب لما ذكر هنا أن جبريل أشار إلى بطنه لكن لا يناسب ما قاله القاضي البيضاوي أنه أشار إلى أنفه فامتخض قيحا
وأما الأسود بن المطلب فقد عمى بصره فقد ذكر أنه خرج ليستقبل ولده وقد قدم من الشام فلما كان ببعض الطريق جلس في ظل شجرة فنجعل جبريل يضرب وجهه وعينيه بورقة من ورقها حتى عمى فجعل يستغيث بغلامه فقال له غلامه لا أحد يصنع بك شيئا أي وقيل ضربه بغصن فيه شوك فسالت حدقتاه وصار يقول ها هو ذا طعن بالشوك في عيني فيقال له ما نرى شيئا وقيل أتى شجرة فجعل ينطح رأسه بها حتى خرجت عيناه أي وفعل ذلك لا ينافي ما ورد فأشار أي جبريل إلى وجهه فعمى بصره
في الحال لجواز أن يراد بالحال الزمن القريب وفي رواية أنه كان يقول دعا علي محمد بالعمى فاستجيب له ودعوت عليه بأن يكون طريدا شريدا فاستجيب لي وسيأتي عن بعضهم في غزوة بدر أنه صلى الله عليه وسلم دعا على الأسود بن المطلب بالعمى وفقد أولاده فعجل له العمى وفقد أولاده ببدر وأما الوليد بن المغيرة فمر بشخص يعمل النبل فتعلق بثوبه سهم فلم ينقلب لينحيه تعاظما فعدا فأصاب السهم عرقا في ساقه فقطعه فمات وأما العاص بن وائل فدخلت شوكة في أخمصه فانتفخت رجله حتى صارت كالرحا ومات وإلى الخمسة الذين ذكرنا أنهم المرادون بقوله تعالى { إنا كفيناك المستهزئين } أشار صاحب الهمزية بقوله ** وكفاه المستهزئين وكم سا ** ء نبيا من قومه استهزاء ** ** خمسة كلهم أصيبوا بداء ** والردى من جنوده الأدواء ** ** فدهى الأسود بن مطلب ** أي عمى ميت به الأحياء ** ** ودهى الأسود بن عبد يغوث ** أن سقاه كأس الردى استسقاء ** ** وأصاب الوليد خدشة سهم ** قصرت عنها الحية الرقطاء ** ** وقضت شوكة على مهجة العا ** ص فلله النقعة الشوكاء ** ** وعلى الحارث القيوح وقد سا ** ل بها رأسه وسال الوعاء ** ** خمسة طهرت بقطعهم الأر ** ض فكف الأذى بهم شلاء **
أي وكفى الله رسوله صلى الله عليه وسلم المستهزئين به ومرات كثيرة أحزن نبينا صلى الله عليه وسلم كغيره من الأنبياء استهزاء قومه به وهؤلاء المستهزئون به صلى الله عليه وسلم خمسة كلهم أصيبوا بداء عظيم والهلاك من جملة جنوده الأمراض
فأهلك الأسود بن المطلب عمى عظيم الأحياء أموات بسببه وهو المناسب لكون جبريل أشار إلى عينيه ودهى أيضا الأسود بن عبد يغوث استسقاء سقاه كأس الموت وهذا لا يناسب كون جبريل أشار إلى رأسه وأصاب الوليد أثر سهم في ساقه قصرت عنه الحية الرقطاء أي سمها وقضت شوكة على مهجة العاص دخلت في رجله فلله هذا النقعة الخشنة اللمس وقضت على الحارث القيوح والحال أنه قد سال رأسه وفسد ذلك الوعاء لتلك القيوح وهذا هو المناسب لكون جبريل أشار إلى أنفه
لا لقول بعضهم إنه أشار إلى بطنه خمسة طهرت بهلاكهم الأرض فكف الأذى بهم شلاء فاقدة الحركة
وقد جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن هؤلاء الخمسة هلكوا في ليلة واحدة فعلم أن هؤلاء هم المرادون بقوله تعالى { إنا كفيناك المستهزئين } كما ذكرنا وإن كان المستهزئون غير منحصرين فيهم فلا ينافى عد منبه ونبيه ابنى الحجاج منهم
فقد قيل كانا ممن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانا يليقيانه فيقولان له أما وجد الله من يبعثه غيرك إن ها هنا من هو أسن منك وأيسر فإن كنت صادقا فأتنا بملك ليشهد لك ويكون معك وإذا ذكر لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قالا معلم مجنون يعمله أهل الكتاب ما يأتي به ولا ينافي عد أبي جهل وغيره منهم كما تقدم
وفي سيرة ابن المحدث قال عليه الصلاة والسلام من قرأ سورة الهمزة أعطاه الله عشر حسنات بعدد من استهزأ بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه
ومن استهزاء أبي جهل أيضا بالنبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوما لقريش يا معشر قريش يزعم محمد أن جنود الله الذي يقذفونكم في النار ويحبسونكم فيها تسعة عشر وأنتم أكثر الناس عددا فيعجز كل مائة رجل منكم عن واحد منهم
أي وفي رواية أن بعض قريش وكان شديدا قوي البأس بلغ من شدته أنه كان يقف على جلد البقرة ويجاذبه عشرة لينزعوه من تحت قدمه فيتمزق الجلد ولا يتزحزح عنه قال له أنا أكفيك سبعة عشر واكفوني أنتم إثنين ويقال إن هذا دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى المصارعة وقال له يامحمد إن صرعتني آمنت بك فصرعه اليب صلى الله عليه وسلم مرارا فلم يؤمن
أي وفي رواية أن أبا جهل قال أنا أكفيكم عشرة فاكفوني تسعة فأنزل الله تعالى { وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة } أي لا يطاقون كما تتوهمون { وما جعلنا عدتهم إلا فتنة } ضلالا { للذين كفروا } الآيات أي بأن يقولوا ما ذكر أو يقولوا لم كانوا تسعة عشرة وماذا أراد الله بهذا العدد أي وهذا العدد لحكمة استأثر الله تعالى بعلمها وقد أبدى بعض المفسرين لذلك حكما تراجع
وقد جاء في وصف تلك الملائكة أن أعينهم كالبرق الخاطف وأنيابهم كالصياصى
أي القرون ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة وفي رواية ما بين منكبي أحدهم كما بين المشرق والمغرب لأحدهم قوة مثل قوة الثقلين نزعت الرحمة منهم
وأخرج العتبى في عيون الأخبار عن طاوس إن الله خلق مالكا وخلق له أصابع على عدد أهل النار فما من أهل النار معذب إلا ومالك يعذبه بأصبع من أصابعه فوالله لو وضع مالك أصبعا من أصابعه على السماء لأذابها وهؤلاء التسعة عشرة هم الرؤساء ولكل واحد أتباع لا يعلم عدتهم إلا الله تعالى قال تعالى { وما يعلم جنود ربك إلا هو } أي وهؤلاء الأتباع منهم
وأخرج هناد عن كعب قال يؤمر بالرجل إلى النار فيبتدره مائة ألف ملك أي والمتبادر أن هؤلاء من خزنتها
وفي كلام بعضهم لم يثبت لملائكة النار عدد معين سوى ما في قوله تعالى { عليها تسعة عشر } وإنما ذلك لسقر التي هي إحدى دركات النار لقوله تعالى قبل ذلك { سأصليه سقر } وقد يكون على كل واحدة منها مثل هذا العدد أو أكثر قيل وبسم الله الرحمن الرحيم عدد حروفها على عدد هؤلاء الزبانية التسعة عشر فمن قرأها وهو مؤمن دفع الله تعالى عنه بكل حرف منها واحد منهم
أقول ومن استهزاء أبي جهل أيضا أنه قال يوما لقريش وهو يهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من الحق يا معشر يخوفنا محمد بشجرة الزقوم يزعم أنها شجرة في النار يقال لها شجرة الزقوم والنار تأكل الشجر إنما الزقوم التمر والزبد
وفي لفظ العجوة تترب بالزبد هاتوا تمرا وزبدا تزقموا فأنزل الله تعالى { إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم } أي منبتها في أصل جهنم ولا تسلط لجهنم عليها أما علموا أن من قدر على خلق من يعيش في النر ويلتذ بها فهو أقدر على خلق الشجر في النار وحفظه من الإحراق بها
وقد قال ابن سلام رضي الله تعالى عنه إنها تحيا باللهب كما يحيا شجر الدنيا بالمطر وثمر تلك الشجرة مر له زفرة وأخرج الترمذي وصححه النسائي والبيهقي وابن حبان والحاكم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الدنيا لأفسدت على أهل الأرض معايشهم فكيف بمن تكون
طعامه أي وقال يا محمد لتتركن سب آلهتنا أو لنسبن إلهك الذي تعبد فأنزلها الله تعالى { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم } فكف عن سب آلهتهم وجعل يدعوهم إلى الله عز وجل
ثم رأيت في الدر المنثور في تفسير { إنا كفيناك المستهزئين } قيل نزلت في جماعة مر النبي صلى الله عليه وسلم بهم فجعلوا يغمزون في قفاه ويقولون هذا الذي يزعم أنه نبي ومعه جبريل فغمز جبريل عليه الصلاة والسلام بأصبعه في أجسادهم فصارت جروحا وأنتنت فلم يستطع أحد يدنو منهم حتى ماتوا فلينظر الجمع على تقدير الصحة
وقد يدعى أنهم طائفة آخرون غير من ذكر لأنهم المستهزئون ذلك الوقت أي فقد تكرر نزول الآية والله أعلم
قال ومن استهزاء النضر بن الحارث أنه كان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسا يحدث فيه قومه ويحذرهم ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله تعالى خلفه في مجلسه ويقول لقريش هلموا فإني والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه يعني النبي صلى الله عليه وسلم ثم يحدثهم عن ملوك فارس لأنه كان يعلم أحاديثهم ويقول ما حديث محمد إلا أساطير الأولين
ويقال إنه الذي { قال سأنزل مثل ما أنزل الله } فانتهى أي لأنه ذهب إلى الحيرة واشترى منها أحاديث الأعاجم ثم قدم بها مكة فكان يحدث بها ويقول هذه كأحاديث محمد عن عاد وثمود وغيرهم ويقال إن ذلك كان سببا لنزول قوله تعالى { ومن الناس من يشتري لهو الحديث }
قال في الينبوع والمشهور أنها نزلت في شراء المغنيات وقال ولا بعد في أن تكون الآية نزلت فيهما ليتحقق العطف في قوله تعالى { وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا } أي فإن هذا الوصف الثاني إنما يناسب النضر فليتأمل ولما تلا عليهم صلى الله عليه وسلم نبأ الأولين قال النضر بن الحارث لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين فأنزل الله تعالى تكذيبا له { قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا } أي معينا له
وجاء أن جماعة من بني مخزوم منهم أبو جهل والوليد بن المغيرة تواصوا على قتله صلى الله عليه وسلم فبينما النبي صلى الله عليه وسلم قائما يصلى سمعوا قراءته فأرسلوا
الوليد ليقتله فانطلق حتى أتى المكان الذي يصلى فيه فجعل يسمع قراءته ولا يراه فانصرف إليهم وأعلمهم بذلك فأتوه فلما سمعوا قراءته قصدوا الصوت فإذا الصوت من خلفهم فذهبوا إليه فسمعوه من أمامهم ولا زالوا كذلك حتى انصرفوا خائبين فانزل الله تعالى قوله { وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون } وتقدم في سبب نزولها غير ذلك ويمكن أن يدعى أنها نزلت لوجود الأمرين فليتأمل
وجاء أن النضر بن الحارث رأى النبي صلى الله عليه وسلم منفردا أسفل ثنية الحجون فقال لا أجده أبدا أخلى منه الساعة فاغتاله فدنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليغتاله فرأى أسود تضرب بأذنابها على رأسه فاتحة أفواهها فرجع على عقبه مرعوبا فلقى أبا جهل فقال من أين فأخبره النضر الخبر فقال أبو جهل هذا بعض سحره
ومما تعنتوا به أنه لما نزل قوله تعالى { إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم } أي وقودها وحصب بالزنجية حطب أي حطب جهنم وقد قرأتها عائشة رضي الله تعالى عنها كذلك { أنتم لها واردون لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون } شق على كفار قريش وقالوا لعبدالله بن الزبعري قد زعم محمد أنا وما نعبد من آلهتنا حصب جهنم فقال ابن الزبعري أنا أخصم لكم محمدا ادعوه لي فدعوه له فقال يا محمد هذا شيء لآلهتنا خاصة أم لكل من عبد من دون الله فقال بل لكل من عبد من عبد دون الله فقال ابن الزبعري أخصمت ورب هذه البنية يعني الكعبة ألست تزعم يا محمد أن عيسى عبد من دون الله وكذا عزير والملائكة عبدت النصارى عيسى واليهود عزيرا وبنوا مليح الملائكة فضج الكفار وفرحوا فأنزل الله تعالى { إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون } يعنى عيسى وعزيرا والملائكة وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
تم بعون الله الجزء الأول ويليه الجزء الثاني وأوله
باب الهجرة الأولى
بسم الله الرحمن الرحيم & باب الهجرة الاولى الى أرض الحبشة وسبب رجوع من هاجر اليها من المسلمين الى مكة واسلام عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه
لما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نزل بالمسلمين من توالى الاذى عليهم من كفار قريش مع عدم قدرته على انقاذهم مما هم فيه قال لهم تفرقوا فى الارض فان الله تعالى سيجمعكم قالوا الى أين نذهب قال هاهنا وأشار بيده الى جهة أرض الحبشة قال وفى رواية قال لهم أخرجوا الى جهة أرض الحبشة فان بها ملكا لا يظلم عنده احد اي وهى أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه انتهى أى ويجوز أن يكون قال ذلك عند استفساره صلى الله عليه وسلم عن محل اشارته فقد جاء فى الحديث من فر بدينه من أرض الى ارض وان كان شبرا من الارض استوجب له الجنة وكان رفيق أبيه ابراهيم خليل الله ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم فهاجر اليها ناس ذو عدد مخافة الفتنة وفرارا الى الله تعالى بدينهم ومنهم من هاجر بأهله ومنهم من هاجر بنفسه فممن هاجر بأهله عثمان بن عفان رضى الله تعالى عنه هاجر ومعه زوجته رقية بنت النبى صلى الله عليه وسلم وكان أول خارج وقيل أول من هاجر الى الحبشة حاطب بن أبي عمرو وقيل سليط بن عمرو ولا ينافيهما قوله صلى الله عليه وسلم ان عثمان لاول من هاجر بأهله بعد لوط أى حيث قال انى مهاجر الى ربى فهاجر الى عمه ابراهيم الخليل ثم هاجرا عليهما الصلاة والسلام حتى أتيا حران ثم هاجرا الى أن نزل ابراهيم عليه الصلاة والسلام فلسطين ونزل لوط عليه الصلاة والسلام المؤتفكة
ووجه عدم المنافى أن كلا من حاطب وسليط يجوز أن يكون هاجر بغير أهله وكان مع رقية أم أيمن حاضنته صلى الله عليه وسلم وكانت رقية رضى الله تعالى عنها ذات جمال بارع وكذا عثمان رضى الله تعالى عنه ومن ثم كان النساء يغنينهما بقولهن ** أحسن شىء قد يرى انسان ** رقية وبعدها عثمان **
ومن ثم ذكر أنه صلى الله عليه وسلم بعث رجلا الى عثمان ورقية رضى الله تعالى عنهما فاحتبس عليه الرسول فلما جاء اليه قال له صلى الله عليه وسلم ان شئت أخبرتك ما حبسك قال نعم قال وقفت تنظر الى عثمان ورقية تعجب من حسنهما أى ومعلوم أن ذلك كان قبل اية الحجاب
ويذكر أن نفرا من الحبشة كانوا ينظرون اليها فتأذت من ذلك فدعت عليهم فقتلوا جميعا وقد جاء فى وصف حسن عثمان رضى الله تعالى عنه قوله صلى الله عليه وسلم قال لى جبريل ان أردت أن تنظر من أهل الارض شبيه يوسف الصديق فانظر الى عثمان بن عفان وسيأتى ذلك مع زيادة
وأبو سلمة هاجر ومعه زوجته أم سلمة أى وقيل هو أول من هاجر بأهله وهو مخالف للرواية السابقة أن عثمان أول من هاجر بأهله ويمكن أن تكون الاوليه فيه اضافية فلا ينافى ما سبق عن عثمان
وعامر بن ربيعة هاجر ومعه امرأته ليلى أى وعنها رضى الله تعالى عنها كان عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه من أشد الناس علينا فى اسلامنا فلما ركبت بعيرى أريد أن أتوجه الى أرض الحبشة اذا أنا بعمر بن الخطاب فقال لى الى أين يا أم عبدالله فقلت قد اذيتمونا في ديننا نذهب فى أرض الله حيث لا نؤذى فقال صحبكم الله ثم ذهب فجاء زوجى عامر فأخبرته بما رأيت من رقة عمر فقال ترجين أن يسلم عمر والله لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب أى استبعادا لما كان يرى من قسوته وشدته على أهل الاسلام وهذا دليل على أن اسلام عمر كان بعد الهجرة الاولى للحبشة وهو كذلك أى خلافا لمن قال انه كان تمام الاربعين من المسلمين أى ممن أسلم
وفيه أن المهاجرين الى أرض الحبشه كانوا فوق ثمانين كما قاله بعضهم اللهم الا أن يقال انه كان تمام الاربعين بعد خروج المهاجرين الى أرض الحبشة وربما يدل لذلك قول عائشة رضى الله تعالى عنها فى قصة الصديق وفى ضرب قريش له رضى الله تعالى عنه
لما قام خطيبا في المسجد الحرام وقد تقدمت حيث قالت وكان المسلمون تسعة وثلاثين رجلا لكن فى الرواية أنهم قاموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدار شهرا وهم تسعة وثلاثون رجلا وقد كان حمزة بن عبدالمطلب أسلم يوم ضرب أبو بكر فليتأمل
وفى لفظ عن أم عبد الله زوج عام قالت انا لنرحل الى أرض الحبشة وقد ذهب عامر تعنى زوجها الى بعض حاجته اذ أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف على وكنا نتقى منه الاذى والبلاء والشدة علينا فقال انه لخروج يا أم عبدالله فقلت والله لنخرجن الى أرض فقد اذيتمونا وقهرتمونا حتى يجعل الله لنا مخرجا وفرجا فقال صحبكم الله ورأيت له رقة لم أكن أراها ثم انصرف وتفرست فيه حزنا لخروجنا وقلت لعامر يا أبا عبدالله لو رأيت ما وقع من عمر وذكرت ما تقدم
وممن هاجر أبو سبرة وهو أخو أبى سلمة رضى اله تعالى عنهما لامه أمهما برة بنت عبدالمطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم هاجر ومعه امرأته أم كلثوم
وممن هاجر بنفسه عبدالرحمن بن عوف وعثمان بن مظعون رضى الله تعالى عنهما أى وكان أميرا عليهم كما قيل وجزم به ابن المحدث فى سيرته وقال الزهرى لم يكن لهم أمير وسهيل بن البيضاء أى والزبير بن العوام وعبدالله بن مسعود رضى الله تعالى عنهم وقيل انما كان عبدالله بن مسعود فى الهجرة الثانية فخرجوا سرا أى متسللين منهم الراكب ومنهم الماشى حتى انتهوا الى البحر فوفق الله تعالى لهم سفينتين للتجار حملوهم فيهما بنصف دينار أى وفى المواهب وخرجوا مشاة الى البحر فاستأجروا سفينة بنصف دينار هذا كلامه فليتأمل
وكان مخرجهم فى رجب من السنة الخامسة من النبوة فخرجت قريش فى اثارهم حتى جاءوا الى البحر لم يجدوا أحدا منهم ولعل خروجهم سرا لا ينافيه ما تقدم عن ليلى امرأة عامر بن ربيعة من سؤال عمر لها واخبارها له بأنها تريد أرض الحبشة فلما وصلوا الى أرض الحبشة نزلوا بخير دار عند خير جار فمكثوا فى أرض الحبشة بقية رجب وشعبان الى رمضان فلما كان شهر رمضان قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على المشركين سورة { والنجم إذا هوى } أى وقد أنزلت عليه فى ذلك الوقت ففى كلام بعضهم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما مع المشركين وأنزل الله تعالى عليه سورة { والنجم إذا هوى } فقرأها عليهم حتى اذا بلغ { أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى }
وسوس اليه الشيطان بكلمتين فتكلم بهما ظانا أنهما من جملة ما أوحى اليه وهما تلك الغرانيق العلى أى الاصنام وان شفاعتهن لترتجى وفى لفظ لهى التى ترتجى شبهت الاصنام بالغرانيق التى هى طير الماء جمع غرنوق بكسر الغين المعجمه واسكان الراء ثم نون مفتوحة أو غرنوق بضم الغين والنون أيضا أو غرنوق بضم الغين وفتح النون وهو طير طويل العنق وهو الكركى أو يشبهه ووجه الشبه بين الاصنام وتلك الطيور أن تلك الطيور تعلو وترتفع فى السماء فالاصنام شبهت بها فى علو القدر وارتفاعه ثم مضى يقرأ السورة حتى بلغ السجدة فسجد وسجد القوم جميعا أى المسلمون والمشركون
أقول قال بعضهم ولم يكن المسلمون سمعوا الذى ألقى الشيطان وانما سمع ذلك المشركون فسجدوا لتعظيم الهتهم ومن ثم عجب المسلمون من سجود المشركين معهم من غير ايمان
قال بعضهم والنجم هى أول سورة نزل فيها سجدة أى أول سورة نزلت جملة كاملة فيها سجدة فلا ينافى أن { اقرأ باسم ربك } سورة نزلت فيها سجدة لان النازل منها أوائلها كما علمت
وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم قرأ يوما { اقرأ باسم ربك } فسجد في اخرها وسجد معه المؤمنون فقام المشركون على رءوسهم يصفقون
وقد روى أبو هريرة رضى الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم سجد في النجم أى غير سجدته المتقدمة التى سجد معه المشركون ومجموع ذلك يرد حديث ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه صلى الله عليه وسلم لم يسجد فى شىء من المفصل قبل أن يتحول الى المدينة لان سورة النجم من المفصل لان عند أئمتنا أن أول المفصل الحجرات على الراجح من أقوال عشرة
لا يقال لعل ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ممن يرى أن النجم ليس من المفصل لانا نقول { اقرأ باسم ربك } من المفصل اتفاقا وعلى ما قال أئمتنا يكون فى المفصل ثلاث سجدات في النجم والانشقاق { اقرأ باسم ربك } وهى أى النجم أول سورة أعلنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة
وذكر الحافظ الدمياطى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان رأى من قومه كفا عنه أى تركا وعدم تعرض له فجلس خاليا فتمنى فقال ليته لم ينزل على شىء ينفرهم عنى وفى رواية تمنى أن ينزل عليه ما يقارب بينه وبينهم حرصا على اسلامهم وقارب رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه ودنا منهم ودنوا منه فجلس يوما مجلسا فى ناد من تلك الاندية حول الكعبة فقرأ عليهم { والنجم إذا هوى } الى اخر ما تقدم والله أعلم
ومن جملة من كان مع المشركين حينئذ الوليد بن المغيرة لكنه رفع ترابا الى جبهته فسجد عليه لانه كان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود
وقيل الذى فعل ذلك سعيد بن العاص ويقال كلاهما فعل ذلك وقيل الفاعل لذلك أمية بن خلف وصحح وقيل عتبة بن ربيعة وقيل أبو لهب وقيل المطلب
وقد يقال لا مانع أن يكونوا فعلوا ذلك جميعا بعضهم فعل ذلك تكبرا وبعضهم فعل ذلك عجزا وممن فعل ذلك تكبرا أبو لهب فقد جاء وفيها سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وسجد معه المؤمنون والمشركون والجن والانس غير أبى لهب فانه رفع حفنة من تراب الى جبهته وقال يكفى هذا
ولا يخالف ذلك مانقل عن ابن مسعود ولقد رأيت الرجل أى الفاعل لذلك قتل كافرا لانه يجوز أن يكون المراد بقتل مات فعند ذلك قال المشركون له صلى الله عليه وسلم قد عرفنا أن الله تعالى يحيى ويميت ويخلق ويرزق ولكن الهتنا هذه تشفع لنا عنده فأما اذا جعلت لنا نصيبا فنحن معك فكبر ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس فى البيت
وفيه أنه كيف يكبر عليه صلى الله عليه وسلم ذلك مع أنه موافق لما تمناه من أن الله ينزل عليه ما يقارب بينه وبين المشركين حرصا على اسلامهم المتقدم ذلك عن سيرة الدمياطى الا أن يقال هذا كان بعد ما عرض السورة على جبريل وقال له ما جئتك بهاتين الكلمتين المذكور ذلك فى قولنا فلما أمسى صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل فعرض عليه السورة وذكر الكلمتين فيها فقال له جبريل ما جئتك بهاتين الكلمتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت على الله ما لم يقل أى فكبر عليه ذلك فأوحى الله تعالى اليه ما فى سورة الاسراء { وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره } بموافقتك لهم على مدح الهتهم بما لم نرسل به اليك { وإذا } لو فعلت أى دمت عليه { لاتخذوك خليلا } الى قوله { ثم لا تجد لك علينا نصيرا } أى مانعا يمنع العذاب عنك وهذا يدل لما تقدم أنه تكلم بذلك ظانا أنه من جملة ما أوحى اليه
وقيل نزل ذلك لما قال له اليهود حسدا له صلى الله عليه وسلم على اقامته بالمدينة لئن كنت نبيا فالحق بالشام لانها أرض الانبياء حتى نؤمن بك فوقع ذلك فى قلبه فخرج برحله فنزلت فرجع أى بدليل ما بعدها وقيل ان التى بعدها نزلت فى أهل مكة
وقيل ان اية { وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك } نزلت في ثقيف قالوا لاندخل فى أمرك حتى تعطينا خلالا نفتخر بها على العرب لا نعشر ولا نحشر ولا ننحنى في صلاتنا وكل ربا لنا فهو لنا وكل ربا علينا فهو موضوع عنا وأن تمتعنا باللات سنة وأن تحرم وادينا كما حرمت مكة فان قالت العرب لم فعلت ذلك فقل ان الله أمرنى
وقيل نزلت فى قريش قالوا لا نمكنك من استلام الحجر حتى تلم بالهتنا وتمسها بيدك
وقد يدعى أن هذا مما تعدد أسباب نزوله والقاضى البيضاوى اقتصر على ما عدا الاول والله أعلم
قال وقيل ان هاتين الكلمتين لم يتكلم بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وانما ارتصد الشيطان سكتة عند قوله الاخرى فقالهما محاكيا نغمته صلى الله عليه وسلم فظنهما النبى صلى الله عليه وسلم كما فى شرح المواقف ومن سمعه أنهما من قوله صلى الله عليه وسلم أى حتى قال قلت على الله ما لم يقل وتباشر بذلك المشركون وقالوا ان محمدا قد رجع الى ديننا أى دين قومه حتى ذكر أن الهتنا لتشفع لنا وعند ذلك أنزل الله تعالى قوله { وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته } أى قراءته ما ليس من القران أى مما يرضاه المرسل اليهم وفى البخارى اذا حدث ألقى الشيطان فى حديثه فينسخ الله ما يلقى الشيطان يبطله ثم يحكم الله اياته أى يثبتها والله عليم بالقاء الشيطان ما ذكر حكيم فى تمكينه من ذلك يفعل ما يشاء ليميز به الثابت على الايمان من المتزلزل فيه ولم أقف على بيان أحد من الانبياء والمرسلين وقع له مثل ذلك
وفيه كيف يجترىء الشيطان على التكلم بشىء من الوحى ومن ثم قيل هذه القصة طعن فى صحتها جمع وقالوا انها باطلة وضعها الزنادقة أى ومن ثم أسقطها القاضى البيضاوى ومن جملة المنكرين لها القاضى عياض فقد قال هذا الحديث لم يخرجه أحد من أهل الصحة ولا رواه ثقة بسند سليم متصل وانما أولع به المفسرون المؤرخون المولعون بكل غريب أى وقال البيهقى رواة هذه القصة كلهم مطعون فيهم وقال الامام النووى نقلا عنه
وأما ما يرويه الاخباريون والمفسرون أن سبب سجود المشركين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جرى على لسانه من الثناء على الهتهم فباطل لا يصح منه شىء لا من جهة النقل ولا من جهة العقل لان مدح اله غير الله كفر ولا يصح نسبة ذلك الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أن يقوله الشيطان على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يصح تسليط الشيطان على ذلك أى وألا يلزم عدم الوثوق بالوحى
وقال الفخر الرازى هذه القصة باطلة موضوعة لا يجوز القول بها قال الله تعالى { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى } أى الشيطان لايجترىء أن ينطق بشىء من الوحى وقال بصحتها جمع منهم خاتمة الحفاظ الشهاب ابن حجر وقال رد عياض لافائدة فيه ولا يعول عليه هذا كلامه وفشا أمر تلك السجدة فى الناس حتى بلغ أرض الحبشة أن أهل مكة أى عضماءهم قد سجدوا وأسلموا حتى الوليد بن المغيرة وسعيد بن العاص
وفى كلام بعضهم والناقل لاسلامه أنه لما رأى المشركين قد سجدوا متابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم اعتقد أنهم أسلموا واصطلحوا معه ولم يبق نزاع معهم فطار الخبر بذلك وانتشر حتى بلغ مهاجرة الحبشة فظنوا صحة ذلك فقال المهاجرون بها من بقي بمكة اذا أسلم هؤلاء عشائرنا أحب الينا فخرجوا أى خرج جماعة منهم من أرض الحبشة راجعين الى مكة أى وكانوا ثلاثة وثلاثين رجلا منهم عثمان بن عفان والزبير ابن العوام وعثمان بن مظعون وذلك فى شوال حتى اذا كانوا دون مكة ساعة من نهار لقوا ركبا فسألوهم عن قريش فقال الركب ذكر محمد الهتهم بخير فتابعه الملاء ثم عاد لشتم الهتهم وعادوا له بالشر وتركناهم على ذلك فائتمر القوم فى الرجوع الى أرض الحبشة ثم قالوا قد بلغنا مكة فندخل ننظر مافيه قريش ويحدث عهدا من أراد بأهله ثم نرجع فدخلوا مكة أى بعضهم بجوار وبعضهم مستخفيا
قال فى الامتاع ويقال ان رجوع من كان مهاجرا بالحبشة الى مكة كان بعد الخروج من الشعب هذا كلامه وفيه نظر ظاهر ويرشد اليه التبرى لانهم مكثوا فى الشعب ثلاث سنين او سنتين ومكث هؤلاء عند النجاشى حينئذ كان دون ثلاثة أشهر كما علمت وأيضا الهجرة الثانية للحبشة انما كانت بعد دخول الشعب كما سيأتى
قال فى الاصل ولم يدخل أحد مهم الا بجوار الا ابن مسعود فانه مكث يسيرا ثم رجع الى أرض الحبشة
أى وهذا من صاحب الاصل تصريح بأن ابن مسعود كان فى الهجرة الاولى وهو موافق فى ذلك لشيخه الحافظ الدمياطى لكن الحافظ الدمياطى جزم بأن ابن مسعود كان فى الهجرة الاولى ولم يحك خلافا وصاحب الاصل حكى خلافا أنه لم يكن فيها وبه جزم ابن اسحاق حيث قال ان ابن مسعود انما كان فى الهجرة الثانية فكان ينبغى للاصل أن يقول على ما تقدم
هذا وفى كلام بعضهم فلم يدخل أحد منهم مكة الا مستخفيا ولكهم دخلوا مكة الا عبدالله بن مسعود فانه رجع الى أرض الحبشة
وقد يقال لما لم يطل مكث ابن مسعود بمكة ظن به أنه لم يدخلها فلا ينافى ما سبق ويجوز أن يكون أكثرهم دخل مكة بلا جوار فأطلقوا على الكل أنهم دخلوا مستخفين فلا يخالف ماسبق أيضا ولما رجعوا لقوا من المشركين أشد ما عهدوا
قال وممن دخل بجوار عثمان بن مظعون دخل فى جوار الوليد بن المغيره ولما رأى ما يفعل بالمسلمين من الاذى قال والله ان غدوى ورواحى امنا بجوار رجل من أهل الشرك وأصحابي وأهل دينى يلقون من الاذى فى الله مالا يصيبنى لنقص كبير فمشى الى الوليد فقال يا أبا عبدشمس وفت ذمتك وقد رددت اليك جوارك قال له يا ابن أخى لعله اذاك أحد من قومى وأنت فى ذمتى فأكفيك ذلك قال لا والله ما اعترض لى أحد ولا اذانى ولكن أرضى بجوار الله عز وجل وأريد أن لا أستجير بغيره قال انطلق الى المسجد فاردد الى جوارى علانية كما أجرتك علانية فانطلقا حتى أتيا المسجد فقال الوليد هذا عثمان قد جاء يرد على جوارى فقال عثمان صدق وقد وجدته وفيا كريم الجوار ولكنى لا أستجير بغير الله عزوجل قد رددت عليه جواره فقال الوليد أشهدكم أنى برىء من جواره الا أن يشاء ثم انصرف عثمان ولبيد بن ربيعة بن مالك فى مجلس من قريش ينشدهم قبل اسلامه فجلس عثمان معهم فقال لبيد ألا كل شىء ما خلا الله باطل فقال عثمان صدقت فقال لبيد وكل نعيم لا محالة زائل فقال عثمان كذبت نعيم الجنة لا يزول فقال لبيد يا معشر قريش ما كان يؤذى جليسكم فمتى حدث هذا فيكم فقال رجل من القوم ان هذا سفيه فمن سفاهته فارق ديننا فلا
تجدن فى نفسك من قوله فرد عليه عثمان فقام ذلك الرجل فلطم عينه والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان فقال أما والله يا ابن أخى كانت عينك عما أصابها لغنية ولقد كنت فى ذمة منيعة فخرجت منها وكنت عن الذى لقيت غنيا فقال عثمان رضى الله تعالى عنه بل كنت الى الذى لقيت فقيرا والله ان عينى الصحيحة التى لم تلطم لفقيرة الى مثل ما أصاب أختها فى الله عز وجل ولى فيمن هو أحب الى منكم أسوة وانى لفى جوار من هو أعز منك انتهى فعثمان فهم أن لبيدا أراد بالنعيم ما هو شامل لنعيم الاخرة ومن ثم قال له نعيم الجنة لا يزول لا يقال لولا أن لبيدا يريد مطلق النعيم الشامل لنعيم الاخرة لما تشوش من الرد عليه لانا نقول يجوز أن يكون تشوشه من مشافهة عثمان له بقوله كذبت
على أن هذا السياق دال على أن لبيدا قال هذا الشعر قبل اسلامه ويؤيده ما قيل أكثر أهل الاخبار على أن لبيدا لم يقل شعرا منذ أسلم وبه يرد ما فى الاستيعاب أن هذا أى قوله أ لا كل شىء الى اخره شعر حسن فيه ما يدل على أنه قاله فى الاسلام وكذلك قوله ** وكل امرىء يوما سيعلم سعيه ** اذا كشفت عند الاله المحاصل **
وقد يقال لا يلزم من قوله المذكور الذى لا يصدر غالبا الا عن مسلم أن يكون قاله فى حال اسلامه كما وقع لامية بن أبى الصلت حيث قال فى شعره ما لايقوله الا مسلم مع كفره ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم فيه امن شعره وكفر قلبه وفى رواية كاد يسلم
وذكر محيى الدين بن العربى فى قوله صلى الله عليه وسلم أصدق بيت قالته العرب وفى رواية أشعر كلمة تكلمت بها العرب كلمة لبيد ألا كل شىء ما خلا الله باطل
اعلم أن الموجودات كلها وان وصفت بالباطل فهى حق من حيث الوجود ولكن سلطان المقام اذا غلب على صاحبه يرى ما سوى الله تعالى باطلا من حيث انه ليس له وجود من ذاته فحكمه حكم العدم وهذا معنى قول بعضهم قوله باطل أى كالباطل لان العالم قائم بالله تعالى لا بنفسه فهو من هذا الوجه باطل والعارف اذا وصل الى مقامات القرب فى بداية عرفانه ربما تلاشت هذه الكائنات وحجب عن شهودها بشهود الحق لا أنها زالت من الوجود بالكلية ثم اذا كمل عرفانه يشهد الحق تعالى
والخلق معا فى ان واحد وما كل أحد يصل الى هذا المقام فان غالب الناس ان شهد الحق لم يشهد الخلق وان شهد الخلق لم يشهد الحق كما تقدم عند الكلام على الوحدة أنه لا يدركها الا من أدرك اجتماع الضدين ولعل من المشهد الاول قول الاستاذ الشيخ أبى الحسن البكرى رضى الله تعالى عنه أستغفر الله مما سوى الله لان الباطل يستغفر من اثبات وجوده لذاته
ويوافق قول أكثر أهل الاخبار قول السهيلى وأسلم لبيد وحسن اسلامه وعاش فى الاسلام ستين سنة لم يقل فيها بيت شعر فسأله عمر رضى الله تعالى عنه أى فى خلافته عن تركه للشعر فقال ما كنت لاقول شعرا بعد أن علمنى الله تعالى البقرة وال عمران فزاده عمر فى عطائه خمسمائة من أجل هذا القول فكان عطاؤه ألفين وخمسمائة وقيل انه قال بيتا واحدا فى الاسلام وهو ** الحمد لله الذى لم يأتنى أجلى ** حتى اكتسيت من الاسلام سربالا ** قال وممن دخل بجوار أبو سلمة بن عبد الاسد ابن عمته صلى الله عليه وسلم فانه دخل فى جوار خاله أبى طالب ولما أجاره مشى اليه رجال من بنى مخزوم فقالوا يا أبا طالب منعت منا ابن أختك فمالك ولصاحبنا تمنعه منا فقال انه استجار بى وهو ابن أختى وأنا ان لم أمنع ابن أختى لم أمنع ابن أخى فقام أبو لهب على أولئك الرجال وقال لهم يا معشر قريش لا تزالون تعارضون هذا الشيخ فى جواره من قومه والله لتنتهن أو لاقومن معه فى كل مقام يقوم فيه حتى يبلغ ما أراد قالوا بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة أى لانه كان لهم وليا وناصرا على رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى أى وطمع أبو طالب فى أبى لهب حيث سمعه يقول ما ذكر ورجا أن يقوم معه فى شأنه صلى الله عليه وسلم وأنشد أبياتا يحرضه فيها على نصرته صلى الله عليه وسلم
وممن أوذى فى الله بعد اسلامه ووقع له نظير ما وقع لعثمان بن مظعون رضى الله عنه عمر بن الخطاب
وسبب اسلامه على ما حدث به بعضهم قال قال لنا عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه أتحبون أن أعلمكم كيف كان بدء اسلامى أى ابتداؤه والسبب فيه قلنا نعم قال كنت من أشد الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبينا أنا فى يوم حار شديد الحر بالهاجرة فى بعض طرق مكة اذ لقينى رجل من قريش أى وهو نعيم بن عبدالله
النحام بالحاء المهملة قيل له ذلك لانه صلى الله عليه وسلم قال فيه لقد سمعت نحمته فى الجنة أى صوته وحسه كان يخفى اسلامه خوفا من قومه وأخبرنى أن أختى يعنى أم جميل واسمها فاطمة كما تقدم وقيل زينب وقيل امنة قد صبئت أى أسلمت وكذا زوجها وهو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وهو ابن عم عمر وكانت أخت سعيد عاتكة تحت عمر فرجعت مغضبا وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجمع الرجل والرجلين اذا أسلما عند الرجل به قوة يكونان معه يصيبان من طعامه وقد ضم الى زوج أختى رجلين ممن أسلم أى أحدهما خباب بن الارت بالمثناة فوق والاخر لم أقف على اسمه
وفى السيرة الهشامية الاقتصار على خباب وأنه كان يختلف اليهما ليعلمهما القران فجئت حتى قرعت الباب فقيل لى من بالباب قلت ابن الخطاب وكان القوم جلوسا يقرءون صحيفة معهم فلما سمعوا صوتى تبادروا أى واستخفوا ونسوا الصحيفة فقامت المراة يعنى أخته ففتحت لى فقلت لها يا عدوة نفسها قد بلغنى أنك قد صبوت وضربتها بشىء كان فى يدى فسال الدم فلما رات الدم بكت وقالت يا ابن الخطاب ما كنت فاعلا فافعل فقد أسلمت فدخلت وجلست على السرير فنظرت فاذا بالصحيفة فى ناحية من البيت فقلت ما هذا الكتاب اعطينيه أى فان عمر كان كاتبا فقالت لا أعطيكه لست من أهله أنت لا تغتسل من الجنابة و لا تتطهر وهذا لا يمسه الا المطهرون فلم أزل حتى أعطتنيه أى بعد أن اغتسل كما فى بعض الروايات وفي بعض الروايات قالت له يا أخى انك نجس على شركك فانه لا يمسه الا المطهرون وقولها لا تغتسل من الجنابة ربما يخالف قول بعضهم ان أهل الجاهلية كانوا يغتسلون من الجنابة وكون عمر كان يخالفهم فى ذلك من البعيد وكون هذا منها يحمل على أنه لم يغتسل غسلا يعتد به يخالفه ما تقدم عن بعض الروايات أنه لما اغتسل دفعت له تلك الرقعة وفى لفظ قالت له انا نخشاك عليها قال لا تخافى وحلف لها بالهته ليردنها اذا قرأها فدفعتها له أى وطمعت فى اسلامه فاذا فيها { بسم الله الرحمن الرحيم } قال فلما مررت على { بسم الله الرحمن الرحيم } ذعرت أى فزعت ورميت الصحيفة من يدى ثم رجعت الى نفسى فأخذتها فاذا فيها { سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم } فكلما مررت باسم من أسمائه عزوجل ذعرت أى فألقيها ثم ترجع الى نفسى
فاخذها حتى بلغت { آمنوا بالله ورسوله } الى قوله تعالى { إن كنتم مؤمنين } فقلت أشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله فخرج القوم يتبادرون بالتكبير استبشارا بما سمعوا منى وحمدوا الله عزوجل ثم قالوا يا ابن الخطاب أبشر فان رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا فقال اللهم أعز الاسلام وفى لفظ أيد الاسلام بأحد الرجلين اما بأبي جهل بن هشام واما بعمر بن الخطاب أى وفى لفظ بأحب هذين الرجلين اليك أبى الحكم عمرو بن هشام يعنى أبا جهل وعمر بن الخطاب أى وفى غير ما رواية بعمر ابن الخطاب من غير ذكر أبى جهل
وعن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت انما قال صلى الله عليه وسلم اللهم أعز عمر بالاسلام لان الاسلام يعز ولا يعز ولعل قول عائشة ما ذكر نشأ عن اجتهاد منها بدليل تعليلها واستبعادها أن يعز الاسلام بعمر فليتأمل وكان دعاؤه صلى الله عليه وسلم بذلك يوم الاربعاء فأسلم عمر يوم الخميس قال عمر رضى الله تعالى عنه فلما عرفوا منى الصدق قلت لهم أخبرونى بمكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا هو فى بيت بأسفل الصفا ووصفوه أى وهى دار الارقم فخرجت وفى رواية أن عمر قال ياخباب انطلق بنا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام خباب وابن عمه سعيد معه قال عمر لما قرعت الباب قيل من هذا قلت ابن الخطاب فما اجترأ أحد أن يفتح لى الباب لما عرفوه من شدتى على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعلموا اسلامى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم افتحوا له فان يرد الله به خيرا يهده وفى لفظ يهديه باثبات الياء وهى لغة ففتحوا لى أى والذى أذن فى دخوله حمزة بن عبدالمطلب رضى الله تعالى عنه فان اسلام عمر كان بعد اسلام حمزة بثلاثة أيام وقيل بثلاثة أشهر وكان اسلام عمر وهو ابن ست وعشرين سنة قال وأخذ رجلان بعضدى حى دنوت من النبى صلى الله عليه وسلم فقال أرسلوه فارسلونى فجلست بين يديه صلى الله عليه وسلم فاخذ بمجامع قميصى فجذبني اليه ثم قال أسلم يا ابن الخطاب اللهم اهده فقلت أشهد أن لا اله الا الله وأنك رسول الله فكبر المسلمون تكبيرة سمعت بطرف مكة
أى وفى الاوسط للطبرانى ورواه الحاكم باسناد حسن عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب صدر عمر بيده حين أسلم ثلاث مرات وهو يقول اللهم
أخرج ما فى صدر عمر من غل وأبدله ايمانا أى ولعل خبابا وسعيدا لم يدخلا معه والا لبشرا باسلام عمر
وفى رواية لما ضرب الباب وسمعوا صوته قام رجل فنظر من خلل الباب فراه متوشحا سيفه أى ولم ير معه خبابا ولا سعيدا فرجع الى النبى صلى الله عليه وسلم وهو فزع فقال يا رسول الله هذا عمر بن الخطاب متوشحا سيفه نعوذ بالله من شره فقال حمزه بن عبدالمطلب فائذن له فان كان جاء يريد خيرا بذلنا له وان كان جاء يريد شرا قتلناه بسيفه
وفى لفظ أنه صلى الله عليه وسلم قال ان جاء بخير قبلناه وان جاء بشر قتلناه وفى لفظ ان يرد بعمر خير يسلم وان يرد غير ذلك يكن قتله علينا هينا ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ائذن له فاذن له الرجل ونهض اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقيه فى صحن الدار فأخذ بحجزته وجذبه جذبة شديدة وقال ما جاء بك يا بان الخطاب فو الله ما أدرى أن تنتهى حتى ينزل الله بك قارعة وفى لفظ أخذ بمجامع ثوبه وحمائل سيفه وقال ما أنت منته ياعمر حتى ينزل الله بك من الخزى والنكال ما أنزل الله بالوليد بن المغيرة أى أحد المستهزئين به صلى الله عليه وسلم كما تقدم فقال يارسول الله جئت لأومن بالله ورسوله أشهد أنك رسول الله وفى رواية ( أشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبيره عرفت وفى رواية سمعها أهل المسجد
وفى رواية لما جاء دفع الباب فوجد بلالا وراء الباب فقال بلال من هذا فقال عمر بن الخطاب فقال حتى أستأذن لك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بلال يا رسول الله عمر بالباب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يرد الله به خيرا أدخله فى الدين فقال لبلال افتح له وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بضبعه فهزه
وفى رواية أخذ ساعده وانتهره فارتعد عمر هيبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس وفى لفظ أخذ بمجامع ثيابه ثم نتره نترة فما تمالك عمر أن وقع على ركبتيه فقال صلى الله عليه وسلم الله اللهم هذا عمر بن الخطاب اللهم أعز الاسلام بعمر بن الخطاب ما الذى تريد وما الذى جئت له فقال عمر اعرض على الذى تدعو اليه
فقال تشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله فأسلم عمر مكانه
أقول ولا ينافى هذا ما تقدم من اسلامه واتيانه بالشهادتين فى بيت اخته قبل خروجه اليه صلى الله عليه وسلم وقوله ولم يعلموا اسلامى لانه يجوز أن يكون مراده بقوله جئت لأومن جئت لاظهر ايمانى عندك وعند أصحابك وعند ذلك قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلم يا ابن الخطاب الى اخره وقوله للنبى صلى الله عليه وسلم اعرض على الذى تدعو اليه يجوز أن يكون عمر جوز أن الذى يدعو اليه ويصير به المسلم مسلما أخص مما نطق به من الشهادتين والله أعلم قال عمر وأحببت أن يظهر اسلامى وأن يصيبنى ما يصيب من أسلم من الضرر والاهانة فذهبت الى خالى وكان شريفا فى قريش وأعلمته أنى صبوت أى وهو أبو جهل
وقد جاء فى بعض الروايات قال عمر لما أسلمت تذكرت أى أهل مكة أشد لرسول الله صلى الله عليه وسلم عداوة حتى اتيه فأخبره أنى قد أسلمت فذكرت أبا جهل فجئت له فدققت عليه الباب فقال من بالباب قلت عمر بن الخطاب فخرج الى فقال مرحبا وأهلا يا ابن أختى ما جاء بك قلت جئت لاخبرك وفى لفظ لابشرك ببشارة فقال أبو جهل وما هى يا ابن أختى فقلت انى قد امنت بالله وبرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وصدقت ما جاء به فضرب الباب فى وجهى أى أغلقه وهو بمعنى أجاف الباب كما فى بعض الروايات وقال قبحك الله وقبح ما جئت به أى وانما كان أبو جهل خال عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه قيل لان أم عمر أخت أبى جهل وقيل لان أم عمر بنت هشام بن المغيرة والد أبى جهل فأبو جهل خال أم عمر وقيل ان أم عمر بنت عم أبى جهل وصححه ابن عبد البر وعصبة الام أخوال الابن قال عمر وجئت رجلا اخر من عظماء قريش وأعلمته أنى صبوت فم يصبنى منها شىء فقال لى رجل تحب أن يعلم اسلامك قلت نعم قال اذا جلس الناس يعنى قريشا فى الحجر واجتمعوا فائت فلانا لشخص كان لا يكتم السر وهو جميل بن معمر رضى الله عنه أسلم يوم الفتح وشهد مع النبى صلى الله عليه وسلم حنينا وكان يسمى ذا القلبين وفيه نزلت { ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه } ومات فى خلافة عمر رضى الله تعالى عنه وحزن عليه عمر حزنا شديدا فقل له فيما بينك وبينه اني قد صبوت قال فلما اجتمعت الناس فى الحجر جئت الرجل فدنوت منه واخبرته فرفع صوته بأعلاه فقال
الا ان عمر بن الخطاب قد صبأ فما زال الناس يضربونى وأضربهم فقام خالى يعنى أباجهل على الحجر فأشار بكمه وقال ألا انى أجرت ابن اختى فانكشف الناس عنى فصرت أى بعد ذلك أرى الواحد من المسلمين يضرب وأنا لا أضرب فقلت ما هذا بشىء حتى يصيبنى ما يصيب المسلمين فأمهلت حتى جلس الناس فى الحجر وصلت الى خالى وقلت له جوارك عليك رد فقال لا تفعل يا ابن أختى فقلت بل هو ذاك فمازلت أضرب وأضرب حتى أعز الله الاسلام
أى وفى السيرة الهشامية بينما القوم يقاتلونه ويقاتلهم اذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى حتى وقف عليه أى وهو العاص بن وائل فقال ويلكم ما شأنكم قالوا صبأ عمر قال فمه رجل اختار لنفسه أمرا فماذا تريدون أترون بنى عدى بن كعب مسلمين لكم صاحبهم هكذا خلوا عن الرجل فانفرجوا عنه كأنهم ثوب كشط عنه
أى وفى البخارى لما أسلم عمر اجتمع الناس عند داره وقالوا صبأ عمر فبينما عمر في داره خائفا اذ جاءه العاص بن وائل فقال له مالك قال زعم قومك أنهم سيقتلونى ان أسلمت أى اذ أسلمت قال أمنت لا سبيل اليك فخرج العاص فلقى الناس قد سال بهم الوادى فقال أين تريدون فقالوا نريد هذا عمر بن الخطاب الذى صبأ قال لا سبيل اليه فأنا له جار فكسر الناس وتصدعوا عنه أى ويذكر أن عتبة بن ربيعة وثب عليه فالقاه عمر الى الارض وبرك عليه وجعل يضربه وأدخل أصبعيه في عينيه فجعل عتبة يصيح وصار لا يدنو منه أحد الا أخذ بشرا سيفه وهى أطراف أضلاعه
وعن عمر رضى الله تعالى عنه فى سبب اسلامه قال خرجت أتعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن أسلم فوجدته قد سبقنى الى المسجد فقمت خلفه فاستفتح بسورة الحاقة فجعلت أتعجب من تأليف القران فقلت هذا والله شاعر كما قالت قريش فقرأ { إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون } قال قلت كاهن علم ما فى نفسى فقرأ { ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون } الى اخر السورة فوقع الاسلام فى قلبى كل موقع
أى ومن ذلك ما فى السيرة الهشامية عن عمر رضى الله تعالى عنه قال جئت المسجد
أريد أن أطوف بالكعبة فاذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلى وكان اذا صلى استقبل الشام أى صخرة بيت المقدس وجعل الكعبة بينه وبين الشام فكان مصلاه بين الركن الاسود والركن اليمانى أى لانه لايكون مستقبلا لبيت المقدس الا حينئذ كما تقدم قال فقلت حين رأيته صلى الله عليه وسلم لو أنى استمعت لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول قال فقلت لئن دنوت منه أستمع لاروعنه فجئت من قبل الحجر فدخلت تحت ثيابها يعنى الكعبة فجعلت أمشى رويدا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلى فقرأ صلى الله عليه وسلم الرحمن حتى قمت فى قبلته مستقبله ما بينى وبينه الا ثياب الكعبة فلما سمعت القران رق له قلبى فبكيت ودخلنى الاسلام فلم أزل قائما فى مكانى ذلك حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته ثم انصرف فتبعته فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حسى عرفنى وظن أنما تبعته لاوذيه فنهمنى أى زجرني ثم قال ما جاء بك يا ابن الخطاب هذه الساعة قلت جئت لأومن بالله ورسوله وبما جاء من عند الله وفى رواية ضرب أختى المخاض ليلا فخرجت من البيت فدخلت فى أستار الكعبة فجاء النبى صلى الله عليه وسلم فدخل الحجر فصلى فيه ماشاء الله ثم انصرف فسمعت شيئا لم أسمع مثله فخرج فاتبعته فقال من هذا قلت عمر قال ياعمر ماتدعنى لا ليلا ولا نهارا فخشيت أن يدعو على فقلت أشهد أن لا اله الا الله وأنك رسول الله فقال يا عمر أتسره قلت لا والذى بعثك بالحق لاعلننه كما أعلنت الشرك فحمد الله تعالى ثم قال هداك الله يا عمر ثم مسح صدرى ودعا لى بالثبات ثم انصرفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل بيته
أى ويحتاج للجمع بين هذه الروايات على تقدير صحتها ثم رأيت العلامة ابن حجر الهيتمى قال ويمكن الجمع بتعداد الواقعة قبل اسلامه هذا كلامه ليتأمل مافيه
قال ومن ذلك أى مما كان سببا لاسلام عمر أن أبا جهل بن هشام قال يا مشعر قريش ان محمدا قد شتم الهتكم وسفه أحلامكم وزعم أن من مضى من أسلافكم يتهافتون فى النار ألا ومن قتل محمدا فله على مائة ناقة حمراء وسوداء وألف أوقية من فضة أى وفى لفظ جعلوا لم يقتله كذا وكذا أوقية من الذهب وكذا كذا أوقية من الفضة وكذا كذا نافجة من المسك وكذا كذا ثوبا وغير ذلك فقال عمر أنا لها فقالوا له أنت لها ياعمر وتعاهد معهم على ذلك قال عمر فخرجت متقلدا سيفى متنكبا كنانتى
أى جعلتها فى منكبى أريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررت على عجل يذبح فسمعت من جوفه صوتا يقول يا ال ذريح صائح يصيح بلسان فصيح يدعو الى شهادة أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله فقلت فى نفسى ان هذا الامر لا يراد به الا أنت وذريح اسم للعجل المذبوح وقيل له ذلك من أجل الدم لان الذريح شديد الحمرة يقال أحمر ذريحى أى شديد الحمرة ثم مر برجل أسلم وكان يكتم اسلامه خوفا من قومه يقال له نعيم أى ابن عبدالله النحام كما تقدم فقال له أين تذهب يا ابن الخطاب فقال أريد هذا الصابى الذى فرق أمر قريش وسفه أحلامها وسب الهتها فأقتله فقال له نعيم والله لقد غرتك نفسك أترى بنى عبدمناف تاركيك تمشى على وجه الارض وقد قتلت محمدا فلا ترجع الى أهل بيتك فتقيم أمرهم قال وأى أهل بيتى قال ختنك أى زوج أختك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وأختك قد أسلما فعليك وانما فعل ذلك نعيم ليصرفه عن أذية رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل الذى لقيه سعد بن أبى وقاص فقال له أين تريد يا عمر فقال أريد أن أقتل محمدا قال له أنت أصغر وأحقر من ذلك تريد أن تقتل محمدا وتدعك بنو عبدمناف أن تمشى على الارض فقال له عمر ما أراك الا وقد صبأت فأبدأ بك فاقتلك فقال سعد أشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا رسول الله فسل عمر سيفه وسل سعد سيفه وشد كل منهما على الاخر حتى كاد أن يختلطا ثم قال سعد لعمر مالك يا عمر لا تصنع هذا بختنك وأختك فقال صبا قال نعم فتركه عمر وسار الى منزل أخته أى ولا مانع أن يكون لقى كلا من نعيم وسعد بن أبى وقاس وقال له كل منهما ماذكر
وفى هذه الرواية وجد عندهم خباب بن الارت معه صحيفة فيها سورة طه يقرؤها عليهم وانه دق عليهم الباب فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب أى وترك الصحيفة فلما دخل قال لاخته ما هذه الهينمة التى سمعت قالت له ماسمعت شيئا غير حديث تحدثنا به بيننا قال بلى والله لقد أخبرت أنكما يخاطب أخته وزوجها بايعتما محمدا على دينه وبطش بزوج أخته فألقاه الى الارض وجلس على صدره وأخذ بلحيته فقامت اليه أخته لتكفه عن زوجها فضربها فشجها أى فلما رأت الدم قالت له ياعدو الله أتضربنى على أن أوحد الله تعالى لقد أسلمت على رغم أنفك فاصنع ما أنت صانع فلما رأى ما بأخته وما صنع بزوجها ندم وقال لاخته أعطنى هذه الصحيفة أنظر ما هذا الذى جاء
به محمد وكان عمر كاتبا قالت أخشاك عليها فحلف ليردنها اذا قرأها اليها فقالت له يا أخى أنت نجس ولا يمسه الا الطاهر فقام واغتسل أى وفى لفظ فذهب يغتسل فخرج اليها خباب وقال أتدفعين كتاب الله تعالى الى عمر وهو كافر قالت نعم انى أرجو أن يهدى الله أخى ورجع خباب الى محله ودخل عمر فأعطته تلك الصحيفة فلما قرأها عمر وبلغ { فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى } قال أشهد أن لا اله الا الله وأن محمدا عبده ورسوله أه أى وفى رواية أنه لما قرأ الصحيفة قال ما أحسن هذا الكلام وأكرمه أى وقيل انه لما انتهى الى قوله تعالى { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري } قال ينبغى لمن يقول هذا أن لا يعبد معه غيره فلما سمع ذلك خباب خرج اليه فقال يا عمر انى لارجو أن يكون الله تعالى قد خصك بدعوة نبيه صلى الله عليه وسلم فانى سمعته أمس وهو يقول اللهم أيد الاسلام بأبى الحكم ابن هشام أو بعمر بن الخطاب فالله الله يا عمر فقال له عند ذلك دلنى يا خباب على محمد حتى اتيه فأسلم أى عنده وعند أصحابه فلا ينافى ما فى الرواية الاولى أنه أسلم فقال له خباب هو فى بيت عند الصفا معه نفر من أصحابه فعمد الى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث
أقول ويمكن الجمع بين هاتين الروايتين حيث كانت القصة واحدة ولم تتعدد بأنه يجوز أن يكون زوج أخته استخفى أولا مع خباب ورفيقه ثم ظهر فأوقع به وباخته ما ذكر وأنه فى الرواية الاولى اقتصر على ذكر أخته والصحيفة تعددت واحدة فيها { سبح لله ما في السماوات والأرض } والثانية فيها طه اقتصر فى الرواية الاولى على احداهما وهى التى فيها { سبح لله } وفى الرواية الثانية على الاخرى التى فيها { طه } وانه في الرواية الاولى أسلم وفى الرواية الثانية سكت عن ذلك والله أعلم
وعن ابن عباس أيضا رضى الله تعالى عنهما لما أسلم عمر رضى الله تعالى عنه قال المشركون لقد انتصف القوم منا
وعن ابن عباس أيضا رضى الله تعالى عنهما لما أسلم عمر رضى الله تعالى عنه نزل جبريل عليه السلام على النبى صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد استبشر أهل السماء باسلام عمر
قال وروى البخارى عن ابن مسعود رضى الله تعالى عنه مازلنا أعزة منذ أسلم
عمر اه وزاد بعضهم عن ابن مسعود والله لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلى بالكعبة أى عندها ظاهرين امنين حتى أسلم عمر فقاتلهم حتى تركونا فصلينا أى وجهروا بالقراءة وكانوا قبل ذلك لا يقرءون الا سرا كما تقدم وعن صهيب لما أسلم عمر جلسنا حول البيت حلقا
وفى كلام ابن الاثير مكث صلى الله عليه وسلم مستخفيا فى دار الارقم ومن معه من المسلمين الى أن كملوا أربعين بعمر بن الخطاب وعند ذلك خرجوا وتقدم ما فى ذلك
ومما يؤثر عن عمر رضى الله تعالى عنه من اتقى الله وقاه ومن توكل عليه كفاه السيد هو الجواد حين يسأل الحليم حين يستجهل أشقى الولاة من شقيت به رعيته أعدل الناس أعذرهم للناس
وفى مختصر تاريخ الخلفاء لابن حجر الهيتمى أن عمر أول من قال أطال الله تعالى بقاءك وأيدك الله قال ذلك لعلى رضى الله تعالى عنه وهو أول من استقضى القضاة فى الامصار
ويروى أن الارقم هذا لما كان بالمدينة بعد الهجرة تجهز ليذهب فيصلى فى بيت المقدس فلما فرغ من جهازه جاء الى النبى صلى الله عليه وسلم يودعه فقال له ما يخرجك أى من المدينة حاجة أم تجارة قال لا يا رسول الله بأبى أنت وأمى ولكن أريد الصلاة فى بيت المقدس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة فى مسجدى هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد الا المسجد الحرام فجلس الارقم ولم يذهب لبيت المقدس
ولما حضرته الوفاة أوصى أن يصلى عليه سعد بن أبى وقاص فلما مات كان سعد بالعقيق فقال مروان يحبس صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل غائب وأراد الصلاة عليه فأبى ولده ذلك على مروان ووقع بينهم كلام ثم جاء سعد وصلى على الارقم
أى وقيل لعمر رضى الله عنه ما سبب تسمية النبى صلى الله عليه وسلم لك بالفاروق قال لما أسلمت والنبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه مختفون قلت يا رسول الله ألسنا على
الحق ان متنا وان حيينا قال بلى والذى نفسى بيده انكم على الحق ان متم وان حييتم فقلت ففيم الاختفاء والذى بعثك بالحق ما بقى مجلس كنت أجلس فيه بالكفر الا أظهرت فيه الاسلام غير هائب ولا خائف والذى بعثك بالحق لنخرجن فخرجنا فى صفين حمزة فى أحدهما وأنا فى الاخر له أى لذلك الجمع كديد ككديد الطحين أى لذلك الجمع غبار ثائر من الارض لشدة وطء الاقدام لان الكديد التراب الناعم اذا وطىء ثار غباره قال حتى دخلنا المسجد فنظرت قريش الى والى حمزة فأصابتهم كآبة لم يصبهم مثلها أى فطاف صلى الله عليه وسلم بالبيت وصلى الظهر معلنا ثم رجع ومن معه الى دار الارقم فسمانى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ الفاروق فرق الله بى بين الحق والباطل
أى وفى رواية أنه صلى الله عليه وسلم خرج فى صفين حمزة فى أحدهما وعمر فى الاخر لهم كديد ككديد الطحين
وفى رواية أن عمر رضى الله تعالى عنه قال له يارسول الله لا ينبغى أن تكتم هذا الدين أظهر دينك وفى رواية والله لا يعبد الله سرا بعد اليوم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه المسلمون وعمر أمامهم معه سيفه يناى لا اله الا الله محمد رسول الله حتى دخل المسجد ثم صاح مسمعا لقريش كل من تحرك منكم لامكنن سيفى منه ثم تقدم أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطوف والمسلمون ثم صلوا حول الكعبة وقرءوا القران جهرا وكانوا كما تقدم لا يقدرون على الصلاة عند الكعبة ولا يجهرون بالقرآن
وفى المنتقى على ما نقله بعضهم فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر أمامه وحمزة بن عبدالمطلب رضى الله تعالى عنهما حتى طاف بالبيت وصلى الظهر معلنا ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم الى دار الارقم
وفيه أن صلاة الظهر لم تكن فرضت حينئذ الا أن يقال المزاد بصلاة الظهر الصلاة التى وقعت فى ذلك الوقت أى ولعل المراد بها صلاة الركعتين اللتين كان يصليهما بالغداة صلاهما فى وقت الظهر
وعن عمر رضى الله عنه وافقت ربى فى ثلاث قلت يا رسول الله لو اتخذنا من مقام ابراهيم مصلى فنزلت { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى } وقلت يا رسول الله
ان نساءك يدخل عليهن البر والفاجر فلو أمرتهن ان يحتجبن فنزلت اية الحجاب واجتمع على رسول الله صلى الله عليه وسلم نساؤه فى الغيرة فقلت لهن عسى ربه ان طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن فنزلت أى وقد قال له بعض نسائه صلى الله عليه وسلم يا عمر أما فى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يعظ نساءه حتى تعظهن أنت ومنع رضى الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلى على عبدالله بن أبى بن سلول
وفى البخارئ لما توفى عبدالله بن أبى جاء ولده عبدالله رضى الله عنه الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه وهذا لا يخالف مافى تفسير القاضى البيضاوى من أن ابن أبى دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مرضه فلما دخل عليه فسأله أن يستغفر له ويكفنه فى شعاره الذى يلى جسده الشريف ويصلى عليه فلما ما أرسل له صلى الله عليه وسلم قميصه ليكفن فيه لانه يجوز أن يكون ارساله للقميص بسؤال ولده له صلى الله عليه وسلم بعد موت أبيه
قال فى الكشاف فان قلت كيف جازت له صلى الله عليه وسلم تكرمة المنافق وتكفينه فى قميصه
قلت كان ذلك مكافأة له على صنيع سبق له وذلك أن العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أخذ أسيرا ببدر لم يجدوا له قميصا وكا رجلا طوالا فكساه عبدالله قميصه أى ولأن الضنة بارساله القميص سيما وقد سئل فيه مخل بالكرم وقال له المشركون يوم الحديبية انا لانأذن لمحمد ولكن نأذن لك فقال لا ان لى فى رسول الله أسوة حسنة فشكر رسول الله صلى الله عليه وسلم له ذلك واكراما لابنه
وفى هذا تصريح بأن ابن أبى كان مع المسلمين فى بدر وفى الحديبية ثم ان ابنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلى عليه فقال له أسألك أن تقوم على قبره لا تشمت به الاعداء أى وذلك بعد سؤال ولده له صلى الله عليه وسلم فى ذلك كما تقدم عن القاضى البيضاوى فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلى عليه فقام عمر رضى الله تعالى عنه فأخذ بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله أتصلى عليه وقد نهاك ربك أن تصلى عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انما خيرت فقال { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم } وسأزيده على السبعين وفى رواية أتصلى على ابن أبى وقد قال يوم كذا كذا وكذا أعد عليه
قوله فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أخر عنى ياعمر فلما أكثرت عليه قال انى خيرت لو أعلم أنى ان زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فانزل الله تعالى { ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره } الى قوله { وهم فاسقون } ولينظر ما معنى التخيير فى الاية وما الجمع بين قوله سازيد علة السبعين وقوله ولو أعلم أنى ان زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها
ثم رأيت القاضى البيضاوى قال فى وجه التخيير وقوله سأزيد على السبعين انه صلى الله عليه وسلم فهم من السبعين العدد المخصوص لانه الاصل فجوز أن يكون ذلك حدا يخالفه حكم ما وراءه فبين له أى الحق سبحانه أن المراد به التكثير بقوله فى الاية الاخرى { سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم } هذا كلامه وحينئذ يشكل قوله لو أعلم أنى ان زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها فان هذا مقتض لعدم الصلاة عليه لا للصلاة عليه فليتأمل وقد قال على رضى الله تعالى عنه ان فى القران لقرانا من رأى عمر وما قال الناس فى شىء وقال فيه عمر الا جاء القران بنحو ما يقول عمر
وقد أوصل بعضهم موافقاته أى الذى نزل القران على وفق ما قال وما أراد الى أكثر من عشرين أى وقد أفردها بعضهم بالتأليف وقد سئل عنها الجلال السيوطي فأجاب عنها نظما
قال عبدالله بن عمر رضى الله تعالى عنهما ما نزل بالناس أمر فقال الناس وقال عمر الا نزل القران على نحو ما قال عمر
وعن مجاهد كان عمر يرى الرأى فينزل به القران وقد قال صلى الله عليه وسلم ان الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه ومن موافقاته ما سيأتى فى أسارى بدر
ومنها أنه لما سمع قوله تعالى { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } الاية قال { فتبارك الله أحسن الخالقين } فنزلت كذلك
ومنها أن بعض اليهود قال له ان جبريل الذى يذكره صاحبكم عدو لنا فقال { من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين } فنزلت كذلك واستأذن رضى الله تعالى عنه النبى صلى الله عليه وسلم فى العمرة فأذن له وقال يا أخى
لا تنسنا من دعائك أى وفى رواية يا أخى أشركنا فى صالح دعائك ولا تنسنا قال عمر ما أحب أن لى بقوله يا أخى ما طلعت عليه الشمس وجاء أول من يصافحه الحق عمر بن الخطاب وأول من يسلم عليه وجاء ان الله وضع الحق على لسان عمر يقول به وجاء لو كان بعدى نبى لكان عمر بن الخطاب وممن نزل القران على وفق ما قال مصعب بن عمير أيضا رضى الله تعالى عنه كان اللواء بيده يوم أحد وسمع الصوت أن محمدا قد قتل فصار يقول { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } فنزلت = باب اجتماع المشركين على منابذة بنى هاشم وبنى المطلب ابنى عبدمناف وكتابة الصحيفة
قد اجتمع كفار قريش على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا قد أفسد علينا أبناءنا ونساءنا وقالوا لقومه خذوا منا دية مضاعفة ويقتله رجل من قريش وتريحونا وتريحون أنفسكم فأبى قومه فعند ذلك اجتمع رأيهم على منابذة بنى هاشم وبنى المطلب واخراجهم من مكة الى شعب أبى طالب
فيه تصريح بأن شعب أبى طالب كان خارجا عن مكة والتضييق عليهم بمنع حضور الاسواق وأن لا يناكحوهم وأن لايقبلوا لهم صلحا أبدا ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل أى وفى لفظ لا تنكحوهم ولا تنكحوا اليهم ولا تبيعوهم شيئا ولا تبتاعوا منهم شيئا ولا تقبلوا منهم صلحا الحديث وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها فى الكعبة أى توكيدا على أنفسهم وقيل كانت عند خالة أبى جهل
وقد يجمع بأنه يجوز أن تكون كانت عندها قبل أن تعلق فى الكعبة على أنه سيأتى أنه يجوز أن الصحيفة تعددت وكان اجتماعهم وتخالفهم فى خيف بنى كنانة بالابطح ويسمى محصبا وهو بأعلى مكى عند المقابر فدخل بنو هاشم وبنو المطلب مؤمنهم وكافرهم الشعب الا أبا لهب فانه ظاهر عليهم قريشا وكان سنه صلى الله عليه وسلم حين دخل الشعب ستة وأربعين سنة وفى الصحيح أنهم فى الشعب جهدوا حتى كانوا يأكلون الخبط وورق الشجر
وفى كلام السهيلى كانوا اذا قدمت العير مكة يأتى أحدهم السوق ليشترى شيئا من
الطعام يقتاته فيقوم أبو لهب فيقول يا معشر التجار غالوا على أصحاب محمد حتى لا يدركوا شيئا معكم فقد علمتم مالى ووفاء ذمتى فيزيدون عليهم فى السلعة قيمتها أضعافا حتى يرجع الى أطفاله وهم يتضاغون من الجوع وليس فى يده شىء يعللهم به فيغدو التجار على أبى لهب فيربحهم هذا كلامه
ولا منافاة بين خروج أحدهم السوق اذا جاءت العير بالميرة الى مكة وكونهم منعوا من الاسواق والمبايعة لهم كما لا يخفى
وكان دخولهم الشعب هلال المحرم سنة سبع من النبوة وحينئذ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان بمكة من المسلمين أن يخرجوا الى الحبشة
أقول وفى رواية أن خروج بنى هاشم وبنى المطلب الى الشعب لم يكن اخراج قريش لهم وانما خرجوا اليه لان قريشا لما قدم عليهم عمرو بن العاص من عند النجاشى خائبا وردت معه هديتهم وفقد صاحبه الذى هو عمارة بن الوليد وبلغهم اكرام النجاشى لجعفر ومن معه من المسلمين أى كما سيأتى وظهور الاسلام فى القبائل كبر ذلك عليهم واشتد أذاهم على المسلمين واجتمع رأيهم على أن يقتلوا النبى صلى الله عليه وسلم علانية فلما رأى أبو طالب ذلك جمع بنى هاشم والمطلب مؤمنهم وكافرهم وأمرهم أن يدخلوا برسول الله صلى الله عليه وسلم الشعب ويمنعوه ففعلوا فبنو هاشم وبنو المطلب كانوا شيئا واحدا لم يفترقوا حتى دخلوا معهم فى الشعب وانخزل عنهم بنو عميهم عبد شمس ونوفل ولهذا يقول أبو طالب فى قصيدته ** جزى الله عنا عبدشمس ونوفلا ** عقوبة شر عاجلا غير اجل **
وقال فى قصيدة أخرئ ** جزى الله عنا عبدشمس ونوفلا ** وتيما ومخزوما عقوقا ومأثما **
فلما علمت قريش ذلك أجمع رأيهم على أن يكتبوا عهودا ومواثيق على أن لا يجالسوهم الحديث
وفيه أنه سيأتى أن خروج عمرو بن العاص الى الحبشة انما كان بعد الهجرة الثانية وهى بعد دخول بنى هاشم والمطلب الى الشعب والله أعلم
= باب الهجرة الثانية الى الحبشة
لا يخفى أنه لما وقع ماذكر انطلق الى الحبشة عامة من امن بالله ورسوله أى غالبهم فكانوا عند النجاشى ثلاثة وثمانين رجلا وثمانى عشرة امراة وهذا بناء على أن عمار بن ياسر كان منهم وقد اختلف فى ذلك وكلام الاصل يميل الى ذلك وكان من الرجال جعفر ابن ابى طالب ومعه زوجته أسماء بنت عميس والمقداد بن الاسود وعبدالله بن مسعود وعبيدالله بالتصغير بن جحش ومعه امرأته أم حبيبة بنت أبى سفيان فتنصر هناك ثم مات على النصرانية أى وبقيت أم حبيبة رضى الله تعالى عنها على اسلامها وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سياتى
وعن أم حبيبة رضى الله تعالى عنها قالت رأيت فى المنام كأن عبيدالله بن جحش زوجى بأسواء حال وتغيرت صورته فاذا هو يقول حين أصبح يا أم حبيبة انى نظرت فى هذا الدين فلم أر دينا خيرا من دين النصرانية وقد كنت دنت بها ثم دخلت فى دين محمد ثم خرجت الى دين النصرانية قالت فقلت والله ماخير لك وأخبرته بما رأيته له لم يحفل بذلك وأكب على الخمر يشربه حتى مات فرأيت فى المنام كأن اتيا يقول لى يا أم المؤمنين ففزعت وأولتها بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يتزوجنى فكان كذلك
أى وذكر ابن اسحاق ان أبا موسى الاشعرى هاجر الى الحبشة ومراده أنه هاجر اليها من اليمن لامن مكة كما فهم الواقدى فاعترض عليه في ذلك فعن أبى موسى أنه بلغه مخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو باليمن فخرج هو ونحو خمسين رجلا فى سفينة مهاجرين اليه صلى الله عليه وسلم فألقتهم السفينة الى النجاشى بالحبشة فوجدوا جعفرا وأصحابه فأمرهم جعفر بالاقامة واستمروا كذلك حتى قدموا عليه صلى الله عليه وسلم هم وجعفر عند فتح خيبر كما سيأتى
وبهذا يندفع قول بعضهم ما ذكره ابن اسحق من أن أبا موسى الاشعرى هاجر من مكة الى الحبشة من الغريب جدا ولعله مدرج من بعض الرواة فأقاموا بخير دار عند خير جار فبعثت قريش خلفهم عمرو بن العاص ومعه عمارة بن الوليد بن المغيرة التى أرادت قريش دفعه لابى طالب ليكون بدلا عن النبى صلى الله عليه وسلم اذا قتلوه بهدية
الى النجاشى والهدية فرس وجبة ديياج أى وأهدوا لعظماء الحبشة هدايا ليرد من جاء اليه من المسلمين فلما دخلا عليه سجدا له وقعد واحد عن يمينه والاخر عن شماله
وفى كلام بعضهم فأجلس عمرو بن العاص على سريره وقبل هديتهما فقالا ان نفرا من بنى عمنا نزلوا أرضك فرغبوا عنا وعن الهتنا أى ولم يدخلوا فى دينكم بل جاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا انتم وقد بعثنا الى الملك فيهم أشراف قريش لتردوهم اليهم قال وأين هم قالوا بأرضك فأرسل فى طلبهم أى وقال له عظماء الحبشة ادفعهم اليهما فهما أعرف بحالهم فقال لا والله حتى أعلم على أى شىء هم فقال عمرو هم لا يسجدون للملك أى وفى لفظ لايخرون لك ولا يحيونك بما يحييك الناس اذا دخلوا عليك رغبة عن سنتكم ودينكم فلما جاءوا قال لهم جعفر رضى الله تعالى عنه أنا خطيبكم اليوم أى فانه لما جاءهم رسول النجاشى يطلبهم اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض ما تقولون للرجل اذا جئتموه قال جعفر ما ذكر وقال انما نقول ما علمنا وما أمرنا به رسول الله صلى الله عليه وسلم ودع يكون ما يكون وقد كان النجاشى دعا أساقفته وأمرهم بنشر مصاحفهم حوله فلما جاء جعفر وأصحابه صاح جعفر وقال جعفر بالباب يستأذن ومعه حزب الله فقال النجاشى نعم يدخل بأمان الله وذمته فدخل عليه ودخلوا خلفه فسلم فقال له الملك مالك لا تسجد
وفى لفظ ان عمرا قال لعمارة ألا ترى كيف يكتنون بحزب الله وما أجابهم به وان عمرا قال للنجاشى ألا ترى أيها الملك أنهم مستكبرون لم يحيوك بتحيتك فقال النجاشى ما منعكم أن لا تسجدوا وتحيونى بتحيتى التى أحيى بها فقال جعفر انا لا نسجد الا لله عزوجل قال ولم ذلك قال لان الله تعالى أرسل فينا رسولا وأمرنا أن لا نسجد الا لله عز وجل وأخبرنا أن تحية أهل الجنة السلام فحييناك بالذى يحيى به بعضنا بعضا أى وعرف النجاشى ذلك لانه كذلك فى الانجيل كما قيل أى وأمرنا بالصلاة أى غير الخمس لانها لم تكن فرضت بل التى هى ركعتان بالغداة وركعتان بالعشى أى ركعتان قبل طلوع الشمس وركعتان قبل غروبها على ما تقدم والزكاة أى مطلق الصدقة لازكاة المال لانها انما فرضت بالمدينة أى فى السنة الثانية ومراده بالزكاة الطهارة قال عمرو بن العاص للنجاشى فانهم يخالفونك فى ابن مريم ولا يقولون انه ابن الله عز وجل وعلا قال فما تقولون فى ابن مريم وأمه قال نقول كما قال الله عز وجل
روح الله وكلمته ألقاها الى مريم العذراء أى البكر البتول أى المنقطعة عن الازواج التى لم يمسها بشر ولم يفرضها أى يشقها ويخرج منها ولد أى غير عيسى صلى الله على نبينا وعليه وسلم فقال النجاشى يامعشر الحبشة والقسيسين والرهبان ما يزيدون على ما تقولون أشهد أنه رسول الله وأنه الذى بشر به عيسى فى الانجيل أى ومعنى كونه روح الله أنه حاصل عن نفخه روح القدس الذى هو جبريل ومعنى كونه كلمة الله تعالى أنه قال له كن فكان أى حصل فى حال القول
وفى لفظ أن النجاشى قال لمن عنده من القسيسين والرهبان أنشدكم الله الذى أنزل الانجيل على عيسى هل تجدون بين عيسى وبين يوم القيامة نبيا مرسلا أى صفته ما ذكر هؤلاء فقالوا اللهم نعم قد بشرنا به عيسى فقال من امن به فقد امن بى ومن كفر به فقد كفر بى فعند ذلك قال النجاشى والله لولا ما أنا فيه من الملك لاتيته فأكون أنا الذى أحمل نعله وأوضئه أى أغسل يديه وقال للمسلمين انزلوا حيث شئتم سيوم بأرضى أى امنون بها وأمر لهم بما يصلحهم من الرزق وقال من نظر الى هؤلاء الرهط نظرة تؤذيهم فقد عصانى
وفى لفظ ثم قال اذهبوا فأنتم امنون من سبكم غرم قالها ثلاثا أى أربع دراهم وضعفها كما جاء فى بعض الروايات وأمر بهدية عمرو ورفيقه فردت عليهما
وفى لفظ أن النجاشى قال ما أحب أن يكون لى ديرا من ذهب أى جبلا وأن أوذى رجلا منكم ردوا عليهم هداياهم فلا حاجة لى بها فو الله ما أخذ الله تعالى منى الرشوة حين رد على ملكى فاخذ الرشوة وما أطاع الناس فى فأطيعهم فيه
وكان النجاشى أعلم النصارى بما أنزل على عيسى وكان قيصر يرسل اليه علماء النصارى لتأخذ عنه العلم
أى وقد بينت عائشة رضى الله تعالى عنها السبب فى قول النجاشى ما أخذ الله منى الرشوة حين رد على ملكى وهو أن والد النجاشى كان ملكا للحبشة فقتلوه وولوا أخاه الذى هو عم النجاشى فنشأ النجاشى فى حجر عمه لبيبا حازما وكان لعمه اثنا عشر ولدا لا يصلح واحد منهم للملك فلما رأت الحبشة نجابة النجاشى خافوا أن يتولى عليهم فيقتلهم بقتلهم لابيه فمشوا لعمه فى قتله فأبى وأخرجه وباعه ثم لما كان عشاء تلك الليلة مرت على عمه صاعقة فمات فلما رأت الحبشة أن لا يصلح امرها الا النجاشى ذهبوا
وجاءوا به من عند الذي اشتراه وعقدوا له التاج وملكوه عليهم فسار فيهم سيرة حسنة
وفى رواية ما يقتضى أن الذى اشتراه رجل من العرب وأنه ذهب به الى بلاده ومكث عنده مدة ثم لما مرج أمر الحبشة وضاق عليهم ماهم فيه خرجوا فى طلبه وأتوا به من عند سيده ويدل لذلك ما سيأتى عنه أنه عند وقعة بدر أرسل خلف من عنده من المسلمين فدخلوا عليه فاذا هو قد لبس مسحا وقعد على التراب والرماد فقالوا له ما هذا أيها الملك انا نجد فى الانجيل أن الله سبحانه وتعالى اذا أحدث بعبده نعمة وجب على العبد أن يحدث لله تواضعا وان الله تعالى قد أحدث الينا واليكم نعمة عظيمة هى أن محمدا صلى الله عليه وسلم التقى هو وأعداؤه بواد يقال له بدر كثير الاراك كنت أرعى فيه الغنم لسيدى وهو من بنى ضمرة وان الله تعالى قد هزم أعداءه فيه ونصر دينه
وذكر السهيلى أن بكاءه عند ما تليت عليه سورة مريم أى كما سيأتى حتى أخضل لحيته يدل على طول مكثه ببلاد العرب حتى تعلم من لسان العرب مافهم به تلك السورة
قال وعن جعفر بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا خير جار وأمنا على ديننا وعبدنا الله تعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا أن يبعثوا رجلين جلدين وأن يهدوا للنجاشى هدايا مما يستظرف من متاع مكة وكان أعجب ما يأتيه منها الادم فجمعوا له أدما كثيرا ولم يتركوا من بطارقته بطريقا الا أهدوا له هدية أى هيئوا له هدية ولا يخالف ما تقدم من أن الهدية كانت فرسا وجبة ديباج لانه يجوز أن يكون بعض الادم ضم الى تلك الفرس والجبة للملك وبقية الادم فرق على أتباعه ليعاونوهما على ما جاء بصدده والاقتصار على الفرس والجبة فى الرواية السابقة لان ذلك خاص بالملك ثم بعثوا عمارة بن الويد وعمرو ابن العاص يطلبان من النجاشى أن يسلمنا لهم أى قبل أن يكلمنا وحسن له بطارقته ذلك لانهما لما أوصلا هداياهم اليهم قالوا لهم اذا نحن كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم لنا قبل أن يكلمهم أى موافقة لما وصت عليه قريش فقد ذكر أنهم قالوا لهما ادفعوا لكل بطريق هدية قبل أن تكلما النجاشى فيهم ثم قدما للنجاشى هداياه ثم اسألاه أن يسلمهم اليكما قبل أن يكلمهم فلما جاءا الى الملك
قالا له أيها الملك انه قد صبا الى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا فى دينك وجاءوا بدين مبتدع لانعرفه نحن ولا أنت أى جاءهم به رجل كذاب خرج فينا يزعم أنه رسول الله ولم يتبعه منا الا السفهاء وقد بعثنا اليك فيهم أشراف قومهم من ابائهم وأعمامهم وعشائرهم ليردوهم اليهم فهم أعلم بما عابوا عليهم فقال بطارقته صدقوا أيها الملك قومهم أعلم بهم فأسلمهم لهما ليرداهم الى بلادهم وقومهم فغضب النجاشى وقال لا ها الله أى لا والله لا أسلمهم ولا يكاد قوم يجاورونى ونزلوا بلادى واختارونى على من سواى حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان من أمرهم فان كان كما يقولان سلمتهم اليهما والا منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاورونى ثم أرسل لنا ودعانا فلما دخلنا سلمنا فقال من حضره مالكم لا تسجدون للملك قلنا لانسجد الا لله عز وجل فقال النجاشى ما هذا الدين الذى فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا فى دينى ولا فى دين أحد من الملل فقلنا أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية نعبد الاصنام ونأكل الميتة ونأتى الفواحش ونقطع الارحام ونسىء الجوار ويأكل القوى الضعيف فكنا على ذلك حتى بعث الله لنا رسولا كما بعث الرسل الى من قبلنا وذلك الرسول منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا الى الله تعالى لنوحده ونعبده ونخلع أى نترك ما كان يعبد اباؤنا من دونه من الحجارة والاوثان وأمرنا أن نعبد الله تعالى وحده وأمرنا بالصلاة أى ركعتين بالغداة وركعتين بالعشى والزكاة أى مطلق الصدقة والصيام أى ثلاثة أيام من كل شهر أى وهى البيض أو أى ثلاثة على الخلاف فى ذلك وامرنا بصدق الحديث وأداء الامانة وصلة الارحام وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء أى ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة فصدقناه وامنا به واتبعناه على ما جاء به فعدا علينا قومنا ليردونا الى عبادة الاصنام واستحلال الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا الى بلادك واخترناك على من سواك ورجوناك أن لانظلم عندك يا أيها الملك فقال النجاشى لجعفر هل عندك مما جاء به شىء قلت نعم قال فقرأه على فقرأت عليه صدرا من كهيعص فبكى والله النجاشى حتى أخضل أى بل لحيته وبكت أساقفته وفى لفظ هل عندك مما جاء به عن الله تعالى شىء فقال جعفر نعم قال فاقرأه على قال البغوى فقرأ عليه سورة
العنكبوت والروم ففاضت عيناه وأعين أصحابه بالدمع وقالوا زدنا يا جعفر من هذا الحديث الطيب فقرأ عليهم سورة الكهف فقال النجاشى هذا والله الذى جاء به موسى أى وفى رواية ان هذا والذى جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة أى وهذا كما قيل يدل على أن عيسى كان مقررا لما جاء به موسى وفى رواية بدل موسى عيسى ويؤيده ما فى لفظ أنه قال ما زاد هذا على ما فى الانجيل الا هذا العود لعود كان فى يده أخذه من الارض
وفى لفظ أن جعفرا قال للنجاشى سلهما أعبيد نحن أم أحرار فان كنا عبيدا أبقنا من أربابنا فأرددنا اليهم فقال عمروا بل أحرار فقال جعفر سلهما هل أهرقنا دماء بغير حق فيقتص منا هل أخذنا أموال الناس بغير حق فعلينا قضاؤه فقال عمروا لا فقال النجاشى لعمرو وعمارة هل لكما عليهما دين قالا لا قال انطلقا فو الله لا أسلمهم اليكما أبدا زاد فى رواية ولو أعطيتمونى ديرا من ذهب أى جبلا من ذهب ثم غدا عمرو الى النجاشى أى أتى اليه فى غد ذلك اليوم وقال له انهم يقولون فى عيسى قولا عظيما أى يقولون انه عبد الله أى وانه ليس ابن الله
أى وفى لفظ أن عمرا قال للنجاشى أيها الملك انهم يشتمون عيسى وأمه فى كتابهم فاسألهم فذكر له جعفر ما تقدم فى الرواية الاولى
هذا وعن عروة بن الزبير انما كان يكلم النجاشى عثمان بن عفان وهو حصر عجيب فليتأمل
وروى الطبرانى عن أبى موسى الاشعرى بسند فيه رجال الصحيح أن عمرو ابن العاص مكر بعمارة بن الوليد أى للعداوة التى وقعت بينه وبينه فى سفرهما أى من أن عمرو بن العاص كان معه زوجته وكا قصيرا دميما وكان عمارة رجلا جميلا فتن امرأة عمرو وهوته فنزل هو واياه فى السفينة فقال له عمارة مر امرأتك فلتقبلنى فقال له عمرو ألا تستحى فأخذ عمارة عمرا ورمى به فى البحر فجعل عمرو يصيح وينادى أصحاب السفينة ويناشد عمارة حتى أدخله السفينة وأضمرها عمرو في نفسه ولم يبدها لعمارة بل قال لامرأته قبلى ابن عمك عمارة لتطيب بذلك نفسه فلما أتيا أرض الحبشة مكر به عمرو فقال أنت رجل جميل والنساءيحببن الجمال فتعرض لزوجه النجاشى لعلها أن تشفع لنا عنده ففعل عمارة ذلك وتكرر تردده عليها حتى أهدت اليه
من عطرها أى ودخل عندها فلما رأى عمرو ذلك أتى النجاشى وأخبره بذلك أى فقال له ان صاحبى هذا صاحب نساء وانه يريد أهلك وهو عندها الان فاعلم علم ذلك فبعث النجاشى فاذا عمارة عند امرأته فقال لولا أنه جارى لقتلته ولكن سأفعل به ما هو شر من القتل فدعا بساحر فنفخ فى احليله نفخة طار منها هائما على وجهه مسلوب العقل حتى لحق بالوحوش فى الجبال الى أن مات على تلك الحال اه
أى ومن شعر عمرو بن العاص يخاطب به عمارة بن الوليد ** اذا المرء لم يترك طعاما يحبه ** ولم ينه قلبا غاويا حيث يمما ** ** قضى وطرا منه وغادر سبة ** اذا ذكرت أمثالها تملا الفما ** ولا زال عمارة مع الوحوش الى أن كان موته فى خلافة عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه وان بعض الصحابة وهو ابن عمه عبدالله بن أبى ربيعة فى زمن عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه قد استأذنه فى المسير اليه لعله يجده فأذن له عمر رضى الله تعالى عنه فسار عبدالله الى أرض الحبشة وأكثر النشدة عنه والفحص عن أمره حتى أخبر أنه فى جبل يرد مع الوحوش اذا وردت ويصدر معها اذا صدرت فجاء اليه ومسكه فجعل يقول له أرسلنى والا أموت الساعة فلم يرسله فمات من ساعته وسيأتى بد غزوة بدر أنهم أرسلوا للنجاشى عمرو بن العاص أيضا وعبدالله بن أبى ربيعة
هذا وكان اسمه قبل أن يسلم بجيرا فلما أسلم سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله وأبوه ربيعة الذى هو أبو عبدالله كان يقال له ذو الرمحين وأم عبدالله هى أم أبى جهل بن هشام فهو أخو أبى جهل لامه أرسلوهما اليه ليدفع لها من عنده من المسلمين ليقتلوهم فيمن قتل ببدر
ومن العجب أن صاحب المواهب ذكر أن ارسال قريش لعمرو بن العاص وعبدالله ابن أبى ربيعة ومعهما عمارة بن الويد في الهجرة الاولى للحبشة وانما كان عمرو وعمارة فى الهجرة الثانية وابن أبى ربيعة انما كان مع عمرو بعد بدر كما علمت وان كان يمكن أن يكون عبدالله بن أبى ربيعة أرسلته قريش مرتين الا أنه بعيد
ويرده قول بعضهم ان قريشا أرسلت فى أمر من هاجر الى الحبشة مرتين الاولى أرسلت عمرو بن العاص وعمارة والثانية أرسلت عمرو بن العاص وعبدالله بن أبى ربيعة فليتأمل
ومكث بنو هاشم فى الشعب ثلاث سنين وقيل سنتين فى أشد ما يكون من البلاء وضيق العيش وولد عبدالله بن عباس فى الشعب فمن قريش من سره ذلك ومنهم من ساءه وقالوا انظروا ما أصاب كاتب الصحيفة أى من شلل يده كما تقدم وصار لا يقدر أحد أن يوصل اليهم طعاما ولا أدما حتى أن أبا جهل لقى حكيم بن حزام ومعه غلام يحمل قمحا يريد عمته خديجة زوج النبى صلى الله عليه وسلم وهى معه فى الشعب فتعلق به وقال أتذهب بالطعام الى بنى هاشم والله لا تذهب أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة فقال له أبو البخترى بن هشام مالك وماله فقال أبو جهل انما يحمل الطعام لبنى هاشم فقال أبو البحترى طعام كان لعمته عنده أفتمنعه أن يأتيها خل سبيل الرجل فأبى أبو جهل حتى نال أحدهما من صاحبه فأخذ أبو البحترى لحى بعير أى العظم الذى تنبت عليه الاسنان فضربه فشجه ووطئه وطئا شديدا وأبو البحترى بالحاء المهملة وفى مختصر أسد الغابة بالخاء المعجمة ممن قتل ببدر كافرا وحتى ان هاشم بن عمرو بن الحارث العامرى رضى الله تعالى عنه فانه أسلم بعد ذلك أدخل عليهم فى ليلة ثلاثة أجمال طعاما فعلمت بذلك قريش فمشوا اليه حين أصبح وكلموه فى ذلك فقال انى غير عائد لشىء خالفكم ثم أدخل عليه ثانيا جملا وقيل جملين فعلمت به قريش فغالظته أى أغلظت له القول وهمت به فقال أبو سفيان بن حرب دعوه وصل رحمه أما انى أحلف بالله لو فعلنا مثل ما فعل كان أحسن بنا وكان أبو طالب فى كل ليلة يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتى فراشه ويضطجع به فاذا نام الناس أقامه وأمر أحد بنيه أو غيرهم أى من اخوته أو بنى عمه ان يضطجع مكانه خوفا عليه أن يغتاله أحد ممن يريد به السوء أى وفى الشعب ولد عبدالله بن عباس رضى الله تعالى عنهما ثم أطلع الله رسوله صلى الله عليه وسلم على أن الارضة أى وهى سوسة تأكل الخشب اذا مضى عليها سنة نبت لها جناحان تطير بهما وهى التى دلت الجن على موت سليمان على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام أكلت ما فى الصحيفة من ميثاق وعهد أى الالفاظ المتضمنة للظلم وقطيعة الرحم ولم تدع فيها اسما لله تعالى الا أثبتته فيها وفى رواية ولم تترك الارضة فى الصحيفة اسما لله عز وجل الا لحسته وبقى ما فيها من شرك أو ظلم أو قطيعة رحم أى والرواية الاولى أثبت من الثانية
قال وجمع بين الروايتين بأنهم كتبوا نسخا فأكلت الارضة من بعض النسخ اسم
الله تعالى وأكلت من بعض النسخ ما عدا اسم الله تعالى لئلا يجتمع اسم الله تعالى مع ظلمهم انتهى أى والتى علقت فى الكعبة هى التى لحست تلك الدابة ما فيها من اسم الله تعالى كما يدل عليه ما يأتى فذكر ذلك لعمه أبة طالب فقال له عمه والثواقب أى النجوم لانها تثقب الشياطين وقيل التى تضىء لانها تثقب الظلام بضوئها وقيل الثريا خاصة لانها أشد النجوم ضوءا ما كذبتنى قط أى ما حدثتنى كذبا وفى رواية أنه قال له أربك أخبرك بهذا الخبر قال نعم فانطلق فى عصابة أى جماعة من قومه أى من بنى هاشم وبنى المطلب
أى وفى رواية أن أبا طالب لما ذكر لاهله قالوا له فما ترى قال أرى أن تلبسوا أحسن ثيابكم وتخرجوا الى قريش فتذكروا ذلك لهم قبل أن يبلغهم الخبر فخرجوا حتى أتوا المسجد على خوف من قريش فلما رأتهم قريش ظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء ليسلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتل فتكلم معهم أبو طالب وقال جرت أمور بيننا وبينكم فأتوا بصحيفتكم التى فيها مواثيقكم فلعله أن يكون بيننا وبينكم صلح أى مخرج يكون سببا للصلح وانما قال أبو طالب ذلك خشية أن ينظروا فى الصحيفة قبل أن ياتوا بها أى فلا يأتون بها فأتوا بصحيفتهم لا يشكون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدفع اليهم أى لانه الذى وقعت عليه العهود والمواثيق فوضعوها بينهم وقالوا لابى طالب أى توبيخا له ولمن معه قد آن لكم أن ترجعوا عما أحدثتم علينا وعلى أنفسكم فقال أبو طالب انما أتيتكم فى أمر نصف بيننا وبينكم أى أمر وسط لا حيف فيه علينا ولا عليكم ان ابن أخى أخبرنى أن هذه الصحيفة التى فى أيديكم قد بعث الله تعالى عليها دابة لم تترك فيها اسما من أسماء الله تعالى الا لحستة وتركت فيها غدركم وتظاهركم علينا بالظلم
أقول هذه على الرواية الثانية وأما على الرواية الاولى التى هى أثبت فيكون قوله لم تترك اسما الا أثبتته ولحست مواثيقكم وعهدكم
ثم رأيت ابن الجوزى ذكر ذلك فقال ان أبا طالب قال ان ابن أخى قد أخبرنى ولم يكذبنى قط أن الله تعالى قد سلط على صحيفتكم التى كتبتم الارضة فلحست كل ما كان فيها من جور أو ظلم أو قطيعة رحم وبقى فيها كل ما ذكر به الله تعالى
وفى الينبوع أن أبا طالب قال لما حضرت الصحيفة ان صحيفتكم هذه صحيفة اثم وقطيعة
رحم وان ابن أخى أخبرنى أن الله تعالى سلط عليها الارضة لم تدع ما كتبتم الا باسمك اللهم والله أعلم قال أبو طالب فان كان الحديث كما يقول فأفيقوا أى وفى رواية نزعتم أى رجعتم عن سوء رأيكم أى وان لم ترجعوا فوالله لا نسلمه حتى نموت من عند اخرنا وان كان الذى يقول باطلا دفعنا اليكم صاحبنا فقتلتم أو استحييتم فقالوا قد رضينا بالذى تقول أى وفى رواية أنصفتنا ففتحوا الصحيفة فوجدوا الامر كما أخبر به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم فلما رأت قريش صدق ما جاء به أبو طالب قالوا أى قال أكثرهم هذا سحر ابن أخيك وزادهم ذلك بغيا وعدوانا وبعضهم ندم وقال هذا بغى منا على اخواننا وظلم لهم
أى وقد جاء أن أبا طالب قال لهم أى بعد أن وجدوا الامر كما أخبر به صلى الله عليه وسلم يامعشر قريش علام نحصر ونحبس وقد بان الامر وتبين أنكم أولى بالظلم والقطيعة والاساءة ودخلوا بين أستار الكعبة وقالوا اللهم انصرنا على من ظلمنا وقطع أرحامنا واستحل ما يحرم عليه منا ثم انصرفوا الى الشعب وعند ذلك مشى طائفة منهم وهم خمسة فى نقض الصحيفة أى ما تضمنته وهم هشام بن عمرو بن الحارث وزهير بن أمية ابن عمته صلى الله عليه وسلم عاتكة بنت عبدالمطلب وقد أسلم بعد ذلك كالذى قبله كما تقدم والمطعم بن عدى مات كافرا كماتقدم وأبو البحترى بن هشام قتل ببدر كافرا كما تقدم وزمعة بن الاسود قتل ببدر كافرا
واختلف فى كاتب الصحيفة فعند ابن سعد أنه بغيض بن عامر فشلت يده ولم يعرف له اسلام وعند ابن اسحاق أن الكاتب لها هشام بن عمرو المتقدم ذكره
قال وقيل ان الكاتب لها منصور بن عكرمة أى فشلت يده فيما يزعمون كذا فى النور نقلا عن سيرة ابن هشام وقيل النضر بن الحارث فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فشلت بعض أصابعه وهو ممن قتل على كفره عند منصرفه صلى الله عليه وسلم من بدر وقيل الكاتب لها طلحة بن أبى طلحة العبدرى قال ابن كثير رحمه الله والمشهور أنه منصور
ويجمع بين هذه الاقوال باحتمال أن يكون كتب بها نسخ أى فكل كتب نسخة أنتهى أى وينبغى أن يكون الذى شلت يده هو كاتب الصحيفة التى علقت فى الكعبة ولعلها هى التى كتبت أولا والى أكل الارضة الصحيفة والى عد الخمسة الذين سعوا فى نقض الصحيفة أشار صاحب الهمزية بقوله
** فديت خمسة الصحيفة بالخمسة اذ كان للكرام فداء ** ** فتية بيتوا على فعل خير ** حمد الصبح أمره والمساء ** ** بالامر أتاه بعد هشام ** زمعة انه الفتى الاتاء ** ** وزهير والمطعم بن عدى ** وأبو البحترى من حيث شاءوا ** ** نقضوا مبرم الصحيفة اذ شد ** دت عليه من العدا الانداء ** ** أذكرتنا بأكلها أكل منسا ** ة سليمان الارضة الخرساء ** ** وبها أخبر النبى وكم أخرج خبا له الغيوب خباء **
أى فديت خمسة الصحيفة أى الناقضين لها بالخمسة المستهزئين السابق ذكرهم فتية ثبتوا وتراودوا واشتوروا بالحجون ليلا على فعل خير وهو نقض الصحيفة حمد الصباح والمساء منهم ذلك الفعل بالامر عظيم وهو نقض الصحيفة أتاه بعد هشام زمعة بن الاسود وانه الكريم فى قومه الاتاء أى المبالغ فى ايتاء الخير وأتاه زهير وأتاه المطعم بن عدى وأتاه أبو البحترى من المكان الذى قصدوه فنقضوا مبرم الصحيفة أى الامر الذى أبرمته أذكرتنا الارضة الخرساء بأكلها تلك الصحيفة منساة أى عصى سليمان وبأكلها للصحيفة أخبر النبى صلى الله عليه وسلم ومرات كثيرة أخرج صلى الله عليه وسلم شيئا مخبأ الغيوب له ساترة والمراد أن كل واحد من هؤلاء الخمسة الذين نقضوا الصحيفة فدى بأولئك الخمسة المستهزئين من الاذى الذى أصابهم المتقدم ذكره فلا ينافى أن بعض هؤلاء الذين نقضوا الصحيفة مات كافرا
قال جاء أن هشام بن عمرو بن الحارث رضى الله تعالى عنه فانه أسلم بعد ذلك كما تقدم مشى الى زهير بن أمية بن عاتكة بنت عبدالمطلب رضى الله تعالى عنه فانه أسلم بعد ذلك أيضا كما تقدم فقال له يا زهير أرضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب وأخوالك قد علمت لا يبايعون ولا يبتاعون فقال ويلك يا هشام فماذا أصنع انما أنا رجل واحد والله لو كان معى رجل اخر لقمت لانقضها يعنى الصحيفة قال وجدت رجلا قال من هو قال أنا فقال زهير ابغنا رجلا ثالثا فذهب الى المطعم بن عدى فقال له يا مطعم أرضيت أن يهلك بطنان من بنى عبد مناف يعنى بنى هشام وبنى المطلب وأنت شاهد على ذلك فقال له ويحك ماذا أصنع انما أنا رجل واحد قال وجدت ثانيا قال من هو قلت أنا قال ابغنا رجلا ثالثا قال قد فعلت قال
من هو قلت زهير بن أمية قال ابغنا رابعا فذهبت الى أبى البحترى بن هشام فقلت له نحوا مما قلت للمطعم فقال وهل معين على هذا الامر قلت نعم قال من هو قلت زهير بن أمية والمطعم بن عدى وأنا معك قال ابغنا خامسا فذهبت الى زمعة بن الاسود فكلمته فقال وهل من أحد يعين على ذلك فسميت له القوم
ثم ان هؤلاء اجتمعوا ليلا عند الحجون وأجمعوا أمرهم وتعاهدوا على القيام فى نقض الصحيفة حتى ينقضوها وقال زهير أنا أبدؤكم فأكون أول من يتكلم فلما أصبحوا غدوا الى أنديتهم وغدا زهير وعليه حلة فطاف بالبيت ثم أقبل على الناس فقال يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم أى والمطلب هلكى لا يباعون ولا يبتاع منهم والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة فقال أبو جهل كذبت والله لا تشق قال زمعة بن الاسود أنت والله أكذب ما رضينا كتابتها حين كتبت قال أبو البحترى صدق زمعة قال المطعم صدقتما وكذب من قال غير ذلك نبرأ الى الله تعالى منها ومما كتب فيها وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك فقال أبو جهل هذا أمر قضى بالليل فقام المطعم بن عدى الى الصحيفة فشقها انتهى
أى وهذا يدل للرواية الدالة على أن الارضة لحست اسم الله تعالى وأثبتت ما فيها من العهود والمواثيق والا فبعد امحاء ذلك منها لا معنى لشقها
وفى كلام بعضهم يحتمل أن أبا طالب انما أخبرهم بعد سعيهم فى نقضها قال ابن حجر الهيتمى ويبعده أن الاخبار بذلك حينئذ ليس له كبيرجدوى وقام هؤلاء الخمسة ومعهم جماعة ولبسوا السلاح ثم خرجوا الى بنى هاشم وبنى المطلب فأمروهم بالخروج الى مساكنهم ففعلوا = باب ذكر خبر وفد نجران
ثم قدم عليه صلى الله عليه وسلم وهو بمكة وفد نجران وهم قوم من النصارى ونجران بلدة بين مكة واليمن على نحو من سبع مراحل من مكة كانت منزلا للنصارى وكانوا نحوا من عشرين رجلا حين بلغهم خبره ممن هاجر من المسلمين الى الحبشة فوجدوه صلى الله عليه وسلم في المسجد فجلسوا اليه سالوه وكلموه ورجال من قريش فى أنديتهم
حول الكعبة ينظرون اليهم فلما فرغوا من مسألة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أرادوا دعاهم رسول اله صلى الله عليه وسلم الى الله تعالى وتلا عليهم القران فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع ثم استجابوا له وامنوا به وعرفوا منه ما هو موصوف به في كتابهم فلماقاموا عنه اعترضهم أبو جهل فى نفر من قريش فقالوا لهم خيبكم الله من ركب بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون أى تنظرون الاخبار لهم لتاتوهم بخبر الرجل فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم فصدقتموه بما قال لا نعلم ركبا أحمق أى أقل عقلا منكم فقالوا لهم سلام عليكم لا نجاهلكم لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه ويقال نزل فيهم قوله تعالى { الذين آتيناهم الكتاب } الى قوله { لا نبتغي الجاهلين } ونزل قوله تعالى { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق }
وذكر فى الوفاء وفود ضماد الازدى عليه صلى الله عليه وسلم فقال عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن ضمادا قدم مكة وكان من أزد شنوءة وكان يرقى من الريح أى ولعل المراد به اللمة من الجن فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون ان محمدا مجنون فقال لو أنى رأيت هذا الرجل لعل الله أن يشفيه على يدى قال فأتيته فقلت يا محمد انى أرقى من الريح فان الله يشفى على يده من شاء فهل لك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الحمد لله نحمده ونستعينه من يهدى الله فلا مضل له ومن يضلل الله فلا هادى له وأشهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله فقال ضماد أعد على كلماتك هؤلاء فأعادهن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات فقال لقد سمعت قول الكهنة وقول السحرة وقول الشعراء فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء هات يدك أبايعك على الاسلام فبايعه وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى قومك قال وعلى قومي
= باب ذكر وفاة أبي طالب وزوجته صلى الله عليه وسلم خديجة رضي الله الله تعالى عنها
لتعلم أنهما ماتا في عام واحد أي بعد خروج بني هاشم والمطلب من الشعب بثمانية وعشرين يوما وإلى موتهما في عام واحد أشار صاحب الهمزية بقوله ** وقضى عمه أبو طالب والد ** دهر فيه السراء والضراء ** ** ثم ماتت خديجة ذلك العا ** م ونالت من أحمد المناء **
وذلك قبل الهجرة إلى المدينة بثلاث سنين وبعد مضى عشر سنين من بعثته صلى الله عليه وسلم أي من مجيء جبريل عليه السلام بالوحي وهو يرد قول ابن اسحاق ومن تبعه أن خديجة رضي الله تعالى عنها عنها ماتت بعد الاسراء
وأفاد كلام صاحب الهمزية أن موت خديجة كان بعد موت أبي طالب وقيل كانت وفات خديجة رضى الله عنها قبل أبى طالب بخمس وثلاثين ليلة وقيل بعده بثلاثة أيام ويؤيد ما في الهمزية قول الحافظ عماد الدين بن كثير المشهور أنه مات قبل خديجة رضي الله تعالى عنها أي بثلاثة أيام ودفنت بالحجون ونزل صلى الله عليه وسلم في حفرتها ولها من العمر خمس وستون سنة ولم تكن الصلاة على الجنازة شرعت
وذكر الفكهاني المالكي في شرح الرسالة أن صلاة الجنازة من خصائص هذه الأمة لكن ذكر ما يخالفه في الشرح المذكور حيث قال وروى أن آدم عليه الصلاة والسلام لما توفي أتى بحنوط وكفن من الجنة ونزلت الملائكة فغسلته وكفنته في وتر من الثياب وحنطوه وتقدم ملك منهم فصلى عليه وصلت الملائكة خلفه ثم أقبروه وألحدوه ونصبوا اللبن عليه وابنه شيث عليه الصلاة والسلام الذي هو وصيه معهم فلما فرغوا قالوا له هكذا فاصنع بولدك وإخوتك فإنهم سنتكم هذا كلامه أي ويبعد أنه لم يفعل ذلك بعد القول المذكور له ويحتمل أن المراد بالصلاة مجرد الدعاء لا هذه الصلاة المعروفة المشتملة على التكبير لكن يبعده مافي العرائس عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن آدم لما مات قال ولده شيث لجبريل صل عليه فقال له جبريل بل أنت تقدم فصل على أبيك فصلى عليه وكبر ثلاثين تكبيرة وقد أخرج الحاكم نحوه مرفوعا وقال صحيح الإسناد
ومنه تعلم أن الغسل والتكفين والصلاة والدفن واللحد من الشرائع القديمة بناء على أن المراد بالصلاة الصلاة المشتملة على التكبير لا مجرد الدعاء
وحينئذ لا يحسن القول بأن صلاة الجنازة من خصائص هذه الأمة إلا أن يقال لا يلزم من كونها من الشرائع القديمة أن تكون معروفة لقريش إذ لو كانت كذلك لفعلوا ذلك وسيأتي عنهم أنهم لم يفعلوا ذلك
وأيضا لو كانت معروفة لهم لصلى صلى الله عليه وسلم على خديجة ومن مات قبلها من المسلمين كالسكران ابن عم سودة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهما الذي هو زوجها وسيأتي أنه صلى الله عليه وسلم لما قدم الى المدينة وجد البراء بن معرور قد مات فذهب هو وأصحابه فصلى على قبره وأنها أول صلاة صليت على الميت في الإسلام ومعرور معناه في الأصل مقصود
لا يقال يجوز أن يكون المراد بتلك الصلاة مجرد الدعاء لأنا نقول قد جاء أنه كبر في صلاته أربعا وقد روى هذه الصلاة تسعة من الصحابة ذكرهم السهيلي وسيأتي عن الإمتاع لم أجد في شيء من السير متى فرضت صلاة الجنازة ولم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم على أسعد بن زرارة وقد مات في السنة الأولى ولا على عثمان بن مظعون وقد مات في السنة الثانية
وفي كلام بعضهم صلاة الجنازة فرضت في السنة الأولى من الهجرة وأول من صلى عليه صلى الله عليه وسلم أسعد بن زرارة فليتأمل
وفي كلام بعضهم كانوا في الجاهلية يغسلون موتاهم وكانوا يكفنونهم ويصلون عليهم وهو أن يقوم ولى الميت بعد أن يوضع على سريره ويذكر محاسنه كلها ويثنى عليه ثم يقول عليك رحمة الله ثم يدفن أي وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمى ذلك العام عام الحزن ولزم بيته وأقل الخروج وكانت مدة إقامتها معه صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين سنة على الصحيح
ويذكر أنه صلى الله عليه وسلم دخل على خديجة رضي الله تعالى عنها وهي مريضة فقال لها يا خديجة أتكرهين ما أرى منك وقد يجعل الله في الكره خيرا أشعرت أن الله قد أعلمني أنه سيزوجني وفي رواية أما علمت أن الله قد زوجني معك في الجنة مريم ابنة عمران وكلثم أخت موسى وهي التي علمت ابن عمها قارون الكيمياء وآسية امرأة فرعون فقالت آ لله أعلمك بهذا يا رسول الله وفي رواية آ لله فعل ذلك
يا رسول الله قال نعم قالت بالرفاء والبنين زاد في رواية أنه صلى الله عليه وسلم أطعم خديجة من عنب الجنة وقولها بالرفاء والبنين هو دعاء كان يدعى به فى الجاهلية عند التزويج والمراد منه الموافقة والملايمة مأخوذ من قولهم رفأت الثوب ضممت بعضه إلى بعض ولعل هذا كان قبل ورود النهى عن ذلك
هذا وفي الإمتاع أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء إلى مجلس المهاجرين الأولين في الروضة فقال رفئوني فقالوا ماذا يا أمير المؤمنين قال تزوجت أم كلثوم بنت على هذا كلامه ولعل النهى لم يبلغ هؤلاء الصحابة حيث لم ينكروا قوله كما لم يبلغ سيدنا عمر رضي الله تعالى عنهم
وفي الشهر الذي ماتت فيه خديجة رضي الله تعالى عنها وهو شهر رمضان بعد موتها بأيام تزوج سودة بنت زمعة وكانت قبله عند السكران ابن عمها وهاجر بها إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية ثم رجع بها إلى مكة فمات عنها فلما انقضت عدتها تزوجها صلى الله عليه وسلم وأصدقها أربعمائة درهم
وقد كانت رأت فى نومها أن النبي صلى الله عليه وسسلم وطىء عنقها فأخبرت زوجها فقال إن صدقت رؤياك أموت أنا ويتزوجك رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم رأت فى ليلة أخرى أن قمرا انقض عليها من السماء وهي مضطجعة فأخبرت زوجها فقال لا ألبث حتى أموت فمات من يومه ذلك
وعقد صلى الله عليه وسلم على عائشة رضي الله عنها وهي بنت ست أو سبع سنين في شوال فعن خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون قالت قلت لما ماتت خديجة يا رسول الله ألا تتزوج قال من قلت إن شئت بكرا وإن شئت ثيبا قال فمن البكر قلت أحق خلق الله بك بنت أبى بكر رضى الله عنهما قال ومن الثيب قلت سودة بنت زمعة قد آمنت بك واتبعتك على ما تقول قال فاذهبي فاذكريهما علي قالت فدخلت على سودة بنت زمعة فقلت لها ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة قالت وما ذاك قالت أرسلنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطبك عليه قالت وددت ادخلي على أبى فاذكرى ذلك له وكان شيخا كبيرا فدخلت عليه وحيته بتحية الجاهلية فقال من هذه قلت خولة بنت حكيم قال فما شأنك قلت أرسلنى محمد بن عبد الله أخطب عليه سودة قال كفء كريم
قال ما تقول صاحبتك قالت تحب ذلك قال ادعيها الى فدعوتها قال أى بنية إن هذه تزعم أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قد أرسل يخطبك وهو كفء كريم أتحبين أن أزوجك منه قالت نعم قال ادعيه لى فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجه إياها ولما قدم أخوها عبد بن زمعة وقد بلغه ذلك صار يحثى على رأسه التراب ولما أسلم قال لقد كدنى السفه يوم أحثى على رأسى التراب إذ تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم سودة يعنى أخته وذهبت خولة إلى أم رومان أم عائشة فقالت لها ماذا أدخل الله عليكم من البركة والخير قد أرسلنى رسول الله صلى الله عليه وسلم اخطب عليه عائشة قالت انتظرى ابا بكر حتى ياتى فجاء ابو بكر فقلت له يا ابابكرماذاادخل عليكم من الخيروالبركة قال وما ذاك قلت قد ارسلنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أخطب عليه عائشة قال وهل تصلح أى تحل له إنما هي بنت أخيه فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فقال ارجعى إليه فقولي له أنا أخوك وأنت أخي في الإسلام وابنتك تصلح لى أي تحل فرجعت فذكرت ذلك له قالت أم رومان رضي الله عنها إن مطعم بن عدى قد كان ذكرها على ابنه جبير ووعده والله ما وعد وعدا قط فأخلفه تعنى أبا بكر فدخل أبو بكر على مطعم وعنده امرأته أم ابنه المذكور فكلمت أبا بكر بما أوجب ذهاب ما كان فى نفسه من عدته لمطعم فإن المطعم لما قال له أبو بكر ما تقول في أمر هذه الجارية أقبل المطعم على امرأته وقال لها ماذا تقولين يا هذه فأقبلت على أبى بكر وقالت له لعلنا إن أنكحنا هذا الفتى إليكم تصيبه وتدخله في دينك الذى أنت عليه فأقبل أبوبكر على المطعم وقال له ماذا تقول أنت فقال إنها لتقول ما تسمع فقام أبو بكر وليس في نفسه من الوعد شيء فرجع فقال لخولة ادعى لى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعته فزوجه إياها وعائشة حينئذ بنت ست سنين وقيل سبع سنين وهو الأقرب
فعلم أن العقد على سودة تقدم على العقد على عائشة لأن العقد على سودة كان في رمضان الشهر الذي ماتت فيه خديجة رضي الله تعالى عنها وعلى عائشة كان فى شوال ومعلوم أن الدخول بسودة كان بمكة وعلى عائشة كان بالمدينة
ثم رأيت بعضهم ذكر أن خولة ذهبت إلى طلب عائشة وأن النبي صلى الله عليه وسلم
عقد عليها قبل ذهابها لسودة وعقده عليها ولا تخفى المخالفة إلا أن يراد بالعقد على سودة الدخول بها وفيه أنه لا يحسن ذلك مع قوله قبل ذهابها لسودة
ولما اشتكى أبو طالب أى مرض وبلغ قريشا ثقله أى اشتداد المرض به قال بعضهم لبعض إن حمزة وعمر قد أسلما وقد فشا أمر محمد في قبائل قريش كلها فانطلقوا بنا إلى أبى طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه وليعطه منا فإنا والله ما نأمن أن يبتزونا أمرنا أى يسلبونه ومنه قولهم من عز بز أى من غلب أخذ السلب ووهو الثياب التي هي البز وفي لفظ إنا نخاف أن يموت هذا الشيخ فيكون منا شيء أي قتل محمد كما فى بعض الروايات فتعيرنا العرب ويقولون تركوه حتى إذا مات عمه تناولوه فمشى إليه أشرافهم منهم عتبة وشيبة ابنا ربيعه وأبو جهل وأمية بن خلف وأبو سفيان رضى الله تعالى عنه فإنه أسلم ليلة الفتح كما سيأتى وأرسلوا رجلا يدعى المطلب فاستأذن لهم على ابى طالب فقال هؤلاء شيخة قومك وسرواتهم يستأذنون عليك قال أدخلهم فدخلوا عليه فقالوا يا أبا طالب أنت منا حيث قد علمت وفى لفظ قالوا يا أبا طالب أنت كبيرنا وسيدنا وقد حضرك ما ترى وتخوفنا عليك وقد علمت الذى بيننا وبين ابن أخيك فادعه وخذ له منا وخذ لنا منه لينكف عنا وننكف عنه وليدعنا وديننا وندعه ودينه فبعث إليه صلى الله عليه وسلم أبو طالب فجاءه ولما دخل صلى الله عليه وسلم على أبي طالب وكان بين أبي طالب وبين القوم فرجة تسع الجالس فخشى أبو جهل أن يجلس النبي صلى اله عليه وسلم في تلك الفرجة فيكون أرقى منه فوثب أبو جهل فجلس فيها فلم يجد النبي صلى الله عليه وسلم مجلسا قرب أبى طالب فجلس عند الباب انتهى
وفى الوفاء أنه صلى الله عليه وسلم قال لهم خلوا بينى وبين عمى فقالوا ما نحن بفاعلين وما أنت بأحق به منا إن كانت لك قرابة فإن لنا قرابة مثل قرابتك فقال أبو طالب لرسول الله عليه وسلم يا ابن أخى هؤلاء أشراف قومك وفى لفظ هؤلاء شيخة قومك وسرواتهم وقد اجتمعوا لك ليعطوك وليأخذوا منك وفي لفظ سألوك النصف وفى لفظ أعط سادات قومك ما سألوك فقد أنصفوك أن تكف عن شتم آلهتهم ويدعوك وإلهك فقال رسول الله عليه وسلم أرأيتكم
إن أعطيتكم ما سألتم هل تعطونى كلمة واحدة تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم أى تطيع وتخضع فقال أبو جهل نعم وآتيك عشر كلمات وفى لفظ لنعطيكها وعشرا معها فما هى قال تقولون لا إله إلا الله وتقلعون عما تعبدون من دونه فصفقوا بأيديهم ثم قالوا يا محمد أتريد أن تجعل الآلهة إلها واحدا إن أمرك لعجب فأنزل الله تعالى ص والقرآن ذى الذكر إلى آخر الآيات وفى لفظ قالوا أيسع لحاجاتنا جميعا إله واحد وفى لفظ قالوا سلنا غير هذه الكلمة وفى لفظ أن أبا طالب قال يا ابن أخى هل من كلمة غيرها فإن قومك قد كرهوها قال يا عم ما أنا بالذى يقول غيرها ثم قال صلى الله عليه وسلم لو جئتمونى بالشمس حتى تضعوها فى يدى ما سألتكم غيرها ثم قال بعضهم لبعض والله ما هذا الرجل بمعطيكم شيئا مما تريدون فانطلقوا وامضوا على دين آبائكم حتى يحكم الله بينكم وبينه ثم تفرقوا وفى لفظ قالوا عند قيامهم والله لنشتمك وإلهك الذى يأمرك بهذا أى وفى لفظ لتكفن عن سب آلهتنا أو لنسبن إلهك الذى أمرك بهذا
قال فى الينبوع وهذه العبارة أحسن من الأولى لأنهم كانوا يعرفون أنه يعبد الله وما كانوا ليسبوا الله عالمين لكنهم ما كانوا يعرفون أن الله أمره بذلك وذكره أن ذلك سبب نزول قوله تعالى { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم }
هذا وفى النهر أن سبب نزول هذه الآية أن كفار قريش قالوا لأبى طالب إما أن تنهى محمداعن سب آلهتنا والنقص منها وإما أن نسب إلهه ونهجوه قال فيه وحكم هذه الآية باق فى هذه الأمة فإذا كان الكافر فى منعة وخيف أن يسب الإسلام أو الرسول فلا يحل للمسلم ذم دين الكافر ولا يتعرض لما يؤدى إلى ذلك لأن الطاعة إذا كانت تؤدى إلى مفسدة خرجت عن أن تكون طاعة فيجب النهى عنها كما ينهى عن المعصية هذا كلامه
وعند ذلك قال أبو طالب لرسول الله عليه وسلم والله يا ابن أخى ما رأيتك سألتهم شحطا أى بالحاء والطاء المهملتين أمرا بعيدا فلما قال ذلك طمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه فجعل يقول أى عم فأنت فقلها أستحل بها الشفاعة يوم القيامة أى لو ارتكبت ذنبا بعد قولها وإلا فالاسلام يجب ما قبله فلما رأى حرص رسول الله عليه وسلم قال له والله يا ابن أخى لولا مخافة السبة أى العار عليك
وعلى بنى أبيك من بعدى وأن تظن قريش أنى إنما قلتها جزعا أى بالجيم والزاى خوفا من الموت وهذا هو المشهور وقيل بالخاء المعجمة والراء أى ضعفا لقلتها وفى رواية لأقررت بها عينك لما أرى من شدة وجدك لكنى أموت على ملة الأشياخ عبد المطلب وهاشم وعبد مناف فأنزل الله تعالى إنك لا تهدى من أحببت الآية
أى وعن مقاتل أن أبا طالب قال عند موته يا معشر بنى هاشم أطيعوا محمدا وصدقوه تفلحوا وترشدوا فقال له النبى صلى الله عليه وسلم ياعم تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم وتدعها لنفسك قال فما تريد يا ابن أخى قال أريد أن تقول لا إله إلا الله أشهد لك بها عند الله تعالى فقال يا ابن أخي قد علمت أنك صادق لكنى أكره أن يقال الحديث قال فى الهدى وكان من حكمة أحكم الحاكمين بقاؤه على دين قومه لما فى ذلك من المصالح التي تبدو لمن تأملها أى وكذا أقرباؤه وبنو عمه تأخر إسلاتم من أسلم منهم ولو أسلم أبو طالب وبادر أقرباؤه وبنو عمه تأخر إسلام من أسلم منهم ولو أسلم أبو طالب وبادر وبنو عمه إلى الإيمان به لقيل قوم أرادوا الفخر برجل منهم وتعصبوا له فلما بادر إليه الأباعد وقاتلوا على حبه من كان منهم حتى إن الشخص منهم يقتل أباه وأخاه علم أن ذلك إنما هو عن بصيرة صادقة ويقين ثابت
وذكر أنه لما تقارب من أبى طالب الموت نظر العباس إليه يحرك شفتيه فاصغى إليه بأذنه فقال يا ابن أخى والله لقد قال أخى الكلمة التى أمرته بقولها فقال رسول الله عليه وسلم لم أسمع وفيه أنه لم يثبت ن العباس ذكر ذلك بعد الإسلام وأيضا نزول الآية حيث ثبت أن نزولها فى حق أبى طالب يرد ذلك
ويرده أيضا ما فى الصحيحين عن العباس رضى الله تعالى عنه أنه قال قلت يا رسول الله إن أبا طالب كان يحيطك وينصرك فهل ينفعه ذلك قال نعم وجدته أى كشف لى عن حاله وما يصير إليه يوم القيامة فوجدته فى غمرات من النار فأخرجته إلى ضحضاح أى وفى لفظ آخر قال نعم هو أى يوم القيامة فى ضحضاح من النار لولا أنا لكان فى الدرك الأسفل من النار ولو كانت الشهادة المذكورة عند العباس ما سأل هذا السؤال ولأداها بعد الإسلام إذ لو أداها لقبلت
وقد يقال إنما سأل هذا السؤال ولم يعد الشهادة بعد الإسلام لأنه لما قال له صلى الله عليه وسلم أولا لم أسمع فهم أنه حيث لم يسمعها صلى الله عليه وسلم لم يعتد بها سأل هذا السؤال وفهم أن إعادة الشهادة بعد إسلامه لا تفيد شيئا
ويرده أيضا ما جاء فى رواية أنه صلى الله عليه وسلم لما كرر على أبى طالب أن يقول كلمة الشهادة وهو يأبى إلى أن قال هو على دين عبد المطلب قال صلى الله عليه وسلم أما والله لأستغفرن لك مالم أنه عن ذلك أى عن الاستغفار لك فأنزل الله عز وجل ما كان للنبى والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم أى وتقدم أن سبب نزول هذه الآية طلب استغفاره لأمه عند زيارة قبرها أن يقال لا مانع من تكرر سبب نزولها لجواز أنه صلى الله عليه وسلم جوز الفرق بين أمه وعمه لأن أمه لم تدع للإسلام بخلاف عمه وفى منع استغفاره لأمه ما تقدم ولا يشكل على ذلك قوله يوم أحد اللهم اغفر لقومى لأن ذلك أى غفران الذنوب مشروط بالتوبة أى الإسلام فكأنه صلى الله عليه وسلم دعا لهم بالتوبة التى هى الإسلام ويؤيده رواية اللهم اهد قومى أى للإسلام قال وأيضا جاء فى صحيح ابن حيان عن على رضى الله تعالى عنه قال لما مات أبو طالب أتيت رسول الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله إن عمك الشيخ الضال قد مات قال اذهب فواره قال على رضى الله تعالى عنه فلما واريته جئت إليه فقال لى اغتسل
أقول لأنه غسله وبه وبقوله صلى الله عليه وسلم من غسل ميتا فليغتسل استدل أئمتنا على أن من غسل ميتا مسلما أو كافرا استحب له أن يغتسل
وروى البيهقى خبر أن عليا رضى الله تعالى عنه غسله بأمر النبى صلى الله عليه وسلم له بذلك لكن ضعفه وفى رواية عن على رضى الله تعالى عنه لما أخبرت النبى صلى اله عليه وسلم بموت أبى طالب بكى وقال اذهب فاغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه
وأما ما روى عنه أنه صلى الله عليه وسلم عارض جنازة عمه أبى طالب فقال وصلتك رحم وجزيت خيرا يا عم فقال الذهبى إنه خبر منكر والله أعلم
وجاء أيضا أنه ذكر عنده عمه أبو طالب فقال إنه ستنفعه شفاعتى وفى رواية لعله تنفعه شفاعتى يوم القيامة فيجعل فى ضحضاح من النار أى مقدار ما يغطى بطن قدميه وفى روايه فى ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلى منها دماغه وفى لفظ عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم القيامة شفعت لأبى وأمى وعمى أبى طالب وأخ لى كان فى الجاهلية يعنى أخاه من حليمة كما فى رواية تأتى
أقول يجوز أن يكون ذكر شفاعته لأبويه كان قبل إحيائهما وإيمانهما به كما قدمناه جوابا عن نهيه عن الإستغفار لهما والله أعلم
وفى لفظ آخر شفعت فى أبى وعمى أبى طالب وأخى من الرضاعة يعنى من حليمة ليكوونوا من بعد البعث هباء
ومما يستأنس به لإيمان أبيه ما جاء أنه صلى لله عليه وسلم قال لابنته فاطمة رضى الله تعالى عنها وقد عزت قوما من الأنصار فى ميتهم لعلك بلغت معهم الكدى بالدال المهملة أو الكرا بالراء يعنى القبور فقالت لا فقالت لو كنت بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك يعنى عبد المطلب ولم يقل جدك يعنى أباه الذى هو عبد الله وتقدم القول بأن حليمة وأولادها أسلموا
وعليه فيجوز أن يكون هذا منه صلى الله عليه وسلم قبل أن يسلم أخوه من الرضاعة كما تقدم مثل ذلك فى أبيه وأمه وفى رواة الحديث الأول من هو منكر الحديث وفى الثانى من هو ضعيف وقال فيه ابن الجوازى إنه موضوع بلا شك أى وهذا أى قبول شفاعته صلى الله عليه وسلم فى عمه أبى طالب عد من خصائصه صلى الله عليه وسلم فلا يشكل بقوله تعالى فما تنفعهم شفاعة الشافعين أو لا تنفعهم شفاعة الشافعين فى الإخراج من النار بالكلية أى وفى هذا الثانى أنه لا يناسب أن شفاعته لهم أن يكونوا من بعد البعث هباء أى فى صيرورتهم هباء إلا أن يقال إنه لم يستجب له فى ذلك
قال وجاء أيضا عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن رسول الله عليه وسلم قال إن أهون أهل النار أى وهم الكفار عذابا أبو طالب وهو ينتعل بنعلين يغلى منهما دماغه أى وفى رواية كما يغلى الماء فى المرجل أى القدر من النحاس حتى يسيل دماغه على قدميه وفى رواية كما يغلى المرجل بالقمقم قيل والقمقم بكسر القافين البسر الأخضر يطبخ فى المرجل استعجالا لنضجه يفعل ذلك أهل الحاجة
وذكر السهيلى الحكمة فى اختصاص قدميه بالعذاب وزعم بعض غلاة الرافضة أن أبا طالب أسلم واستدل له بأخبار واهية ردها الحافظ ابن حجر فى الإصابة
أى وقد قال وقفت على جزء جمعه بعض أهل الرفض أكثر من الأحاديث الواهية الدالة على إسلام أبى طالب ولم يثبت من ذلك شيء
وروى أبو طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال حدثني محمد أن الله أمره بصلة
الأرحام وأن يعبد الله وحده ولا يعبد معه غيره وقال سمعت ابن أخى الأمين يقول اشكر ترزق ولا تكفر تعذب انتهى
وفى المواهب عن شرح التنقيح للقرافى أن أبا طالب ممن آمن بظاهره وباطنه وكفر بعدم الإذعان للفروع لأنه كان يقول إنى لا أعلم ما يقوله ابن أخى لحق ولولا أنى أخاف أن يعيرنى نساء قريش لأتبعته فهذا تصريح باللسان واعتقاد بالجنان غير أنه لم يذعن للأحكام هذا كلامه وفيه أن الإيمان باللسان الإتيان بلا إله إلا الله ولم يوجد ذلك منه كما علمت وتقدم أن الإيمان النافع عند الله الذى يصير به الشخص مستحقا لدخول الجنة ناجيا من الخلود فى النار التصديق بالقلب بما علم بالضرورة أنه من دين محمد صلى الله عليه وسلم وإن لم يقر بالشهادتين مع التمكين من ذلك ويمتنع وأبو طالب طلب منه ذلك وامتنع
وقد روى الطبرانى عن أم سلمة أن الحارث بن هشام أى أخا أبى جهل بن هشام أتى النبى صلى الله عليه وسلم يوم حجة الوداع فقال إنك تحث عل صلة الرحم والإحسان إلى الجار وإيواء اليتيم وإطعام الضيف وإطعام المسكين وكل هذا مما يفعله هشام يعنى والده فما ظنك به يا رسول الله فقال رسول الله صى الله عليه وسلم كل قبر لا يشهد صاحبه أن لا إله إلا الله فهو جذوة من النار وقد وجدت عمى أبا طالب فى طمطام من النار فأخرجه الله لمكانه منى وإحسانه إلى فجعله فى ضحضاح من النار
وذكر أن أبا طالب لما حضرته الوفاة جمع إليه وجهاء قريش فأوصاهم وكان من وصيته أن قال يا معشر قريش أنتم صفوة الله من خلقه وقلب العرب فيكم المطاع وفيكم المقدم الشجاع والواسع الباع لم تتركوا للعرب فى المآثر نصيبا إلا أحرزتموه ولا شرفا إلا أدركتموه فلكم بذلك على الناس الفضيلة ولهم به إليكم الوسيلة أوصيكم بتعظيم هذه البنية أى الكعبة فإن فيها مرضاة للرب وقواما للمعاش صلوا أرحامكم ولاتقطعوها فإن فى صلة الرحم منسأ أى فسحة في الأجل وزيادة فى العدد واتركوا البغى والعقوق ففيهما هلكت القرون قبلكم أجيبوا الداعى وأعطوا السائل فإن فيهما شرف الحياة والممات وعليكم بصدق الحديث وأداء الأمانة فإن فيهما محبة فى الخاص ومكرمة فى العام وإنى أوصيكم بمحمد خيرا فإنه الأمين فى قريش أى وهو الصديق فى العرب وهو الجامع لكل ما أوصيكم به وقد جاء بأمر قبله الجنان
وأنكره اللسان مخافة الشنآن أى البغض وهو لغة فى الشنآن وايم الله كأنى أنظر إلى صعاليك العرب وأهل البر فى الأطراف والمستضعفين من الناس قد أجابوا دعوته وصدقوا كلمته وعظموا أمره فخاض بهم غمرات الموت فصارت رؤساء قريش وصناديدها أذنابا ودورها خرابا وضعفاؤها أربابا وإذا أعظمهم عليه أحوجهم إليه وأبعدهم منه أحظاهم عنده قد محضته العرب ودادها وأعطته قيادها دونكم يا معشر قريش كونوا له ولاة ولحزبه حماة والله لا يسلك أحد منكم سبيله إلا رشد ولا يأخذ حد بهديه إلا سعد
وفى لفظ آخر أنه لما حضرته الوفاة دعا بنى عبد المطلب فقال لن تزالوا بخير ما سمعتم من محمد وما اتبعتم أمره فأطيعوه ترشدوا
ولما مات أبو طالب نالت قريش من النبى صلى الله عليه وسلم من الأذى مالم تكن تطمع فيه فى حياة أبى طالب حتى إن بعض سفهاء قريش نثنر على رأس النبى صلى الله عليه وسلم التراب فدخل صلى الله عليه وسلم بيته والتراب على رأسه فقامت إليه بعض بناته وجعلت تزيله عن رأسه وتبكى ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها لا تبكى لا تبكى يا بنية فإن الله تعالى مانع أباك وكان صلى الله عليه وسلم يقول مانالت قريش منى شيئا أكرهه أى أشد الكراهة حتى مات أبو طالب وتقدم وسيأتى بعض ما أوذوى به
قال ولما رأى قريشا تهجموا قال يا عم ما أسرع ما وجدت فقدك ولما بلغ أبا لهب ذلك قام أبو لهب بنصرته أياما وقال له يا محمد امض لما أردت وما كنت صانعا إذا كان أبو طالب حيا فاصنعه لا واللات والعزى لا يوصل إليك حتى أموت
واتفق أن ابن العطيلة أى وهو أحد المستهزئين المتقدم ذكرهم سب النبى صلى الله عليه وسلم فأقبل عليه ابو لهب ونال منه فولى وهو يصيح يا معشر قريش صبا أبو عتبة يعنى أبا لهب فأقبلت قريش على أبى لهب وقالوا له أفارقت دين عبد المطلب فقال ما فارقت وفى لفظ قالوا له أصبوت قال ما فارقت دين عبد المطلب ولكن أمنع ابن أخى أن يضام حتى يمضى لما يريد قالوا قد أحسنت وأجملت ووصلت الرحم فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك أياما لا يتعرض له أحد من قريش وهابوا أبا لهب إلى أن جاء أبو جهل وعقبة بن أبى معيط إلى أبى لهب فقالا له أخبرك
ابن أخيك أين مدخل أبيك أى المحل الذى يكون فيه يزعم أنه فى النار فقال له أبو لهب يا محمدأيدخل عبد المطلب النار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم ومن مات على مثل ما مات عليه عبد المطلب دخل النار فقال أبو لهب لا برحت لك عدوا وأنت تزعم أن عبد المطلب فى النار فاشتد عليه هو وسائر قريش انتهى
وفى لفظ قال له يا محمد أين مدخل عبد المطلب قال مع قومه فخرج أبو لهب إلى أبى جهل وعقبة فقال قد سألته فقال مع قومه فقالا يزعم أنه فى النار فقال يا محمد أيدخل عبد المطلب النار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم الحديث ولا يخفى أن عبد المطلب من أهل الفترة وتقدم الكلام عليهم والله أعلم = باب ذكر خروج النبى صلى الله عليه وسلم الى الطائف
سميت بذلك لأن رجلا من حضرموت نزلها فقال لأهلها ألا أبنى لكم حائطا يطيف ببلدكم فبناه فسمى الطائف وقيل غير ذلك
لما مات أبو طالب ونالت قريش من النبى صلى الله عليه وسلم مالم تكن نالته منه فى حياته كما تقدم خرج إلى الطائف اى وهو مكروب مشوش الخاطر مما لقى من قريش وقرابته وعترته خصوصا من أبى لهب وزوجته أم جميل حمالة الحطب من الهجو والسب والتكذيب
وعن على رضى الله تعالى عنه أنه قال بعد موت أبى طالب لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذته قريش تتجاذبه وهم يقولون له صلى الله عليه وسلم أنت الذى جعلت الآلهة إلها واحدا قال فوالله مادنا منا أحد إلا أبو بكر فصار يضرب هذا ويدفع هذا وهو يقول أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله
وخروجه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف كان فى شوال سنة عشر من النبوة وحده وقيل معه مولاه زيد بن حارثة يلتمس من ثقيف الإسلام رجاء أن يسلموا وأن يناصروه
على الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه قال فى الإمتاع لأنهم كانوا أخواله قال بعضهم ومن ثم أى من أجل أنه صلى الله عليه وسلم خرج إلى الطائف عند ضيق صدره وتعب خاطره جعل الله الطائف مستأنسا على من ضاق صدره من أهل مكة كذا قال
وفى كلام غيره ولا جرم جعل الله الطائف مستأنسا لأهل الإسلام ممن بمكة إلى يوم القيامة فهى راحة الأمة ومتنفس كل ذى ضيق وغمة سنة الله فى الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا فليتأمل
فلما انتهى صلى الله عليه وسلم إلى الطائف عمد إلى سادات ثقيف وأشرافهم وكانوا إخوة ثلاثة أحدهم عبد يا ليل أى واسمه كنانة لم يعرف له إسلام وأخوه مسعود أى وهو عبد كلال بضم الكاف وتخفيف اللام لم يعرف له إسلام أيضا وحبيب قال الذهبى فى صحبته نظر أى وهم أولاد عمرو بن عمير بن عوف الثقفى وجلس صلى الله عليه وسلم إليهم وكلمهم فيما جاءهم به أى من نصرته على الإسلام والقيام معه على من خالفه من قومه فقال أحدهم هو يمرط ثياب الكعبة أى ينتفها ويقطعها أى وقيل يسرقها إن كان الله أرسلك وقال له آخر ما وجد الله أحدا يرسله غيرك وقال له الثالث والله لا أكلمك أبدا ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغى لى أن أكلمك فقام صلى الله عليه وسلم من عندهم وقد أيس من خير ثقيف وقال لهم اكتموا على وكره صلى الله عليه وسلم أن يبلغ قومه ذلك فيشتد أمرهم عليه وقالوا له أخرج من بلدنا والحق بمنجاتك من الأرض وأغروا به أى سلطوا عليه سفهاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس وقعدوا له صفين على طريقه فلما مر صلى الله عليه وسلم بين الصفين جعل لا يرفع رجليه ولا يضعهما إلا أرضخوهما أى دقوهما بالحجارة تى أدموا رجليه صلى الله عليه وسلم
وفى لفظ حتى اختضبت نعلاه بالدماء وكان صلى الله عليه وسلم إذا أزلقته الحجارة أى وجد ألمها قعد إلى الأرض فيأخذون بعضديه فيقيمونه فإذا مشى رجموه وهم يضحكون كل ذلك وزيد بن حارثة أى بناء على أنه كان معه صلى الله عليه وسلم يقيه بنفسه حتى لقد شج رأسه شجاجا فلما خلص منهم رجلاه يسيلان دما
عمد إلى حائط من حوائطهم أى بستان من بساتينهم فاستظل فى حبلة أى بفتح الباء الموحدة وتسكينها غير معروف شجرة كرم وقيل لها حبلة لأنها تحمل بالعنب وقد فسر نهيه صلى الله عليه وسلم عن بيع حبل الحبلة ببيع العنب قبل أن يطيب قال السهيلي وهو غريب لم يذهب إليه أحد فى تأويل الحديث فجاء إلى ذلك المحل وهو مكروب موجع أى وقد جاء النهى عن أن يقال لشجر العنب الكرم فى قوله صلى الله عليه وسلم لا يقولن أحدكم الكرم فإن الكرم قلب المؤمن ولكن قولوا حدائق العنب قال وسبب النهى عن تسميتها كرما لأن الخمر تتخذ من ثمرتها وهو يحمل على الكرم فاشتقوا لها اسما من الكرم
وفى لفظ ثم إن هؤلاء الثلاثة أى عبد ياليل وإخوته أغروا عليه سفهاءهم وعبيدهم فصاروا يسبونه ويصيحون به حتى اجتمع عليه الناس وألجئوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابنى ربيعة فلما دخل الحائط رجعوا عنه
قال وذكر أنه صلى الله عليه وسلم دعا بدعاء منه اللهم إنى أشكو إليك ضعف قوتى وقلة حيلتى وهوانى على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربى إلى من تكلنى إن لم يكن بك غضب على فلا أبالى أهوإذا فى الحائط أى البستان عتبة وشيبة ابنا ربيعة أى وقد رأيا ما لقى من سفهاء أهل الطائف فلما رآهما كره مكانهما لما يعلم من عداوتهما لله ولرسوله فلما رأياه وما لقى تحركت له رحمهما فدعوا غلاما لهما نصرانيا يقال له عداس معدود فى الصحابة مات قبل الخروج إلى بدر فقالا خذ قطفا من هذا العنب فضعه في هذا الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه أي وهذا العنب فضعه في هذا الطبق ثم اذهب به إلى ذلك الرجل فقل له يأكل منه أي وهذا لا ينافى كون زيد بن حارثة كان معه كما لا يخفى ففعل عداس ثم أقبل به حتى وضعه بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال له كل فلما وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه يده الشريفة قال بسم الله ثم أكل أى لأنه صلى الله عليه وسلم كان إذا وضع يده فى الطعام قال بسم الله ويأمر الآكل بالتسمية وأمر من نسى التسمية أوله أن يقول بسم الله أوله وآخره فنظر عداس فى وجهه وقال والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم من أى البلاد أنت وما دينك يا عداس قال نصرانى وأنا من أهل نينوى بكسر النون الأولى وفتح الثانية وقيل بضمها قرية على شاطىء دجلة فى أرض الموصل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم
من أهل قرية أى وفى رواية من مدينة الرجل الصالح يونس بن متى اسم ابيه أى كما فى حديث ابن عباس رضى الله عنهما وفى تاريخ حماة أنه اسم أمه قال ولم يشتهر باسم أمه غير عيسى ويونس عليهما الصلاة والسلام
أى وفى مزيل الخفاء فان قيل قد ورد فى الصحيح لا تفضلونى على يونس بن متى ونسبه إلى أبيه وهو يقتضى أن متى أبوه لا أمه
أجيب بأن متى مدرج فى الحديث من كلام الصحابى لبيان يونس بما اشتهر به لا من كلام النبى صلى الله عليه وسلم
ولما كان ذلك موهما أن الصحابى سمع هذه النسبة من النبى صلى الله عليه وسلم دفع الصحابى ذلك بقوله ونسبه إلى أبيه لا إلى أمه هذا كلامه
وعند ذلك قال عداس له صلى الله عليه وسلم وما يدريك ما يونس بن متى فإنى والله لقد خرجت منها يعنى نينوى وما فيها عشرة يعرفون ما متى فمن أين عرفت ابن متى وأنت أمى وفى أمة أمية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك أخى كان نبيا وأنا نبى أمى وفى رواية أنا رسول الله والله أخبرنى خبره وما وقع له مع قومه أى حيث وعدهم العذاب بعد أربعين ليلة لما دعاهم فأبوا أن يجيبوا وخرج عنهم وكانت عادة الأنبياء إذا واعدت قومها العذاب خرجت عنهم فلما فقدوه قذف الله تعالى فى قلوبهم التوبة أى الإيمان بما دعاهم إليه يونس
وقيل كما فى الكشاف إنه قال لهم يونس أنا أؤجلكم أربعين ليلة فقالوا إن رأينا أسباب الهلاك آمنا بك فلما مضت خمس وثلاثون ليلة أطبقت السماء غيما أسود يدخن دخانا شديدا ثم يهبط حتى يغشى ودينتهم فعند ذلك لبسوا المسموح وأخرجوا المواشى وفرقوا بين النساء وأولادها وبين كل بهيمة وولدها فلما أقبل عليهم العذاب جأروا إلى الله تعالى وبكى الناس والولدان ورغت الإبل وفصلانها وخارت البقر وعجاجيلها وثغت الغنم وسخالها وقالوا يا حي حيث لا حي ويا حي يحيى الموتى ويا حى لا إله إلا أنت
وعن الفضيل أنهم قالوا اللهم إن ذنوبنا قد عظمت وجلت وأنت أعظم منها وأجل فافعل بنا ما أنت أهله ولا تفعل بنا ما نحن أهله
وفى الكشاف أنهم عجوا أربعين ليلة وعلم الله تعالى منهم الصدق فتاب عليهم وصرف عنهم العذاب بعد أن صار بينه وبينهم قدر ميل فمر رجل على يونس فقال له ما فعل قوم يونس فحدثه بما صنعوا فقال لا أرجع إلى قوم قد كذبتهم قيل وكان فى شرعهم أن من كذب قتل فانطلق مغاضبا لقومه وظن أن لن نقضى عليه بما قضى به عليه أى من الغم وضيق الصدر قال تعالى { وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه } أى لن نضيق عليه وكانت التوبة عليهم يوم عاشوراء وكان يوم الجمعة
أى وفى كلام بعضهم كشف العذاب عن قوم يونس يوم عاشوراء وأخرج فيه يونس من بطن الحوت وهو يؤيد القول بأنه نبذ من يومه وهو قول الشعبى التقمه ضحوة ونبذه عشية أى بعد العصر وقاربت الشمس الغروب وذكر أن الحوت لم يأكل ولم يشرب مدة بقاء يونس فى بطنه لئلا يضيق عليه
وقال السدى مكث أربعين يوما وقال جعفر الصادق سبعة أيام وقال قتادة ثلاثة أيام وذلك بعد أن نزل السفينة فلم تسر فقال لهم إن معكم عبدا آبقا من ربه وإنها لا تسير ححتى تلقوه فى البحر وأشار إلى نفسه فقالوا لا نلقيك يا نبى الله أبدا قال فاقترعوا فخرجت القرعة عليه ثلاث مراتفألقوه فالتقمه الحوت وقيل قائل ذلك بعض الملاحين وحين خرجت القرعة عليه ثلاثا ألقى نفسه فى البحر وهذا السياق يدل على أن رسالته كانت قبل أن يلتقمه الحوت وقيل إنما أرسل بعد نبذ الحوت له وفيه كيف يدعوهم ويعدهم العذاب وهو غير مرسل لهم
وعن وهب بن منبه وقد سئل عن يونس فقال كان عبدا صالحا وكان فى خلقه ضيق فلما حملت عليه أثقال النبوة تفسخ تحتها فألقاها عنه وخرج هاربا أى فقد تقدم أن للنبوة أثقالا لا يستطيع حملها إلا أولو العزم من الرسل وهم نوح وهود وإبراهيم ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم
أما نوح فلقوله يا قوم إن كان كبر عليكم مقامى وتذكيرى بآيات الله الآية وأما هود فلقوله إنى أشهد الله واشهدوا أنى برىء مما تشركون من دونه الآية وأما ابراهيم فلقوله هو والذين آمنوا معه إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله الآية وأما محمد صلى الله عليه وسلم فلقول الله تعالى له فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل فصبر صلى الله عليه وسلم
فعند ذلك أكب عداس على رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل رأسه ويديه وقدميه أى فقال أحدهما أى عتبة وشيبة للآخر أما غلامك فقد أفسده عليك فلما جاءهما عداس قال له أحدهما ويلك مالك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه قال يا سيدي ما فى الأرض شيء خير من هذا لقد أعلمنى بأمر لا يعلمه إلا نبى قال ويحك يا عداس لا يصرفنك عن دينك
أقول وفى رواية قال له وما شأنك سجدت لمحمد وقبلت قدميه ولم نرك فعلته بأحدنا قال هذا رجل صالح أخبرنى بشيء عرفته من شأن رسول بعثه الله إلينا يدعى يونس بن متى فضحكنا به وقالا لا يفتننك عن نصرانيتك فإنه رجل خداع ودينك خير من دينه وقد تقدم فى بعض الروايات أن خديجة رضى الله تعالى عنها قبل أن تذهب بالنبى صلى الله عليه وسلم لورقة بن نوفل ذهبت به الى عداس وكان نصرانيا من أهل نينوى قرية سيدنا يونس عليه الصلاة والسلام وتقدم أنه غير هذا خلافا لمن اشتبه عليه به
وفى كلام الشيخ محيى الدين بن العربى قد اجتمعت بجماعة من قوم يونس سنة خمس وثمانين وخمسمائة بالأندلس حيث كنت فيه وقست أثر رجل واحد منهم فى الأرض فرأيت طول قدمه ثلاثة أشبار وثلثى شبر والله أعلم
وفى الصحيح عن عائشة رضى الله تعالى عنها إنها قالت للنبى صلى الله عليه وسلم هل أتى عليك يوم أشد من أحد قال لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت يوم العقبة إذ عرضت نفسى على ابن عبد ياليل بن كلال أى والمناسب لما سبق إسقاط لفظ ابن الأولى والإتيان بواو العطف موضع ابن الثانية أى فيقال عبد ياليل وكلال أى وعبد كلال ويكون خصهما بالذكر دون أخيهما حبيب لأنهما كانا أشرف وأعظم منه أو لأنهما كانا المحبين له صلى الله عليه وسلم بالقبيح دون حبيب إلا إن ثبت أن آباء هؤلاء الثلاثة شخصا يقال له عبد ياليل وعبد كلال وحينئذ يكون المراد هؤلاء الثلاثة لأن ابن مفرد مضاف ثم رأيته فى النور ذكر ما يفيد أن لفظ ابن ثابت فى الصحيح
والذى فى كلام ابن اسحاق وأبى عبيد وغيرهما إسقاطه ثم رأيت الشمس الشامى
قال الذى ذكره أهل المغازى أن الذى كلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد ياليل نفسه لا ابنه
وعند أهل السير أن عبد كلال أخوه لا أبوه أى أبو أبيه كما لا يخفى فلم يجبنى إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهى فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب أى ويقال له قرن المنازل وهو ميقات أهل نجد الحجاز أو اليمن بينه وبين مكة يوم وليلة وفى لفظ وهو موضع على ليلة من مكة وراء قرن بسكون الراء ووهم الجوهرى فى تحريكها وفى قوله إن أويسا القرنى منسوب إليه وإنما هو منسوب إلى قرن قبيلة من مراد كما ثبت فى مسلم فرفعت رأسى فإذا أنا بالسحابة قد أظلتنى فنطرت فإذا فيها جبريل عليه السلام فنادى فقال قد سمع قول قومك لك أى أهل ثقيف كما هو المتبادر وماردوا عليك به وقد بعثت إليك بملك الجبال فتأمره بما شئت فيهم فناداه صلى الله عليه وسلم ملك الجبال وسلم عليه وقال له إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فعلت أى وهما جبلان يضافان تارة إلى مكة وتارة إلى منى فمن الأول قوله وهما قبيس وقعيقعان وقيل الجبل الأحمر الذى يقابل أبا قبيس المشرف على قعيقعان ومن الثانية الجبلان اللذان تحث العقبة بمنى فوق المسجد
وفيه أن ثقيفا ليسوا بينهما بل الجبلان خارجان عنهم فكيف يطبقهما عليهم وفى لفظ إن شئت خسفت بهم الأرض أو دمدمت عليهم الجبال أى التى بتلك الناحية
ثم رأيت الحافظ ابن حجر قال المراد بقوم عائشة فى قوله لقد لقيت من قومك قريش أى لا أهل الطائف الذين هم ثقيف لأنهم كانوا هم السبب الحامل على ذهابه صلى الله عليه وسلم لثقيف ولأن ثقيفا ليسوا قوم عائشة رضى الله تعالى عنها وعليه فلا إشكال ويوافقه قول الهدى فأرسل ربه تبارك وتعالى إليه صلى الله عليه وسلم ملك الجبال يستأمره أن يطبق على أهل مكة الأخشبين وهما جبلاها التى هى بينهما
وعبارة الهدى فى محل آخر وفى طريقه صلى الله عليه وسلم أرسل الله تعالى إليه ملك الجبال فأمره بطاعته صلى الله عليه وسلم وأن يطبق على قومه أخشبى مكة وهما جبلاها إن أراد هذا كلامه
ولا يخفى أن هذا خلاف السياق إذ قوله وكان أشد مالقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسى إلى آخره وقول جبريل قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك به ظاهر فى أن
المراد بهم ثقيف لا قريش ويوافق هذا الظاهر قول ابن الشحنة فى شرح منظومة ده بعد أن ساق دعاءه صلى الله عليه وسلم المتقدم بعضه فأرسل الله عز وجل جبريل ومعه ملك الجبال فقال إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين وحينئذ يكون المراد إطباقهما عليهم بعد نقلهما من محلها إلى محل ثقيف الذى هو الطائف لأن القدرة صالحة وعند قول ملك الجبال له ما ذكر قال النبى صلى الله عليه وسلم بل أرجو أن يخرج الله تعالى وفي رواية أستأني بهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبد الله تعالى لا يشرك به شيئا وعند ذلك قال له ملك الجبال أنت كما سماك ربك رؤوف رحيم قال الحافظ ابن حجر ولم أقف على اسم ملك الجبال وإلى حلمه وإغضائه صلى الله عليه وسلم أشار صاحب الهمزية بقوله ** جهلت قومه عليه فأغضى ** وأخو الحلم دأبه الإغضاء ** ** وسع العالمين علما وحلما ** فهو بحر لم تعيه الأعباء **
أى جهلت قومه صلى اله عليه وسلم عليه فآذوه أذية لا تطاق فأغضى عنهم حلما وأخو الحلم أى وصاحب عدم الانتقام شأنه التغافل فإن علمه وسع لوم العالمين ووسع حلمه حلمهم فهو واسع العلم والحلم لم تعيه الأعباء أي لم تتعبه الأثقال لكن تقييده بقومه السياق يدل على أن المراد به ثقيف وقد علمت ما فيه فليتأمل
وعند منصرفه صلى الله عليه وسلم المذكور من الطائف نزل نخلة وهى محلة بين مكة والطائف فمر به نفر سبعة وقيل تسعة من جن نصيبين أى وهى مدينة بالشام وقيل باليمن أثنى عليها صلى الله عليه وسلم بقوله رفعت إلى نصيبين حتى رأيتها فدعوت الله تعالى أن يعذب نهرها وينضر شجرها ويكثر مطرها وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم من جوف الليل أى وسطه يصلى وفى رواية يصلى صلاة الفجر وفى رواية هبطوا على النبى صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة فلعله كان يقرأ فى الصلاة والمراد بصلاة الفجر الركعتان اللتان كان يصليهما قبل طلوع الشمس ولعله صلاهما عقب الفجر وذلك ملحق بالليل وفى قوله جوف الليل تجوز من الراوى أو صلى صلاتين صلاة في جوف الليل وصلاة بعد الفجر وقرأ فيهما أو جمع بين القراءة والصلاة وأن الجن استمعوا للقراءتين وإطلاق صلاة الفجر على الركعتين المذكورتين سائغ وبهذا
يندفع قول بعضهم صلاة الفجر لم تكن وجبت وكان صلى الله عليه وسلم يقرأ سورة الجن وفيه أى فى الصحيحين أن سورة الجن إنما نزلت بعد استماعهم
وقد يقال سيأتى ما يعلم منه أنه ليس المراد بالاستماع الاستماع المذكور هنا بل استماع سابق على ذلك وهو المذكور في رواية ابن عباس رضي الله تعالى عنهما الآتية ورواية صلاة الفجر هنا ذكرها الكشاف كالفخر وإلا فالروايات التى وقفت عليها فيها الاقتصار على صلاة الليل وصلاة الفجر كانت فى ابتداء البعث فى بطن نخلة عند ذهابه وأصحابه إلى سوق عكاظ كما سيأتى عن ابن عباس رضى الله عنهما فآمنوا به وكانوا يهودا لقولهم إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى ولم يقواوا من بعد عيسى إلا أن يكون ذلك بناء على أن شريعة عيسى مقررة لشريعة موسى لا ناسخة لها ولا يخفى أنهم غلبوا ما نزل من الكتاب على مالم ينزل لأنهم لم يسمعوا جميع الكتاب ولا كان كله منزلا قال وأنكر ابن عباس رضى الله تعالى عنهما اجتماع النبى صلى الله عليه وسلم بالجن أى بأحد منهم
ففى الصحيحين عنه قال ما قرأ رسول الله عليه وسلم على الجن ولا رآهم انطلق رسول الله عليه وسلم فى طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ أى وكان بين الطائف ونخلة كان لثقيف وقيس عيلان كما تقدم وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب ففزعت الشياطين إلى قومهم فقالوا مالكم قالوا قد حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب قالوا وما ذاك إلا من شيء قد حدث فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فمن النفر جماعة أخذوا نحو تهامة فإذا هم بالنبى صلى الله عليه وسلم وهو بنخلة عامدا إلى سوق عكاظ يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن استمعوا له وقالوا هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء فرجعوا إلى قومهم فقالوا يا قومنا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد فأنزل الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم قل أوحى إلى أى قل أخبرت بالوحى من الله تعالى أنه استمع لقراءتى نفر من الجن أى جن نصيبين
أقول تقدم أن إطلاق الفجر على الركعتين اللتين كان يصليهما قبل طلوع الشمس سائغ فإن ذلك باعتبار الزمان لا لكونهما إحدى الخمس المفترضة ليلة الإسراء وقوله بأصحابه يجوز أن تكون الباء بمعنى مع ويجوز أن يكون صلى بهم إماما لأن الجماعة فى ذلك جائزة
ولا يخفى أن هذه القصة التى تضمنتها رواية ابن عباس غير قصة انصرافه صلى الله عليه وسلم من الطائف يدل لذلك قوله انطلق فى طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظظ لأنه فى تلك القصة التي هى قصة الطائف كان وحده أو معه مولاه زيد بن حارثة على ماتقدم وكان مجيئه صلى الله عليه وسلم من الطائف قاصدا مكة وفى هذه كان ذهابه من مكة قاصدا سوق عكاظ وأنه قرأ فى تلك أى مجيئه من الطائف سورة الجن وفى هذه قرأ غيرها ثم نزلت تلك السورة وأن هذه القصة تضمنتها رواية ابن عباس سابقة على تلك لأن قصة ابن عباس كانت فى ابتداء الوحى لأن الحيلولة بين الجن وبين خبر السماء بالشهب كانت فى ذلك الوقت وتلك كانت بعد ذلك بسنين عديدة
وسياق كل من القصتين يدل على أنه لم يجتمع الجن به صلى الله عليه وسلم ولا قرأ عليهم وإنما استمعوا قراءته من غير أن يشعر بهم وقد صرح به ابن عباس رضى الله تعالى عنهما فى هذه وصرح به الحافظ الدمياطى فى تلك حيث قال فى سيرته فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطائف راجعا إلى مكة ونزل نخلة قام يصلى من الليل فصرف إليه نفر من الجن سبعة من أهل نصيبين فاستمعوا له صلى الله عليه وسلم وهو يقرأ سورة الجن ولم يشعر بهم رسول الله عليه وسلم حتى نزل عليه وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن هذا كلامه ونزول ما ذكر كان بعد انصرافهم
فقد قال ابن إسحاق فلما فرغ من صلاته ولوا إلى قومهم منذرين قد آمنوا به وأجابوا إلى ماسمعوا فقص الله تعالى خبرهم على النبى صلى الله عليه وسلم وبهذا يعلم مافى سفر السعادة
ولما وصل صلى الله عليه وسلم فى رجوعه إلى نخلة جاءه الجن وعرضوا إسلامهم عليه وكذا يعلم مافى المواهب من قوله ولما انصرف صلى الله عليه وسلم عن أهل الطائف ونزل نخلة صرف إليه سبعة من جن نصيبين إلى أن قال وفي الصحيح أن الذي آذنه صلى الله عليه وسلم بالجن ليلة الجن شجرة وأنهم سألوه الزاد فقال كل عظم إلى آخره لأن سؤالهم له صلى الله عليه وسلم الزاد فرع اجتماعهم وقد ذكر هو أنهم لم يؤذنه صلى الله عليه وسلم إلا شجرة هناك وعلى جواز أن الشجرة آذنته بهم قبل انصرافهم أى أعلمته بوجودهم وأن ذلك كان سببا لاجتماعهم به صلى الله عليه وسلم وأن دعوى
ذلك لا ينافى أنه صلى الله عليه وسلم لم يشعر باجتماعهم للقرآن إلا مما نزل عليه من القرآن فسسؤالهم له صلى الله عليه وسلم الزاد كان فى قصة اأخرى غير هاتين القصتين كانت بمكة سيأتى الكلام عليها
ثم رأيت عن ابن جرير أنه تبين من الأحاديث أن الجن سمعوا قراءة النبى صلى الله عليه وسلم بنخلة وأسلموا فأرسلهم صلى الله عليه وسلم إلى قومهم منذرين إذ لا جائز أن يكون ذلك فى أول البعث لمخالفته لما تقدم عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما وحينئذ يؤيد الاحتمال الثانى الذى ذكرناه من أنه يجوز أنهم اجتمعوا به صلى الله عليه وسلم بعد أن آذنته بهم الشجرة وقوله فأرسلهم إلى قومهم منذرين لم أقف فى شىء من الروايات على ما هو صريح فى ذلك أى أن إرساله لهم كان من نخلة عند رجوعه من الطائف ولعل قائله فهم ذلك من قوله تعالى ولوا إلى قومهم منذرين
وغاية ما رأيت أن ابن جرير والطبرانى رويا عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن الجن الذين اجتمعوا به صلى الله عليه وسلم ببطن نخلة كانوا تسعة نفر من أهل نصيبين فجعلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رسلا إلى قومهم وهذا ليس صريحا فى أنه صلى الله عليه وسلم كان عند رجوعه من الطائف
لا يقال يعنى ذلك إنكار ابن عباس رضى الله تعالى عنهما اجتماعه صلى الله عليه وسلم بالجن المرة الأولى التى كانت عند البعث لاحتمال أنه صلى الله عليه وسلم كان فى بطن نخلة فى مرة أخرى ثالثة
ثم رأيت فى النور ما يخالف ما تقدم عن ابن عباس من قوله إنه لم يجتمع صلى الله عليه وسلم بهم بالجن حين خروجه إلى سوق عكاظ حيث قال الذى فى الصحيح وغيره أنه اجتمع بهم وهو خارج من مكة إلى سوق عكاظ ومعه أصحابه فليتأمل
قال وذكر أنه صلى الله عليه وسلم أقام بنخله أياما بعد أن أقام بالطائف عشرة أيام وشهرا لا يدع أحدا من أشرافهم أي زيادة على عبد ياليل وأخويه إلا جاء إليه وكلمه لم يجبه أحد فلما أراد الدخول إلى مكة قال له زيد بن حارثة كيف تدخل عليهم يعنى قريشا وهم قد أخرجوك أى كانوا سببا لخروجك وخرجت تستنصر فلم تنصر فقال يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه فسار صلى الله عليه وسلم إلى حراء ثم بعث إلى الأخنس بن شريق أى رضى الله تعالى
عنه فإنه أسلم بعد ذلك ليجيره أى ليدخل صلى الله عليه وسلم مكة فى جواره فقال أنا حليف والحليف لا يجير أى فى قاعدة العرب وطريقتهم واصطلاحهم فبعث صلى الله عليه وسلم إلى سهيل بن عمرو رضى الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك أيضا فقال إن بنى عامر لا تجير على بنى كعب وفيه أنه هـلو كان كذلك لما سألهما صلى الله عليه وسلم وكونه صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف هذا الإصطلاح بعيد إلا أن يقال جوز صلى الله عليه وسلم مخالفة هذه الطريقة فبعث صلى الله عليه وسلم إلى المطعم بن عدى أى وقد مات كافرا قبل بدر بنحو سبعة أشهر يقول له إنى داخل مكة فى جوارك فأجابه إلى ذلك وقال له قل له فليأت فرجع إليه صلى الله عليه وسلم فأخبره فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ثم تسلح المطعم بن عدى وأهل بيته وخرجوا حتى أتوا المسجد فقام المطعم بن عدى على راحلته فنادى يا معشر قريش إنى قد أجرت محمدا فلا يؤذه أحد منكم ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ادخل فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد وطاف بالبيت وصلى عنده ثم انصرف إلى منزله أى والمطعم بن عدى وولده مطيفون به صلى الله عليه وسلم قال وذكر أنه صلى الله عليه وسلم بات عنده تلك الليلة فلما أصبح خرج مطعم وقد لبس سلاحه هو وبنوه وكانوا ستة أو سبعة وقالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم طف واحتبوا بحمائل سيوفهم في المطاف مدة طوافه صلى الله عليه وسلم وأقبل أبو سفيان على المطعم فقال أمجير أم تابع فقال بل مجيز فقال إذن لا تخفر أى لا تزال خفارتك أى جوارك قد أجرنا من أجرت فجلس معه حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم طوافه اه
أى ولا بدع فى دخوله صلى الله عليه وسلم فى أمان كافر لأن حكمة الحكيم القادر قد تخفى وهذا السياق يدل على أن قريشا كانوا أزمعوا على عدم دخوله صلى الله عليه وسلم مكة بسبب ذهابه إلى الطائف ودعائه لأهله أى ولهذا المعروف الذى فعله المطعم قال صلى الله عليه وسلم فى أسارى بدر لو كان المطعم بن عدى حيا ثم كلمنى فى هؤلاء النتنى لتركتهم له
ورأيت فى أسد الغابة أن جبيرا ولد المطعم رضى الله تعالى عنه فإنه أسلم بين الحديبية والفتح وقيل يوم الفتح جاء إلى النبى صلى الله عليه وسلم وهو كافر فسأله
فى أسارى بدر فقال لو كان الشيخ أبوك حيا فأتانا فيهم لشفعناه فيهم كما سيأتى أى لأنه فعل معه صلى الله عليه وسلم هذا الجميل وكان من جملة من سعى فى نقض الصحيفة كما تقدم
قال وعن كعب الأحبار رضى الله تعالى عنه لما انصرف النفر السبعة من أهل نصيبين من بطن نخلة جاءوا قومهم منذرين ثم جاءوا مع قومهم وافدين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة وهم ثلثمائة فانتهوا إلى الحجون فجاء واحد من أولئك النفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن قومنا قد حضروا بالحجون يلقونك فوعده رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة من الليل بالحجون اه
وعن ابن مسعود رضى الله تعالى عنه قال أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنى أمرت أن أقرأ على إخوانكم من الجن فليقم معى رجل منكم ولا يقم رجل فى قلبه مثقال حبة خردل من كبر فقمت معه أى بعد أن كرر ذلك ثلاثا ولم يجبه أحد منهم ولعلهم فهموا أن من الكبر ماليس منه وهو محبة الترفع فى نحو الملبس الذى لا يكاد يخلو منه أحد
وقد بين صلى الله عليه وسلم الكبر فى الحديث ببطر الحق وغمص الناس أى استصغارهم وعدم رؤيتهم شيئا بعد أن قالوا له يا رسول الله إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا قال إن الله جميل يحب الجمال الكبر من بطر الحق وغمط الناس بالطاء المهملة كما فى رواية أبى داود وجاء لا يدخل الجنة من كان فى قلبه مثقال ذرة من كبر ولا يدخل النار أحد فى قلبه مثقال حبة خردل من إيمان قال الخطابى المراد بالكبر هنا أى فى هذه الرواية كبر الكفر لأنه قابله بالإيمان قال ابن مسعود وذهب صلى الله عليه وسلم فى بعض نواحى مكة أى بأعلاها بالحجون فلما برز خط لى خطا أى برجله وقال لا تخرج فإنك إن خرجت لم ترنى ولم أرك إلى يوم القيامة وفى رواية لا تحدثن شيئا حتى آتيك لا يروعنك أى لا يخوفنك ويفزعنك ولا يهولنك أى لا يعظم عليك شىء تراه ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا رجال سود كأنهم رجال الزط وهم طائفة من السودان الواحد منهم زطى وكانوا كما قال الله تعالى كادوا يكونون عليه أى لازدحامهم لبدا أى كاللبد فى ركوب بعضهم بعضا حرصا على سماع القرآن منه صلى الله عليه وسلم فأردت أن أقوم فأذب
عنه فذكرت عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فمكثت ثم إنهم تفرقوا عنه صلى الله عليه وسلم فسمعتهم يقولون يا رسول الله إن شفتنا أى أرضنا التى نذهب إليها بعيدة ونحن منطلقون فزودونا أى لأنفسنا ودوابنا ولعله كان نفد زادهم وزاد دوابهم فقال كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع فى يد أحدكم أوفر ما كان لحما رواه مسلم
وفى رواية إلا وجد عليه لحمه الذى كان عليه يوم أكل وكل بعر علف دوابكم وعن ابن مسعود رضى الله تعالى عنه أنهم لما سألوه صلى الله عليه وسلم الزاد قال لهم لكم كل عظم عراق ولكم كل روثة خضرة والعراق بضم العين وفتح الراء جمع عرق بفتح العين وسكون الراء العظم الذى أخذ عنه اللحم وقيل الذى أخذ عنه معظم اللحم قلت يا رسول الله وما يغنى ذلك عنهم أى عن أنفسهم وعن دوابهم بدليل قوله فقال إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت وفى رواية وجدوه أى الروث والبعر شعيرا فهذه الرواية تدل على أن الروثة مطعوم دوابهم ويوافقه ما جاء أن الشعير يعود خضرا لدوابهم ويحتاج للجمع بين كون الروث كالبعر يعود حبا يوم أكل وبين كونه يعود شعيرا وبين كونه يعود خضرا
هذا وفى رواية لأبى نعيم أن الروث يعود لهم تمرا وهى تدل على أن الروث من مطعومهم ويحتاج إلى الجمع وجمع ابن حجر الهيتمى بأن الروث يكون تارة علفا لدوابهم وتارة يكون طعاما لهم أنفسهم أى وفى لفظ سألونى المتاع فمتعتهم كل عظم حائل وكل روثة وبعرة والحائل البالى بمرور الزمن لأنه لم يخرج بذلك عن كونه مطعوما كما يخرج بذلك عن كونه مطعوما لهم لهم لو حرق وصار فحما ولعل الغرض من ذكر الحائل الإشارة إلى أن زادهم العظم ولو كان حائلا لا أنه لم يمنعهم إلا الحائل وقوله إلا وجدوا عليه لحمه يوم أكل يدل على أن المراد عظم المذكاة وبدليل ذكر اسم الله تعالى عليه فلا يأكلون مالم يذكر اسم الله تعالى عليه من عظم أى وكذا من طعام الإنس سرقة كما جاء فى بعض الأخبار هذا ولكن فى رواية أبى داود كل عظم لم يذكر اسم الله تعالى عليه قال السهيلى وأكثر الأحاديث تدل على معنى رواية أبى داود
وقال بعض العلماء رواية ذكر اسم الله عليه فى الجن المؤمنين ورواية لم يذكر اسم الله تعالى عليه فى حق الشياطين منهم وهذا قول صحيح يعضده الأحاديث هذا
كلامه أى التى من تلك الأحاديث أن إبليس قال يا رب لليس أحد من خلقك إلا وقد جعلت له رزقا ومعيشة فما رزقى قال كل مالم يذكر عليه اسمى ومعلوم أن إبليس أبو الجن وأن مالم يذكر اسم الله عليه يشمل عظم الميتة
ومقابلة الشياطين بالمؤمنين تدل على أن المراد بهم فسقتهم لا الكفار منهم لأن فى كون الكفا رمن الجن اجتمعوا به صلى الله عليه وسلم مع المؤمنين وأن كلا الفريقين سأله الزاد وأنه خاطب كلا بما يليق به فيه بعد لا سيما مع ما تقدم عن ابن مسعود ومايأتى من قوله إخوانكم من الجن ومن ثم قال بعضهم إن السائلين له صلى الله عليه وسلم الزاد كانوا مسلمين فليتأمل
ولما ذكر صلى الله عليه وسلم لهم العظم والروث قالوا يا رسول الله إن الناس يقذرونهما علينا فنهى النبى صلى الله عليه وسلم أن يستنجى بالعظم أو بروثه بقوله فلا يستنقين أحدكم إذا خرج من الخلاء بعظم ولا بعرة ولا روثة لأنه زاد إخوانكم من الجن
وفى رواية قالوا له صلى الله عليه وسلم انه أمتك عن الاستنجاء بهما فإن الله تعالى قد جعل لنا فيهما رزقا فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاستنجاء بالعظم والبعر أى وحرمه نحو البول أو التغوط عليهما تعلم من ذلك بالأولى ومنه يعلم أن مرادهم بالتقذير التنجيس لا ما يشمل التقذير بالطاهر كالبصاق والمخاط
وعن جابر بن عبد الله رضى الله تعالى عنهما قال بينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أمشى إذ جاءت حية فقامت إلى جنبه صلى الله عليه وسلم وأدنت فاها من أذنه وكأنها تناجيه فقال النبى صلى الله عليه وسلم نعم فانصرفت قال جابر فسألته فأخبرنى أنه رجل من الجن وأنه قال له مر أمتك لا يستنجوا بالروث ولا بالرمة أى العظم لأن الله تعالى جعل لنا فى ذلك رزقا ولعل هذا الرجل من الجن لم يبلغه أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك ولا يخفى أن سؤال الزاد يقتضى أن ذلك لم يكن زادهم وزاد دوابهم قبل ذلك وحينئذ يسأل ماكان زادهم قبل ذلك وقد يقال هو كل مالم يذكر اسم الله عليه من طعام الآدميين وحينئذ يكون ماتقدم فى خبر إبليس المراد يمالم يذكر اسم اله عليه غير العظم فليتأمل والنهى عن الاستنجاء يدل على أن ذلك لا يختص بحالة السفر بل هو زادهم بعد ذلك دائما وأبدا
وقصة جابر هذه سيأتي فى غزوة تبوك نظيرها وهو أن حية عظيمة الخلق عارضتهم فى الطريق فانحاز الناس عنها فأقبلت حتى وقفت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على راحلته طويلا والناس ينظرون إليها ثم التوت حتى اعتزلت الطريق فقامت قائمة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتدرون من هذا قالوا الله ورسوله أعلم قال هذا أحد الرهط الثمانية من الجن الذين وفدوا إلى يستمعون القرآن قال فى المواهب وفى هذا رد على من زعم أن الجن لا تأكل ولا تشرب أى وإنما يتغذون بالشم
أقول ذكرت فى كتابى عقد المرجان فيما يتعلق بالجان أن فى أكل الجن ثلاثة أقوال قيل يأكلون بالمضغ والبلع ويشربون بالازدراد والثانى لا يأكلون ولا يشربون بل يتغذون بالشم والثالث أنهم صنفان صنف يأكل ويشرب وصنف لا يأكل ولا يشرب وإنما يتغذون بالشم وهو خلاصتهم والله أعلم
قال ابن مسعود فلماولوا قلت من هؤلاء قال هؤلاء جن نصيبين وفى رواية فتوارى عنى حتى لم أره فلما سطع الفجر أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لى أراك قائما فقلت ماقعدت فقال ماعليك لو فعلت أى قعدت قلت خشيت أن أخرج منه فقال أما إنك لو خرجت لم ترنى ولم أرك إلى يوم القيامة أى وفى رواية لم آمن عليك أن يخطفك بعضهم وفيه أن الخروج لا ينشأ عن القعود حتى يخشى منه الخروج وفى رواية قال لي أنمت فقلت لا والله يا رسول الله ولقد هممت مرارا أن أستغيث بالناس أى لما تراكموا عليك وسمعت منهم لغطا شديدا حتى خفت عليك إل أن سمعتك تقرعهم بعصاك وتقول اجلسوا وسأله عن سبب اللغط الشديد الذى كان منهم فقال إن الجن تداعت فى قتيل قتل بينهم فتحاكموا إلى فحكمت بينهم بالحق
وفى رواية عن سعيد بن جبير أنه أى ابن مسعود قال له أولئك جن نصيبين وكانوا اثنى عشر ألفا والسورة التى قرأها عليهم اقرأ باسم ربك أى ولا ينافى ذلك ما جاء عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه افتتح القرآن لأن المراد بالقرآن القراءة زاد ابن مسعود على ما فى بعض الروايات ثم شبك أصابعه فى أصابعى وقال إنى وعدت أن تؤمن بى الجن والإنس أما الإنس فقد آمنت وأما الجن فقد رأيت
أقول وفى هذا أن ابن مسعود لم يخرج من الدائرة التى اختطها له صلى الله عليه وسلم
وفى السيرة الهشامية ما يقتضى أنه خرج منها حيث قال عن ابن مسعود فجئتهم فرأيت الرجال ينحدرون عليه صلى الله عليه وسلم من الجبال فازدحمواعليه إلى آخره فليتأمل
فعلم أن هذه القصة بعد كل من قصة ابن عباس وقصة رجوعه صلى الله عليه وسلم من الطائف فإن قصة ابن عباس رضى الله تعالى عنهما كانت فى أول البعث وقصة رجوعه صلى الله عليه وسلم من الطائف بعدها بمدة مديدة كما علمت وهذه القصة كانت بعدهما بمكة والله أعلم ثم قال صلى الله عليه وسلم لابن مسعود هل معك وضوء أى ماء نتوضأ به قلت لا فقال ما هذه الإداوة أى وهى إناء من جلد قلت فيها نبيذ قال ثمرة طيبة وماء طهور صب على فصببت عليه فتوضأ وأقام الصلاة وصلى
أقول وهو محمول عند أئمتنا معاشر الشافعية على أن الماء لم يتغير بالتمر تغيرا كثيرا يسلب اسم الماء ومن ثم قال ماء طهور وقول ابن مسعود رضى الله تعالى عنه فيها نبيذ أى منبوذ الذى هو التمر وسماه نبيذا باعتبار الأول على حد قوله تعالى إنى أرانى اعصر خمرا وهذا بناء على فرض صحة الحديث وإلا فقد قال بعضهم حديث النبيذ ضعيف باتفاق المحدثين
وفى كلام الشيخ محيى الدين بن العربى رضى الله تعالى عنه الذى أقول به منع التطهر بالنبيذ لعدم صحة الخبر المروى فيه ولو أن الحديث صح لم يكن نصا فى الوضوء به فإنه صلى الله عليه وسلم قال ثمرة طيبة وماء طهور أى قليل الامتزاج والتغير عن وصف الماء وذلك لأن الله تعالى ما شرع الطهارة عند فقد الماء إلا بالتيمم بالتراب خاصة
قال ومن شرف الإنسان أن الله تعالى جعل له التطهر بالتراب وقد خلقه الله من تراب فأمره بالتطهر أيضا به تشريفا له وعند أحمد ومسلم والترمذى عن علقمة قلت لابن مسعود هل صحب النبى صلى الله عليه وسلم ليلة الجن منكم أحد فقال ما صحبه منا أحد ولكنا فقدناه ذات ليلة فقلنا استطير أو اغتيل وطلبناه فلم نجده فبتنا بشر ليلة فلما أصبحنا إذ هو جاء من قبل الحجون وفى لفظ من قبل حراء فقلنا يا رسول الله إنا فقدناك فطلبناك فلم نجدك فبتنا بشر ليلة فقال إنه أتانى داعى الجن فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن فانطلق فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم وهذه القصة
يجوز أت تكون هى المنقولة عن كعب الأحبار المتقدم ذكرها وهى سابقة على القصة التى كان فيها ابن مسعود ويجوز أن تكون غيرها وهى المرادة بقول عكرمة إنهم كانوا اثنى عشر ألفا جاءوا من جزيرة الموصل لأن المتقدم فى تلك عن كعب الأحبار رضى الله تعالى عنه أنهم كانوا ثلثمائة من جن نصيبين
وحينئذ يحتمل أن تكون هذه القصة سابقة على القصة التى كان بها ابن مسعود ويحتمل أن تكون متأخرة عنها وعلى ذلك يكون اجتماع الجن به صلى الله عليه وسلم فى مكة ثلاث مرات مرة كان فيها معه ابن مسعود ومرتين لم يكن معه ابن مسعود فيهما
قال فى الأصل ويكفى فى أمر الجن ما فى سورة الرحمن وسورة قل أوحى إلى وسورة الأحقاف
أقول فعلم أن الجن سمعوا قراءته صلى الله عليه وسلم ولم يجتمعوا به ولا شعر بهم فى المرة الأولى وهو ذاهب من مكة إلى سوق عكاظ فى ابتداء البعث المتقدمة عن ابن عباس على ما تقدم ولا فى المرة الثانية عند منصرفه من الطائف بنخلة على ما قدمنا فيه وعلم أن الروايات متفقة على استماعهم لقراءته صلى الله عليه وسلم فى المرتين وبه يعلم ما فى المواهب عن الحافظ ابن كثير أن كون الجن اجتمعوا له صلى الله عليه وسلم فى نخلة عند منصرفه من الطائف فيه نظر وإنما استماعهم له كان فى ابتداء البعث كما يدل عليه حديث ابن عباس أى من أن ذلك كان عند ذهابه إلى سوق عكاظ وعلم أنهم اجتمعوا به صلى الله عليه وسلم وقرأ عليهم وآمنوا به فى مكة مرتين أو ثلاثة بعد ذلك والله أعلم
وقد أخرج البيهقى فى شعب الإيمان عن قتادة أنه قال لما أهبط إبليس قال أى رب قد لعنته فما علمه قال السحر قال فما قراءته قال الشعر قال فما كتابته قال الوشم قال فما طعامه قال كل ميتة وما لم يذكر اسم الله عليه أى من طعام الإنس يأخذه سرقة قال فما شرابه قال كل مسكر قال فأين مسكنه قال الحمام قال فأين محله قال فى الأسواق قال فما صوته قال المزمار قال فما مصايده قال النساء فالحمام محل أكثر إقامته والسوق محل تردده فى بعض الأوقات والظاهر أن مثل إبليس فيما ذكر كل من لم يؤمن من الجن
= باب ذكر خبر الطفيل بن عمرو الدوسى وإسلامه رضى الله تعالى عنه
كان الطفيل بن عمرو الدوسى شريفا فى قومه شاعرا نبيلا قدم مكة فمشى إليه رجال من قريش فقالوا يا أبا الطفيل كنوه بذلك تعظيما ل فلم يقولوا يا طفيل إنك قدمت بلادنا وهذا الرجل بين أظهرنا قد أعضل أمره بنا اى اشتد وفرق جماعتنا وشتت أمرنا وإنما قوله كالسحر يفرق به بين المرء وأخيه وبين الرجل وزوجته وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما دخل علينا فلا تكلمه ولا تسمع منه قال الطفيل فو الله ما زالوا بى حتى أجمعت أى قصدت وعزمت على أن لا أسمع منه شيئا ولا أكلمه أى حتى حشوت فى أذنى حين غدوت إلى المسجد كرسفا وهو بضم الكاف وسكون الراء ثم سين مهملة مضمومة ثم فاء أى قطنا فرقا أى خوفا من أن يبلغنى شىء من قوله فغدوت إلى المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلى عند الكعبة فقمت قريبا منه فأبى الله إلا أن أسمع بعض قوله أى فسمعت كلاما حسنا فقلت فى نفسى أنا ما يخفى على الحسن من القبيح فما يمنعنى من أن أسمع من هذا الرجل ما يقول فإن كان الذى يأتى به حسنا قبلت وإن كان قبيحا تركت فمكثت حتى انصرف إلى بيته فقلت يا محمد إن قومك قالوا لى كذا وكذا حتى سددت أذنى بكرسف حتى لا أسمع قولك فاعرض على أمرك فعرض عليه الإسلام وتلا عليه القرآن أى قرأ عليه قل هو الله أحد إلى آخرها و قل أعوذ برب الفلق إلى آخرها وقل أعوذ برب الناس إلى آخرها
وفيه أنه سيأتى أن نزول قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس كان بالمدينة عند ما سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يقال يجوز أن يكون ذلك مما تكرر نزوله فقال والله ماسمعت قط قولا أحسن من هذا ولا أمرا أعدل منه فأسلمت فقلت يا نبى الله إنى امرؤ مطاع فى قومى وأنا راجع إليهم فأدعوهم إلى الإسلام فادع الله أن يكون لى عونا عليهم قال اللهم اجعل له آيه فخرجت حتى إذا كنت بثنية تطلعنى على الحاضر أى وهم النازلون المقيمون على الماء لا يرحلون عنه وكان ذلك فى ليلة مظلمة وقع نور بين عينى مثل المصباح فقلت اللهم فى غير وجهى فإنى أخشى أن
يظنوا أنه مثله فتحول فى رأس سوطى فجعل الحاضر يتراءون ذلك كالقنديل المعلق أى ومن ثم عرف بذى النور وإلى ذلك أشار الإمام السبكى فى تائيته بقوله ** وفى جبهة الدوسى ثم بسوطه ** جعلت ضياء مثل شمس منيرة **
قال فأتانى أبى فقلت له إليك عنى يا أبت فلست منى ولست منك فقال لم يا بنى قلت قد أسلمت وتابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم فقال أى بنى دينى دينك فأسلم أى بعد أن قال له اغتسل وطهر ثيابك ففعل ثم جاء فعرض عليه الإسلام ثم أتتنى صاحبتى فذكرت لها مثل ذلك أى قلت لها إليك عنى فلست منك ولست منى قد أسلمت وتابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم قالت فدينى دينك فأسلمت ثم دعوت دوسا إلى الإسلام فأبطأوا على ثم جئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله قد غلبنى دوس وفى رواية قد غلبنى على دوس الزنا فادع الله عليهم فقال الهم اهد دوسا قال زاد فى رواية وأت بهم فقال الطفيل فرجعت فلم أزل بأرض قومى أدعوهم إلى الإسلام حتى هاجر النبى صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومضى بدر وأحد والخندق اه فأسلموا قال فقدمت بمن أسلم من قومى عليه صلى الله عليه وسلم وهو بخيبر سبعين أو ثمانين بيتا من دوس أى ومنهم أبو هريرة فأسهم لنا مع المسلمين أى مع عدم حضورهم القتال اه
أقول قال فى النور وفى الصحيح ما ينفى هذا وأنه لم يعط أحدا لم يشهد القتال إلا أهل السفينة الجائين من أرض الحبشة جعفرا ومن معه أى ومنهم الأشعريون أبو موسى الأشعرى وقومه فقد تقدم أنهم هاجروا من اليمن إلى الحبشة ثم جاءوا إلى المدينة
وفيه أنه سيأتى أنه صلى الله عليه وسلم سأل أصحابه أن يشركوهم معهم فى الغنيمة ففعلوا وسيأتى أنه إنما أعطى أهل السفينة أى والدوسيين على ما علمت من الحصنين اللذين فتحا صلحا فقد أعطاهما مما أفاء الله عليه لا من الغنيمة وسؤال أصحابه فى إعطائهم من المشهورة العامة المأمور بها فى قوله تعالى وشاورهم فى الأمر لا لاستنزالهم عن شىء من حقهم والله أعلم
= باب ذكر الإسراء والمعراج وفرض الصلوات الخمس
أعلم أنه لا خلاف فى الإسراء به صلى الله عليه وسلم إذ هو نص القرآن عل سبيل الإجمال وجاءت بتفصيله وشرح أعاجيبه أحاديث كثيرة عن جماعة من الصحابة من الرجال والنساء نحو ثلاثين أي ومن ثم ذهب الحاتمي الصوفي إلى أن الإسراء وقع له صلى الله عليه وسلم ثلاثين مرة فجعل كل حديث إسراء واتفق العلماء على أن لإسراء كان بعد البعثة اه أى الاسراء الذى كان فى اليقظة بجسده صلى الله عليه وسلم فلا ينافى حديث البخارى عن أنس بن مالك رضى الله تعالى عنه أن الإسراء كان قبل أن يوحى إليه صلى الله عليه وسلم لأن ذلك كان فى نومه بروحه فكان هذا الإسراء توطئه له وتيسيرا عليه كما كان بدء نبوته صلى الله عليه وسلم الرؤيا الصادقة
وفى كلام الشيخ عبد الوهاب الشعرانى أن إسراءاته صلى الله عليه وسلم كانت أربعا وثلاثين واحد بجسمه صلى الله عليه وسلم والباقى بروحه وتلك الليلة أى التى كانت بجسمه صلى الله عليه وسلم كانت ليلة سبع عشرة وقيل سبع وعشرين خلت من شهر ربيع الأول وقيل ليلة تسع وعشرين خلت من رمضان أي وقيل سبع وعشرين خلت من ربيع الآخر الآخر وقيل من رجب واختار هذا الأخير الحافظ عبد الغنى المقدسى وعليه عمل الناس وقيل فى شوال وقيل فى ذى الحجة
وفى كلام الشيخ عبد الوهاب ما يفيد أن إسرءاته صلى الله عليه وسلم كلها كانت فى تلك الليلة التى وقع فيها هذا الخلاف فليتأمل وذلك قبل الهجرة قيل بسنة وبه جزم ابن حزم وادعى فيه الإجماع وقيل بسنتين وقيل يثلاث سنين وكل من الإسراء والمعراج كان بعد خروجه صلى الله عليه وسلم للطائف كما دل عليه السياق وعن ابن إسحاق أن ذلك كان قبل خروجه صلى الله عليه وسلم إلى الطائف وفيه نظر ظاهر
واختلف فى اليوم الذى يسفر عن ليلتهما قيل الجمعه وقيل السبت وقال ابن دحية يكون يوم الاثنين إن شاء الله تعالى ليوافق المولد والمبعث والهجرة والوفاة أى لأنه صلى الله عليه وسلم ولد يوم الاثنين وبعث يوم الإثنين وخرج من مكة يوم الاثنين ودخل المدينة يوم الاثنين ومات يوم الإثنين فليتأمل
عن أم هانىء بنت أبى طالب رضى الله تعالى عنها أى واسمها على الأشهر فاختة وسأتى فى فتح مكة أنها أسلمت يوم الفتح وهرب زوجها هبيرة إلى نجران ومات بها على كفره قالت دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلس أى فى لظلام بعيد الفجر وأنا على فراشى فقال أشعرت أى علمت أنى نمت الليلة فى المسجد الحرام أي عند البيت أو فى الحجر وهو المراد بالحطيم الذى وقع فى بعض الروايات وفى رواية فرج سقف بيتى
قال الحافظ ابن حجر يحتمل أن يكون السر فى ذلك أى فى انفراج السقف التمهيد لما يقع من شق صدره صلى الله عليه وسلم فكأن الملك أراه بانفراج السقف والتئامه فى الحال كيفية ما سيصنع به لطفا به وتثبيتا له صلى الله عليه وسلم أي زيادة تمهيد وتثبيت له وإلا فشق صدره صلى الله عليه وسلم تقدم له غير مرة وفى رواية أنه صلى الله عليه وسلم نام فى بيت أم هانىء قالت فقدته من الليل فامتنع منى النوم مخافة أن يكون عرض له بعض قريش
أى وحكى ابن سعد أن النبى صلى الله عليه وسلم فقد تلك الليلة فتفرقت بنو عبد المطلب يلتمسونه ووصل العباس إلى ذى طوى وجعل يصرخ يا محمد فأجابه لبيك لبيك فقال يا بن أخى عنيت قومك فأين كنت قال ذهبت إلى بيت المقدس قال من ليلتك قال نعم قال هل أصابك إلا خير قال ما أصابنى إلا خير ولعله صلى الله عليه وسلم نزل عن البراق فى ذلك المحل
وعن أم هانىء رضى الله تعالى عنها قالت ما أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو فى بيتى نائم عندى تلك الليلة فصلى العشاء الآخرة ثم نام ونمنا فلما كان قبل الفجر أهبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أي أقامنا من نومنا ومن ثم جاء في رواية نبهنا فلما صلى الصبح وصلينا معه قال يا أم هانيء لقد صليت معك العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي ثم جئت بيت المقدس فصليت فيه ثم صليت صلاة الغداة معكم الآن كما ترين الحديث
والمراد أنه صلى الله عليه وسلم صلى صلاته التى كان يصليها وهى الركعتان فى الوقتين المذكورين وإلا فصلاة العشاء وصلاة الصبح التى هى صلاة الغداة لم يكونا فرضا وفى قولها وصلينا معه نظر لما تقدم ويأتى أنها لم تسلم إلا يوم الفتح ثم رأيت فى مزيل
الخفاء وأما قولها يعنى أم هانىء وصلينا فأرادت به وهيأنا له ما يحتاج إليه فى الصلاة كذا أجاب
وأقرب منه أنها تكلمت على لسان غيرها أو أنها لم تظهر إسلامها إلا يوم الفتح فليتأمل فقال صلى الله عليه وسلم إن جبريل أتانى وفى رواية أسرى به من شعب أبى طالب قال الحافظ ابن حجر والجمع بين هذه الروايات أنه صلى الله عليه وسلم نام فى بيت أم هانىء وبيتها عند شعب أبى طالب ففرج عن سقف بيته الذى هو بيت أم هانىء لأنه صلى الله عليه وسلم كان نائما به فنزل الملك وأخرجه إلى المسجدوكان به أثر النعاس أى فاضطجع فيه عند الحجر فيصح قوله صلى الله عليه وسلم نمت الليلة فى المسجد الحرام إلى آخره
وفى رواية أنه صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وميكائيل ومعهما ملك آخر أى وهو مضطجع فى المسجد فى الحجر بين عمه حمزه وابن عمه جعفر رضى الله تعالى عنهما فقال أحدهم خذوا سيد القوم الأوسط بين الرجلين فاحتملوه حتى جاءوا به زمزم فاستقلوه على ظهره فتولاه منهم جبريل فشق من ثغرة نحره وهو الموضع المنخفض بين الترقوتين إلى أسفل بطنه أى وفى رواية إلى مراق بطنه وفى رواية إلى شعرته أى أشار إلى ذلك فانشق فلم يكن الشق فى المرات كلها بآلة ولم يسل منه دم ولم يجد لذلك ألما كما تقدم التصريح به فى بعض الروايات لأنه من خرق العادات وظهور المعجزات ثم قال جبريل لميكائيل ائتنى بطشت من ماء زمزم كيما أطهر قلبه وأشرح صدره فاستخرج قلبه أى فشقه فغسله ثلاث مرات ونزع ما كان فيه من أذى وهذا الأذى يحتمل أن يكون من بقايا تلك العلقة السوداء التى نزعت منه صلى الله عليه وسلم وهو مسترضع فى بنى سعد بناء على تجزئتها كما تقدم فى المرة الثانية وهو ابن عشر سنين والثالث عند البعث فلا يخالف أن العلقة السوداء نزعت منه صلى الله عليه وسلم فى المرة الأولى وهو مسترضع فى بنى سعد ويستحيل تكرار إخراجها وإلقائها والذى ينبغى أن يكون نزع الملك العلقة إنما هو فى المرة الأولى والواقع فى غيرها إنما هو إخراج الأذى وأنه غير تلك العلقة وأن المراد به مايكون في الجبليات البشرية وتكرر إخراج ذلك الأذى استئصاله ومبالغة فيه وذكر العلقة في المرة الأولى وقول الملك هذا حظ الشيطان وهم من بعض الرواة
واختلف إليه ميكائيل بثلاث طسات من ماء زمزم ثم أتى بطست من ذهب ممتلىء حكمة وإيمانا أى نفس الحكمة والإيمان لأن المعانى قد تمثل بالأجسام أو فيه ما هو سبب لحصول ذلك والمراد كما لهما فلا ينافى ما تقدم فى قصة الرضاع أنه ملىء حكمة وإيمانا ووضعت فيه السكينة ثم أطبقه ثم ختم بين كتفيه بخاتم النبوة وتقدم فى قصة الرضاع أن فى رواية أن الختم كان فى قلبه وفى أخرى أنه كان فى صدره وفى أخرى أنه كان بين كتفيه وتقدم الكلام على ذلك وأنكر القاضى عياض شق صدره صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء وقال إنما كان وهو صلى الله عليه وسلم صبى فى بنى سعد وهو يتضمن إنكار شقه عند البعثة أيضا أي والتي قبلها وعمره صلى الله عليه وسلم عشر سنين ورده الحافظ ابن حجر بأن الروايات تواردت بشق صدره صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة وعند البعثة أى زيادة على الواقع له صلى الله عليه وسلم فى بنى سعد وأبدى لكل من الثلاثة حكمة وتقدم أنه شق صدره صلى الله عليه وسلم وهو ابن عشر سنين وأنه صلى الله عليه وسلم شق صدره وهو ابن عشرين سنة وتقدم ما فيه
أقول ويمكن أن يكون إنكار القاضى عياض لشق صدره صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج على الوجه الذى جاء فى بعض الروايات أنه أخرج من قلبه علقة سوداء وقال الملك هذا حظ الشيطان منك لأن هذا إنما كان وهو صلى الله عليه وسلم مسترضع فى بنى سعد ويستحيل تكرر إلقاء تلك العلقة وحمل ذلك على بعض بقايا تلك العلقة السوداء كما قدمناه ينافى قول الملك هذا حظ الشيطان منك إلا أن يقال المراد أنه من حظ الشيطان أى بعض حظ الشيطان أى بعض حظ الشيطان فليتأمل ذلك والأولى ماقدمناه فى ذلك ثم لا يخفى أنه ورد غسل صدرى وفى رواية قلبى
وقد يقال الغسل وقع لهما معا كما وقع الشق لهما معا فأخبر صلى الله عليه وسلم بإحداهما مرة وبالأخرى أخرى أى وتقدم فى مبحث الرضاع فى رواية شق بطنه صلى الله عليه وسلم ثم قلبه وفى أخرى شق صدره ثم قلبه وفى اخرى الاقتصار على شق صدره وفى أخرى الاقتصار على شق قلبه وتقدم أن المراد بالبطن الصدر وليس المراد بإحدهما القلب
وفى كلام غير واحد ما يقتضى أن المراد بالصدر القلب ومن ثم قيل هل شق صدره وغسله مخصوص به صلى الله عليه وسلم أو وقع لغيره من الأنبياء
وأجيب بأنه جاء فى قصة تابوت بنى اسرائيل الذى أنزله الله تعالى على آدم حين أهبطه إلى الأرض فيه صور الأنبياء من أولاده وفيه بيوت بعدد الرسل وآخر البيوت بيت محمد صلى الله عليه وسلم وهو من ياقوتة حمراء ثلاثة أذرع فى ذراعين وقيل كان من نوع من الخشب تتخذ منه الأمشاط مموها بالذهب فكان عند آدم إلى أن مات ثم عند شيث ثم توارثه أولاد آدم إلى أن وصل إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام ثم كان عند اسماعيل ثم عند ابنه قيدار فنازعه ولد اسحاق ثم أمر من السماء أن يدفعه الى ابن عمه يعقوب إسرائيل الله فحمله إلى أن أوصله له ثم وصل إلى موسى عليه الصلاة والسلام فوضع فيه التوراة وعصاه وعمامة هارون ورضاض الألواح التى تكسرت لما ألقاها وأنه كان فيه الطشت طشت من ذهب الجنة الذى غسل فيه قلوب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وذلك مقتض لعدم الخصوصية وكان هذا التابوت إذا اختلفوا فى شىء سمعوا منه ما يفصل بينهم وما قدموه أمامهم فى حرب إلا نصروا وكان كل من تقدم عليه من الجيش لا بد أن يقتل أو ينهزم الجيش
وفى الخصائص للسيوطى ومما اختص به صلى الله عليه وسلم عن جميع الأنبياء ولم يؤتها نبى قبله شق صدره فى أحد القولين وهو الأصح وجمع بعضهم بحمل الخصوصية على تكرر شق الصدر لأن تكرر شق صدره الشريف ثبت فى الأحاديث وشق صدر غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إنما أخذ من قصة التابوت وليس فيها تعرض للتكرار ولو جمع بأن شق الصدر مشترك وشق القلب وإخراج العلقة السوداء مختص به صلى الله عليه وسلم ويكون المراد بالقلب في قصة التابوت الصدر وبالصدر فى كلام الخصائص القلب لم يكن بعيدا إذ ليس فى قصة التابوت مايدل على أن تلك العلقة السوداء أخرجت من غير قلب نبينا صلى الله عليه وسلم ولم أقف على أثر يدل على ذلك وغسل قلب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ليس من لازمة الشق بل يجوز أن يكون غسله من خارج وقد أحلنا على هذا الجمع فى بحث الرضاع وبهذا يرد ما قدمناه من قول الشمس الشامى الراجح المشاركة ولم أر لعدم المشاركة ما يعتمد عليه بعض الفحص الشديد فليتأمل
ثم رأيته ذكر أنه جمع جزءا سماه نور البدر فيما جاء فى شق الصدر ولم أقف عليه والله أعلم
قال فأتانى جبريل عليه الصلاة والسلام فذهب بى إلى باب المسجد أى وعن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا أنا نائم فى الحجر جاءنى جبريل عليه الصلاة والسلام فهمزني بقدمه فجلست فلم أر شيئا فعدت لمضجعي فجاني الثانية فهمزنى بقدمه فجلست فلم أر شيئا فعدت لمضجعي فجاءني الثالثة فهمزني بقدمه فجلست فلم أر شيئا فأخذ بعضدى فقمت معه فخرج بى ألى باب المسجد
وفيه أنه إذا لم يجد شيئا من أخذ بعضديه إلا أن يقال ثم رآه عند أخذه بعضديه فإذا دابة أبيض أى ومن ثم قيل له البراق بضم الموحدة لشدة بريقه وقيل قيل له ذلك لسرعته أى فهو كالبرق وقيل لأنه كان ذا لونين أبيض وأسود أى يقال شاة برقاء إذا كان خلال صوفها الأبيض طاقات سوداء أى وهى العفراء ومن ثم جاء فى الحديث أبرقوا فإن دم عفراء عند الله أذكى من دم سوداوين أى ضحوا بالبلقاء وهى العفراء لكن فى الصحاح الأعفر الأبيض وليس بالشديد البياض وشاة عفراء يعلو بياضها حمرة ولغلبة بياض شعره على سواده أو حمرته قيل أبيض ولعل سواد شعره لم يكن حالكا بل كان قريبا من الحمرة فوصف بأنه أحمر وهذا لا يتم إلا لو كان البراق كذلك أي شعره أبيض داخله طاقات سود أو حمر ولعله كان كذلك ويدل له قول بعضهم إنه ذو لونين أى بياض وسواد والسواد كما علمت إذا صفا شبه بالأحمر وهذه الرواية طوى فيها ذكر أنه كان بين حمزة وجعفر وأنه جاءه جبريل وميكائيل وملك آخر وأنهم احتملوه إلى زمزم وشق جبريل صدره إلى آخر ما تقدم وذلك البراق فوق الحمار ودون البغل مضطرب الأذنين أى طويلهما أى وكان مسرجا ملجما كما فى بعض الروايات فركبته فكان يضع حافره مد بصره أى حيث ينتهى بصره
وفى رواية ينتهى خفها حيث ينتهى طرفها إذا أخذ فى هبوط طالت يداه وقصرت رجلاه وإذا أخذ فى صعود طالت رجلاه وقصرت يداه أى وقد ذكره هذا الوصف فى فرس فرعون موسى فقد قيل كان لفرعون أربع عجائب فذكر منها أن لحيته كانت خضراء ثمانية أشبار وقامته سبعة أشبار فكانت لحيته أطول منه بشبر وكان لهه فرس وقيل برذون إذا صعد الجبل قصرت يداه وطالت رجلاه وإذا انحدر يكون على ضد ذلك وفى رواية أن البزاق خطوه مد البصر قال ابن المنير فعلى هذا يكون قطع من الأرض إلى السماء فى خطوة واحدة لأن بصر الذى فى الأرض يقع على السماء فبلغ أعلى السموات فى سبع خطوات انتهى أى لأن بصر من يكون فى سماء الدنيا يقع
على السماء فوقها وهكذا وهذا بناء على أنه عرج به صلى الله عليه وسلم على المعراج راكب البراق وسيأتى ما فيه
قال صلى الله عليه وسلم فلما دنوت منه اشمأز أى نفر وفى رواية فاستصعب ومنع ظهره أن يركب فقال جبريل اسكن فما ركبك أحد أكرم على الله من محمد وفى رواية فى فخذيها أى تلك الدابة التى هى البراق جناحان تحفز بهما أى تدفع بهما رجليها ففى اللغة الحفز الحث والإعجال فلما دنوت لأركبها شمست أى نفرت ومنعت ظهرها وفى رواية شمس وفى رواية صرت أذنيها أى جمعتهما وذلك شأن الدابة إذا نفرت فوضع جبريل يده على معرفتها ثم قال ألا تستحين يا براق مما تصنعين والله ما ركب عليك أحد وفى رواية عبد الله قبل محمد صلى الله عليه وسلم أكرم على الله منه فاستحيت حتى ارفضت عرقا أى كثر عرقها وسال ثم قرت حتى ركبها أى وفى رواية فقال جبريل مه يا براق فوالله ماركبك مثله من الأنبياء أى لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانت تركبها قبله صلى الله عليه وسلم
ففى البيهقى وكانت الأنبياء تركبها قبلى وعند النسائى وكانت تسخر للأنبياء قبلى وبعد عليها العهد من ركوبهم لأنها لم تكن ركبت فى الفترة بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام كما ذكره ابن بطال وهو يقتضى أنه لم يركبه أحد ممن كان بين عيسى ومحمد من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وجاء التصريح بذلك فى بعض الروايات أى والمتبادر منها أنها التى بينه وبين عيسى عليهما الصلاة والسلام فيكون عيسى ممن ركبها دون من بعده من الأنبياء عليهما الصلاة والسلام على تقدير ثبوت وجود أنبياء عليهم الصلاة والسلام بعد عيسى وتقدم عن النهر أنه كان بينهما ألف نبى
وقوله لأن الأنبياء ظاهرة يدل على أن جميع الأنبياء أى عيسى ومن قبله ركبوه قال الإمام النووى القول باشتراك جميع الأنبياء فى ركبوها يحتاج إلى نقل صحيح هذا كلامه
ومما يدل على أن الأنبياء كانت تركبه قبله صلى الله عليه وسلم ما تقدم وظاهر ما سيأتى فى بعض الروايات فربطه بالحلقة التى توثق بها الأنبياء وإنما قلنا ظاهر لأنه لم يذكر الموثق بفتح المثلثة إذ يحتمل أن الأنبياء كانت تربط غير البراق من دوابهم بها ثم رأيت فى رواية البيهقى فأوثقت دابتى يعنى البراق التى كانت الأنبياء تربطها فيه
ومن ثم قال الشيخ عبد الوهاب الشعرانى رحمه الله مامن رسول إلا وقد أسرى به راكبا على ذلك البراق هذا كلامه وقد تقدم أن إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه حمل هو وهاجر وولدهما يعنى إسماعيل على البراق إلى مكة
وفى تاريخ الأزرقى وكان إبراهيم يحج كل سنة على البراق فعن سعيد بن المسيب وغيره أن البراق هو دابة إبراهيم عليه الصلاة والسلام التى كان يزور عليها البيت الحرام وعلى تسليم أنه لم يركب البراق أحد قبله صلى الله عليه وسلم كما يقول ابن دحية ووافقه الإمام النووى فقول جبريل عليه الصلاة والسلام ما ركبك ونحوه لا ينافيه لأن السالبة تصدق بنفى الموضوع ومن ثم قال فى الخصائص الصغرى وخص صلى الله عليه وسلم بركوب البراق فى أحد القولين أى وقيل إن الذى خص به هو ركوبه مسرجا ملجما
وفى المنتقى أن البراق وإن كان يركبه الأنبياء إلا أنه لم يكن يضع حافره عند منتهى طرفه إلا عند ركوب النبى صلى الله عليه وسلم وجاء فى غريب التفسير أن البراق لما شمس قال له جبريل لعلك يا محمد مسيت الصفر اليوم وهو صنم كان بعضه من ذهب وبعضه من نحاس كسره صلى الله عليه وسلم يوم الفتح فقال له صلى الله عليه وسلم ما مسيته إلا أنى مررت به وقلت تبا لمن يعبدك من دون الله فقال جبريل وما شمس إلا لذلك أى لمجرد مرورك عليه وهذا حديث موضوع كما نقل عن الإمام أحمد
وقال الحافظ ابن حجر إنه من الأخبار الواهية وقال مغلطاى لا ينبغى أن يذكر ولا يعزى لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويقال فرس شموس أى صعبة ولا يقال شموسة وذكر لاستصعاب البراق غير ذلك من الحكم لانطيل بذكره
قال وعن الثعلبى بسند ضعيف فى صفة البراق عن ابن عباس له خد كخد الإنسان وعرف كعرف الفرس وقوائم كالإبل وأظلاف وذنب كالبقر أى وحينئذ يكون إطلاق الخف على ذلك فى الرواية السابقة ينتهى خفها حيث ينتهى طرفها مجازا لأن مع كونها لها قوائم كقوائم الإبل لا خف لها بل ظلف وهو الحافر
وفى كلام بعضهم فى صفة البراق وجهه كوجه الإنسان وجسده كجسد الفرس وقوائمه كقوائم الثور وذنبه كذنب الغزال لا ذكر ولا أنثى اه ومن وصف بوصف المذكر تارة وبوصف المؤنث أخرى فهى حقيقة ثالثة ويكون خارجا من
قوله تعالى ومن كل شىء خلقنا زوجين كما خرجت من ذلك الملائكة فإنهم ليسوا ذكورا ولا إناثا
وذكر بعضهم أن أذنيها كأذنى الفيل وعنقها كعنق البعير وصدرها كصدر الفيل كأنه من ياقوت أحمر لها جناحان كجناح النسر فيهما من كل لون قوائمها كقوائم الفرس وذنبها كذنب البعير ويحتاج إلى الجمع بين هذه الروايات على تقدير الصحة
قال صلى الله عليه وسلم ثم سرت وجبريل عليه الصلاة والسلام لا يفارقنى أى وفى رواية أنه ركب معه البراق وفى الشفاء مازايلا ظهر البراق حتى رجعا وفى رواية ركبت البراق خلف جبريل أى وفى صحيح ابن حبان وحمله جبريل على البراق رديفا له
قال وفى الشرف كان الآخذ بركابه جبريل وبزمام البراق ميكائيل وفى رواية جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره اه
أقول لا منافاة لجواز أن يكون جبريل تارة ركب مردفا له صلى الله عليه وسلم وتارة أخذ بركابه من جهة اليمين وميكائيل تارة أخذ بالزمام وتارة لم يأخذه وكان جهة يساره أو كان آخذ بالزمام من جهة اليسار ولا يخالف هذا الجمع قول الشفاء مازايلا ظهر البراق لإمكان حمله على غالب المسافة هذا وفى حياة الحيوان الظاهر عندى أن جبريل لم يركب مع النبى صلى الله عليه وسلم البراق ليلة الإسراء لأنه المخصوص بشرف الإسراء هذا كلامه فليتأمل والله أعلم
قال صلى الله عليه وسلم ثم انتهيت إلى بيت المقدس فأوثقته بالحلقة التى بالباب أى باب المسجد التى كانت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام توثق أى تربط بهاأى تربطه بها على ما تقدم عن رواية البيهقى وفى رواية أن جبريل خرق بأصبعه الحجر أى الذى هو الصخرة وفى كلام بعضهم فأدخل جبريل يده في الصخرة فخرقها وشد به البراق
أقول لا منافاة لجواز أن يكون المراد وسع الخرق بأصبعه أو فتحه لعروض انسداده وأن هذا الخرق هو المراد بالحلقة التى فى الباب لأن الصخرة بالباب وقيل لهذا الخرق حلقة لاستدارته
وفى الإمتاع وعادت صخرة بيت المقدس كهيئة العجين فربط دابته فيها والناس يلتمسون ذلك الموضع إلى اليوم هذا كلامه
وجمع بعضهم بأنه صلى الله عليه وسلم ربطه بالحلقة خارج باب المسجد الذى هو مكان الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تأدبا فأخذه جبريل فربطه فى زاوية المسجد فى الحجر الذى هو الصخرة التى خرقها بأصبعه وجعله داخلا عن باب المسجد فكأنه يقول له إنك لست ممن يكون مركوبه على الباب بل يكون داخلا
وفى حديث أبى سفيان قبل إسلامه لقيصر أنه قال لقيصر يحط من قدره صلى الله عليه وسلم ألا أخبرك أيها الملك عنه خبرا تعلم منه أنه يكذب قال وما هو قال إنه يزعم أنه خرج من أرضنا أرض الحرم فجاء مسجدكم هذا ورجع إلينا فى ليلة واحدة فقال بطريق أنا أعرف تلك الليلة فقال له قيصر ما علمك بها قال إنى كنت لا أبيت ليلة حتى أغلق أبواب المسجد فلما كانت تلك الليلة أغلقت الأبواب كها غير باب واحد أى وهو الباب الفلانى غلبنى فاستعنت عليه بعمالى ومن يحضرنى فلم نقدر فقالو إن البناء نزل عليه فاتركوه إلى غد حتى يأتى بعض النجارين فيصلحه فتركته مفتوحا فلما أصبحت غدوت فإذا الحجر الذى من زاوية الباب مثقوب أى زيادة على ماكان عليه على ماتقدم وإذا فيه أثر مربط الدابة أى التى هى البراق أى ولم أجد بالباب مايمنعه من الإغلاق فعلمت أنه إنما امتنع لأجل ما كنت أجده فى العلم القديم أن نبيا يصعد من بيت المقدس إلى السماء وعند ذلك قلت لأصحابى ماحبس هذا الباب الليلة إلا هذا الأمر وسيأتى ذلك عند الكلام على كتابه صلى الله عليه لقيصر ولا يخفى أن المراد بالصخرة الحجر الذي بالباب لا الصخرة المعروفة كما هو المتبادر من بعض الروايات وهي فأتى جبريل الصخرة التى فى بيت المقدس فوضع أصبعه فيها فخرقها فشد بها البراق لأن الذى فى بابه يقال إنها فيه ولا يخفى أن عدم انغلاق الباب إنما كان آية وإلا فجبريل عليه الصلاة والسلام لا يمنعه باب مغلق ولا غيره
وفى رواية عن شداد بن أوس أنه قال ثم انطلق بى أى جبريل حتى دخلنا المدينة يعنى مدينة بيت المقدس من بابها اليمانى فأتى قبلة المسجد فربط فيها دابته
قد يقال لا يخالفه لأنه يجوز أن يكون ذلك الباب كان بجانب قبلة المسجد ولعل هذا الباب هو اليمانى الذى فيه صورة الشمس والقمر ففى رواية ودخل المسجد من باب فيه تمثال الشمس والقمر أى مثالهما فيه والله أعلم
وأنكر حذيفة رضى الله تعالى عنه رواية ربط البراق وقال لم يفر منه وقد سخره له
عالم الغيب والشهادة ورد عليه بأن الأخذ بالحزم لا ينافى صحة التوكل فعن وهب ابن منبه رضى الله عنه الإيمان بالقدر لا يمنع الحازم من توقى المهالك قال وهب وجدته فى سبعين من كتب الله عزوجل القديمة اى ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم اعقلها وتوكل وقد كان صلى الله عليه وسلم يتزود فى أسفاره ويعد السلاح فى حروبه حتى لقد ظاهر بين درعين فى غزوة أحد قال وفى رواية فلما استوى النبى صلى الله عليه وسلم فى صخرة المسجد قال جبريل يا محمد هل سألت ربك أن يريك الحور العين قال نعم قال جبريل فانطلق إلى أولئك النسوة فسلم عليهن فرددن عليه السلام فقال من أنتن قلن خيرات حسان قوم أبرار نقلوا فلم يدرنوا وأقاموا فلم يظنعوا وخلدوا فلم يموتوا اه
أقول فى كلام بعضهم أنه لم يختلف أحد أنه صلى الله عليه وسلم عرج به من عند القبة التى يقال لها قبة المعراج من عند يمين الصخرة وقد جاء صخرة بيت المقدس من صخور الجنة وفى لفظ سيدة الصخور صخرة بيت المقدس وجاء صخرة بيت المقدس على نخلة والنخلة على نهر من أنهار الجنة وتحت النخلة آسية امرأة فرعون ومريم ابنة عمران ينظمان سموط أهل الجنة إلى يوم القيامة قال الذهبى إسناده مظلم وهو كذب ظاهر
قال الإمام أبو بكر بن العربى فى شرحه لموطا مالك صخرة بيت المقدس من عجائب الله تعالى فإنها صخرة قائمة شعثاء فى وسط المسجد الأقصى قد انقطعت من كل جهة لا يمسكها إلا الذى يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه فى أعلاها من جهة الجنوب قدم النبى صلى الله عليه وسلم حين ركب البراق وقد مالت من تلك الجهة لهيبته صلى الله عليه وسلم وفى الجهة الأخرى أصابع الملائكة التى أمسكتها لما مالت ومن تحتها المغارة التى انفصلت من كل جهة أى فهى معلقة بين السماء والأرض وامتنعت لهيبتها من أن أدخل تحتها لأنى كنت أخاف أن تسقط على بالذنوب ثم بعد مدة دخلتها فرايت العجب العجاب تمشى فى جوانبها من كل جهة فتراها منفصلة عن الأرض لا يتصل بها من الأرض شىء ولا بعض شىء وبعض الجهات أشد انفصالا من بعض وهذا الذى ذكره ابن العربى أن قدمه صلى الله عليه وسلم أثر فى صخرة بيت المقدس حين ركب البراق وأن الملائكة أمسكتها لما مالت قال به الحافظ ناصر الدين الدمشقى حيث قال فى معراجه المسجع ثم توجها نحو صخرة بيت المقدس وعماها فصعد من جهة الشرق
أعلاها فاضطربت تحت قدم نبينا صلى الله عليه وسلم ولانت فأمسكتها الملائكمة لما تحركت ومالت
وقول ابن العربى حين ركب البراق يقتضى أنه عرج به على البراق وسيأتى الكلام فيه وتقدم أن الجلال السيوطى سئل عن غوص قدمه صلى الله عليه وسلم فى الحجر هل له أصل فى كتب الحديث فأجاب بأنه لم يقف فى ذلك على أصل ولا رأى من خرجه فى شىء من كتب الحديث وتقدم مافيه
وفى العرائس قال أبى بن كعب ما من ماء عذب إلا وينبع من تحت الصخرة ببيت المقدس ثم يتفرق فى الأرض والله سبحانه وتعالى أعلم
قال صلى الله عليه وسلم فنشر لى بضم النون وكسر الشين المعجمة أى أحيي لى بعد الموت رهط من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لأن نشر الميت إحياؤه والرهط مادون العشرة من الرجال فيهم إبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام أى وحكمة تخصيص هؤلاء بالذكر لا تخفى فصليت بهم وكلمتهم أى فالمراد نشروا عند دخوله صلى الله عليه وسلم المسجد وصلى بهم ركعتين ووصفهم بالنشور واضح فى غير عيسى عليه الصلاة والسلام لأنه لم يمت ووصف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالإحياء بعد الموت سيأتى فى قصة بدر فى الكلام على أصحاب القليب ما يعلم منه أن المراد بإحياء الأنبياء بعد الموت شدة تعلق أرواحهم بأجسادهم حتى انهم فى البرزخ بسبب ذلك أحياء كحياتهم فى الدنيا وقد ذكرنا هناك الكلام على صلاتهم فى البرزخ وحجهم وغير ذلك وفى رواية ثم صلى صلى الله عليه وسلم هو وجبريل كل واحد ركعتين فلم يلبثا إلا يسيرا حتى اجتمع ناس كثير أى مع أولئك الرهط فلا مخالفة بين الروايتين فعرف النبيين من بين قائم وراكع وساجد ثم أذن مؤذن وأقيمت الصلاة
أقول ذكر ابن حبيب أن آية واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا الآية نزلت ببيت المقدس ليلة الإسراء ويجوز أن يكون قوله واقيمت الصلاة من عطف التفسير فالمراد بالأذان الإقامة وليس المراد بالإقامة الألفاظ المعروفة الآن لما سيذكر فى الكلام على مشروعية الأذان والإقامة بالمدينة وعلى أنه من عطف المغاير ويدل له مافى بعض الروايات فلما استوينا فى المسجد أذن مؤذن ثم أقام الصلاة فليس من لازم ذلك أن يكون كل من التأذين والإقامة باللفظين المعروفين الآن لأنهما كما علمت لم يشرعا إلا فى المدينة أى فى السنة الأولى من الهجرة وقيل فى الثانية كما سيأتى
وحديث لما أسرى بالنبى صلى الله عليه وسلم إلى السماء أوحى الله تعالى إليه بالأذان فنزل به فعلمه بلالا قال الحافظ ابن رجب موضوع وحديث علم رسول الله صلى الله عليه وسلم الأذان ليلة أسرى به فى إسناده متهم وفى الخصائص الكبرى أنه صلى الله عليه وسلم علم الإقامة ليلة الإسراء فقد جاء لما أراد الله عزوجل أن يعلم رسوله الأذان أى الإقامة عرج به إلى أن انتهى إلى الحجاب الذى يلى الرحمن أى عرشه خرج ملك من الحجاب فقال الله أكبر الله أكبر فقيل من وراء الحجاب صدق عبدى أنا أكبر أما أكبر ثم قال الملك أشهد أن لا إله إلا الله فقيل من وراء الحجاب صدق عبدى لا إله إلا أنا فقال الملك أشهد أن محمدا رسول الله فقيل من وراء احجاب صدق عبدى أنا أرسلت محمدا فقال الملك حى على الصلاة حى على الفلاح قد قامت الصاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله فأخذ الملك بيد محمد صلى الله عليه وسلم فقدمه يؤم بأهل السموات قال فى الشفاء والحجاب إنما هو فى حق المخلوق لا فى حق الخالق فهم المحجوبون قال فإن صح القول بان محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه فيحتمل أنه فى غير هذا الموطن بعد رفعالحجاب عن بصره حتى رآه
وجاء أنه صلى الله عليه وسلم سأل جبريل عن ذلك فقال جبريل إن هذا الملك ما رأيته قبل ساعتي هذه وفي لفظ والذي بعثك بالحق إني لأقرب الخلق مكانا وإن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتى هذه وفيه أن هذا يقتضى أن جبريل عليه السلام كان معه صلى الله عليه وسلم فى هذا المكان وسيأتى أنه تخلف عنه عند سدرة المنتهى فليتأمل والله أعلم
ولما أقيمت الصلاة ببيت المقدس قاموا صفوفا ينتظرون من يؤمهم فأخذ جبريل بيده صلى الله عليه وسلم فقدمه فصلى بهم ركعتين
أى وأما حديث لما أسرى بى أذن جبريل فظنت الملائكة أنه يصلى بهم فقدمنى فصليت بالملائكة قال الذهبى منكر بل موضوع والغرض من تلك الصلاة الإعلام بعلو مقامه صلى الله عليه وسلم وأنه المقدم لا سيما فى الإمامة
وفى رواية ثم أقيمت الصلاة فتدافعوا أى دفعوا حتى قدموا محمد صلى الله عليه وسلم أى ولا مخالفة لأنه يجوز أن يكون جبريل قدمه صلى الله عليه وسلم بعد دفعهم وتقديمهم له صلى الله عليه وسلم وفى رواية فأذن جبريل أى أقام الصلاة ونزلت
الملائكة من السماء وحشر الله له المرسلين أى جميعهم وقد نزلت الملائكة وحشر له الأنبياء أى جميعهم بدليل مافى بعض الروايات بعث له آدم فمن دونه فهو تعميم بعد تخصيص بناء على أن الرسول أخص من النبى لا بمعناه وهذا هو المراد بقوله الخصائص الصغرى ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم إحياء الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وصلاته إماما بهم وبالملائكة لأن الأنبياء أحياء
وفيه إذا كان الأنبياء أحياء فما معنى إحيائهم له ليصلى بهم وقد علمت معنى إحيائهم فلما انصرف صلى الله عليه وسلم قال جبريل يا محمد أتدرى من صلى خلفك قال لا قال كل نبى بعثه الله تعالى أى والنبى غير الرسول بعثه الله تعالى إلى نفسه
أقول ولا يخاللف ما سبق من أنه عرف النبيين منه بين قائم وراكع وساجد لجواز أن يكون المراد عرف معظمهم أو أنه عرفهم بعد هذا القول
وذكر القرطبى فى تفسيره عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما قال لما أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس جمع الله له الأنبياء آدم فمن دونه وكانوا سبعة صفوف ثلاثة صفوف من الأنبياء المرسلين وأربعة من سائر الأنبياء وكان خلف ظهره إبراهيم الخليل وعن يمينه إسمعيل وعن يساره إسحاق صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين والله أعلم وفى رواية ثم دخل أى مسجد بيت فصلى مع الملائكة فلما قضيت الصلاة قالوا يا جبريل من هذا الذى معك قال هذا محمد رسول االع صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين والمرسلين قالوا وقد أرسل إليه أي للمعراج بناء على أنه كان في ليلة الإسراء قال نعم قالوا حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة وهذه الرواية قد يقال لا تخالف ماسبق من أنه صلى الله عليه وسلم صلى بالملائكة مع الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين لأنه يجوز أن يكون إنما أفردهم بالذكر لسؤالهم
وفيه أن سؤالهم يدل على أن نزولهم من السماء لبيت المقدس لم يكن لأجل الصلاة معه صلى الله عليه وسلم
قال القاضى عياض والأظهر أن صلاته صلى الله عليه وسلم بهم يعنى بالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين فى بيت المقدس كانت قبل العروج أى كما يدل على
ذلك سياق القصة وقال الحافظ ابن كثير صلى بهم فى بيت المقدس قبل العروج وبعده فإن فى الحديث مايدل على ذلك ولا مانع منه
قال ومن الناس من يزعم أنه إنما أمهم فى السماء أى لا فى بيت المقدس أى وهذا الزاعم هو حذيفة فإنه أنكر صلاته صلى الله عليه وسلم بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام فى بيت المقدس قال بعضهم والذى تظافرت به الروايات صلاته صلى الله عليه وسلم بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام ببيت المقدس
والظاهر أنه بعد رجوعه صلى الله عليه وسلم إليه أى فلم يصل فى بيت المقدس إلا مرة واحدة وإنها بعد نزوله صلى الله عليه وسلم لأنه لما مر بهم فى منازلهم جعل يسأل جبريل عنهم واحدا واحدا وهو يخبره بهم أى ولو كان صلى بهم أولا لعرفهم بل تقدم أنه صلى الله عليه وسلم عرف النبيين مابين قائم وراكع وساجد وما بالعهد من قدم وهذا هو اللائق لأنه صلى الله عليه وسلم أولا كان مطلوبا إلى الجناب العلوى أى بناء على أن المعراج كان فى ليلة الإسراء وحيث كان مطلوبا لذلك اللائق أن لا يشتغل بشىء عنه فلما فرغ من ذلك اجتمع هو صلى الله عليه وسلم وإخوته من النبيين ثم أظهر شرفه عليهم فقدمه فى الإمامة هذا كلامه
أقول بحث أن صلاته صلى الله عليه وسلم ببيت المقدس ولم تكن إلا بعد رجوعه صلى الله عليه وسلم من العروج والاستدلال على ذلك بسؤاله صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء عليهم الصلاة واللام واحدا واحدا فى السماء وأن ذلك هو اللائق فيه نظر ظاهر لأنه لا بحث مع وجود النقل بخلافه ومجرد الاستحسان العقلى لا يرد النقل فقد تقدم عن الحافظ ابن كثير أنه ثبت فى الحديث مايدل على أنه صلى الله عليه وسلم صلى بهم ببيت المقدس قبل العروج وبعده وكونه سأل عن الأنبياء فى السماء لا ينافى صلاته بهم أولا وأنه عرفهم بناء على تسليم أن معرفته لهم كانت عند صلاته بهم أولا وأنه عرفهم كلهم لا معظمهم على ما قدمناه لأنه يجوز أن يكونوا فى السماء على صور لم يكونوا عليها ببيت المقدس لأن البرزخ عالم مثال كما تقدم
وبهذا يعلم مافى قول بعضهم رؤيته صلى الله عليه وسلم للأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم فى السماء محمولة على رؤية أرواحهم إلا عيسى وإدريس عليهما الصلاة والسلام ورؤيته صلى الله عليه وسلم لهم فى بيت المقدس يحتمل أن المراد أرواحهم ويحتمل
أجسادهم ويدل للثانى وبعث له أدم فمن دونه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وفى رواية فنشر لى الأنبياء من سمى الله ومن لم يسم فصليت بهم صلى الله عليه وسلم وعليهم والاشتغال عن الجناب العلوى المدعو له بما فيه تأنيس وهو اجتماعه صلى الله عليه وسلم بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام وصلاته بهم مناسب لائق بالحال والله أعلم
واختلف فى هذه الصلاة فقيل العشاء أى الركعتان اللتان كان صلى الله عليه وسلم يصليهما بالعشاء بناء على أنه صلى ذلك قبل العروج
وفيه أنه صلى تينك الركعتين اللتين كان يصليهما بالغداة أى وهذا يدل على أن الفجر طلع وهو صلى الله عليه وسلم ببيت المقدس بعد العروج وتقدم وسيأتى أنه صلى الغداة بمكة وعليه تكون معادة بمكة
قال والذى يظهر والله أعلم أنها كانت من النفل المطلق انتهى أى ولا يضر وقوع الجماعة فيها وبقولنا أى الركعتان إلى آخره يسقط ماقيل القول بأنها العشاء أو الصبح ليس بشيء لأن أول صلاة صلاها من الخمس مطلقا الظهر ومن حمل الأولية على مكة أى ويكون صلى الصبح ببيت المقدس فعليه الدليل أى دليل يدل على أن تلك الصلاة إحدى الصلوات الخمس
وفى زين القصص كان زمن ذهابه صلى الله عليه وسلم ومجيئه ثلاث ساعات وقيل أربع ساعات أى بقيت من تلك الليلة لكن فى كلام السبكى أن ذلك كان فى قدر لحظة حيث قال فى تائيته وعدت وكل الأمر فى قدر لحظة أى ولا بدع لأن الله تعالى قد يطيل الزمن القصير كما يطوى الطويل لمن يشاء وقد فسح الله فى الزمن القصير لبعض أولياء أمته ما يستغرق الأزمنة الكثيرة وفى ذلك حكايات شهيرة
قال صلى الله عليه وسلم وأتيت بإنائين أحمر وأبيض فشربت الأبيض فقال لى جبريل شربت اللبن وتركت الخمر لو شربت الخمر لارتدت أمتك أى غوت واتهمكت فى الشرب بدليل الرواية الأخرى وهى رواية البخارى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به بإيليا بقدحين من خمر ولبن فنظر إليهما فاخذ اللبن فقال جبريل الحمد لله الذى هداك للفطرة اى الإستقامة لو أخذت الخمرة غوت
أمتك ولم يتبعك منهم إلا القليل أى يكونوا على ما أنت عليه من ترك ذلك فالمراد بالارتداد الرجوع عما هو الصواب وإتيانه بذلك وهو فى المسجد ببيت المقدس وسيأتى ما يدل على أنه أتى له صلى الله عليه وسلم بذلك أيضا بعد خروجه صلى الله عليه وسلم منه قبل العروج
قال صلى الله عليه وسلم واستويت على ظهر البراق فما كان بأسرع من أن أشرفت على مكة ومعى جبريل فصليت به الغداة ثم قال صلى الله عليه وسلم لأم هانىء بعد أن أخبرها بذلك أنا أريد ان أخرج إلى قريش فأخبرهم بما رأيت قالت أم هانىء فعلقت بردائه صلى الله عليه وسلم وقلت أنشدك الله أى بفتح الهمزة أسألك بالله ابن عم أى يا ابن عم أن تحدث أى لا تحدث بهذا قريشا فيكذبك من صدقك وفى رواية إنى أذكرك الله عز وجل أنك تأتى قوما يكذبونك وينكرون مقالتك فأخاف أن يسطوا بك فضرب بيده الشريفة على ردائه فانتزعه من يدى فارتفع على بطنه صلى الله عليه وسلم فنظرت إلى عكنه أى طبقات بطنه من السمن فوق ردائه صلى الله عليه وسلم وكأنه طى القراطيس أى الورق وإذا نور ساطع عند فؤاده كاد يخطف بفتح الطاء وربما كسرت بصرى فخررت ساجدة فلما رفعت رأسى إذ هو قد خرج فقلت لجاريتى نبعة أى وكانت حبشية معدودة فى الصحابة رضى الله عنها اتبعيه وانظرى ماذا يقول فلما رجعت أخبرتنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى إلى نفر من قريش فى الحطيم هو مابين باب الكعبة والحجر الأسود وفى كلام بعضهم بين الركن والمقام سمى بذلك لأن الناس يحطم بعضهما بعضا فيه من الازدحام لأنه من مواطن إجابة الدعاء قيل ومن حلف فيه آثما عجلت عقوبته وربما أطلق كما تقدم على الحجر بكسر الحاء وأولئك النفر الذين انتهى صلى الله عليه وسلم إليهم فيهم المطعم بن عدى وأبو جهل بن هشام والوليد ابن المغيرة فقال صلى الله عليه وسلم إنى صليت الليلة العشاء أى أوقعت صلاة فى ذلك الوقت فى هذا المسمجد وصليت به الغداة أى أوقعت صلاة فى ذلك الوقت وإلا فصلاة العشاء لم تكن فرضت وكذا صلاة الغداة التى هى الصبح لم تكن فرضت كما تقدم وأتيت فيما بين ذلك بيت المقدس
أى لا يقال كان المناسب لذلك أن يقول وأتيت فى لحظة أو ساعات وعلى ما تقدم فيما بين ذلك ببيت المقدس ولم يوسع لهم الزمن لأنا نقول وسع لهم الزمن لأن الطباع لا تنفر منه نفرتها من تلك فليتأمل
قال وجاء أنه صلى الله عليه وسلم لما دخل المسجد قطع وعرف أن الناس تكذبه أى وما أحب أن يكتم ما هو دليل على قدرة الله تعالى وما هو دليل على علو مقامه صلى الله عليه وسلم الباعث على اتباعه فقعد صلى الله عليه وسلم حزينا فمر به عدو الله أبو جهل فجاء حتى جلس إليه صلى الله عليه وسلم فقال كالمستهزىء هل كان من شيء قال نعم أسرى بى الليلة قال إلى أين قال إلى بيت المقدس قال ثم أصبحت بين ظهرانينا قال نعم قال فلم ير أنه يكذبه مخافة أن يجحده الحديث إن دعا قومه إليه قال أرأيت إن دعوت قومك أتحدثهم ما حدثتنى قال نعم قال يا معشر بنى كعب بن لؤى فانقضت إليه المجالس وجاءوا حتى جلسوا إليهما فقال حدث قومك بما حدثتنى به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنى أسرى بى الليلة قالوا إلى أين قال إلى بيت المقدس الحديث انتهى فنشر لى رهط من الأنبياء منهم إبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام وصليت بهم وكلمتهم فقال أبو جهل كالمستهزىء صفهم لى فقال صلى الله عليه وسلم أما عيسى عليه الصلاة والسلام ففوق الربعة ودون الطويل أى لا طويل ولا قصير عريض الصدر ظاهر الدم أى لونه أحمر وفى رواية يعلوه حمرة كأنما يتحادر من لحيته الجمان وفى رواية كأنه خرج من ديماس أى من حمام وأصله الكن الذى يخرج منه الإنسان وهو عرقان وأصله الظلمة يقال ليل دامس والحمام لفظ عربى وأول واضع له الجن وضعته لسيدنا سليمان على نبينا وعليه الصلاة والسلام وقيل الواضع له بقراط وقيل شخص سابق على بقراط استفاده من رجل كان به تعقيد العصب فوقع في ماء حار في جب فسكن فصار يستعمله حتى برىء
وجاء من طرق عديدة كلها ضعيفة لكن يقوى بعضها بعضا إن سليمان عليه الصلاة والسلام لما دخله ووجد حره وغمه قال أواه من عذاب الله لان دخول الحمام يذكر النار لأن الحمام أشبه شىء بجهنم لان النار أسفله والسواد والظلمة أعلاه وقد قيل خير الحمام ماقدم بناؤه واتسع فناؤه وعذب ماؤه قال بعضهم ويصير قديما بعد سبع سنين قال بعضهم ولم يعرف الحمام فى بلاد الحجاز قبل البعثة وإنما عرفه الصحابة بعد موته صلى الله عليه وسلم بعد أن فتحوا بلا د العجم
وفيه أن فى البخارى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتدرون بيتا يقال له الحمام قالوا يا رسول الله إنه يذهب بالدرن وينفع المريض
قال فاستتروا وفى رواية أنه لما قال صلى الله عليه وسلم اتقوا بيتا يقال له الحمام فقالوا يا رسول الله إنه يذهب بالدرن وينفع المريض الوسخ ويذكر النار قال إن كنتم لا بد فاعلين فمن دخله فليستتر وهو صريح فى أن الصحابة رضى الله تعالى عنهم عرفوه فى زمنه صلى الله عليه وسلم إلا أن يقال جاز أن يكونوا عرفوه من غيرهم بهذا الوصف لهم والمنفى فى كلام هذا البعض معرفتهم له بالدخول فيه ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم بيتا يقال له الحمام وقوله صلى الله عليه وسلم ستفتح عليكم أرض العجم وستجدون فيها بيوتا يقال لها الحمامات
وأما ما جاء عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه صلى الله عليه وسلم دخل حمام الجحفة فلا يرد لأنه على تقدير صحته فالمراد به أنه محل للاغتسال فيه لا بالهيئة المخصوصة وكذا لا يرد مافى معجم الطبرانى الكبير عن أبى رافع أنه قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بموضع فقال نعم موضع الحمام هذا فبنى فيه حمام لجواز أن يكون بنى ذلك بعد موته صلى الله عليه وسلم فهو من أعلام نبوته قال بعضهم ولعله قال ذلك لقبح الموضع أى فقول بعضهم ويكفى ذلك فى فضيلة الحمام ليس فى محله
وفيه أن هذا البعض لم يعول فى الفضيلة على هذا فقط بل عليه وعلى ما رواه البخارى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما الذى فيه لأنه يذهب بالدرن وينفع المريض
ولايرد أيضا مافى مسند أحمد عن أم الدرداء رضى الله تعالى عنها أنها خرجت من الحمام فلقيها رسول اله صلى الله عليه وسلم فقال لها من أين يا أم الدرداء قالت من الحمام لأن فى سنده ضعيفا ومتروكا ولأنه يجوز أن يكون المراد به أنه محل الاغتسال لا أنه المبنى على الهيئة المخصوصة كما تقدم وبه يجاب أيضا عما فى مسند الفردوس إن صح عن ابن عمر رضى اله تعالى عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لأبى بكر وعمر رضى الله تعالى عنهما وقد خرجا من الحمام طاب حمامكما
قال ابن القم ولم يدخل المصطفى صلى الله عليه وسلم حماما قط ولعله ما رآه بعينيه هذا كلامه وعن فرقد السنجى أنه ما دخل الحمام نبى قط ويشكل عليه ماتقدم عن سليمان عليه الصلاة والسلام
واعترض بعضهم قول ابن القيم لعله صلى الله عليه وسلم مارأى الحمام بعينه بأنه صلى الله عليه وسلم دخل الشام وبها حمامات كثيرة فيبعد أنه ما رأها نعم لم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم دخل شيئا منها
وفيه أنه قد يقال هو صلى الله عليه وسلم لم يدخل بلاد الشام إلا بصرى وجاز أن لا يكون بها حمام حين دخوله صلى الله عليه وسلم إليها
وفى الطبرانى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما مرفوعا شر البيوت الحمام تعلو فيه الأصوات وتكشف فيه العورات فمن دخله لا يدخله إلا مستترا ورجاله رجال الصحيح إلا شخص منهم فيه مقال وما أحسن قول الإمام الغزالى ورد نعم البيت الحمام يطهر البدن ويذهب الدرن ويذكر النار وبئس البيت الحمام يبدى العورة ويذهب الحياء فهذا تعرض لأنفه وذلك تعرض لفائدته ولا بأس بطلب الفائدة مع التحرز عن الآفة
والحاصل أن الحمام تعتريه الأحكام الخمسة فيكون واجبا وحراما ومندوبا ومكروها ومباحا والاصل فيه عندنا معاشر الشافعية الإباحة للرجال مع ستر العورة مكروه للنساء مع ستر العورة حيث لا عذر وهو محمل ما جاء من كان يؤمن بالله واليوم الآخر من نسائكم فلا يدخل الحمامات ومع عدم ستر العورة حرام وهو محمل ما جاء الحمام حرام على نساء أمتى
وأول من اتخذ الحمام فى القاهرة العزيز ابن المعز العبيدى أحد الفواطم قال بعضهم ليس فى شأن الحمام ما يعول عليه إلا قول المصطفى صلى الله عليه وسلم فى صفة عيسى عليه الصلاة والسلام كأنما خرج من ديماس
وقال غيره أصح حديث فى هذا الباب حديث اتقوا بيتا يقال له الحمام فمن دخله فليستتر وقال ابن عمر فى وصف عيسى عليه الصلاة والسلام إنما هو آدم وحلف بالله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل فى عيسى إنه أحمر وإنما قال آدم وإنما اشتبه على الراوى وأجاب الإمام النووى بأن الراوى لم يرد حقيقة الحمرة بل ما قاربها أى والحمرة المقاربة لها أى للأدمة يقال لها أدمة أى كما يقال لها حمرة فلا منافاة قال صلى الله عليه وسلم جاعد الشعر أى فى شعره تثن وتكسر
أقول ينبغى حمل جعد الذى جاء فى بعض الروايات وإذا هو بعيسى جعد على هذا ثم رأيت النووى قال قال العلماء المراد بالجعد هنا جعوده الجسم وهو اجتماعه واكتنازه وليس المراد جعودة الشعر فليتأمل والله أعلم تعلوه صهبة أى يعلو شعره
شقرة كأنه عروة بن مسعود الثقفى أى رضى الله تعالى عنه فإنه بعد انصرافه صلى الله عليه وسلم من الطائف لحق به قبل أن يدخل المدينة وأسلم ثم جاء إلى قومه ثقيف يدعوهم إلى الإسلام فقتلوه وقال صلى الله عليه وسلم فى حقه إن مثله فى قومه كصاحب يس كما سيأتى ذلك
وأما موسى عليه الصلاة والسلام فضخم آدم أى أسمر ومن ثم كان خروج يده بيضاء مخالفا لونها لسائر لون جسده آية طويل كأنه من رجال شنوءة طائفة من اليمن أى ينسبون إلى شنوءة وهو عبد الله بن كعب من أولاد الأزد لقب بذلك لشنآن كان بينه وبين اهله وقيل لأنه كان فيه شنوءة وهو التباعد من الأدناس وفى رواية كأنه من رجال أزدعمان هو أبو حى من اليمن وعمان هذه بضم العين المهملة وتخفيف الميم بلدة باليمن سميت بذلك لأنه نزلها عمان بن سنان من ولد إبراهيم عليه الصلاة والسلام زأما عمان بفتح العين وتشديد الميم فيلدة بالشام سميت بذلك لأن عمان بن لوط كان سكنها وكما يقال أزدعمان يقال أزد شنوءة ورجال الأزدمعروفون بالطول
قال صلى الله عليه وسلم كثير الشعر غائر العينين متراكم الأسنان مقلص الشفتين خارج اللثة أى وهو اللحم الذى حول الأسنان عابس وأما إبراهيم عليه الصلاة والسلام فوالله إنه لأشبه الناس بى خلقا وخلقا وفى رواية لم أر رجلا أشبه بصاحبكم ولا صاحبكم أشبه به منه يعنى نفسه صلى الله عليه وسلم فضجوا وأعظموا ذلك وصار بعضهم يصفق وبعضهم يضع يده على رأسه تعجبا فقال المطعم بن عدى إن أمرك قبل اليوم كان أمما أى يسيرا غير قولك اليوم وأنا أشهد أنك كاذب نحن نضرب أكباد الإبل إلى بيت المقدس مصعدا شهرا ومنحدرا شهرا أتزعم أنك أتيته فى ليلة واحدة واللات والعزى لا أصدقك وما كان هذا الذى تقول قط وقال أبو بكر رضى الله تعالى عنه يا مطعم بئس ماقلت لابن أخيك جبهته أى استقبلته بالمكروه وكذبته أنا أشهد أنه صادق وفى رواية حين حدثهم بذلك ارتد ناس كانوا أسلموا أى وحينئذ فقول المواهب فصدقه الصديق وكل من آمن بالله فيه نظر إلا أن يراد من ثبت على الإسلام
وفى رواية سعى رجال من المشركين إلى أبى بكر رضى الله تعالى عنه فقالوا هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسرى به الليلة إلى بيت المقدس قال أوقد قال ذلك
قالوا نعم قال لئن قال ذلك لقد صدق قالوا تصدقه أنه ذهب إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح قال نعم إنى لاصدقه فيما هو أبعد من ذلك أصدقه فى خبر السماء فى غدوته أى وهى ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس وروحة أى وهى اسم للوقت من الزوال إلى الليل أى وهذا تفسير لهما بحسب الأصل وإلا فالمراد أنه ليخبرنى أن الخبر ليأتيه من السماء إلى الأرض فى ساعة واحدة من ليل أو نهار فأصدقه فهذا أى مجىء الخبر له من السماء بواسطة الملك أبعد مما تعجبون منه أى وحينئذ يجوز أن يكون قول أبى بكر للمطعم ما تقدم كان بعد هذا القول أى قاله بعد أن اجتمع به رسول الله صلى الله عليه وسلم وقود بلغته مقالته فلا مخالفة بين الروايتين وإلى إسرائه صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وتحديثه قريشا بذلك أشار صاحب الهمزية بقوله ** حظى المسجد الحرام بممشا ** هـولم ينس حظه إيلياء ** ** ثم وافى يحدث الناس شكرا ** إذ أتته من ربه النعماء **
أى جميع المسجد الحرام حصل له الحظ الأوفر بممشاه صلى الله عليه وسلم فيه ففضل سائر البقاع ولم ينس حظه من ممشاه صلى الله عليه وسلم بيت المقدس بل شرفه الله تعالى بمشيه فيه أيضا ففضل على ما عدا المسجدين أى مسجد مكة ومسجد المدينة ثم وافى صلى الله عليه وسلم مكة يحدث الناس لأجل قيامه بالشكر لله تعالى أو حال كونه شاكرا له تعالى وقت أو لأجل أن أتته من ربه النعماء فى تلك الليلة
ثم قال المطعم يا محمد صف لنا بيت المقدس أراد بذلك إظهار كذبه وقيل القائل له ذلك أبو بكر قال له صفه لى فإنى قد جئته أراد بذلك إظهار صدقه صلى الله عليه وسلم لقوله فقال دخلته ليلا وخرجت منه ليلا فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فصوره فى جناحه أى جاء بصورته ومثاله فى جناحه فجعل صلى الله عليه وسلم يقول باب منه كذا فى موضع كذا وباب منه كذا فى موضع كذا وأبو بكر رضى الله تعالى عنه يقول صدقت أشهد انك رسول الله حتى أتى على أوصافه أى ومعلوم أن من ذهب بيت المقدس من قريش يصدق على ذلك أيضا
وفى رواية لما كذبتنى قريش أى وسألتنى عن اشياء تتعلق ببيت المقدس لم أثبتها أى قالوا له كم للمسجد من باب فكربت كربا شديدا لم أكرب مثله قط قمت فى الحجر
فجلى الله عزوجل لى بيت المقدس أى وجلى بتشديد اللام وربما خففت كشفه لى أى بوجود صورته ومثاله فى جناح جبريل
وفى رواية فجىء بالمسجد أى بصورته وأنا أنظر إليه حتى وضع أى بوضع محله الذى هو جناح جبريل فلا مخالفة بين الروايات وهذا من باب التمثيل ومنه رؤية الجنة والنار فى عرض الحائط لا من باب طى المسافة وزوى الأرض ورفع الحجب المانعة من الاستطراق الذى ادعى الجلال السيوطى أنه أحسن ما يحمل عليه حديث رفع بيت المقدس حتى رآه النبى صلى الله عليه وسلم بمكة حال وصفه إياه لقريش صبيحة الإسراء إذ ذلك لا يجامع مجىء صورته فى جناح جبريل وإنما قلنا إن ذلك من باب التمثيل لأن من المعلوم أن أهل بيت المقدس لم يفقدوه تلك الساعة من بلدهم فرفعه إنما هو برفع محله الذى هو جناح جبريل
ثم رأيت ابن حجر الهيتمى قال الأظهر أنه رفع بنفسه كما جىء بعرش بلقيس إلى سليمان عليه الصلاة والسلام فى اسرع من طرفة عين ولك أن تتوقف فيه فان عرش بلقيس فقد بخلاف بيت المقدس وكان ذلك التجلى عند دار عقيل وتقدم أنها عند الصفا وأنها استمرت فى يد أولاد عقيل إلى أن آلت إلى يوسف أخى الحجاج وأن زبيدة أو الخيزران جعلتها مسجدا لما حجت كما تقدم وتقدم مافيه قال صلى الله عليه وسلم فطفقت أى جعلت أخبرهم عن آياته أى علاماته وأنا أنظر إليه أى وذلك قبل أن تحول الأبنية بين الحجرتلك الدار أى لقوله صلى الله عليه وسلم فقمت فى الحجر وهم يصدقونه صلى الله عليه وسلم على ذلك
ومن ثم قيل إن حكمة تخصيص الإسراء إلى المسجد الأقصى أن قريشا تعرفه فيسألونه عنه فيخبرهم بما يعرفونه مع علمهم أنه صلى الله عليه وسلم لم يدخل بيت المقدس قط فتقوم الحجة عليهم وكذلك وقع
وأما قول المواهب ولهذا لم يسألوه صلى الله عليه وسلم عما رأى أى فى السماء لأنهم لا عهد لهم بذلك يقتضى سياقه أنه أخبرهم بالمعراج عند إخباره لهم بالإسراء وسيأتى ما يخالفه على أنه سيأتى أنه قيل إن المعراج كان بعد الإسراء فى ليلة أخرى وقيل فى حكمة ذلك أيضا أن باب السماء الذى يقال له مصعد الملائكة يقابل بيت المقدس فيحصل العروج مستويا من غير تعويج
قال الحافظ ابن حجر وفيه نظر لورود أن فى كل سماء بيتا معمورا وأن الذى فى السماء الدنيا حيال الكعبة فكان المناسب أن يصعد من مكة ليصل إلى البيت المعمور من غير تعويج هذا كلامه ويقال عليه وإن سلم ذلك لكن لم يكن الباب فى تلك الجهة فإن ثبت أن فى السماء بابا يقابل الكعبة اتجه سؤاله
قالت نبعة جارية أم هانىء فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يومئذ يا أبا بكر إن الله تعالى قد سماك الصديق أى ومن ثم كان على رضى الله تعالى عنه يحلف بالله تعالى إن الله تعالى أنزل اسم أبى بكر من السماء الصديق
وأما ما رواه إسحاق بن بشر بسنده إلى أبى ليلى الغفارى قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سيكون بعدى فتنة فإذا كان ذلك فالزموا على بن أبى طالب فإنه أول من يرانى وأول من يصافحنى يوم القيامة وهو الصديق الأكبر وهو فاروق هذه الأمة يفرق بين الحق والباطل وهو يعسوب المؤمنين والمال يعسوب المنافقين قال فى الاستيعاب إسحاق بن بشر لا يحتج بنقله إذا انفرد لضعفه ونكارة أحاديثه هذا كلامه وفى مسند البزار بسند ضعيف أنه صلى الله عليه وسلم قال لعلى بن أبى طالب أنت الصديق الأكبروأنت الفاروق الذى يفرق بين الحق والباطل
وفى رواية أن كفار قريش لما أخبرهم صلى الله عليه وسلم بالإسراء إلى بيت المقدس ووصفه لهم قالوا له ما آية ذلك يا محمد أى ما العلامة الدالة على هذا الذى أخبرت به فإنا لم نسمع بمثل هذا قط أى هل رأيت فى مسراك وطريقك ما نستدل بوجوده على صدقك أى لأن وصفك لبيت المقدس يحتمل أن تكون حفظته عمن ذهب إليه قال صلى الله عليه وسلم آية ذلك أنى مررت بعير بنى فلان بوادى كذا فأنفرهم أى أنفر عيرهم حس الدابة يعنى البراق فند لهم بعير أى شرد فدللتهم عليه وأنا متوجه إلى الشام ثم أقبلت حتى إذا كنت بمحل كذا مررت بعير بنى فلان فوجدت القوم نياما ولهم إناء فيه ماء قد غطوا عليه بشيء فكشفت غطاءه وشربت مافيه ثم غطيت عليه كما كان أى وفى كلام بعضهم فعثرت الدابة يعنى البراق فقلب بحافره القدح الذى فيه الماء الذى كان يتوضأ به صاحبه فى القافلة وشرب الماء الذى للغير جائز لأنه كان عند العرب كاللبن مما يباح لكل مجتاز من أبناء السبيل على أن من خصائصه صلى الله عليه وسلم أن له أن يأخذ ما يحتاج إليه من مالكه المحتاج إليه ويجب على مالكه حينئذ بذله وأما الجواب عن ذلك
بأنه مال حربى غير صحيح لأن هذا كان قبل مشروعية الجهاد ومع عدم مشروعيته لا يحل مال أهل الحرب كما لا يحل قتالهم لأن الواجب حينئذ مسالمتهم ولاتتم إلا بترك التعرض لأموالهم كنفوسهم قاله ابن حجر فى شرح الهمزية لكن فى قطعة التفسير للجلال المحلى فى تفسير قوله تعالى فرددناه إلى أمه كى تقر عينها أن أمه أرضعته بأجرة وساغ لها أخذها لأنها مال حربى أى من مال فرعون إلا أن يقال ذاك أى أخذ مال الكافر كان جائزا فى شريعتهم قال صلى الله عليه وسلم وآية ذلك أى علامته المصدقة لما أخبر به صلى الله عليه وسلم أن عيرهم الآن تصوب من الثنية يقدمها جمل أورق وهو ما بياضه إلى سواد وهو أطيب الإبل لحما عند العرب وأخسها عملا عندهم أي ليس بمحمود عندهم في عمله وسيره عليه غرارتان إحداهما سوداء والأخرى برقاء أى فيها بياض وسواد كما تقدم فابتدر القوم الثنية فأول مالقيهم الجمل الأورق عليه الغرارتان فسألوهم عن الإناء وعن نفار العير وعن ند البعير وعن الشخص الذى دلهم عليه فصدقوا قوله
أقول قد علم أن العير التى نفرت وند منها البعير ودلهم عليه مر عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب إلى الشام والعير التى كان بها الإناء الذى شربه صلى الله عليه وسلم مر عليها وهو راجع إلى مكة وهى التى صوبت من الثنية وحينئنذ لا يحسن سؤال أهلها عما وقع لأهل تلك العير تصديقهم له صلى الله عليه وسلم فيما أخبر إلا أن يقال يجوز أن تكون هذه العير التى مر عليها صلى الله عليه وسلم فى العود اجتمعت فى عودها بتلك العير الذاهبة إلى الشام وأخبروهم بما ذكر والله تعالى أعلم
وفى رواية قالوا يا مطعم دعنا نسأله عما هو أغنى لنا عن بيت المقدس أى فقولهم ذلك كان بعد أن أخبرهم بيت المقدس يا محمد أخبرنا عن عيرنا أى عيراتنا الذاهبة والآتية هل لقيت منها شيئا فقال نعم أتيت على عير بنى فلان بالروحاء أى وهو محل قريب من المدينة أى بينه وبين المدينة ليلتان قد أضلوا ناقة لهم فانطلقوا فى طلبها فانتهيت إلى رحالهم ليس بها منهم أحد وإذا قدح ماء فشربت منه فاسألوهم عن ذلك فقالوا هذه واللات والعزى آية أى علامة
أقول وهذه العير هو التى مر صلى الله عليه وسلم عليها فى العود وهى قادمة إلى مكة وفى هذه الرواية زيادة أنهم أضلوا ناقة وتقدم فى تلك الرواية أنه صلى الله عليه
وسلم وجدهم نياما وفى هذه الرواية إنه ليس بها منهم أحد وقد يقال لا مخالفة بين الروايتين لأنه يجوز أن يكون الراوى أسقط منها هذه الزيادة وهى إضلال الناقة وأن قوله صلى الله عليه وسلم ليس بها منهم أحد أى مستيقظ بل بعضهم ذهب فى طلب تلك الناقة وبعضهم كان نائما لكن فى هذه الرواية انه صلى الله عليه وسلم مر عليها وهى بالروحاء وهو لا يناسب قوله فى تلك إنها الآن تصوب من الثنية لأن كونها تأتى من الروحاء إلى مكة فى ليلة واحدة من أبعد البعيد إلا أن يقال إن الروحاء مشتركة بين المحل المعروف المتقدم ذكره ومحل آخر قريب من مكة والله أعلم
ثم قال صلى الله عليه وسلم فانتهيت إلى عير بنى فلان فنفرت منها أى من الدابة التى هى البراق الإبل أى التى هى العير وبرك منها جمل أحمر عليه جوالق مخطط ببياض لا أدرى أكسر البعير أم لا وهذه الرواية يحتمل أنها ثالثة ويمكن أن تكون هى الأولى أسقط من تلك قوله فى هذه وبرك منها جمل إلى آخره كما أسقط من هذه قوله فى تلك فند لهم بعير
وفى رواية ثم انتهيت إلى عير بنى فلان بمكان كذا وكذا فيها جمل عليه غرارتان غرارة سوداء وغرارة بيضاء فلما حاذت العير نفرت وصرع ذلك البعير وانكسر أى وأضلوا بعير لهم قد جمعه فلان أى بدلالتى لهم عليه فسلمت عليهم فقال بعضهم هذا صوت محمد فاسألوهم عن ذلك فعلم أن هذه الرواية والتى قبلها هى الأولى غاية الأمر أن زيد فى هذه قوله فسلمت عليهم فقالوا هذه واللات والعزى آية قال صلى الله عليه وسلم ثم انتهيت إلى عير بنى فلان بالأبواء أى وهو كما تقدم غير مرة أنه محل بين مكة والمدينة يقدمها جمل أورق أى بياضه إلى سواد كما تقدم هاهى تطلع عليكم من الثنية فانطلقوا لينظروا فوجدوا الأمر كما قال صلى الله عليه وسلم فقالوا صدق الوليد فيما قال أى فى قوله إنه ساحر وأنزل الله تعالى وما جعلنا الرؤيا التى أريناك إلا فتنة للناس وهذا يدل على أن المراد رؤيا الإسراء وأنها رؤيا العين وأنه يقال في مصدرها رؤيا كما يقال رؤية بالتاء خلافا لمن أنكر ذلك إذ لو كان رؤيا الإسراء مناما لما أنكر عليه فى ذلك أى وقيل نزلت وقد رأى النبى صلى الله عليه وسلم ولد الحكم بن أبى العاص أبى مروان وهم بنو أمية على منبره كأنهم القردة وقد ورد رأيت بنى مروان يتعاورون منبرى وفى لفظ ينزلون على منبرى نزو القردة زاد وفى رواية فما استجمع
صلى الله عليه وسلم ضاحكا حتى مات وأنزل الله تعالى فى ذلك وما جعلنا الرؤيا التى أريناك إلا فتنة للناس وفى رواية فنزل إنا أعطيناك الكوثر وفى رواية فنزل إنا أنزلناه فى ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر قال بعضهم أى خير من ألف شهر يملكها بنو أمية فإن مدة ملك بنى أمية كانت أثنتين وثمانين سنة وهى ألف أشهر وكان جميع من ولى الخلافة منهم أربعة عشر ر جلا أولهم معاوية وآخرهم مروان بن محمد
وقد قيل لبعضهم ما سبب زوال ملك بنى أمية مع كثرة العدد والعدد والأموال والموالى فقال أبعدوا أصدقائهم ثقة بهم وقربوا أعداءهم جهلا منهم فصار الصديق بالإبعاد عدوا ولم يصر العدو صديقا بالتقريب له وحديث رأيت بنى مروان إلى آخره قال الترمذى هو حديث غريب وقال غيره منكر قال صلى الله عليه وسلم ورأيت بنى العباس يتعاورون منبرى فسرنى ذلك وقيل إن هذه الآية أى آية وما جعلنا الرؤيا التى أريناك إلا فتنة للناس إنما نزلت فى رؤيا الحديبية حيث راى النبى صلى الله عليه وسلم أنه وأصحابه يدخلون المسجد محلقين رؤوسهم ومقصرين ولم يوجد ذلك بل صدهم المشركون وقال بعض الصحابة له صلى الله عليه وسلم ألم تقل إنك تدخل مكة آمنا قال بلى أفقلت لكم من عامى هذا قالوا لا قال فهو كما قال جبريل عليه الصلاة والسلام كما سيأتى ذلك فى قصة الحديبية
وقيل إنما نزلت هذه الآية فى رؤيا وقعة بدر حيث أراه جبريل مصارع القوم ببدر فأرى النبى صلى الله عليه وسلم الناس مصارعهم فتسامعت بذلك قريش فخروا منه أى ولا مانع من تعدد نزول هذه الآية لهذه الأمور فقد يتعدد نزول الآية لتعدد أسبابها
قال ابن حجر الهيتمى إن اتحاد النزول لا ينافى تعدد أسبابه أى وذلك ذا تقدمت الأسباب ويروى أنه عين لهم اليوم الذى تقدم فيه العير أى قالوا له متى تجىء قال لهم يأتوكم يوم كذا وكذا يقدمهم جمل أورق عليه مسح آدم وغرارتان فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينتظرون ذلك وقد ولى النهار ولم تجىء حتى كادت الشمس أن تغرب أى دنت للغروب فدعا الله تعالى فحبس الشمس عن الغروب حتى قدم العير أى كما وصف صلى الله عليه وسلم
أقول يجوز أن يكون هذا بالنسبة لبعض العيرات التى مر عليها فلا يخالف ما تقدم أنه صلى الله عليه وسلم قال فى بعض العيرات إنها الآن تصوب من الثنية وإلى حبس الشمس عن المغيب أشار الإمام السبكى فى تائيته بقوله ** وشمس الضحى وقت مغيبها ** فما غربت بل وافقتك بوقفة **
وجاء فى بعض الروايات أنها حبست له صلى الله عليه وسلم عن الطلوع ففى رواية أن بعضهم قال له أخبرنا عن عيرنا قال مررت بها بالتنعيم قالوا فما عدتها وأحمالها وعدة من فيها وقال تطلع عند طلوع الشمس فحبس الله تعالى الشمس عن الطلوع حتى قدمت العير
فلما خرجوا لينظروا فإذا قائل يقول هذه الشمس قد طلعت وقال آخر وهذه العير قد أقبلت فيها فلان وفلان كما أخبر محمد صلى الله عليه وسلم وعلى تقدير صحة هذه الروايات يجاب عنها بمئل ما تقدم والله أعلم وحبس الشمس وقوفها عن السير أى عن الحركة بالكلية وقيل بطء حركتها وقيل ردها إلى ورائها قالوا ولم تحبس له صلى الله عليه وسلم إلا ذلك اليوم وما قيل إنها حبست له صلى الله عليه وسلم يوم الخندق عن الغروب أيضا حتى صلى العصر معارض بأنه صلى الله عليه وسلم صلى العصر بعد غروب الشمس وقال شغلونا عن الصلاة الوسطى كما سيأتى ثم رأيت فى كلام بعضهم ما يؤخذ منه الجواب وهو أن وقعة الخندق كانت أياما فحبست الشمس فى بعض تلك الأيام إلى الإحمرار والاصفرار وصلى حينئذ وفى بعضها لم تحبس بل صلى بعد الغروب قال ذلك البعض ويؤيده أن راوى التأخير إلى الغروب غير راوى التأخير إلى الحمرة والصفرة
وجاء فى رواية ضعيفة أن الشمس حبست عن الغروب لداود عليه الصلاة السلام وذكرى البغوى أنها حبست كذلك لسليمان عليه الصلاة والسلام
أى فعن على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه أن الله أمر الملائكة الموكلين بالشمس حتى ردوها على سليمان حتى صلى العصر فى وقتها وهذا رد لها لا حبس لها عن غروبها الذى الكلام فيه والذى فى كلام بعضهم إنما ضرب سيدنا سليمان سوق خيله واعناقها حيث عرضها عليه عن صلاة العصر حتى كادت الشمس أن تغرب ولم يتصدق بها مبادرة
لتعظيم أمر الله تعالى بالصلاة فى وقتها لأن التصديق يحتاج إلى صرف زمن في دفعها وأخذها وحبست كذلك ليوشع ابن أخت موسى عليه الصلاة والسلام وهو ابن نون بن يوسف الصديق عليه الصلاة والسلام أى وهو الذى قام بالأمر بعد موسى لأن موسى عليه الصلاة والسلام لما وعده الله تعالى أن يورثه وقومه بنى إسرائيل الأرض المقدسة التى هى أرض الشام وكان سكنها الكنعانيون الجبارون وأمر بمقاتلة أولئك الجبارين وهم العماليق سار بمن معه وهم ستمائة ألف مقاتل حتى نزل قريبا من مدينتهم أريحا فبعث إليهم اثنى عشر رجلا من كل سبط واحدا ليأتوه بخبر القوم فدخلوا المدينة فرأوا أمرا هائلا من عظم أجسادهم فقد ذكر بعضهم أنه رأى فى فجاج أى نقرة عين رجل منهم ضبعة رابضة أى جالسة هى وأولادها حولها والفجاج فى الأصل الطريق الواسع واستظل سبعون رجلا من قوم موسى فى قحف رجل منهم أى فى عظم أم رأسه وفى العرائس وكان لا يحمل عنقود عنبهم الا خمسة أنفس منهم ويدخل فى قشرة الرمانة إذا نزع حبها خمسة أنفس أو أربعة وإن رجلا من العماليق أخذ الاثنى عشر ووضعهم فى كمه مع فاكهة كانت فيه وجاء بهم إلى ملكهم فسألهم فقالوا نحن عيون موسى فقال ارجعوا وأخبروه وفى العرائس أنه عوج بن عنق إحدى بنات آدم عليه السلام من صلبه ويقال إنها أول بغى فى الأرض
وفى العرائس أنه لما لقيهم كان على رأسه حزمة حطب وأخذ الاثنى عشر فى حجره وانطلق بهم لامرأته وقال انظرى إلى هؤلاء القوم الذين يزعمون أنهم يريدون قتالنا وطرحهم بين يديها وقال لها ألا أطحنهم برجلى فقالت امرأته لا ولكن خل عنهم حتى يخبروا قومهم بما رأوا ففعل ذلك فلما رجعوا أخبروا موسى عليه الصلاة والسلام فقال اكتموا خوفا من بنى إسرائيل أن يفشلوا ويرتدوا عن موسى فلم يفعلوا وأخبر كل واحد سبطه بشدة ما رآه من أمرهم الهائل ففشلوا وجنبوا عن القتال إلا رجلان لم يخبرا سبطيهما وهما يوشع بن نون من سبط يوسف وكالب بن يوقنا من سبط بنيامين وقالوا لموسى اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون فدعا عليهم وقال رب إنى لا املك إلا نفسى وأخى أى فإنه لم يبق معه موافق يثق به غير أخيه هرون وكالب ويوشع وهما المذكوران بقوله تعالى قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون لأن الله منجز وعده وإنا قد
خبرناهم فوجدنا أجسامهم عظيمة وقلوبهم ضعيفة فلا تخشوهم { وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين } وحينئذ يكون مراد موسى بقوله وأخى من واخاه ووافقه لا خصوص هرون ثم دعا بقوله فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين اى باعد بيننا وبينهم فضرب عليه التيه فتاهوا أى تحيروا فى ستة فراسخ من الأرض يمشون النهار كله ثم يمسون حيث أصبحوا ويصبحون حيث أمسوا وأنزل الله تعالى عليهم المن والسلوى لأنهم شغلوا عن المعاش وأبقيت عليهم ثيابهم لا تخلق ولا تتسخ وتطول مع الصغير إذا طال وظلل عليهم الغمام من الشمس ولما رأى موسى عليهم الصلاة والسلام ما بهم من التعب ندم على دعائه عليهم
وفى حياة الحيوان لما عبد بنو إسرائيل العجل أربعين يوما عوقبوا بالتيه أربعين سنة لكل يوم سنة فأوحى الله تعالى له فلا تأس أى لا تحزن على القوم الفاسقين أى الذين فسقوا أى خرجوا عن أمرك
قال في أنس الجليل وفى زمن الاسلام منزل حكام الشرطة فإنها الآن قرية من قرى بيت المقدس ثم مات وهرون بالتيه مات هرون أولا ثم موسى بعد سنتين وفى ذلك رد على من قال إن قبر هرون أخى موسى بأحدكما سيأتى وفيه رد أيضا على من يقول موسى مات قبل هرون وأنه دفنه وقيل إن هرون رأى سريرا فى بعض الكهوف فقام عليه فمات وإن بنى إسرائيل قالوا قتل موسى هرون حسدا له على محبة بنى إسرائيل له فقال لهم موسى ويحكم كان أخى ووزيرى أفترنى أقتله فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم دعا فنزل السرير الذى قام عليه فمات حتى نظروا إليه بين السماء والأرض فصدقوه وعلى الأول أن موسى انطلق ببنى إسرائيل إلى قبره ودعا الله أن ينجيه فأحياه الله تعالى وأخبرهم أنه مات ولم يقتله موسى وعند ذلك قام بالأمر يوشع بن نون المذكور أى فإن موسى لما احتضر أخبرهم بأن يوشع بعده نبى وإن الله أمره بقتال الجبارين فسار بهم يوشع وقاتل الجبارين وكان يوم الجمعة ولما كاد أن يفتحها كادت الشمس أن تغرب فقال للشمس أيتها الشمس إنك مأمورة وأنا مأمور بحرمتى عليك إلا ركدت أى مكثت ساعة من النهار
وفى رواية قال اللهم احبسها على فحبسها الله تعالى حتى افتتح المدينة أى قال
ذلك خوفا من دخول السبت المحرم عليهم فيه المقاتلة وقد عبر الإمام السبكى عن حبسها ليوشع نردها فى قوله ** وردت عليك الشمس بعد مغيبها كما أنها قدما ليوشع ردت **
ولولا قوله بعد مغيبها لما أشكل وأمكن أن يراد بالرد وقوفها وعدم غروبها ومن ثم ذكر ابن كثير فى تاريخه أن فى حديث رواه الإمام أحمد وهو على شرط البخارى إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع عليه السلام ليالى سار إلى بيت المقدس وفيه دلالة على أن الذى فتح بيت المقدس هو يوشع بن نون لا موسى وأن حبس الشمس كان في فتح بيت المقدس لا في فتح أريحا هذا كلامه وهو خلاف السياق
وفى العرائس أن موسى عليه الصلاة والسلام لم يمت فى التيه بل سار ببنى إسرائيل إلى أريحا وعلى مقدمته يوشع فدخل يوشع وقتل الجبارين ثم دخلها موسى عليه الصلاة والسلام ببنى إسرائيل فأقام فيها ما شاء الله ثم قبض ولا يعلم موضع قبره من الخلق أحد قال وهذا أولى الأقاويل بالصدق وأقربها إلى الحق وذكر بعد ذلك أن موسى لما حضرته الوفاة قال يا رب أدننى من الأرض المقدسة برمية حجر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو أنى عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر
قال ابن كثير قوله صلى الله عليه وسلم لم تحبس لبشر يدل على أن هذا من خصائص يوشع عليه الصلاة والسلام فيدل على ضعف الحديث الذى رويناه أن الشمس رجعت أى بعد مغيبها فى خيبركما سنذكره هنا حتى صلى علي بن أبى طالب العصر بعد ما فاتته بسبب نوم النبى صلى الله عليه وسلم على ركبته وهو حديث منكر ليس فى شئ من الصحاح ولا الحسان وهو مما تتوفر الدواعى على نقله وتفردت بنقله امرأة من أهل البيت مجهولة لا يعرف حالها هذا كلامه وسيأتى قريبا ما فيه على أن قوله صلى الله عليه وسلم لم تحبس لبشر أى غيره صلى الله عليه وسلم وقد علمت أن الحبس لها يكون منعا لها عن مغيبها والرد لها يكون بعد مغيبها فليتأمل
وفى كلام سبط ابن الجوزى إن قيل حبسها ورجوعها مشكل لأنها لو تخلفت أو ردت لاختلت الأفلاك ولفسد النظام قلنا حبسها وردها من باب المعجزات ولا مجال للقياس فى خرق العادات
وذكر أنه وقع لبعض الوعاظ ببغداد إذ قعد يعظ بعد العصر صم أخذ فى ذكر فضائل
آل البيت فجاءت سحابة غطت الشمس فظن وظن الناس الحاضرون عنده أن الشمس غابت فأرادوا الانصراف فأشار إليهم أن لا يتحركوا ثم أدار وجهه إلى ناحية الغرب وقال ** لا تغربى يا شمس حتى ينتهى مدحى لآل المصطفى ولنجله ** **
إن كان للمولى وقوفك فليكن هذا الوقوف لولده ولنسله
**
فطلعت الشمس فلا يحصى ما رمى عليه من الحلى والثياب هذا كلامه
ولما افتتحوا المدينة التى هى أريحا أصابوا بها أموالا عظيمة وكانوا أى الأمم السابقة إذا أصابوا الغنائم قربوها فتجئ النار تأكلها أى إذا لم يكن فيها غلول كما تقدم فمجئ النار وأكلها دليل على قبولها ولم تحل إلا لنبينا صلى الله عليه وسلم كما سيأتى فلما أصابوا تلك الغنائم قربوها فلم تجئ إليها النار فقالوا له يا نبى الله ما لها لا تأكل قرباننا قال فيكم الغلول فدعا رأس كل سبط وصافحه فلصق كف واحد منهم فى كف يوشع عليه السلام فقال الغلول فى سبطك فقال كيف أعلم ذلك قال تصافح واحدا بعد واحد فلصقت كفه بكف واحد منهم فسئل فقال نعم رأيت رأس بقرة من ذهب عيناها من ياقوت وأسنانها من لؤلؤ فأعجبتنى فغللتها فجاء بها ووضعها فى الغنيمة فجاءت النار فأكلتها
وذكر البغوى أن الشمس حبست عن الطلوع لموسى عليه الصلاة والسلام كما حبست كذلك لنبينا صلى الله عليه وسلم كما تقدم وكذا القمر حبس لموسى عليه الصلاة والسلام عن الطلوع له فعن عروة بن الزبير رضى الله تعالى عنه قال إن الله تعالى حين أمر موسى عليه الصلاة والسلام بالمسير ببنى إسرائيل إلى بيت المقدس أمره أن يحمل معه عظام يوسف عليه الصلاة والسلام وأن لا يخلفها بأرض مصر وأن يسير بها حتى يضعها بالأرض المقدسة أى وفاء بما أوصى به يوسف عليه الصلاة والسلام
فقد ذكر أن يوسف عليه الصلاة والسلام لما أدركته الوفاة أوصى أن يحمل إلى مقابر آبائه فمنع أهل مصر أولياءه من ذلك فسأل موسى عليه الصلاة والسلام عمن يعرف موضع قبر يوسف فما وجد أحدا يعرفه إلا عجوزا من بنى إسرائيل فقالت له يا نبى الله أنا أعرف مكانه وأدلك عليه إن أنت أخرجتنى معك ولم تخلفنى بأرض مصر قال أفعل وفى لفظ إنها قالت أكون معك فى الجنة فكأنه ثقل عليه ذلك فقيل له أعطها طلبتها فأعطاها
وقد كان موسى عليه الصلاة والسلام وعدبنى إسرائيل أن يسير بهم إذا طلع القمر فدعا ربه أن يؤخر طلوعه حتى يفرغ من أمر يوسف عليه الصلاة والسلام ففعل فخرجت به العجوز حتى أرته أيلة فى ناحية من النيل وفى لفظ فى مستنقعة ماء أى وتلك المستنقعة فى ناحية من النيل فقالت لهم أنضبوا عنها الماء أى ارفعوه عنها ففعلوا قالت احفروا فحفروا وأخرجوه وفى لفظ أنها انتهت به إلى عمود على شاطئ النيل أى فى ناحية منه فلا يخالفه ما سبق فى أصله سكة من حديد فيها سلسلة أى ويجوز أن يكون حفرهم الواقع فى تلك الرواية كان على إظهار تلك السكة فلا مخالفة ووجدوه فى صندوق من حديد وسط النيل فى الماء فاستخرجه موسى عليه الصلاة والسلام وهو فى صندوق من مرمر أى داخل ذلك الصندوق الذى من الحديد فاحتمله
وفى أنس الجليل أن موسى عليه الصلاة والسلام جاءه شيخ له ثلثمائة سنة فقال له يا نبى الله ما يعرف قبر يوسف إلا والدتى فقال له موسى قم معى إلى والدتك فقام الرجل ودخل منزله وأتى بقفة فيها والدته فقال لها موسى ألك علم بقبر يوسف فقالت نعم ولا أدلك على قبره إلا إن دعوت الله تعالى أن يرد على شبابى إلى سبع عشرة سنة ويزيد فى عمرى مثل ما مضى فدعا موسى لها وقال لها كم عمرك قالت له تسعمائة سنة فعاشت ألفا وثمانمائة سنة فأرته قبر يوسف وكان فى وسط نيل مصر ليمر النيل عليه فيصل إلى جميع مصر فيكونون شركاء فى بركته
وأما عود الشمس بعد غروبها فقد وقع له صلى الله عليه وسلم فى خيبر فعن أسماء بنت عميس أنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوحى إليه ورأسه فى حجر على ولم يسر عن النبى صلى الله عليه وسلم حتى غربت الشمس وعلى لم يصل العصر أى فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أصليت العصر فقال لا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم إنه كان فى طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس
قالت أسماء فرأيتها طلعت بعد ما غربت
قال بعضهم لا ينبغى لمن سبيله العلم أن يتخلف عن حفظ هذا الحديث لأنه من أجل أعلام النبوة وهو حديث متصل وقد ذكر فى الإمتاع أنه جاء عن أسماء من خمسة طرق وذكرها وبه يرد ما تقدم عن ابن كثير بأنه تفردت بنقله امرأة من أهل البيت مجهولة لا يعرف حالها وبه يرد على ابن الجوزى حيث قال فيه إنه حديث موضوع بلا شك
لكن فى الامتاع ذكر فى خامس الطرق أن عليا اشتغل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قسمة الغنائم يوم خيبر حتى غابت الشمس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا على صليت العصر قال لا يا رسول الله فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلس فى المسجد فتكلم بكلمتين أو ثلاثة كأنها من كلام الحبش فارتجعت الشمس كهيئتها فى العصر فقام على فتوضأوصلى العصر ثم تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما تكلم به قبل ذلك فرجعت إلى مغربها فسمعت لها صريرا كالمنشار فى الخشب وذلك مخالف لسائر الطرق إلا أن هذه الطريق فيها حذف والأصل اشتغل مع النبى صلى الله عليه وسلم فى قسمة غنائم خيبر ثم وضع رأسه فى حجر على فما استيقظ حتى غابت الشمس فلا مخالفة
قال وجاء أنه صلى الله عليه وسلم قبل وصوله إلى بيت المقدس ساروا حتى بلغوا أرضا ذات نخل فقال له جبريل انزل فصل هنا ففعل ثم ركب فقال أتدرى أين صليت قال لا قال صليت بطيبة وإليها المهاجرة وسيأتى ما فيه فى الكلام على الهجرة فانطلق البراق يهوى يضع حافره حيث أدرك طرفه حتى إذا بلغ أرضا فقال له جبريل انزل فصل ههنا ففعل ثم ركب فقال له جبريل أتدرى أين صليت قال لا قال صليت بمدين أى وهى قرية تلقاء غزة عند شجرة موسى سميت باسم مدين بن إباهيم لما نزلها ثم ركب فانطلق البراق يهوى به ثم قال انزل فصل ففعل ثم ركب فقال له أتدرى أين صليت قال لا قال صليت ببيت لحم أى وهى قرية تلقاء بيت المقدس حيث ولد عيسى عليه الصلاة والسلام أى وفى الهدى وقيل إنه نزل ببيت لحم وصلى فيه ولا يصح عنه ذلك البتة وبينا هو يسير على البراق إذ رأى عفريتا من الجن يطلبه بشعلة من نار كلما التفت رآه فقال له جبريل ألا أعلمك كلمات تقولهن إذا قلتهن طفئت شعلته وخر لفيه فقال صلى الله عليه وسلم بلى فقال جبريل قل أعوذ بوجه الله الكريم وبكلمات الله التامات التى لا يجاوزهن بر ولا فاجر ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ومن شر ماذرأ فى الأرض ومن شر ما يخرج منها ومن فتن الليل والنهار ومن طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمن أي فقال ذلك فانكب لفيه وطفئت شعلته ورأى حال المجاهدين في سبيل الله أى كشف له عن حالهم فى دار الجزاء بضرب مثاله فرأى قوما يزرعون فى يوم أى فى وقت ويحصدونه فى يوم
أى فى ذلك الوقت كما يرشد إليه الحال كلما حصدوا عاد كما كان فقال يا جبريل ما هذا قال هؤلاء المجاهدون فى سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف وما انفقوا من خير فهو يخلفه هذا الثانى هو المناسب لحالهم دون الأول فالأولى الاقتصار عليه إلا أن يدعى أنه صلى الله عليه وسلم شاهد الحصاد والعود العدد المذكور الذى هو سبعمائة مرة على أن المضاعفة المذكورة لا تختص بالمجاهدين فقد جاء كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا أن يقال المراد تكرر الجزاء العدد المذكور للمجاهدين أمر مؤكد لا يكاد يتخلف وفى غيرهم بخلافه
ووجد صلى الله عليه وسلم ريح ماشطة بنت فرعون ووجد داعى اليهود وداعى النصارى فأما الأول فقد رأى عن يمينه داعيا يقول يا محمد انظرنى أسالك فلم يجبه فقال ما هذا يا جبريل فقال داعى اليهود أما إنك لو أجبته لتهودت أمتك أى لتمسكوا بالتوراة والمراد غالب الأمة وأما الثانى فقد رأى عن يساره داعيا يقول يا محمد انظرنى أسألك فلم يجبه فقال ما هذا يا جبريل قال هذا داعى النصارى أما إنك لو أجبته لتنصرت أمتك أى لتمسكت بالإنجيل وحكمة كون داعى اليهود على اليمين وداعى النصارى على اليسار لاتخفى
ورأى صلى الله عليه وسلم حال الدنيا أى كشف له عن حالتها بضرب مثال فرأى امرأة حاسرة عن ذراعيها كأن ذلك شأن المقتص لغيره وعليها من كل زينة خلقها الله تعالى أى ومعلوم أن النوع الواحد من الزينة يجذب القلوب إليه فكيف بوجود سائر أنواع الزينة فقالت يا محمد انظرنى أسألك فلم يلتفت إليها فقال من هذه يا جبريل قال تلك الدنيا أما إنك لو أجبتها لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة ورأى عجوزا على جانب الطريق فقالت يا محمد انظرنى أسالك فلم يلتفت إليها فقال من هذه يا جبريل فقال إنه لم يبق من عمر الدنيا إلا ما بقى من عمر تلك العجوز أى فزينتها لا ينبغى الالتفات إليها لأنها على عجوز شوهاء لم يبق من عمرها إلا القليل ولينظر لم لم يقل تلك الدنيا ولم يبق من عمرها إلى آخره
وفى كلام بعضهم الدنيا قد يقال لها شابة وعجوز بمعنى يتعلق بذاتها وبمعنى يتعلق بغيرها الأول وهو حقيقة أنها من أول وجود هذا النوع الإنسانى إلى أيام إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه سبعة بعدها تسمى الدنيا شابة وفيما بعد ذلك إلى بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم كهلة ومن بعد ذلك إلى يوم القيامة تسمى عجوزا
واعترض بأن الأئمة صرحوا بأن الشباب ومقابله إنما يكون فى الحيوان ويجاب بأن الغرض من ذلك التمثيل
وكشف له صلى الله عليه وسلم عن حال من يقبل الأمانة مع عجزه عن حفظها بضرب مثال فأتى على رجل قد جمع حزمة حطب عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها فقال ما هذا يا جبريل قال هذا الرجل من أمتك تكون عنده أمانات الناس لا يقدر على أدائها ويريد أن يتحمل عليها
وكشف له صلى الله عليه وسلم عن حال من يترك الصلاة المفروضة فى دار الجزاء فأتى على قوم ترضح رءوسهم كلما رضخت عادت كما كانت ولا يفتر عنهم من ذلك شئ فقال يا جبريل ما هؤلاء قال هؤلاء الذين تتثاقل رءوسهم عن الصلاة المكتوبة أى المفروضة عليهم
وكشف له صلى الله عليه وسلم عن حال من يترك الزكاة الواجبة عليه ثم أتى على قوم على أقبالهم رقاع وعلى أدبارهم يسرحون كما تسرح الإبل والغنم ويأكلون الضريع وهو اليابس من الشوك والزقوم ثمر شجر مر له زفرة قيل إنه لايعرف بشجر الدنيا وإنما هو لشجرة من النار وهى المذكورة فى قوله تعالى { إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم } أى منبتها فى أصل الجحيم وتقدم الكلام عليها عند الكلام على المستهزئين ويأكلون رضف جهنم أى حجاراتها المحماة لآن الرضف بالضاد المعجمة الحجارة المحماة التى يكوى بها فقال من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم المفروضة عليهم
وكشف له صلى الله عليه وسلم عن حال الزناة بضرب مثال ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج فى قدور ولحم نئ أيضا فى قدور خبيث فجعلوا يأكلون من ذلك النئ الخبيث ويدعون النضيج الطيب فقال ما هذا يا جبريل قال هذا الرجل من أمتك تكون عنده المرأة الحلال الطيب فيأتى امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى يصبح والمرأة تقوم من عنده زوجها حلالا طيبا فتأتى رجلا خبيثا فتبيت عنده حتى تصبح
وكشف له صلى الله عليه وسلم عن حال من يقطع الطريق بضرب مثال ثم أتى على خشبة لا يمر بها ثوب ولا شئ إلا خرقته فقال ما هذه يا جبريل قال هذا مثل أقوام من أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه وتلا ولا تقعدوا بكل صراط توعدون
وكشف له صلى الله عليه وسلم عن حال من يأكل الربا أى حالته التي يكون عليها فى دار الجزاء فرأى رجلا يسبح فى نهر من دم يلقم الحجارة فقال له من هذا قال آكل الربا وقد شبهه الله تعالى فى القرآن بقوله { الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } أى إذا بعث الناس يوم القيامة خرجوا مسرعين من قبورهم إلا أكلة الربا فإنهم لا يقومون من قبورهم إلا مثل قيام الذى يصرعه الشيطان فكلما قاموا سقطوا على وجوههم وجنوبهم وظهورهم كما أن المصروع حاله ذلك أى فهذه حالته فى الذهاب إلى المحشر زيادة على حالته المتقدمة التى تكون فى دارالجزاء
وكشف له صلى الله عليه وسلم عن حال من يعظ ولا يتعظ ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت لا يفتر عنهم من ذلك شيء فقال من هؤلاء يا جبريل فقال هؤلاء خطباء الفتنة خطباء أمتك يقولون مالا يفعلون
وكشف له صلى الله عليه وسلم عن حال المغتابين للناس فمر على قوم لهم أظفار من نجاس يخدشون وجوههم وصدورهم فقال من هؤلاء يا جبريل فقال هؤلاء الذين يأكلون لحوم لحوم الناس ويقعون فى أعراضهم وكشف له صلى الله عليه وسلم عن حال من يتكلم بالفحش بضرب مثال فأتى على حجر صغير يخرج منه ثور عظيم فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث يخرج فلا يستطيع فقال ما هذا الرجل يا جبريل فقال هذا الرجل من أمتك يتكلم الكلمة العظيمة ثم يندم عليها فلا يستطيع أن يردها
وكشف له صلى الله عليه وسلم عن حال من أحوال الجنة فأتى على واد فوجد ريحا طيبة باردة وريح المسك وسمع صوتا فقال يا جبريل ما هذا قال هذا صوت الجنة تقول يا رب ائتنى بما وعدتنى أى لأنه يجوز أن يكون محل الجنة من السماء السابعة مقابلا لذلك الوادى
وكشف له صلى الله عليه وسلم عن حال من أحوال النار فأتى على واد فسمع صوتا منكرا ووجد ريحا خبيثة فقال ما هذا يا جبريل قال هذا صوت جهنم تقول يا رب ائتنى بما وعدتنى أى وليست جهنم بذلك الوادى كما سيأتى أن الوادى التى هى به هو الذى ببيت المقدس ولعل هذا الوادى مقابل لذلك الوادى وينبغى أن لا يكون هذا هو المراد بما فى الخصائص الصغرى للسيوطى
وخص صلى الله عليه وسلم باطلاعه على الجنة والنار بل المراد بذلك رؤية ذلك فى المعراج وعند وصوله صلى الله عليه وسلم إلى الوادى الذى ببيت المقدس بالنسبة للنار ورأى صلى الله عليه وسلم الدجال شبيها بعبد العزى بن قطن أى وهو ممن هلك فى الجاهلية أى قبل البعثة
ومر صلى الله عليه وسلم على شخص متنحيا على الطريق يقول هلم يا محمد قال جبريل سر يا محمد قال من هذا قال هذا عدو الله إبليس أراد أن تميل إليه اه
وفى رواية لما وصلت بيت المقدس وصلت فيه ركعتين أى إماما بالأنبياء والملائكة أخذنى العطش أشد ما أخذنى فأتيت بإناءين فى إحداهما لبن وفى الأخرى عسل فهدانى الله تعالى فأخذت اللبن فشربت وبين يدى شيخ متكئ على منبر له فقال أى مخاطبا لجبريل أخذ صاحبك الفطرة إنه لمهدى فلما خرجت منه جائنى جبريل عليه الصلاة والسلام بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل اخترت الفطرة أى الاستقامة التى سببها الإسلام ومنه كل مولود يولد على الفطرة أى على الإسلام
وفى رواية أخرى فأتى بآنية ثلاثة مغطاة أفواهها فأتى بإناء منها فيه ماء فشرب منه قليلا وفى رواية أنه لم يشرب منه شيئا وأنه قيل له لو شربت الماء أى جميعه أو بعضه لغرقت أمتك أى وفى رواية أنه سمع قائلا يقول إن أخذ الماء غرق وغرقت أمته ثم رفع إليه إناء آخر فيه لبن فشرب منه حتى روى
أى وفى روايه سمع قائلا يقول إن أخذ اللبن هدى وهديت أمته ثم رفع إليه إناء فيه خمر فقيل له اشرب فقال لا أريده فقد رويت فقال له جبريل إنها ستحرم على أمتك أى بعد إباحتها لهم
وفى رواية أنه قيل له لو شربت الخمر لغويت أمتك ولم تتبعك أى لايكون على طريقتك منهم إلا قليل أى وفى رواية أنه سمع قائلا يقول إن أخذ الخمر غوى وغويت أمته
أقوم وهذه الرواية محتملة لأن تكون وهو فى بيت المقدس ولأن تكون وهو خارج عنه ومن هذا كله تعلم أنه تكرر عليه عرض اللبن والخمر داخل بيت المقدس
وخارجه ولا مانع من تكرر عرض آنيتى الخمر واللبن قبل خروجه من بيت المقدس وبعد خروجه منه قبل العروج
ولا تعارض بين الإخبار بأن إحداهما كان فيه عسل مع اللبن وبين الإخبار بأن إحداهما كان فيه خمر مع اللبن ولا بين الإخبار بإناءين والإخبار بأوانى ثلاثة لأنه يجوز أن يكون بعض الرواة اقتصر على إناءين ولا بين كون الإناء الثالث كان فيه عسل أو ماء لأنه يجوز أن يكون إحدى الأوانى الثلاثة كان فيها عسل ثم جعل فيها الماء بدل العسل أو مزج العسل به وغلب الماء على العسل أو تكون الأوانى أربعة وبعض الرواة اقتصر
وقد قال ابن كثير مجموع الأوانى أربعة فيها أربعة أشياء من الأنهار الأربعة التى تخرج من أصل سدرة المنتهى ولكن لم يسقط اللبن وفى رواية بخلاف غيره فإنه تارة ذكر معه الخمر فقط وتارة ذكر معه العسل فقط وتارة ذكر معه الماء والخمر
وعلى الاحتمال الأول يسأل عن سر عدم ذكر جبريل عليه الصلاة والسلام حكمة عدم الشرب من العسل والله أعلم
قال ومر على موسى عليه الصلاة والسلام وهو يصلى فى قبره عند الكثيب الأحمر وهو يقول برفع صوته أكرمته فضلته اه
وفى رواية سمعت صوتا وتذمرا هو بالذال المعجمة الحدة فسلم عليه فرد عليه السلام فقال يا جبريل من هذا قال هذا موسى بن عمران قال ومن يعاتب قال يعاتب ربه فيك قال أو يرفع صوته على ربه والعتاب مخاطبة فيها إدلال وهذا يدل على أن الصوت الذى سمعه كان مشتملا على عتاب وتذمر مع رفعه وفى رواية على من كان تذمره أى حدته قال على ربه قلت أعلى ربه قال جبريل إن الله عز وجل قد عرف له حدته وهذا كما علمت كان كالذى بعده قبل وصوله إلى مسجد بيت المقدس والله أعلم
وجاء وليلة أسرى بى مر بى جبريل على قبر أبى إبراهيم فقال انزل فصل ركعتين قال ومر على شجرة تحتها شيخ وعياله فقال ومن هذا فقال هذا أبوك إبراهيم عليه الصلاة والسلام فسلم عليه فرد عليه السلام فقال من هذا الذى معك يا جبريل فقال هذا ابنك أحمد قال مرحبا بالنبى العربى الأمى ودعا له بالبركة أى فموسى
عرفه فلم يسأل عنه وإبراهيم لم يعرفه فسأل عنه لكن فى السيرة الهاشمية أن موسى سأل عنه أيضا فقال من هذا يا جبريل فقال هذا أحمد فقال مرحبا بالنبى العربى الذى نصح أمته ودعا له بالبركة وقال اسأل لأمتك اليسير والظاهر أن قبر إبراهيم صلى الله عليه وسلم كان تحت تلك الشجرة أو قريبا منها فلا مخالفة بين الروايتين
وسار صلى الله عليه وسلم حتى أتى الوادى الذى فى بيت المقدس فإذا جهنم تنكشف عن مثل الزرابى أى وهى النمارق أى الوسائد فقيل يا رسول الله كيف وجدتها قال مثل الحممة أى الفحمة اه
قال صلى الله عليه وسلم ثم عرج بنا إلى السماء أى من الصخرة كما تقدم أى على المعراج بكسر الميم وفتحها الذى تعرج أرواح بنى آدم فيه وهو كما فى بعض الروايات سلم له مرقاة من فضة ومرقاة من ذهب أى عشر مراقى وهو المراد بقول بعضهم وكانت المعاريج ليلة الإسراء عشرة سبع إلى السماوات والثامن إلى سدرة المنتهى والتاسع إلى المستوى والعاشر إلى العرش والرفرف أى فأطلق على كل مرقاة معراجا وهذا المعراج لم ير الخلائق أحسن منه أما رأيت الميت حين يشق بصره طامحا إلى السماء أى بعد خروج روحه فإن ذلك عجبه بالمعراج الذى نصب لروحه لتعرج عليه وذلك شامل للمؤمن والكافر إلا أن المؤمن يفتح لروحه إلى السماء دون الكافر فترد بعد عروجها تحسيرا وندامة وتبكيتا له وذلك المعراج أتى به من جنة الفردوس وإنه منضد بالؤلؤ أى جعل فيه اللؤلؤ بعضه على بعض عن يمينه ملائكة وعن يساره ملائكة فصعد هو وجبريل عليهما الصلاة والسلام قال الحافظ ابن كثير ولم يكن صعوده على البراق كما توهمه بعض الناس أي ومنهم صاحب الهمزية كما يأتي عنه حتى انتهى إلى باب من أبواب سماء الدنيا أى ويقال له باب الحفظة عليه ملك يقال له إسمعيل أى وهذا يسكن الهواء لم يصعد إلى السماء قط ولم يهبط إلى الأرض قط إلا مع ملك الموت لما نزل لقبض روحه الشريفة وتحت يده اثنا عشر ألف ملك
أى وفى رواية أن تحت يده سبعين ألف ملك تحت يد كل ملك سبعون ألف ملك فاستفتح جبريل فقيل من أنت وفى رواية فضرب بابا من أبوبها فناداه أهل سماء الدنيا أى حفظتها من هذا قال جبريل فقيل ومن معك أى فإنهم رأوهما ولم يعرفوهما ولعل جبريل لم يكن على الصورة التى يعرفونه بها قال محمد وفى رواية قال معك
أحد يجوز أن يكون هذا القائل لم يرهما ويكون الرائى له معظم الحفظة قال نعم معى محمد قيل وقد بعث إليه أى للإسراء والعروج أى لأنه كان عندهم علم بأنه سيعرج به إلى السموات بعد الإسراء به إلى بيت المقدس وإلا فبعثه صلى الله عليه وسلم ورسالته إلى الخلق يبعد أن تخفى على أولئك الملائكة إلى هذه المدة وأيضا لو كان هذا مرادهم لقالوا أو قد بعث ولم يقولوا إليه
فإن قيل قد جاء فى حديث أنس إن ملائكة سماء الدنيا قالت لجبريل أو قد بعث قلنا تقدم أن حديث أنس كان قبل أن يوحى إليه وأنه كان مناما لا يقظة قال السهيلى ولم نجد فى رواية من الروايات أن الملائكة قالوا وقد بعث إلا فى هذا الحديث
وفى رواية بدل بعث إليه أرسل إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا قال صلى الله عليه وسلم فإذا أنا بآدم فرحب بى ودعا لى بخير
واختلف فى لفظ آدم فقيل أعجمى ومن ثم منع الصرف وقيل عربى لأنه مشتق من الأدمة التى هى السمرة والمراد بها هنا لون بين البياض والحمرة حتى لا ينافى كونه أحسن الناس أو هو مشتق من أديم الأرض أى وجهها لأنه مخلوق منه وعلى أنه عربى يكون منع صرفه للعلمية ووزن الفعل
وفي رواية تعرض عليه أرواح بنيه فيسر بمؤمنها أي عند رؤيته ويعبس بوجهه عند رؤية كافرها
قال وفى رواية فإذا فيها آدم كيوم خلقه الله تعالى على صورته أى على غاية من الحسن والجمال فإذا هو تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين فيقول روح طيبة ونفس طيبة خرجت من جسد طيب اجعلوها فى عليين وتعرض عليه أرواح ذريته الكفار فيقول روح خبيثة ونفس خبيثة خرجت من جسد خبيث اجعلوها فى سجين
أقول وهذا وإن اقتضى كون أرواح العصاة من المؤمنين فى عليين كأرواح الطائفين منهم لكن لا يقتضى تساويهما فى الدرجة كما لا يخفى
وفى رواية تعرض عليه أعمال ذريته وهو إما على حذف المضاف أى صحف أعمالهم التى وقعت منهم وهى التى فى صحف الحفظة أو التى ستقع منهم وهى ما فى صحف الملائكة غير الحفظة أو تعرض عليه نفس أعمال تجسمت لما سيأتى أن المعانى تجسم ففى كل من الروايتين اقتصار والله أعلم
وفى رواية سندها ضعف كما قاله الحافظ ابن حجر وعن يمينه أسودة وباب يخرج منه ريح طيبة وعن شماله أسودة وباب يخرج منه ريح خبيثة فإذا نظر عن يمينه أى إلى تلك الأسودة ضحك واستبشر وإذا نظر عن شماله أى إلى تلك الأسودة حزن وبكى فسلم عليه صلى الله عليه وسلم فقال مرحبا بالابن الصالح والنبى الصالح فقال النبى صلى الله عليه وسلم من هذا فقال هذا أبوك آدم أى وزاد فى الجواب قوله وهذه الأسودة نسم أى أرواح بنيه فأهل اليمين أهل الجنة وأهل الشمال أهل النار فإذا نظر عن يمينه ضحك واستبشر وإذا نظر عن شماله حزن وبكى وزاد فى الجواب أيضا قوله وهذا الباب الذى عن يمينه باب الجنة إذا نظر من سيدخله من ذريته ضحك واستبشر والباب الذي عن شماله باب جهنم إذا نظر من سيدخله من ذريته حزن وبكى اه أى إذا نظر إلى أرواح من سيدخلهما وفيه أن الجنة فوق السماء السابعة والنار فى الأرض السابعة وهى محيطة بالدنيا فكيف يكون بابهما فى السماء الدنيا وأن أرواح الكفار لا تفتح لها أبواب السماء كما تقدم
وأجيب عن الثانى بأن عرضها أى أرواح ذريته الكفار عليه نظرة إليها وهى دون السماء لأنها شفافة أو من ذلك الباب أى وكونها عن يساره الذى أخبر به صلى الله عليه وسلم أى فى جهة يساره
ويجاب عن الأول بأن الباب الذى على يمينه يجوز أن يكون محاذيا لموضع الجنة من السماء السابعة ولهذا قيل له باب الجنة وكذا يقال فى باب جهنم لأن الإضافة تأتى لأدنى ملابسة وبما أجبنا به عن كون أرواح ذريته الكفار عن جهة يساره يعلم أنه لا حاجة فى الجواب عن ذلك إلى قول الحافظ ابن حجر ويحتمل أن يقال إن النسم المرئية هى الأرواح التى لم تدخل الأجساد بعد أى الآن ومستقرها عن يمين آدم وشماله وقد أعلم بما سيصيرون إليه بناء على أن الأرواح مخلوقة قبل أجسادها على أنه لا يناسب قوله روح طيبة ونفس طيبة خرجت من جسد طيب إلى آخره
ولا حاجة لما نقل عن القرطبى فى الجواب عن ذلك من أن الكفار التى لا يفتح لها أبواب السماء المشركون دون الكفار من أهل الكتاب فيجوز أن تكون تلك الأسودة أرواح كفار أهل الكتاب إذ هو يقتضى أن المراد بأرواح بنيه فى الرويتين السابقتين الأرواح التى خرجت من أجسادها
قال صلى الله عليه وسلم ورأيت رجالا لهم مشافر كمشافرالإبل أى كشفاه الإبل أى وفى أيديهم قطع من نار كالأفهار أى الحجارة التى كل واحد منها ملء الكف يقذفونها فى أفواههم تخرج من أدبارهم قلت من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء أكلة أموال اليتامى ظلما وهؤلاء لم تتقدم رؤيته صلى الله عليه وسلم لهم فى الارض أى ولعل المراد بالرجال الأشخاص أو خصوا بذلك لأنهم أولياء الأيتام غالبا قال صلى الله عليه وسلم ثم رأيت رجالا لهم بطون لم أر مثلها قط وفى رواية أمثال البيوت زاد فى رواية فيها حيات ترى من خارج البطون بسبيل أى طريق آل فرعون يمرون عليهم كالإبل المهيومة حين يعرضون على النار ولا يقدرون على أن يتحولوا من مكانهم ذلك أى فتطؤهم آل فرعون الموصوفون بما ذكر المقتضى لشدة وطئهم لهم والمهيومة التى أصابها الهيام وهو داء ياخذ الإبل فتهيم فى الأرض ولا ترعى وفى كلام السهيلى الإبل المهيومة العطاش والهيام شدة العطش أى وفى رواية كلما نهض أحدهم خر أى سقط قال قلت من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء أكلة الربا وتقدمت رؤيته صلى الله عليه وسلم لهم فى الأرض لا بهذا الوصف بل إن الواحد منهم يسبح فى نهر من دم يلقم الحجارة أى ولا مانع من اجتماع الوصفين لهم أى فيخرجون من ذلك النهر ويلقون فى طريق من ذكر وهكذا عذابهم دائما
قال صلى الله عليه وسلم ثم رأيت رجالا بين أيديهم لحم سمين طيب إلى جنبه لحم خبيث منتن يأكلون من الغث أى الخبيث المنتن ويتركون السمين الطيب قال قلت من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء الذين يتركون ما أحل الله لهم من النساء ويذهبون إلى ما حرم الله عليهم منهن أى وتقدمت رؤيته صلى الله عليه وسلم لهم أي الرجال والنساء في الأرض بنحو هذا الوصف
وفي رواية رأى أخونة عليها لحم طيب ليس عليها أحد وأخرى عليها لحم منتن عليها ناس يأكلون قال جبريل من هؤلاء قال هؤلاء الذين يتركون الحلال ويأكلون الحرام أي من الأموال أعم مما قبله أي وهؤلاء لم تتقدم رؤيته صلى الله عليه وسلم لهم فى الأرض
قال صلى الله عليه وسلم ثم رأيت نساء متعلقات بثديهن فقلت من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء اللاتى أدخلن على الرجال ما ليس من أولادهم أى بسبب زناهن أى
وهؤلاء لم يتقدم رؤيته صلى الله عليه وسلم لهن فى الأرض والذى تقدم رؤيته لهن الزانيات لا بهذا القيد وهو إدخالهن على أزواجهن ما ليس من أولادهم على أنه يجوز أن يكون المراد مطلق الزانيات لأن الزنا سبب فى حصول ما ذكر غالبا ولا مانع من اجتماع الوصفين لهن
قال ثم مضى هنيهة فإذا هو بأقوام يقطع اللحم من جنوبهم فيلقمونه فيقال له أى لكل واحد منهم كل كما كنت تأكل لحم أخيك قال يا جبريل من هؤلاء قال هؤلاء الهمازون من أمتك اللمازون أى المغتابون للناس النمامون لهم اه أى وتقدمت رؤيته صلى الله عليه وسلم للمغتابين فى الأرض بغير هذا الوصف أى وروى أنه صلى الله عليه وسلم رأى فى هذه السماء النيل والفرات يطردان أن يجريان وعنصرهما أى أصلهما وهو يخالف ما يأتى أنه صلى الله عليه وسلم رأى في أصل سدرة المنتهى أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران وأن الظاهرين النيل والفرات
وأجيب بأنه يجوز أن يكون منبعهما من تحت سدرة المنتهى ومقرهما وهو المراد بعنصرهما الذى هو أصلهما فى السماء الدنيا أى بعد مرورهما فى الجنة ومن سماء الدنيا ينزلان إلى الأرض فقد جاء فى تفسير قوله تعالى { وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض } أنهما النيل الفرات أنزلا من الجنة من أسفل درجة منها على جناح جبريل عليه الصلاة والسلام فأودعهما بطون الجبال ثم إن الله سبحانه وتعالى سير فعهما ويذهب بهما عند رفع القرآن وذهاب الإيمان وذلك قوله تعالى وإنا على ذهاب به لقادرون وذكره السهيلى وفى زيادة الجامع الصغير أن النيل ليخرج من الجنة ولو التمستم فيه حين يسبح لوجدتم فيه من ورقها
قال صلى الله عليه وسلم ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل عليه الصلاة والسلام فقيل من أنت قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل قد بعث إليه قال نعم قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بابنى الخالة عيسى ابن مريم ويحيى ابن زكريا صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهما أى شبيه أحدهما بصاحبه ثيابهما وشعرهما ومعهما نفر من قومهما فرحبا بى ودعوا لى بخير وفى بعض الروايات التى حكم عليها بالشذوذ أنهما فى السماء الثالثة وقد ذكرها الجلال السيوطى فى أوائل الجامع الصغير وذكر بعضهم أنها رواية الشيخين عن أنس والشذوذ لا ينافى الصحة المطلقة
==========================ج6.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب:السيرة الحلبية في سيرة الأمين المأمون
المؤلف:علي بن برهان الدين الحلبي
فقد قال سيخ الإسلام فى شرح ألفية العراقى عند قوله من غير ما شذوذ خرج الشاذ وهو ما خالف فيه الراوى من هو أرجح منه ولا يرد عليه الشاذ الصحيح عند بعضهم لأن التعريف للصحيح المجمع على صحته لا مطلقا هذا كلامه
وفى كلام السخاوى نقلا عن شيخه ابن حجر أن من تأمل الصحيحين وجد فيهما أمثلة من ذلك أى من الصحيح الموصوف بالشذوذ
أقول وكونهما ابنى الخالة أى أن أم كل خالة الآخر هو المشهور وعليه قال ابن السكيت يقال ابنا خالة ولا يقال ابنا عمة ويقال ابنا عم ولا يقال ابنا خال لكن فى عيون المعارف للقضاعى أن يحيى إنما هو ابن خالة مريم أم عيسى لا ابن خالة عيسى لأن أم يحيى أخت أم مريم لا أخت مريم
وكذا فى كلام ابن إسحاق أن عمران وزكريا كلاهما من ذرية سليمان عليهم الصلاة والسلام وأنهما تزوجا أختين فزوجة زكريا ولدت يحيى قبل عيسى بستة أشهر ثم ولدت مريم عيسى وزوجة عمران ولدت مريم فأم يحيى أخت أم مريم فعيسى ابن بنت خالة يحيى وحينئذ يكون قوله صلى الله عليه وسلم فإذا أنا بابنى الخالة على التجوز وكذا قول عيسى ليحيى يا ابن الخالة كما فى تفسير التسترى على التجوز
ففيه حكى عن يحيى وعيسى عليهما الصلاة والسلام أنهما خرجا يمشيان فصدم يحيى امرأة فقال له عيسى يا ابن الخالة لقد أخطأت اليوم خطيئة ما أرى الله عز وجل يغفرها لك قال وما هى قال صدمت امرأة قال والله ما شعرت بها قال عيسى سبحان الله بدنك معى فأين قلبك قال معلق بالعرش ولو أن قلبى اطمأن إلى جبريل صلوات الله وسلامه عليه طرفة عين لظننت أنى ما عرفت الله عز وجل ووجه التجوز أنه أطلق على بنت الأخت لفظ الأخت وقال بعضهم وهو كثير شائع فى كلامهم
ثم رأيت المولى أبا السعود ذكر ما يجمع به بين القولين وهو أنه قيل إن أم يحيى أخت أم مريم من الأم وأخت مريم من الأب فليتأمل تصويره بناء على تحريم نكاح المحارم لأن أم مريم حينئذ بنت موطوءة أبيها لأنها ربيبته إلا أن يكون فى شريعتهم جواز ذلك
ثم رأيت بعضهم ذكر ذلك حيث قال لا يبعد أن عمران تزوج أولا أم حنة فولدت
أشياع أى التى هى أم يحيى ثم تزوج حنة بعد ذلك التى هى ربيبته بنت موطوءته فجاء منها بمريم بناء على جواز ذلك فى شريعتهم
وفيه أنه تقدم أن نوحا عليه الصلاة والسلام بعث بتحريم نكاح المحارم إلا أن يقال المراد محارم النسب دون المصاهرة ولم يسم أحد يحيى بعد يحيى هذا إلا يحيى بن خلاد الأنصارى جيء به للنبى صلى الله عليه وسلم يوم ولد فحنكه بتمرة وقال لأسمينه باسم لم يسم به بعد يحيى بن زكريا فسماه يحيى
ومما يدل على شرف سيدنا يحيى بن زكريا ما فى الكشاف عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما كنا فى المسجد نتذاكر فضل الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم فذكرنا نوحا بطول عبادته وإبراهيم بخلته وموسى بتكليم الله تعالى إياه وعيسى برفعته إلى السماء وقلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل منهم بعث إلى الناس كافة وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وهو خاتم الأنبياء أى فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فيم أنتم فذكرنا له فقال لا ينبغى لأحد أن يكون خيرا من يحيى بن زكريا فذكر أنه لم يعمل سيئة قط ولا هم بها أى ففى الحديث مامن أحد إلا ويلقى الله عز وجل وقد هم بمعصية عملها إلا يحيى بن زكريا فإنه لم يهم بها ولم يعملها فليتأمل ما فى ذلك
وقد ذكر أن والد زكريا لامه على كثرة العبادة والبكاء فقال له أنت أمرتنى بذلك يا أبت ألست أنت القائل إن بين الجنة والنار عقبة لا يجوزها إلا البكاءون من خشية الله عز وجل فقال بلى فجد واجتهد
وقد جاء فى الحديث أن يحيى هو الذى يذبح الموت يوم القيامة يضجعه ويذبحه بشعرة تكون فى يده والناس ينظرون إليه أى فإن الموت يكون فى صورة كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار ويقال لأهلهما أتعرفون هذا فيقولون نعم هذا الموت أى يلقى الله عز وجل معرفته فى قلوبهم وتجسم المعانى جاء به الحديث الصحيح
على أنه جاء فى تفسير قوله تعالى خلق الموت والحياة أن الموت فى صورة كبش لايمر على أحد إلا مات وخلق الحياة فى صورة فرس لا يمر على شيء إلا حيى وهو بدل على أن الموت جسم وأن الميت يشاهد حلول الموت به
وقيل الذى يذبح الموت جبريل عليه الصلاة والسلام وقيل إن فى هذه السماء الثانية إدريس وهو قول شاذ وقيل يوسف جاءت به رواية ذكرها الجلال السيوطى فى أوائل
والجامع الصغير وذكر فيها أن ابنى الخالة فى السماء الثالثة كما تقدم وتقدم أن بعضهم ذكر أنها رواية الشيخين عن أنس
قال أبو حيان وعيسى لفظ أعجمى والظاهر أن مثله يحيى هذا كلامه وفى كلام غيره أن يحيى عربى ومنع صرفه العلمية ووزن الفعل
وقيل فى عيسى إنه عربى مشتق من العيس وهو بياض يخالطه صفرة وعلى أنه أعجمى قيل عبرانى وقيل سريانى
ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بيوسف صلى الله عليه وسلم أى ومعه نفر من قومه وإذا هو أعطى شطر الحسن أى وفى رواية صورته صورة القمر ليلة البدر والمراد بشطر الحسن نصف الحسن الذى أعطيه الناس
وفى الحديث أعطى يوسف وأمه ثلث حسن الدنيا وأعطى الناس الثلثين ويحتاج للجمع بينها وبين ما جاء فى رواية قسم الله ليوسف من الحسن والجمال ثلثى حسن الخلق وقسم بين سائر الخلق الثلث وعن وهب بن منبه الحسن عشرة أجزاء تسعة منها ليوسف وواحد منها بين الناس
وفى كلام بعضهم كان فضل يوسف فى الحسن على الناس كفضل القمر ليلة البدر على نجوم السماء وكان إذا سار فى أزقة مصر يرى تلألؤ وجهه على الجدران كما يتلألأ نور الشمس وضوء القمر على الجدران والمراد بالناس غير نبينا صلى الله عليه وسلم لأن حسن نبينا صلى الله عليه وسلم لم يشارك فى شئ منه كما أشار إليه صاحب البردة بقوله فجوهر الحسن فيه غير منقسم خلافا لابن المنير حيث ادعى أن يوسف أعطى شطر الحسن الذى أوتيه نبينا صلى الله عليه وسلم وتبعه على ذلك شارح تائية الإمام السبكى
وعبارته فإذا هو أى يوسف عليه الصلاة والسلام أعطى شطر الحسن الذى أعطيه كله صلى الله عليه وسلم
هذا وقد قيل إن يوسف ورث الحسن من إسحاق الذى هو جده وإسحاق ورث الحسن من سارة التى هى أمه وسارة أعطيت سدس الحسن ورثت ذلك من حواء
أى وفى رواية وصف يوسف وإنه أحسن ما خلق الله تعالى قد فضل الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب أى كفضل القمر ليلة البدر على بقية الكواكب الليلية والمراد بخلق الله تعالى وبالناس غير نبينا صلى الله عليه وسلم لما علمت أنه أعطى شطر الحسن الذى لغير نبينا صلى الله عليه وسلم ولأن المتكلم لا يدخل فى عموم خطابه على ما فيه
وقد جاء إن يوسف أعطى نصف حسن آدم وفى رواية ثلث حسن آدم وقد جاء كان يوسف يشبه آدم يوم خلقه ربه
وفى الخصائص الصغرى للسيوطى وخص بأنه صلى الله عليه وسلم أوتى كل الحسن ولم يعط يوسف إلا شطره فلينظر الجمع بين هذه الروايات على تقدير صحتها
وقد حاء ما بعث الله نبيا إلا حسن الوجه وحسن الصوت وكان نبيكم أحسنهم وجها أحسنهم صوتا
قال فرحب بى ودعا لى بخير وفى بعض الروايات إن فى هذه السماء الثالثة ابنى الخالة يحيى وعيسى كما مر ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإدريس فرحب بى ودعا لى بخير وفى رواية قال مرحبا بالأخ الصالح
وفي رواية قتادة مرحبا بالابن الصالح قال بعضهم وهو القياس لأنه جده الأعلى لأنه من ولد شيث بينه وبين شيث أربعة آباء أرسل بعد موت آدم بمائتي سنة وهو أول من أعطى الرسالة من ولد آدم وهو يقتضي أن شيئا لم يكن رسولا ونوح من ولده بينه وبينه ابنان فإدريس في عمود نسبه صلى الله عليه وسلم وحينئذ قوله بالأخ الصالح فى تلك الرواية محمول على التواضع منه خلافا لمن تمسك بذلك
على أن إدريس ليس جدا لنوح ولا هو من آباء النبى صلى الله عليه وسلم قال الله عز وجل ورفعناه مكانا عليا أى حال حياته لأنه رفع إلى السماء قيل من مصر بعد أن خرج منها وجار الأرض كلها وعاد إليها ودعا الخلائق إلى الله تعالى باثنتين وسبعين لغة خاطب كل قوم بلغتهم وعلمهم العلوم
وهو أول من استخرج علم النجوم أى علم الحوادث التى تكون فى الأرض باقتران الكواكب
قال الشيخ محيى الدين بن العربى وهو علم صحيح لا يخطيء فى نفسه وإنما الناظر فى ذلك هو الذى يخطيء لعدم استيفاء النظر ودعوى إدريس عليه السلام الخلائق يدل على أنه كان رسولا وفى كلام الشيخ محيى الدين لم يجئ نص فى القرأن برسالة إدريس بل قيل فيه صديقا نبيا
وأول شخص افتتحت به الرسالة نوح عليه الصلاة والسلام ومن كانوا قبله إنما كانوا أنبياء كل واحد على شريعة من ربه فمن شاء دخل معه فى شرعه ومن شاء لم يدخل فمن دخل ثم رجع كان كافرا
ومما يؤثر عنه عليه الصلاة والسلام حب الدنيا والآخرة لايجتمعان فى قلب أبدا الناس اثنان طالب لايجد وواجد لا يكتفى من ذكر عار الفضيحة هان عليه لذتها خير الإخوان من نسى ذنبك ومعروفه عندك وقد قبضت روحه فى هذه السماء الرابعة فصلت عليه الملائكة ومدفنه بها تصلى عليه الملائكة كلما هبطت وحينئذ لا يقال من كان فى السماء الخامسة والسادسة والسابعة أرفع منه على أنه قيل لما مات أحياه الله تعالى وأدخله الجنة وهو فيها الآن أي غالب أحواله في الجنة فلا ينافي وجوده في السماء المذكورة فى تلك الليلة لأنها الجنة أرفع من السموات لأنها فوق السماء السابعة ولا ما جاء فى الحديث أنه فى السماء حى كعيسى عليهما الصلاة والسلام وفى بعض الروايات أن فى هذه السماء الرابعة هرون
ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بهرون أى ونصف لحيته بيضاء ونصف لحيته سوداء تكاد تضرب إلى سرته من طولها وحوله قوم من بنى إسرائيل وهو يقص عليهم فرحب بى ودعالى بخير أى وفى رواية فقال يا جبريل من هذا قال هذا الرجل المحبب فى قومه هرون بن عمران أى لأنه كان ألين لهم من موسى عليه الصلاة والسلام لإن موسى عليه الصلاة والسلام كان فيه بعض الشدة عليهم ومن ثم كان له منهم بعض الإيذاء
ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل قيل من هذا قال جبريل قيل
ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بموسى صلى الله عليه وسلم فرحب بى ودعا لى بخير أى وفى رواية جعل يمر بالنبى والنبيين معهم القوم والنبى والنبيين ليس معهم أحد ثم مر بسواد عظيم فقال من هذا قيل موسى وقومه المناسب هذا قوم موسى كما لا يخفى لكن ارفع رأسك فإذا هو بسواد عظيم قد سد الأفق من ذا الجانب ومن ذا الجانب فقيل هؤلاء أمتك هؤلاء سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب أى منهم بدليل ما جاء فى رواية قيل لى هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب وهم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون فقال عكاشة بن محصن أنا منهم قال نعم ثم قال رجل آخر أنا منهم قال صلى الله عليه وسلم سبقك بها عكاشة لأن هذا الرجل كان منافقا فلم يقل له صلى الله عليه وسلم لست منهم لأنك منافقا بل أجابه بما فيه ستر عليه والقول بأن ذلك الرجل هو سعد بن عبادة مردود وهذا تمثيل أى مثل له صلى الله عليه وسلم أمته أى وأمة موسى أيضا إذ يبعد وجودها حقيقة فى السماء السادسة وهذا السياق يدل على أن الذى مر بهم من النبى والنبيين فى السماء السادسة فلما خلصا أى جاوزا ما ذكر من النبى والنبيين والسواد العظيم فإذا موسى بن عمران رجل آدم طوال كأنه من رجال شنوءة كثير الشعر أى مع صلابته لو كان عليه قمصان لنفذ الشعر منهما أى وكان إذا غضب يخرج شعر من رأسه من قلنسوته وربما اشعتلت قلنيونه نارا لشدة غضبه
وفى كلام بعضهم كان إذا غضب خرج شعره من مدرعته كسل النخل ولشدة غضبه لما فر الحجر بثوبه صار يضربه حتى ضربه ست ضربات أو سبعا مع أنه لا إدراك له ووجه بأنه لما فر صار كالدابة والدابة إذا جمحت بصاحبها يؤدبها بالضرب فسلم عليه النبى صلى الله عليه وسلم فرد عليه السلام ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبى الصالح ثم دعا له ولأمته بخير وقال يزعم الناس أنى أكرم على الله من هذا بل هذا أكرم على الله منى فلما جاوزه بكن فقيل له ما يبكيك فقال أبكى لأن غلاما بعث بعدى يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخل الجنة من أمتى أى وبل من سائر الأمم
فقد ذكر الجلال السيوطى فى الخصائص الصغرى أن مما اختص به صلى الله عليه وسلم
فى أمته فى الآخرة أن أهل الجنة أى من الأمم مائة وعشرون صفا هذه الأمة منها ثمانون وسائر الأمم أربعون
وجاء فى المرفوع كل أمة بعضها فى الجنة وبعضها فى النار إلا هذه الأمة فإنها كلها فى الجنة
وفى العرائس عن أبى هريرة رضى الله عنه لما كلم الله عز وجل موسى كان بعد ذلك سيمع دبيب النملة السوداء فى الليلة الظلماء على الصفا من مسيرة عشرة فراسخ
وفى الحديث ليس أحد يدخل الجنة إلا جرد مرد إلا موسى بن عمران فإن لحيته إلى سرته ثم عرج بنا إلى السماء السابعة واسمها عريبا واسم الأرض السابعة جريبا
روى الخطيب بإسناد صحيح أن وهب بن منبه قال من قرأ البقرة وأل عمران يوم الجمعة كان له ثواب يملأ ما بين عريبا وجريبا فاستفتح جبريل قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل وقد بعث إليه قال نعم قد بعث إليه ففتح لنا فإذا بإبراهيم صلوات الله وسلامه عليه أى رجل أشمط وفى لفظ كهل ولا ينافى ذلك ما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم فى وصفه إنه أشبه بصاحبكم يعنى نفسه صلى الله عليه وسلم خلقا وخلقا جالس عند باب الجنة أى فى جهتها كما تقدم وإلا فالجنة فوق السماء السابعة على كرسى مسندا ظهره إلى البيت المعمور أى وهو من عقيق ويقال له الضراح بضم الضاد المعجمة وتخفيف الراء وفى آخره حاء مهملة من ضرح إذا بعد ومنه الضريح
أى وفى كلام الحافظ ابن حجر يقال له الضراح والضريح وجاء إنه مسجد بحذاء الكعبة لو خر لخر عليها أى فهو فى تلك السماء فى محل يحاذى الكعبة أى وقيل فى السماء الرابعة وبه جزم فى القاموس وقيل فى السادسة وقيل فى الأولى وتقدم أن فى كل سماء بيتا معمورا وأن كل بيت منها بحيال الكعبة وإذا هو يدخله كل يوم ألف ملك لا يعودون إليه
أقول عن بعضهم أن البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك وفى رواية سبعون وجيها مع كل وجيه سبعون ألف ملك والوجيه الرئيس ولعله صلى الله عليه وسلم علم ذلك بإعلام جبريل وإلا فرؤيته صلى الله عليه وسلم له تلك الليلة لا تقتضى ذلك
ثم رأيت الشيخ عبدالوهاب الشعرانى أشار إلى ذلك حيث قال وسما له البيت المعمور فنظر إليه وركع فيه ركعتين وعرفه أي جبريل أنه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك من الباب الواحد ويخرجون من الباب الآخر فالدخول من باب مطالع الكواكب والخروج من باب مغاربها والظاهر أن دخول هؤلاء الملائكة خاص بالذى فى السماء السابعة
وقال السهيلى وقد ثبت فى الصحيح أن أطفال المؤمنين والكافرين فى كفالة إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل حين رأهم مع إبراهيم عليه الصلاة والسلام من هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء أولاد المؤمنين الذين يموتون صغارا قال له وأولاد الكافرين قال له وأولاد الكافرين خرجه البخارى فى الحديث الطويل فى كتاب الجنائز وخرجه فى موضع آخر فقال فيه أولاد الناس
وقد روى فى أطفال الكافرين أيضا أنهم خدم أهل الجنة هذا كلامه وجاء فى حديث مرفوع لكن سنده ضعيف إن فى السماء الرابعة نهرا يقال له الحيوان يدخله جبريل كل يوم أى سحرا كما فى بعض الروايات فينغمس ثم يخرج فينتقض فيخرج منه سبعون ألف قطرة يخلق الله تعالى من كل قطرة ملكا وفى لفظ يخلق الله عز وجل من كل قطرة كذا وكذا ألف ملك يؤمرون أن يأتوا البيت المعمور يصلون فيه فهم الذين يصلون في البيت المعمور ثم لا يعودون إليه أبدا يولى عليهم أحدهم يؤمر أن يقف بهم فى السماء موقفا يسبحون الله عز وجل إلى أن تقوم الساعة وذكر الشيخ عبد الوهاب الشعرانى أن جبريل أخبره بذلك فى تلك الليلة والله أعلم وفى رواية وإذا أنا بأمتى شطرين شطرا عليهم ثياب بيض كأنها القراطيس وشطرا عليهم ثياب رمدة فدخلت البيت المعمور ودخل معى الذين عليهم الثياب البيض وحجب الآخرون الذين عليهم الثياب الرمدة فصليت أنا ومن معى فى البيت المعمور أى والظاهر أنه ليس المراد بالشطر النصف حتى يكون العصاة من أمته بقدر الطائعين منهم وإن الصلاة محتملة للدعاء ولذات الركوع والسجود ويناسبه ما تقدم من قوله ركعتين وأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال له يا نبى الله إنك لاق ربك الليلة وإن أمتك آخر الأمم وأضعفها فإن استطعت أن تكون حاجتك فى أمتك فافعل
وفى السيرة الشامية أن سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال له صلى الله عليه وسلم
ذلك فى الأرض قبل وصول بيت المقدس وقال له هنا مر أمتك فليكثروا من غراس الجنة فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة فقال له وما غراس الجنة فقال لا حول ولا قوة إلا بالله وفى رواية أخرى أقرئ أمتك منى السلام وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء وأن غراسها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر
وقد يقال لا مخالفة بين الروايتين لأنه يجوز أن يكون غراس الجنة مجموع ما ذكر وأن بعض الرواة اقتصر
قال صلى الله عليه وسلم واستقبلتنى جارية لعساء وقد أعجبتنى فقلت لها يا جارية أنت لمن قالت لزيد بن حارثة أى ولعل تلك الجارية خرجت من الجنة فيكون استقبالها له صلى الله عليه وسلم بعد مجاوزة السماء السابعة لكن فى رواية فرأيت فيها أى فى الجنة جارية الحديث
وقد يقال يجوز أن يكون رأها مرتين خارج الجنة وداخلها فيكون سؤالها فى المرة الأولى واللعس لون الشفة إذا كانت تضرب إلى السواد قليلا وذلك مستملح قاله فى الصحاح
وفى رواية فلما انتهى إلى السماء السابعة رأى فوقه رعدا وبرقا وصواعق أى وهذه الرواية ظاهرة فى أنه صلى الله عليه وسلم رأى ذلك فى السماء السابعة محتملة لأن يكون رآه قبل دخوله فيها وحينئذ يكون قوله ثم أتى بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل على الاحتمالين المذكورين
وعند عرض تلك الأوانى عليه صلى الله عليه وسلم أخذ اللبن فقال جبريل أصبت الفطرة أى بأخذك اللبن الذى هو الفطرة أصاب الله عز وجل بك أمتك على الفطرة أى أوجدهم على الفطرة ببركتك وفى رواية هذه الفطرة التى أنت عليها وأمتك أي وتقدم أن المراد بها الإسلام
وورد أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام فى السماء السادسة وموسى فى السماء السابعة وهذه الرواية فى البخارى عن أنس وتقدم أن ذلك كان فى الإسراء بروحه صلى الله عليه وسلم لا بجسده وفيه أن رؤيا الأنبياء حق
فالأولى الجمع بين الروايات بالانتقال وأن بعض الأنبياء نزل من محله إلى ما تحته لملاقاته صلى الله عليه وسلم عند صعوده وبعضهم خرج عن محله وصعد إلى
ما فوقه لملاقاته صلى الله عليه وسلم عند هبوطه فأخبر صلى الله عليه وسلم عنه تارة بأنه فى سماء كذا وتارة بأنه في سماء كذا والحافظ ابن حجر لايرى الجمع بل يحكم على ما خالف أصح الروايات بأنه لا يعمل به قال والجمع إنما هو مجرد استرواح لا ينبغى المصير إليه هذا كلامه
وعندى فيه نظر ظاهر والجمع أولى من إثبات المعارضة لاسيما بين الأصح والصحيح وإن كان الصحيح شاذا لأنا لا نقدم الأصح أو الصحيح على غيره إلا حيث تعذر الجمع فليتأمل
وعلى المشهور من الروايات الذى صدرنا به أبدى بعضهم لاختصاص هؤلاء الأنبياء بملاقاته صلى الله عليه وسلم واختصاص كل واحد منهم بالسماء الذى لقيه فيها حكمة يطول ذكرها
قال صلى الله عليه وسلم ثم ذهب بى أى جبريل إلى سدرة المنتهى وإذا أوراقها كآذان الفيلة وفى رواية مثل آذان الفيول وفى رواية الورقة منها تظل الخلق وفى رواية تكاد الورقة تغطى هذه الأمة وفى رواية لو أن الورقة الواحدة ظهرت لغطت هذه الدنيا وحينئذ يكون المراد بكونها كآذان الفيلة فى الشكل وهو الاستدارة لا فى السعة وإذا ثمرها كالقلال وفى رواية كقلال هجر قرية بقرب المدينة والواحدة من قلالها تسع قربتين ونصفا من قرب الحجاز والقربة تسع من الماء مائة رطل بغدادى فلما غشيها من أمر الله عز وجل ما غشيها تغيرت أى صار لها حالة من الحسن غير تلك الحالة التى كانت عليها فما أحد من خلق الله عز وجل يستطيع أن ينعتها من حسنها أى لأن رؤية الحسن تدهش الرائى وهذا السياق يدل على أن سدرة المنتهى فوق السماء السابعة أى وهو قول الأكثر وفى بعض الروايات أن أغصانها تحت الكرسى وعن وهب أن العرش والكرسى فوق السماء السابعة قال ويسأل هل ثمرة سدرة المنتهى كالثمار المأكولة فى أنه يزول ويعقبه غيره هذا الزائل يؤكل أو يسقط أى فلا يؤكل انتهى
قال صلى الله عليه وسلم ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ أى بالمعجمة قباب اللؤلؤ وفى لفظ حبائل اللؤلؤ المعقود والقلائد وإذا ترابها المسك ورمانها كالدلاء وطيرها كالبخت فدخوله صلى الله عليه وسلم للجنة كان قبل عروجه للسحابة
وفى الحديث ما فى الدنيا ثمرة حلوة ولا مرة إلا وهى فى الجنة حتى الحنظل والذى نفس محمد بيده لا يقطف رجل ثمرة من الجنة فتصل إلى فيه حتى يبدل الله مكانها خيرا منها وهذا القسم يرشد إلى أن ثمرة الجنة كلها حلوة تؤكل وأنها تكون على صورة ثمرة الدنيا المرة
وفى كلام الشيخ محيى الدين بن العربى فاكهة الجنة لا مقطوعة ولا ممنوعة أى تؤكل من غير قطع أى يؤكل منها فالأكل موجود والعين باقية فى غصن الشجرة وليس المراد أن الفاكهة غير مقطوعة فى شتاء ولا صيف أو يخلق مكان قطعها أخرى على الفور كما فهمه بعضهم فعين ما يأكل العبد هو عين ما يشهد وأطال فى ذلك وكأنه لم يقف على هذا الحديث أو لم يثبت عنده فليتأمل
قال ويخرج من أصل تلك الشجرة أربعة أنهار نهران باطنان أى يبطنان ويغيبان فى الجنة بعد خروجهما من أصل تلك الشجرة ونهران ظاهران أى يستمران ظاهرين بعد خروجهما من أصل تلك الشجرة فيجاوزان الجنة فقال ما هذه أى الأنهار يا جبريل قال أما الباطنان ففى الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات انتهى
أقول قول جبريل أما الباطنان ففى الجنة لا يحسن أن يكون جوابا عن هذا السؤال أى الذى هو سؤال عن بيان الحقيقة ويحصل بذكر اسمها فكان المناسب بحسب الظاهر أن يقول وأما الباطنان فنهر كذا ونهر كذا وهذا السياق يدل على أن النيل والفرات يمران فى الجنة ويجاوزانها وأن ما عداهما كسيحان وجيحان بناء على أنهما ينبعان من أصل شجرة المنتهى يغيبان فيها ولا يجاوزانها والنيل نهر مصر والفرات نهر الكوفة ويحتمل أن النهرين اللذين هما ما عدا النيل والفرات بناء على أنهما سيحان وجيحان يبطنان فى الجنة ولا يظهران إلا بعد خروجهما منها لوجودهما فى الخارج بخلاف النيل والفرات فإنهما يستمران ظاهرين فيها إلى أن يخرجا منها
وقد جاء فى حديث ما من يوم إلا وينزل ماء من الجنة فى الفرات قال بعضهم ومصداقه أن الفرات مد فى بعض السنين فوجد فيه رمان كل واحدة مثل البعير فيقال إنه رمان الجنة وهذا الحديث ذكره ابن الجوزى فى الأحاديث الواهية وفى حديث موقوف على ابن عباس إذا حان خروج يأجوج ومأجوج أرسل الله تعالى جبريل فرفع من الأرض هذه الأنهار والقرآن والعلم والحجر والمقام وتابوت موسى بما فيه إلى السماء
هذا وفى بعض الروايات ما يدل على أن سيحان وجيحان لا ينبعان من أصل شجرة المنتهى فليسا هما المراد بالباطنين
وعن مقاتل الباطنان السلسبيل والكوثر أى ومعنى كونهما باطنين أنهما لم يخرجا من الجنة أصلا ومعنى كون النيل والفرات ظاهرين أنهما يخرجان منها
وفى السيرة الشامية لم يثبت فى سيحان وجيحان أنهما ينبعان من أصل شجرة المنتهى فيمتاز النيل والفرات عليهما بذلك وأما الباطنان المذكوران أى فى الحديث فهما غير سيحان وجيحان قال القرطبى ولعل ترك ذكرهما أى سيحان وجيحان فى حديث الإسراء كونهما ليسا أصلا برأسهما وإنما يحتمل أن يتفرعا عن النيل والفرات هذا كلامه ولعل المراد أنهما يتفرعان عنهما بعد خروجهما من الجنة فهما لم يخرجا من أصل السدرة ولا يبطنان فى الجنة أصلا
قال وإذا فيها فى تلك الشجرة عين أى فى أصلها أيضا يقال لها السلسبيل فينشق منها نهران أحدهما الكوثر والآخر يقال له نهر الرحمة فاغتسلت منه فغفر لى ما تقدم من ذنبى وما تأخر انتهى أى فهما يخرجان من أصل سدرة المنتهى لكن لا من المحل الذى يخرج منه النيل والفرات وحينئذ يحسن القول بأنه يخرج من أصل تلك الشجرة أربعة أنهار نهران ظاهران ونهران باطنان وفى جعل الكوثر قسما من السلسبيل يخالفه جعله قسيما كما تقدم عن مقاتل فالباطنان الكوثر ونهر الرحمة فالأنهار التى تخرج من أصل سدرة المنتهى أربعة بناء على أن سيحان وجيحان لا يخرجان منها أو ستة بناء على أنهما يخرجان منها
وعلى الأول لا ينافى قول القرطبى ما فى الجنة نهر إلا ويخرج من أصل سدرة المنتهى لأن المراد إما خروجه بنفسه أو أصله الذى يتفرع منه بناء على ما تقدم من أن سيحان وجيحان يتفرعان عن النيل والفرات
ولا ينافى ما عند مسلم يخرج من أصلها يعنى سدرة المنتهى أربعة أنهار من الجنة وهى النيل والفرات وسيحان وجيحان ولا ما عند الطبرانى سدرة المنتهى يخرج من أصلها أربعة أنهار من ماء غير آسن ومن لبن لم يتغير طعمه ومن خمر لذة للشاربين ومن عسل مصفى وعن كعب الأحبار إن نهر العسل نهر النيل أى ويدل لذلك قول بعضهم لولا دخول بحر النيل فى البحر الملح الذى يقال له البحر الأخضر قبل أن يصل
إلى بحيرة الزنج ويختلط بملوحته لما قدر أحد على شربه لشدة حلاوته ونهر اللبن نهر جيحان ونهر الخمر نهر الفرات ونهر الماء نهر سيحان لأن غاية ذلك سكوتهما عن النهرين الآخرين وهما الكوثر ونهر الرحمة ومعنى كونها تخرج من أصل سدرة المنتهى من الجنة أنه يحتمل أن تكون سدرة المنتهى مغروسة فى الجنة والأنهار تخرج من أصلها فصح أنها من الجنة هكذا ذكره العارف ابن أبى جمرة ولم أقف على ما يدل على ثبوت هذا الاحتمال أى أن سدرة المنتهى مغروسة فى الجنة ولا حاجة لهذا الاحتمال فى تصحيح هذه الرواية لأن المعنى أن تلك الأنهار تخرج من أصل تلك الشجرة ثم تكون خارجة من الجنة ثم لايخفى أن فى كلام القاضى عياض أن سيحان يقال فيه سيحون وجيحان يقال فيه جيحون
ويخالفه قول صاحب النهاية اتفقوا كلهم على أن جيحون غير جيحان وسيحون غير سيحان ومن ثم أنكر الإمام النووى على القاضى عياض حيث قال الثانى أى من وجوه الإنكار على القاضى قوله سيحان وجيحان ويقال سيحون وجيحون فجعل الأسماء مترادفة وليس كذلك فسيحان وجيحان غير سيحون وجيحون هذا كلامه
وذكر صاحب النهاية أن جيحون نهر وراء خراسان عند بلخ وسكت عن بيان سيحون فليتأمل
قال والذى غشى الشجرة فراش من ذهب والفراش هو الحيوان الذى يلقى نفسه فى السراج ليحترق وملائكته على كل ورقة ملك يسبح الله تعالى وملائكه أى آخرون يغشونها كأنهم الغربان يأوون إليها متشوقين إليها متبركين بها زائرين كما يزور الناس الكعبة انتهى
ورأى صلى الله عليه وسلم جبريل عند تلك السدرة على الصورة التى خلقه الله عز وجل عليها له ستمائة جناح كل جناح منها قد سد الأفق يتناثر من أجنحته تهاويل الدر والياقوت مما لا يعلمه إلا الله عز وجل وغشيت تلك السدرة سحابة فتأخر جبريل عليه الصلاة والسلام ثم عرج به صلى الله عليه وسلم أى فى تلك السحابة حتى ظهر لمستوى سمع فيه صرير الأقلام وفى رواية صريف أى صوت حركتها حال الكتابة أى ما تكتبه الملائكة من الأقضية وهذا السياق يدل على أن جبريل لم يتعد سدرة المنتهى ويدل
على ما تقدم من أن سدرة المنتهى فوق السماء السابعة إلى آخر ما تقدم وهو الموافق لقول بعضهم إنها على يمين العرش
وفى رواية ثم انطلق بى أى جبريل إلى ظهر السماء السابعة حتى انتهى إلى نهر عليه خيام الياقوت واللؤلؤ والزبرجد وعليه طير أخضر نعم الطير رأيت قال جبريل هذا الكوثر الذى أعطاك الله فإذا فيه آنية الذهب والفضة يجرى على رضاض من الياقوت والزمرد بالذال المعجمة كما تقدم وماؤه أشد بياضا من اللبن فأخذت من آنيته واغترفت من ذلك فشربت فإذا هو أحلى من العسل وأشد رائحة من المسك
أقول قد تقدم أن هذا النهر من العين التى تخرج من سدرة المنتهى التى يقال لها السلسبيل أى فهو يخرج من تلك الشجرة ويمر على ما ذكر ثم يدخل الجنة ويستقر بها فلا ينافى كون الكوثر نهرا فى الجنة وأن السلسبيل عين فى الجنة لأن السلسبيل على ما تقدم أصل الكوثر والله أعلم
وفى رواية إنها أى سدرة المنتهى فى السماء السادسة وإليها ينتهى ما يعرج من الأرض فيفيض منها وإليها ينتهى ما يهبط من فوقها فيفيض منها وعندها تقف الحفظة وغيرهم فلا يتعدونها ومن ثم سميت سدرة المنتهى
وعن تفسير ابن سلام عن بعض السلف قال إنما سميت سدرة المنتهى لأن روح المؤمن ينتهى بها إليها فتصلى عليها هناك الملائكة المقربون وجمع وجمع الحافظ ابن حجر بين كون سدرة المنتهة فى السادسة وكونها فى السابعة بأن أصلها فى السادسة وأغصانها فى السابعة أى فوق السابعة أى جاوزت السابعة فلا ينافى القول بأنها فوق السابعة على ما تقدم وهذا الحمل المقتضى لكون أصلها فى السادسة لا يناسب كون الأنهار تخرج من أصلها إلى آخر ما تقدم
ويروى أن جبريل لما وصل إلى مقامه وهو سدرة المنتهى فوق السماء السابعة قال له صلى الله عليه وسلم ها أنت وربك هذا مقامى لا أتعداه فزج بى فى النور أى لما غشيته تلك السحابة ويعبر عن تلك السحابة بالرفوف قال الشيخ عبدالوهاب الشعرانى وهو نظير المحفة عندنا
وفى تاريخ الشيخ العينى شارح البخارى عن مقاتل بن حيان قال انطلق بى جبريل حتى انتهى إلى الحجاب الأكبر عند سدرة المنتهى قال جبريل تقدم يا محمد قال
فتقدمت حتى انتهيت إلى سرير من ذهب عليه فراش من حرير الجنة فنادى جبريل من خلفى يل محمد إن الله يثنى عليك فاسمع وأطع ولا يهولنك كلامه فبدأت بالثناء على الله عز وجل الحديث أى وفى ذلك النور المستوى الذى يسمع فيه صريف الأقلام ثم العرش والرفوف والرؤية وسماع الخطاب
وفى رواية أنه لما وقف جبريل قال له صلى الله عليه وسلم فى مثل هذا المقام يترك الخليل خليله قال إن تجاوزت احترقت بالنار فقال النبى صلى الله عليه وسلم يا جبريل هل لك من حاجة إلى ربك قال يا محمد سل الله عز وجل لى أن أبسط جناحى على الصراط لأمتك حتى يجوزوا عليه قال ثم زج بى فى النور فخرق بى إلى سبعين الف حجاب ليس فيها حجاب يشبه حجابا غلظ كل حجاب خمسمائة عام وانقطع عنى حس كل ملك فلحقنى عند ذلك استيحاش فعند ذلك نادى مناد بلغة أبى بكر رضى الله تعالى عنه قف إن ربك يصلى فبينما أنا أتفكر فى ذلك أى فى وجود أبى بكر فى هذا المحل وفى صلاة ربى فأقول هل سبقنى ابو بكر وكيف يصلى ربى وهو غنى عن أن يصلى كما يدل على ذلك ما يأتى فإذا النداء من العلى الأعلى ادن يا خير البرية ادن يا أحمد ادن يا محمد فأدنانى ربى حتى كنت كما قال عز وجل { ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى }
وفى الخصائص الصغرى وخص بالإسراء وما تضمنه اختراق السموات السبع والعلو إلى قاب قوسين ووطئه مكانا ما وطئه نبى مرسل ولا ملك مقرب وهذه الرواية ككلام الخصائص تدل على أن فاعل دنا وتدلى واحد وكان هو صلى الله عليه وسلم وحينئذ يكون معنى تدلى زاد فى القرب وجعل بعض العلماء من جملة ما خالف شريك فيه المشهور من الروايات أنه جعل فاعل دنا فتدلى الحق سبحانه وتعالى أى دنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان من محمد صلى الله عليه وسلم قاب قوسين أو أدنى ثم رأيت الحافظ ابن حجر ذكر عن البيهقى أنه روى بسند حسن ما يوافق ما ذكر شريك ومعلوم أم معنى الدنو والتدلى الواقعين من الله سبحانه وتعالى كمعنى النزول منه فى ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الأخير وهو أى ذلك عند أهل الحقائق من مقام التنزل بمعنى أنه تعالى يتلطف بعباده ويتنزل فى خطابه لهم فيطلق على نفسه ما يطلقونه على أنفسهم فهو فى حقهم حقيقة وفى حقه تعالى مجاز
ورأيت بعضهم ذكر أن فاعل دنا جبريل وفاعل تدلى محمد صلى الله عليه وسلم أى سجد لربه سبحانه وتعالى شكرا على ما أعطى من الزلفى
ورأيت بعضا آخر ذكر أن فاعل تدلى الرفرف وفاعل دنا محمد صلى الله عليه وسلم أى تدلى الرفرف لمحمد صلى الله عليه وسلم حتى جلس عليه ثم دنا محمد صلى الله عليه وسلم من ربه سبحانه وتعالى أى قرب قرب منزلة وتشريف لا قرب مكان تعالى الله عز وجل عن ذلك
قال صلى الله عليه وسلم وسألنى ربى فلم أستطع أن أجيبه عز وجل فوضع يده عز وجل بين كتفى بلا تكييف ولا تحديد أى يد قدرته تعالى لأنه سبحانه منزه عن الجارحة فوجدت بردها فأورثنى علم الأولين والآخرين وعلمنى علوما شتى فعلم أخذ على كتمانه إذ علم أنه لا يقدر على حمله غيرى وعلم خيرنى فيه وعلم أمرنى بتبليغه إلى العام والخاص من أمتى وهى الإنس والجن أى وكذلك الملائكة على ما تقدم
أقول هذا التفصيل يدل على أن العلوم الشتى هى هذه العلوم الثلاثة إلا أن يقال كل علم من هذه الثلاثة يشتمل على أنواع من العلوم والله أعلم
قال صلى الله عليه وسلم ثم قلت اللهم إنه لما لحقنى استيحاش سمعت مناديا ينادى بلغة تشبه لغة أبى بكر فقال لى قف فإن ربك يصلى فعجبت من هاتين هل سبقنى أبو بكر إلى هذا المقام وإن ربى لغنى أن يصلى فقال تعالى أنا الغنى عن أن أصلى لأحد وإنما أقول سبحانى سبحانى سبقت رحمتى غضبى اقرأ يا محمد { هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما } فصلاتى رحمة لك ولأمتك وأما أمر صاحبك يا محمد فإن أخاك موسى كان أنسه بالعصا فلما أردنا كلامه قلنا وما تلك بيمينك يا موسى قال هى عصاى وشغل بذكر العصا عن عظيم الهيبة وكذلك أنت يا محمد لما كان أنسك بصاحبك أبى بكر خلقنا ملكا على صورته ينادى بلغته ليزول عنك الاستيحاش لما يلحقك من عظم الهيبة
أقول لعل المراد خلقنا صورة على صورة صوته لأنه ليس فى الرواية أنه رأى ذلك الملك على صورة أبى بكر وإنما سمع صوته والله أعلم
ثم قال الله عز وجل يا محمد وأين حاجة جبريل فقلت اللهم إنك أعلم فقال يا محمد قد أجبته فيما سأل ولكن فيمن أحبك وصحبك
أقول لعل المراد بمن صحبك من كان تابعا لك فى دينك عاملا بسنتك أى وهو مراد جبريل بأمته صلى الله عليه وسلم فى قوله أن أبسط جناحى لأمتك على الصراط والله أعلم
وفى رواية إنه صلى الله عليه وسلم لما رأى الحق سبحانه وتعالى خر ساجدا قال صلى الله عليه وسلم فأوحى الله عز وجل إلى ما أوحى
وقد ذكر الثعلبى والقشعرى فى تفسير قوله تعالى { فأوحى إلى عبده ما أوحى } أن من جملة ما أوحى إليه إن الجنة حرام على الأنبياء حتى تدخلها يا محمد وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك قال القشيرى وأوحى إليه خصصتك بحوض الكوثر فكل أهل الجنة أضيافك بالماء ولهم الخمر واللبن والعسل ففرض على خمسين صلاة فى كل يوم وليلة
أقول تقدم أن من جملة ما أوحى إليه فى هذا الموطن من القرآن خواتيم سورة البقرة وبعض سورة الضحى وبعض ألم نشرح وقد تقدم ذلك عند الكلام على أنواع الوحى وقدمنا أنه يضم لذلك هو الذى يصلى عليكم وملائكته الآية على ما تقدم
هذا وفى حديث رواته ثقات لما وصلت إلى السماء السابعة قال لى جبريل عليه السلام رويدا أى قف قليلا فإن ربك يصلى قلت أهو يصلى وفى لفظ كيف يصلى وفى لفظ أخر قلت يا جبريل أيصلى ربك قال نعم قلت وما يقول قال يقول سبوح قدوس رب الملائكة والروح سبقت رحمتى غضبى ولا مانع من تكرر وقوع ذلك له صلى الله عليه وسلم من جبريل ومن غيره فى السماء السابعة وفيما فوقها لكن يبعد تعجبه صلى الله عليه وسلم من كونه عز وجل يصلى فى المرة الثانية وما بعدها
وورد أن بنى إسرائيل سألوا موسى هل يصلى ربك فبكى موسى عليه الصلاة والسلام لذلك فقال الله تعالى يا موسى ما قالوا لك فقال قالوا الذى سمعت قال أخبرهم أنى أصلى وأن صلاتى تطفئ غضبى والله أعلم
قال صلى الله عليه وسلم فنزلت إلى موسى أى وفى رواية ثم انجلت تلك السحابة أى عند وصوله إلى سدرة المنتى الذى هو المحل الذى وقف فيه جبريل فأخذ بيده جبريل فانصرف سريعا فأتى على إبراهيم فلم يقل شيئا ثم أتى على موسى وهذا
يدل على ما هو المشهور فى الروايات أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان فى السابعة وموسى كان فى السادسة لا على غير المشهور أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان فى السادسة وموسى كان فى السابعة كما تقدم
ولما أتى إلى موسى عليه الصلاة والسلام قال له ما فرض ربك عليك أى وفى لفظ بم أمرت قال خمسين صلاة قال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك لا تطيق ذلك فإنى بلوت بنى إسرائيل وخبرتهم أى وفى البخارى إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم وإنى والله قد جربت الناس قبلك وعالجت بنى إسرائيل أشد المعالجة أى فإنه فرض عليهم صلاتان فما قاموا بهما أى ركعتان بالغداة وركعتان بالعشى وقيل فرض ركعتان عند الزوال أى فما قاموا بذلك
وفى تفسير البيضاوى أن الذى فرض على بنى إسرائيل خمسون صلاة فى اليوم والليلة وسيأتى ذكر ذلك فى بعض الروايات
ويرده قولهم إن سبب طلب التخفيف أنه استكثر الخمس التى هى المرة الأخيرة فهو إنما يناسب ما تقدم
ثم رأيت القاضى البيضاوى قال فى تفسير قوله تعالى { ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا } أن من ذلك الإصر الذى كلفت به بنو إسرائيل خمسون صلاة فى اليوم والليلة وكتب عليه الجلال السيوطى فى الحاشية أن كون بنى إسرائيل كلفوا بخمسين صلاة فى اليوم والليلة باطل وبسط الكلام على ذلك
ثم قال موسى فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك أى وإنما كانت أمته مأمورة بما أمر به ومفروض عليها ما فرض عليه لأن الفرض عليه صلى الله عليه وسلم فرض على أمته والأمر له صلى الله عليه وسلم أمر لها لأن الأصل أن ما ثبت فيه حق كل نبى ثبت فى حق أمته إلا أن يقوم الدليل على الخصوصية
قال فرجعت إلى ربى أى انتهى إلى الشجرة فغشيته السحابة وخر ساجدا فقلت يا رب خفيف عن أمتى فحط عنى خمسا فرجعت إلى موسى فقلت حط عنى خمسا قال إن أمتك لا تطيق ذلك فارجع إلى ربك واسأله التخفيف قال فلم أزل أرجع بين ربى تبارك وتعالى وبين موسى صلى الله عليه وسلم حتى قال الله تعالى يا محمد إنهن خمس صلوات فى كل يوم وليلة لكل صلاة عشر فذلك خمسون صلاة ومن هم
بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشرا ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له سيئة واحدة قال صلى الله عليه وسلم فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فقلت قد رجعت إلى ربى حتى استحييت منه أى وفي رواية أنه وضع عنه عشر صلوات عشر صلوات إلى أن أمر بخمس صلوات وجاء في الحديث أكثروا من الصلاة على موسى فما رأيت أحدا من الأنبياء أحوط على أمتى منه
أقول فى الوفاء أن رواية وضعت خمس صلوات من أفراد مسلم ورواية وضع عنه عشر صلوات أصح لأنه قد أتفق البخارى ومسلم عليها والرواية التى فيها حط خمسا خمسا غلط من الرواة هذا كلامه فليتأمل
والمتبادر من قوله إلى أن مر بخمس صلوات أنه رفع التعلق بجمع الخمسين وأثبت تعلقا جديدا بخمس ليست من الخمسين فالمنسوخ جميع الخمسين
ويحتمل أنه رفع التعلق بجملة الخمسين مع إثبات التعلق بخمسة منها التى هى بعضها فيكون المنسوخ ما عدا الخمس من الخمسين قيل وفى هذا وقوع النسخ قبل البلاغ وقد اتفق أهل السنة والمعتزلة على منعه
ورد بأن هذا وقع بعد البلاغ بالنسبة للنبى صلى الله عليه وسلم لأنه كلف بذلك ثم نسخ فقد قال شيخ الإسلام زكريا الأنصارى رحمه الله تعالى وما قيل إن الخمس فى ليلة الإسراء ناسخة للخمسين إنما هو فى حقه صلى الله عليه وسلم لبلوغه له لافى حق الأمة أى لعدم بلوغه لهم هذا كلامه وإذا نسخ فى حقه صلى الله عليه وسلم نسخ فى حق أمته كما هو الأصل إلا أن تثبت الخصوصية بدليل صحيح وهذا يرد ما فى الخصائص الصغرى للسيوطى رحمه الله تعالى من أن وجوب الخمسين لم ينسخ فى حقه صلى الله عليه وسلم وإنما نسخ فى حق الأمة ولعل مستنده فى ذلك رواية فرض الله على أمتى ليلة الإسراء خمسين صلاة فلم أزل أراجعه وأسأله التخفيف حتى جعلها خمسا فى كل يوم وليلة أى على الأمة كما هو المتبادر وقول موسى عليه الصلاة والسلام له صلى الله عليه وسلم إن أمتك لا تطيق ذلك وربما يوافق ذلك قول الإمام السبكى فى تائيته
** وقد كان رب العالمين مطالبا بخمسين فرضا كل يوم وليلة ** **
فأبقيت أجر الكل ما اختل ذرة وخففت الخمسون عنا بخمسة
**
وفيه النسخ قبل التمكن من الفعل وهو يرد قول المعتزلة القائلين بأنه لا يجوز النسخ قبل التمكن من الفعل ودخول وقته
والظاهر من الخمسين التى فرضت أولا أن كل صلاة من الخمس تكرر عشر مرات فما زاد على الخمس مساولها
ويحتمل أن تكون صلوات أخر مغايرة لتلك الخمس ولم أقف على بيان تلك الصلوات
وعلى أن الخمسين لم تنسخ فى حقه صلى الله عليه وسلم لم أقف على ما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم صلاها ولا على كيفية صلاته صلى الله عليه وسلم صلاها ولا على كيفية صلاته صلى الله عيله وسلم لها وإلى عروجه صلى الله عليه وسلم ورجوعه أشار صاحب الهمزية بقوله ** وطوى الأرض سائرا والسموات العلا فوقها له إسراء ** **
فصف الليلة التى كان للمختا ر فيها على البراق استواء
** ** وترقى به إلى قاب قوسين وتلك السيادة القعساء ** **
رتب تسقط الأمانى حسرى دونها ما وراءهن وراء
** ** وتلقى من ربه كلمات كل علم فى شمسهن هباء ** **
زاخرات البحار يغرق فى قط رتها العالمون والحكماء
**
أى وطوى الأرض حالة كونه صلى الله عليه وسلم سائرا عليها إلى المدينة عند الهجرة كما طويت له صلى الله عليه وسلم قبل ذلك السموات العلا لما كان له صلى الله عليه وسلم فوقها إسراء أى ليلة الإسراء إلى أن جاوزها جميعها فى أسرع وقت فصف تلك الليلة التى كان للمختار فيها على البراق استواء واستقرار وصعد به ذلك البراق إلى مقدار قاب قوسين وتلك الرتبة التى وصل إليها صلى الله عليه وسلم هى السعادة الثابتة التى لا يعتريها نقص ولا زوال وهذه رتب تسقط دونها الأمانى حسرى ذات إعياء وتعب ما قدامهن قدام أى ليس بعدها من رتبة ينالها أحد غيره صلى الله عليه وسلم وتلقى من ربه كلمات ما عداها بالنسبة إليها كالهباء وهو ما يرى فى ضوء الشمس وبث سبحانه
وتعالى إليه علوما لا يدرك العلماء الحكماء شذرة منها وكونه صلى الله عليه وسلم صعد السموات على البراق يوافقه ما فى حياة الحيوان
إن قيل لم عرج بالنبى صلى الله عليه وسلم إلى السماء على البراق ولم ينزل عند منصرفه عليه فالجواب أنه عرج به إلى دار الكرامة ولم ينزل به عليه إظهارا لقدرة الله تعالى هذا كلامه فليتأمل
وتقدم عن الحافظ ابن كثير إنكار صعوده صلى الله عليه وسلم على البراق وقد جاء كان موسى أشد على حين مررت عليه وخيرهم إلى حين رجعت ونعم الصاحب كان لكم أى فإنه صلى الله عليه وسلم كما تقدم لما جاوزه عند الصعود بكى فنودى ما يبكيك قال رب هذا غلام أى لأنه صلى الله عليه وسلم كان حديث السن بالنسبة لموسى صلى الله عليه وسلم هذا هو المناسب للمقام بعثته بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخل من أمتى وفى رواية تزعم بنو إسرائيل أى وهو يعقوب بن إسحاق عليهما الصلاة والسلام ومعنى إسرائيل عبدالله وقيل صفوة الله وفى لفظ تزعم الناس أنه أكرم على الله منى ولو كان هذا وحده هان ولكن معه أمته وهم أفضل الأمم عند الله تعالى أى انضم إلى شرفه شرف أمته على سائر الأمم
أقول والغرض من هذا وما تقدم عنه عند مروره صلى الله عليه وسلم على قبره عليه الصلاة والسلام عند الكثيب الأحمر إظهار فضيلة نبينا صلى الله عليه وسلم وفضيلة أمته بأنه أفضل الأنبياء وأمته بأنها أفضل الأمم وفى رواية عن ابن عمر كانت الصلاة خمسين والغسل من الجنابة سبع مرات وغسل الثوب من البول سبع مرات ولم يزل صلى الله عليه وسلم يسأل حتى جعلت الصلاة خمسا وغسل الجنابة مرة وغسل الثوب من البول مرة
قال وعن أنس رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت ليلة أسرى بى مكتوبا على باب الجنة الصدقة بعشر أمثالها والقرض بثمانية عشر فقلت لجبريل ما بال القرض أفضل من الصدقة قال لأن السائل يسأل وعنده والمستقرض لا يستقرض إلا من حاجة انتهى هذا والراجح عند أئمتنا أن درهم الصدقة أفضل من درهم القرض
وبيان كون درهم القرض بثمانية عشر درهما أن درهم القرض بدرهمين من دراهم
الصدقة كما جاء فى بعض الرويات ودرهم الصدقة بعشرة تصير الجملة عشرين ودرهم القرض يرجع للمقرض بدله وهو بدرهمين من عشرين يتخلف ثمانية عشر
وعرضت عليه صلى الله عليه وسلم النار فإذا فيها غضب الله تعالى أى نقمته لو طرحت فيها الحجارة والحديد لأكلتهما وفى هذه الرواية زيادة على ما تقدم وهى فإذا قوم يأكلون الجيف فقال صلى الله عليه وسلم من هؤلاء يا جبريل فقال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس أى وتقدم أنه صلى الله عليه وسلم رأى هؤلاء فى الأرض وأن لهم أظفارا من حديد يخمشون بها وجوههم وصدورهم ورآهم فى السماء الدنيا وأنهم يقطعون اللحم من جنوبهم فيلقمونه ولينظر ولينظر ما الحكمة في تكرير رؤية هؤلاء دون غيرهم من بقية أهل الكبائر الذين رآهم الأرض وفى السماء الدنيا ولعل الحكمة فى ذلك المبالغة فى الزجر عن الغيبة لكثرة وقوعها
ورأى فيها رجلا أحمر أزرق فقال من هذا يا جبريل فقال هذا عاقر الناقة أى لعل دخول الجنة وعرض النار عليه صلى الله عليه وسلم كان قبل أن تغشاه السحابة ويزج به فى النور ولا مانع من أن تعرض عليه النار وهو فوق السماء السابعة وهى فى الأرض السابعة
أقول ونقل القرطبى فى تفسيره عن الثعلبى عن أنس بن مالك رضى الله تعالى عنه أنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيت ليلة أسرى بى إلى السماء تحت العرش سبعين مدينة كل مدينة مثل دنياكم هذه سبعين مرة مملوآت من الملائكة يسبحون الله عز وجل ويقدسونه ويقولون فى تسبيحهم اللهم اغفر لمن شهد الجمعة أى صلاتها اللهم اغفر لمن اغتسل يوم الجمعة أي لصلاتها وهذا يفيج أن هذه التسمية أي تسمية ذلك اليوم بيوم الجمعة معروفة عند الملائكة وعنده صلى الله عليه وسلم وهو يوافق ما قيل إن المسمى لها بذلك كعب بن لؤي كما تقدم ويخالف ما سيأتي من أن تسمية ذلك اليوم بيوم الجمعة هداية من الله عز وجل للمسلمين بالمدينة وأنه لما أرسل إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلوها فى ذلك اليوم لم يسمه بيوم الجمعة بل اقتصر على قوله اليوم الذى يليه اليوم الذى تجهر فيه اليهود بالزبور لسبتهم أى فى أكثر الروايات وإلا فقد رأيت السهيلى ذكر حدثنا عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه سمى ذلك اليوم بيوم الجمعة ونصه كتب صلى الله عليه وسلم إلى مصعب بن عمير أما بعد فانظر اليوم
الذى يليه اليوم الذى تجهرفيه اليهود بالزبور لسبتهم فاجمعو نساءكم وأبناءكم فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة فتقربوا إلى الله تعالى فيه بركعتين فعلى أكثر الروايات يجوز أن يكون إخباره صلى الله عليه وسلم بذلك هنا أى قصة المعراج كان بعد التسمية وصلاة الجمعة وعبر بهذه العبارة لكونها عرفت لهم فيكون الذى سمعه من الملائكة يوم العروبة مثلا والله أعلم
قال ورأى صلى الله عليه وسلم مالكا خازن النار فإذا هو رجل عابس يعرف الغضب فى وجهه فبدأ النبى صلى الله عليه وسلم أى بالسلام ثم أغلقت دونه انتهى
وفى الأصل وفى حديث أبى هريرة رضى الله تعالى عنه وقد رأيتنى أى يخبر أنه صلى الله عليه وسلم رأى نفسه فى جماعة من الأنبياء فحانت الصلاة أى حضرت إرادة الصلاة فأممتهم أى صليت بهم إماما قال قائل يا محمد هذا مالك خازن النار فسلم عليه فبدأنى بالسلام قال وجاء أنه صلى الله عليه وسلم قال لجبريل مالى لم آت لأهل سماء إلا رحبوا بى وضحكوا إلا غير واحد سلمت عليه فرد على السلام ورحب بى ودعا لى ولم يضحك إلى قال ذلك مالك خازن النار لم يضحك منذ خلق ولو ضحك لأحد لضحك إليك انتهى
أقول وهذا السياق يدل على أن ضحك من لقيه من الأنبياء والملائكة فى السموات له صلى الله عليه وسلم سقط من جميع روايات المعراج إذ لم يذكر فى شيء منها على ما علمت ويدل على أن مالكا خازن النار وجده فى السماء السابعة وأنه مرة بدأ النبى صلى الله عليه وسلم بالسلام ومرة بدأه النبى صلى الله عليه وسلم بالسلام والمناسب أن يكون فى المرة الأولى هو الذى بدأ النبى صلى الله عليه وسلم وهو عند الباب ثم رأيت الطيبى صرح بذلك حيث قال إنما بدأ خازن النار بالسلام عليه ليزيل ما استشعره من الخوف منه لما ذكر من أنه رأى رجلا عابسا يعرف الغضب فى وجهه فلا ينافيه ما ذكره السهيلى من أنه صلى الله عليه وسلم لم يره على الصورة التى يراه عليها المعذبون فى الآخرة ولو رآه عليها لم يستطع أن ينظر إليه
وقوله صلى الله عليه وسلم لم آت أهل سماء إلى آخره قد يعارضه ما جاء أنه صلى الله عليه وسلم قال لجبريل مالى لم أر ميكائيل ضاحكا قال ما ضحك منذ خلقت النار وفيه أن هذا يفيد أن ميكائيل كان موجودا قبل خلق النار وإيجادها وهذا لا ينافى أن
ميكائيل ضحك بعد ذلك فقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم تبسم فى الصلاة فسئل عن ذلك فقال رأيت ميكائيل راجعا من طلب القوم أى يوم بدر وعلى جناحه الغبار فضحك إلى فتبسمت إليه
ولعل هذا كان بعد ما أخرجه أحمد فى مسنده عن أنس بن مالك رضى الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لجبريل إنى لم أر ميكائيل ضاحكا قط قال ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار ومما يدل على أن جبريل عليه الصلاة والسلام خلق قبل النار أيضا ما فى مسند أحمد عن أنس بن مالك قال قال صلى الله عليه وسلم لجبريل لم تأتنى إلا رأيتك صارا بين عينيك قال إنى لم أضحك منذ خلقت النار وهذا مع ما تقدم من رؤية الجنة والنار يرد على الجهمية وبعض المعتزلة كعبد الجبار وأبى هاشم حيث زعموا أن الله تعالى لم يخلق الجنة والنار وأنهما ليستا موجودتين الآن وإنما يخلقهما سبحانه وتعالى يوم الجزاء مستدلين بأنه لا يحسن من الحكيم أن يخلق الجنة دار النعمة والنار دار النقمة قبل خلق أهلهما وبأنهما لو كانا مخلوقتين فى السماء والأرض والأرض لفنيا بفنائهما
وأجيب عن الأول بأنه يحسن من الحكيم خلقهما قبل يوم الجزاء لأن الإنسان إذا علم ثوابا مخلوقا اجتهد فى العبادة لتحصيل ذلك الثواب وأذا علم عقابا مخلوقا اجتهد فى اجتناب المعاصى لئلا يصيبه ذلك الثواب وأذا علم عقابا مخلوقا اجتهد فى اجتناب المعاصى لئلا يصيبه ذلك العقاب فليتأمل
وأجيب عن الثانى بأن الله استثناهما من قوله تعالى { فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء }
وفيه أن هذه صعقة الموت ولا يتصف بالموت غير ذى الروح ولأن الجنة كما قيل ليست فى السماء السابعة بل فوقها والنار ليست فى الأرض السابعة بل تحتها وحينئذ يكون القول بأن الجنة فى السماء السابعة والنار فى الأرض السابعة فيه تجوز والله أعلم
قال واختلف فى رؤيته صلى الله عليه وسلم لربه تبارك وتعالى تلك الليلة فأكثر العلماء على وقوع ذلك أى أنه صلى الله عليه وسلم رآه عز وجل بعين رأسه واستدل له بحديث رأيت ربى فى أحسن صورة ورد بأن هذا الحديث مضطرب الإسناد والمتن
وقد قال بعض العارفين شاهد الحق سبحانه وتعالى القلوب فلم ير قلبا أشوق إليه
من قلب محمد صلى الله عليه وسلم فأكرمه بالمعراج تعجيلا للرؤية والمكالمة وأنكرتها عائشة رضى الله تعالى عنها وقالت من زعم أن محمد رأى ربه أى بعين رأسه فقد أعظم الفرية على الله عز وجل أى أتى بأعظم الافتراء والكذب على الله عز وجل ووافقها على ذلك من الصحابة ابن مسعود وأبو هريرة رضى الله تعالى عنهما وجمع من العلماء
ونقل عن الدارمى الحافظ أنه نقل إجماع الصحابة على ذلك ونظر فيه وذهب إلى الرؤية أى المذكورة أكثر الصحابة وكثير من المحدثين والمتكلمين بل حكى بعض الحفاظ على وقوع الرؤية له بعين رأسه الإجماع وإلى ذلك يشير صاحب الأصل بقوله ** ورآه وما رآه سواه رؤية العين يقظة لا المرائى **
واحتجت عائشة رضى الله عنها على منع الرؤية بقوله تعالى { لا تدركه الأبصار } قال وروى أن مسروقا قال لها ألم يقل الله عز وجل ولقد رآه نزلة أخرى أى مرة أخرى أي بناء على أن الضمير المستتر له صلى الله عليه وسلم والبارز له سبحانه وتعالى فقالت أنا أول هذه الأمة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك فقال إنما رأيت جبريل منهبطا أي فالضمير البارز إنما هو لجبريل وفي رواية قال لها ذاك جبريل لم أره فى صورته التى خلق عليها إلا مرتين أى مرة فى الأرض ومرة فى السماء فى هذه الليلة كما تقدم وعلى ظاهر الآية أى من جعل الضمير المستتر له صلى الله عليه وسلم والبارز له سبحانه وتعالى وقطع النظر عن هذه الرواية التى جاءت عن عائشة رضى الله تعالى عنها يلزم أن يكون صلى الله عليه وسلم رأى الحق سبحانه وتعالى ليلة المعراج مرتين مرة فى قاب قوسين ومرة عند سدرة المنتهى ولا مانع من ذلك ولعل ذلك هو المعنى بقول الخصائص الصغرى وخص صلى الله عليه وسلم برؤيته للبارى عز وجل مرتين وفيها وجمع له بين الكلام والرؤية وكلمه عند سدرة المنتهى وكلم موسى بالجبل
قال بعضهم يجوز أنه صلى الله عليه وسلم خاطب عائشة رضى اللع تعالى عنها بما ذكر أى بقوله إنما رأيت جبريل إلى آخره على قدر عقلها أى فى ذلك الوقت انتهى وأيد قولها بما روى عن أبى ذر رضى الله تعالى عنه قلت يا رسول الله هل رأيت ربك قال رأيت نورا أى حجبنى ومنعنى عن رؤيته عز وجل ومن ثم جاء فى رواية نور أنى أراه أى كيف أراه مع وجود النور لأن النور إذا غشى البصر حجبه عن رؤية
ما وراء أى وليس المراد أنه سبحانه وتعالى هو النور المرئى له خلافا لمن فهم ذلك وأيده بما روى نورانى أى لأن هذه الرواية كما قيل تصحيف ومن ثم قال القاضى عياض لم أرها فى أصل من الأصول ومحال أن تكون ذاته تعالى نورا لأن النور من جملة الأعراض أى لأنه كيفية تدركها الباصرة أولا وبواسطة تلك الكيفية تدرك سائر المبصرات كالكيفية الفائضة من النيرين على الأجرام الكثيفة المحاذية لهما والله تعالى يتعالى عن ذلك أى فحجابه تعالى النور كما رواه مسلم أى ومن ثم قيل فى قوله تعالى { الله نور السماوات والأرض } أى ذو نور أو هو على المبالغة أى وجاء رأيته فى صورة شاب أمرد عليه حلة خضراء دونه ستر من لؤلؤ وجاء رأيت ربى فى أحسن صورة قال الكمال بن الهمام إن كان المراد به رؤية اليقظة فهو حجاب الصورة
قال وقيل رآه بفؤاده مرتين لابعينى رأسه فعن بعض الصحابة قلنا يا رسول الله هل رأيت ربك قال لم أره بعينى رأيته بفؤادى مرتين ثم تلا ثم دنا فتدلى الآية وهذا السياق يدل على أن فاعل دنا فتدلى الحق سبحانه وتعالى والمراد بالفؤاد القلب أى خلقت الرؤية فى القلب أو خلق الله لفؤاده بصرا رأى به انتهى
أقول وكون الفؤاد له بصر واضح لقوله تعالى { ما زاغ البصر وما طغى } وأجيب عما احتجت به عائشة رضى الله عنها من قوله تعالى { لا تدركه الأبصار } بأنه لا يلزم من الرؤية الإدراك أي الذي هو الإحاطة فالنور إنما منع الإحاطة به لا من أصل الرؤية وقد قال بعضهم للإمام أحمد بأى معنى تدفع قول عائشة رضى الله تعالى عنها من زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم على الله تعالى الفرية فقال يدفع بقول النبى صلى الله عليه وسلم رأيت ربى وقول النبى صلى الله عليه وسلم أكبر من قولها
هذا وقد قال أبو العباس بن تيمية الإمام أحمد إنما يعنى رؤية المنام فإنه لما سئل عن ذلك قال نعم رآه فإن رؤيا الأنبياء حق ولم يقل إنه رآه بعين رأسه يقظة ومن حكى عنه ذلك فقد وهم وهذه نصوصه موجودة ليس فيها ذلك
أقول وفيه أنه يبعد أن يكون الإمام أحمد يفهم عن عائشة رضى الله تعالى عنها أنها تنكر رؤيا المنام حتى يرد عليها وقد ضعف حديث أبى ذر المتقدم وهو قلت يا رسول الله رأيت ربك فقال نور أنى أراه وهو من جملة الأحاديث التى فى مسلم التى نظر فيها والله أعلم
قال أبو العباس بن تيمية وأهل السنة متفقون على أن الله عز وجل لا يراه أحد بعينه فى الدنيا لا نبى ولا غير نبى ولم يقع النزاع إلا فى نبينا صلى الله عليه وسلم خاصة مع أن أحاديث المعراج المعروفة ليس فى شئ منها أنه رآه وإنما روى ذلك باسناد موضوع باتفاق أهل الحديث
وفى صحيح مسلم وغيره عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال واعلموا أن أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت وقد سأله موسى الرؤية فمنعها
وقد نقل القرطبى عن جماعة من المحققين القول بالوقف فى هذه المسألة لأنه لا دليل قاطع وغاية ما استدل به الفريقان ظواهر متعارضة قابلة للتأويل وهو من المعتقدات التى يكتفى فيها بخبر الآحاد الصحيح وهى فلا بد فيها من الدليل القطعي هذا كلامه
ونازع فيه السبكى بأنه ليس من المعتقدات التي يشترط فيها الدليل القطعي وهي التي تكلف فاعتقادها كالحشر والنشر بل من المعتقدات التى لم نكلف باعتقادها كما نحن فيه وفى الخصائص الصغرى وخص صلى الله عليه وسلم برؤيته من آيات ربه الكبرى وحفظه حتى ما زاغ البصر وما طغى وبرؤيته للبارى مرتين
وفى كلام ابن دحية خص صلى الله عليه وسلم بألف خصلة منها الرؤية والدنو والقرب قال بعضهم قد صحت الأحاديث عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما فى إثبات الرؤية وحينئذ يجب المصير إلى إثباتها ولا يجترئ أحد أن يظن فى ابن عباس أن يتكلم فى هذه المسألة بالظن والاجتهاد
قال الإمام النووى والراجح عند أكثر العلماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى ربه بعين رأسه أى وأما رؤيته عز وجل يوم القيامة فى الموقف فعامة لكل أحد من الخلق الإنس والجن من الرجال والنساء المؤمن والكافر والملائكة جبريل وغيره
وأما رؤيته عز وجل فقيل لا تراه الملائكة وقيل يراه منهم جبريل خاصة مرة واحدة قال بعضهم وقياس عدم رؤية الملائكة عدم رؤية الجن ورد ذلك واختلف في رؤية النساء من هذه الأمة له تعالى فى الجنة فقيل لا يرينه لأنهن
مقصورات أى محبوسات فى الخيام وقيل يرينه فى أيام الأعياد دون أيام الجمع بخلاف الرجال فإنهم يرونه فى كل يوم جمعة
فقد جاء أنه تعالى يتجلى فى مثل عيد الفطر ويوم النحر لأهل الجنة تجليا عاما ومن أهل الجنة مؤمن الجن على الراجح
وجاء إن كل يوم كان للمسلمين عيدا فى الدنيا فإنه عيد لهم فى الجنة يجتمعون فيه على زيارة ربهم ويتجلى لهم فيه ويدعى يوم الجمعة فى الجنة بيوم المزيد قال بعضهم هذا لعموم أهل الجنة وأما خواصهم فكل يوم لهم عيد يرون ربهم فيه بكرة وعيشا
وأما رؤية الله عز وجل فى النوم ففى الخصائص الصغرى ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه يجوز له رؤية الله وعز وجل فى المنام ولا يجوز ذلك لغيره صلى الله عليه وسلم فى أحد القولين وهو اختيارى وعليه أبو منصور الماتريدى وفى كلام الإمام النووى قال القاضى عياض اتفق العلماء على صفة لا تليق بجلاله من صفات الأجساد لأن ذلك المرئى غير ذات الله تعالى والله أعلم
ثم لا يخفى أن أكثر العلماء على أن الإسراء إلى بيت المقدس ثم المعراج إلى السماء كانا فى ليلة واحدة أى وقيل كان الإسراء وحده فى ليلة ثم كان هو والمعراج فى ليلة أخرى
قال وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم لما نزل إلى سماء الدنيا نظر إلى أسفل منه فإذا هو برهج ودخان وأصوات فقال ما هذا يا جبريل قال هذه الشياطين يحومون على أعين بنى آدم لا يتفكرون أى وذلك مانع لهم من التفكر فى ملكوت السموات والأرض أى لعدم نظرهم للعلامات الموصلة لذلك لولا ذلك لرأوا العجائب أى أدركوها
ثم ركب صلى الله عليه وسلم البراق منصرفا أى بناء على أنه لم يعرج على البراق فمر بعير لقريش إلى آخر ما تقدم انتهى
أقول ذكر بعضهم أن مما نزل عليه صلى الله عليه وسلم بين السماء والأرض أى عند نزوله من السماء قوله تعالى { وما منا إلا له مقام معلوم } الآيات الثلاث وقوله تعالى واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا الآية والآيتان من آخر سورة البقرة وتقدم أنهما نزلتا بقاب قوسين والله أعلم
واستدل على أن كلا من الإسراء والمعراج كان يقظة بجسده صلى الله عليه وسلم وروحه بقوله تعالى { سبحان الذي أسرى بعبده ليلا } لأن العبد حقيقة هو الروح والجسد قال تعالى { أرأيت الذي ينهى عبدا إذا صلى } وقال وأنه لما قام عبد الله يدعوه ولو كان الإسراء مناما لقال بروح عبده ولأن الدواب التى منها البراق لا تحمل الأرواح وإنما تحمل الأجساد
واستدل على أنه الرؤية كانت بعين بصره صلى الله عليه وسلم بقوله تعالى { ما زاغ البصر وما طغى } لأن وصف البصر بعدم الإزاغة يقتضى أن ذلك يقظة ولو كانت الرؤية قلبية لقال ما زاغ قلبه
أقول فيه أن لقائل أن يقول يجوز أن يكون المراد بالبصر بصر قلبه لما تقدم أن الله تعالى خلق لقلبه بصرا والله أعلم
وقيل كان الإسراء بجسده والمعراج بروحه الشريفة أى بذاتها عرج بها حقيقة من غير إماتة للجسد وكان حالها فى ذلك أرقى منه كحالها بعد مفارقتها لجسدها بموته فى صعودها فى السموات حتى بين يدى الله تعالى وهذا أمر فوق ما يراه النائم وغيره صلى الله عليه وسلم لا تنال ذات روحه الصعود إلا بعد الموت لجسدها قيل ومن ثم لم يشنع كفار قريش إلا أمر الإسراء دون المعراج
أقول الظاهر أن إخباره صلى الله عليه وسلم بالمعراج لم يكن عند إخباره بالإسراء بل تأخر عن إخباره بالإسراء بناء على أنهما كان فى ليلة واحدة وإلا فقد ذكر بعضهم أن المعراج لم يكن ليلة الإسراء الذى أخبر به كفار قريش قال إذ لو كان أى فى تلك الليلة لأخبر به حين أخبرهم بالأسراء أى ولم يخبر به حينئذ إذ لو أخبر به حينئذ لنقل ولذكره سبحانه وتعالى مع الإسراء لأن المعراج أبلغ فى المدح والكرامة وخرق العادة من الإسراء إلى المسجد الأقصى
وأجيب عنه بأنه على تسليم أنه كان فى ليلة الإسراء الذى أخبر به قريشا هو صلى الله عليه وسلم استدرجهم إلى الإيمان بذكر الإسراء أولا فلما ظهرت لهم أمارات صدقه على تلك الآية الخارقة التى هى الإسراء أخبرهم بما هو أعظم منها وهو المعراج بعد ذلك أى وحيث أخبرهم بذلك لم ينكروه لذلك أى لثبوت صدقه صلى الله عليه وسلم فيما ادعاه من الإسراء وتقدم عن المواهب أنهم لم يسألوه عن علامات تدل على صدقه صلى الله
عليه وسلم فى ذلك لعدم علمهم ومعرفتهم بشئ فى السماء والحق سبحانه وتعالى أرشده إلى ذلك أى إلى أن يخبرهم بالإسراء أولا ثم بالمعراج ثانيا حيث لم ينزل قصة المعراج فى سورة الإسراء بل أنزل ذلك فى سورة النجم
ومما يؤيد أنهما كانا فى ليلة واحدة قول الإمام البخارى فى صحيحه باب كيف فرضت الصلاة ليلة الإسراء لأن من المعلوم أن فرض الصلاة أى الصلوات الخمس إنما هو فى المعراج
وأما إفراده كلا من الإسراء والمعراج بترجمة فلا يخالف ذلك لأنه إنما أفرد كلا منهما بترجمة لأن كلا منهما يشتمل على قصة منفردة وإن كانا وقعا معا
وقد خالف الحافظ الدمياطى فى سيرته فذكر أن المعراج كان فى رمضان والإسراء كان فى ربيع الأول والله أعلم
وقيل الإسراء وقع له صلى الله عليه وسلم أى بعد البعثة مرتين مناما أولا ويقظة ثانيا أى فكانت مرة المنام توطئة وتبشيرا لوقوعه يقظة وبذلك يجمع بين الاختلاف الواقع فى الأحاديث أى فبعض الرواة خلط الواقع له صلى الله عليه وسلم منامنا بالواقع له صلى الله عليه وسلم يقظة
وعلى هذا لا يشكل قول شريك فلما استيقظت لكنه قال إن مرة المنام كانت قبل البعثة ففى رواية وذلك قبل أن يوحى إلى وقد أنكر الخطابى عليه ذلك وعده من جملة أو هامه الواقعة فى حديث الإسراء والمعراج ورد على الخطابى الحافظ ابن حجر فى ذلك بما ينبغى الوقوف عليه
وقيل كان المعراج يقظة ولم يكن ليلا ولم ويكن من بيت المقدس بل كان من مكة وكان نهارا فقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم كان يسأل ربه عز وجل أن يريه الجنة والنار فلما كان نائما ظهرا أتاه جبريل وميكائيل فقالا انطلق إلى ما سألت الله تعالى فانطلقا بى إلى ما بين المقام وزمزم فأتى بالمعراج فإذا هو أحسن شئ منظرا فعرجا بى إلى السموات سماء سماء الحديث ولا يخفى أن سياق هذا الحديث يدل على أن ذلك كان مناما فلا يحسن أن يكون دليلا على قوله يقظة
وقد جاء عن أبى ذر رضى الله تعالى عنه أنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال فرج سقف بيتى وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج صدرى ثم غسله بماء زمزم ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغهما فى صدرى ثم أخذ بيدى فعرج إلى السماء الحديث وقد يدعى أن فى رواية أبى ذر اختصارا وليس فيها أن ذلك كان مناما أو يقظة
أى وأما ما ادعاه بعضهم أن المعراج تكرر يقظة فغريب إذ كيف يتكرر يقظة سؤال أهل كل باب من أبواب السماء هل بعث إليه وكيف يتكرر سؤاله صلى الله عليه وسلم عن كل نبى وكيف يتكرر فرض الصلوات الخمس والمراجعة وأما مناما فلا بعد فى بكرر ذلك توطئة لوقوعه يقظة أى وهذا منشأ اختلاف الروايات أدخل بعض الرواة ما وقع فى المنام ما وقع فى اليقضة خلافا لمن زعمه ومن ثم قال الحافظ ابن كثير من جعل كل رواية خالفت الأخرى مرة واحدة بروحه وجسده يقظة والباقى بروحه رؤيا رآها أى ومن ذلك ما وقع له صلى الله عليه وسلم فى المدينة بعد الهجرة وهو محمل قول عائشة رضى الله تعالى عنها ما فقدت جسده الشريف
وفى صبيحة ليلة المعراج حين زالت الشمس من اليوم الذى يلى الليل التى فرضت فيها الصلوات الخمس كان نزول جبريل عليه الصلاة والسلام وإمامته بالنبى صلى الله عليه وسلم ليعلمه أوقات الصلوات أى وكيفيتها أى لأنه لا يلزم من علمه صلى الله عليه وسلم بكيفية صلاة الركعتين وصلاة قيام الليل علم كيفية الصلوات الخمس وإن قلنا بأن الرباعية منها فرضت ركعتين فأمر صلى الله عليه وسلم فصيح بأصحابه الصلاة جامعة فاجتمعوا فصلى به صلى الله عليه وسلم جبريل وصلى النبى صلى الله عليه وسلم بالناس فسميت تلك الصلاة الظهر لأنها أول صلاة ظهرت ولأنها فعلت عند قيام الظهيرة اى شدة الحر أو عند نهاية ارتفاع الشمس وهذا الحديث ظاهر بأن صلاته صلى الله عليه وسلم بالناس كانت بعد صلاته مع جبريل محتمل لأن يكون صلى الله عليه وسلم صلى بصلاة جبريل والناس صلوا بصلاته صلى الله عليه وسلم
ففى بعض الروايات لما نودى بالصلاة جامعة فزعوا لذلك واجتمعوا فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر أربع ركعات لا يقرأ فيهنى علانية ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين يدى الناس وجبريل بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتدى الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم ويقتدى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجبريل ثم يصلى كذلك فى العصر ولما غابت الشمس صلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب ثلاث ركعات يقرأ فى الركعتين علانية وركعة لا يقرأ فيها علانية ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين يدى الناس وجبريل بين يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقتدى رسول الله صلى الله عليه وسلم بجبريل
وفى كلام الإمام النووى قوله إن جبريل نزل فصلى إمام رسول الله صلى الله عليه وسلم هو بكسر الهمزة ويوضحه قوله فى الحديث نزل جبريل فأمنى واستدل بذلك بعضهم على جواز الاقتداء بمن هو مقتد بغيره لا كما يقوله أئمتنا من منع ذلك
وأجيب عنه من جانب أئمتنا بأن معنى كونه صلى الله عليه وسلم مقتديا بجبريل أنه متابع له فى الأفعال من غير نية اقتداء ولا إيقاف فعله على فعل جبريل فلا يشكل على أئمنتا نعم هذا حينئذ يشكل على أئمتنا القائلين بأنه لا بد من علم كيفية الصلاة قبل الدخول فيها ولا يكفى علمها بالمشاهدة
وقد يجاب بأنه يجوز أن يكون جبريل عليه الصلاة والسلام علمه صلى الله عليه وسلم كيفيتها بالقول ثم أتبع القول الفعل وهو صلى الله عليه وسلم علم أصحابه كذلك وبما تقرر يسقط الإستدلال بذلك على جواز الفرض خلف النفل لأن تلك الصلاة لم تكن واجبة على جبريل لأن الملائكة ليسوا مكلفين بذلك
وأجيب بأنها كانت واجبة على جبريل لأنه مأمور بتعليمها له صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا وكان ذلك عند البيت أي الكعبة مستقبلا بيت المقدس أى صخرته واستقباله صلى الله عليه وسلم لبيت المقدس قيل كان باجتهاد منه وقيل كان بأمر من الله تعالى له قيل بقرآن وقيل بغيره أى وعلى أنه بقرآن يكون مما نسخت تلاوته وقد قال أئمتنا ونسخ قيام الليل بالصلوات الخمس إلى بيت المقدس كما تقدم وكان صلى الله عليه وسلم إذا استقبل بيت المقدس يجعل الكعبة بينه وبينه فيصلى بين الركن اليمانى وركن الحجر الأسود أى كما صلى به جبريل الركعتين أول البعث كما تقدم
وحينئذ لا يخالف هذا قول بعضهم لم يزل صلى الله عليه وسلم يستقبل الكعبة حتى خرج منها أى من مكة أى لم يستدبرها فلما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة استقبل بيت المقدس أى تمحض استقباله واستدبر الكعبة وظاهر إطلاقهم أن هذا أى استقباله بيت المقدس وجعل الكعبة بينه وبينه كان شأنه صلى الله عليه وسلم غالبا وإن صلى خارج المسجد بمكة ونواحيها
والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك أدبا لا وجوبا وإلا فقد جاء أن صلاة جبريل به صلى الله عليه وسلم كانت عند باب الكعبة كما رواه إمامنا الشافعى رضى الله تعالى عنه فى الأم
وروى الطحاوى عند باب البيت مرتين أى وذلك فى المحل المنخفض الذى تسميه العامة المعجنة كما تقدم وصلاته صلى الله عليه وسلم عند باب الكعبة فى المحل المذكور لبيت المقدس لا يكون مستقبلا للكعبة بل تكون على يساره لأنه لا يتصور أن يستقبل بيت المقدس ويكون مستقبلا للكعبة أيضا إلا إذا صلى بين اليمانيين كما تقدم
وأيضا ذكر بعضهم أنه صلى الله عليه وسلم كان يسجد نحو بيت المقدس ويجعل الكعبة وراء ظهره وهو بمكة أى فى بعض الأوقات حتى لا يخالف ما سبق أنه صلى الله عليه وسلم كان يستقبلها لبيت المقدس
ولا ينافى ذلك ما فى زبدة الأعمال أقام صلى الله عليه وسلم بعد نزول جبريل ثلاث عشرة سنة وكان يصلى إلى بيت المقدس مدة إقامته بمكة يجعلها أى الكعبة بين يديه ولا يستدبرها لإمكان حمل مدة إقامته على غالبها
ومما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم مع الصحابة كانوا يصلون إلى بيت المقدس وهم بمكة ما سيأتى عن البراء بن معرور أنه لما عدل عن استقبال بيت المقدس إلى استقبال الكعبة قبل أن يهاجر صلى الله عليه وسلم وسأله عن ذلك قال له قد كنت على قبلة لو صبرت عليها
وأم به صلى الله عليه وسلم جبريل مرتين مرة أول الوقت ومرة آخر الوقت لكن الوقت الاختيارى بالنسبة للعصر والعشاء والصبح لا الآخر الحقيقى ليعلمه الوقت
أى ولما جاءه صلى الله عليه وسلم جبريل أمر مصيح بأصحابه الصلاة جامعة كما تقدم أى لأن الإقامة المعروفة للصلوات الخمس لم تشرع إلا بالمدينة على ما تقدم وسيأتى
قال فقد جاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم وصلى به فى أول يوم الظهر حين زالت الشمس كما تقدم أى عقب زوالها وصلى به العصر حين ظل كل شئ مثله أى زيادة على ظل الاستواء أو على الظل الحاصل عقب الزوال وصلى به المغرب حين أفطر الصائم أى دخل وقت فطره وهو غروب الشمس وصلى به العشاء حين غاب الشفق وصلى به أى فى غد ذلك وهو اليوم الثانى الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم أى حين دخل وقت حرمة ذلك وهو الفجر
أى فإن قيل صلاة جبريل به صلى الله عليه وسلم حينئذ لم يكن الصوم الذى هو رمضان فرض
أجيب بأنه على تسليم أنه لم يفرض عليه صوم قبل رمضان وهو صوم عاشوراء وثلاث أيام من كل شهر على ما سيأتى جاز أن يكون إخباره صلى الله عليه وسلم بهذه العبارة كل بعد فرض رمضان
وصلى به الظهر حين كان ظل الشئ مثله وصلى به العصر حين كان ظل الشئ مثليه وصلى به المغرب حين افطر الصائم وصلى به العشاء ثلث الليل الأول وصلى به الفجر أى فى اليوم الثالث فأسفر ثم التفت وقال يا محمد هذا وقتك ووقت الأنبياء من قبلك والوقت ما بين هذين الوقتين اه
وأما رواية صلى بى الظهر إلى أن قال وصلى بى الفجر فلما كان الغد صلى بى الظهر المقتضى ذلك لأن يكون الفجر ليس من اليوم الثاني بل من تتمة ما قبله
ففيه دليل على أن اليوم من طلوع الشمس كما يقول الفلكيون أى ولا يخفى أن قوله والوقت ما بين هذين الوقتين محمول عند إمامنا الشافعى رضى الله عنه على الوقت الاختيارى بالنسبة للعصر والعشاء والفجر وإلا فوقت العصر لايخرج إلا بغروب الشمس ووقت العشاء لا يخرج إلا بطلوع الفجر ووقت الصبح لا يخرج إلا بطلوع الشمس خلافا للإصطخرى حيث ذهب إلى خروج وقت العصر بمصير ظل الشئ مثليه والعشاء بثلث الليل والصبح بالإسفار متمسكا بظاهر الحديث والبداءة بالظهر هو ما عليه أكثر الروايات وروى أن البداءة كانت بالصبح عند طلوع الفجر وعلى الأول إنما لم تقع البداءة بالصبح مع أنها أول صلاة تحضر بعد ليلة الإسراء لأن الإتيان بها يتوقف على
بيان علم كيفيتها المعلق عليه الوجوب كأنه قيل أوجبت عليه حيثما تبين كيفيته فى وقته والصبح لم تتبين كيفيتها فى وقتها فلم تجب فلا يقال هذا من تأخير البيان عن وقت الحاجة
وأجاب الإمام النووى بأنه حصل التصريح بأن أول وجوب الخمس من الظهر كانه قيل أوجبت ما عدا صلاة الصبح يوم هذه الليلة فعدم وجوبها ليس لعدم علم كيفيتها فهى غير واجبة وإن فرض علم كيفيتها
وفيه أنه يلزم حينئذ أن الخمس صلوات فى اليوم والليلة لم توجد إلا فيما عدا ذلك اليوم وليلته قال أبو بكر بن العربى ظاهر قوله هذا وقتك ووقت الأنبياء من قبلك أن هذه الصلوات فى هذه الأوقات كانت مشروعة لكل واحد من الأنبياء قبلك وليس كذلك وإنما معناه أن وقتك هذا المحدود الطرفين مثل وقت الأنبياء قبلك فإنه كان محدود الطرفين وإلا فلم تكن هذه الصلوات الخمس على هذه المواقيت إلا لهذه الأمة خاصة وإن كان غيرهم قد شاركهم فى بعضها أى فقد جاء عن عائشة رضى الله عنها أن آدم لما تيب عليه كان ذلك عند الفجر فصلى ركعتين فصارت الصبح وفدى إسحاق عند الظهر أة يعلى القول بأنه الذبيح فصلى أربع ركعات فصارت الظهر وبعث عزير فقيل له كم لبثت قال لبثت يوما فلما رأى الشمس قريبة من الغروب قال أو بعض يوم فصلى أربع ركعات فصارت العصر وغفر لداود عند المغرب أى الغروب فقام يصلى أربع ركعات فجهد أى تعب فجلس فى الثالثة أى سلم منها فصارت المغرب ثلاثا وأول من صلى العشاء الآخرة نبينا صلى الله عليه وسلم فصلاتها من خصائصه
وفى شرح مسند إمامنا الشافعى رضى الله تعالى عنه للإمام الرافعى رحمه الله تعالى كانت الصبح صلاة آدم والظهر صلاة داود أى فقد اشترك داودوإسحاق فى صلاة الظهر والعصر صلاة سليمان فقد اشترك سليمان وعزير فى صلاة العصر صلاة يعقوب أى فقد اشترك يعقوب وداود فى صلاة المغرب والعشاء صلاة يونس وأورد فى ذلك خبرا وعليه فليست صلاة العشاء من خصائص نبينا صلى الله عليه وسلم والأصل أن ما ثبت فى حق أمته إلا أن يقوم الدليل على الخصوصية فليست من خصائص هذه الأمة
وذكر بعضهم أن المغرب كانت صلاة عيسى أى وكانت أربعا ركعتين عن نفسه وركعتين عن أمه أى فقد اشترك عيسى ويعقوب وداود فى صلاة المغرب
وفي كلام بعضهم أول من صلى الفجر آدم والظهر إبراهيم أي وعليه فقد اشترك إبراهيم وإسحاق وداود في صلاة الظهر وأول من صلى العصر و يونس أي وعليه فقد اشترك سليمان وعزيز ويونس في صلاة العصر أول من صلى المغرب عيسى وأول من صلى العتمة التي هي العشاء موسى أي وعليه فقد اشترك موسى ويونس ونبينا صلى الله عليه وسلم في صلاة العشاء
وفي الخصائص الكبرى خص صلى الله عليه وسلم بأنه أول من صلى العشاء ولم يصلها نبي قبله ومن لازمه انه لم يصلها أحد من الأمم وقد جاء التصريح به في بعض الروايات أنكم فضلتم بها أي العشاء على سائر آلام وعليه فهي من خصائصنا ومن خصائص نبينا صلى الله عليه وسلم وقد تقدم عند بناء الكعبة أن جبريل صلى بإبراهيم صلى الله على نبينا وعليه وسلم الصلوات الخمس فليتأمل
قال قيل فرضت الصلوات في المعراج ركعتين ركعتين أي حتى المغرب ثم زيدت في صلاة الحضر فأكملت أربعا في الظهر أي في غير يوم الجمعة وأربعا في العصر والعشاء وثلاثا في المغرب وأقرت صلاة السفر على ركعتين أي حتى في المغرب
فعن عائشة رضي الله تعالى عنها فرضت صلاة الحضر والسفر ركعتين أي في الصبح والظهر والعصر والمغرب والعشاء فلما أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أي بعد شهر وقيل وعشرة أيام من الهجرة زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان وتركت صلاة الفجر أي لم يزد عليها شيء لطول القراءة أي فإنها يطلب فيها زيادة القراءة على الظهر والعصر المطلوب فيهما قراءة طوال المفصل وصلاة المغرب أي تركت صلاة المغرب فلم يزد فيها ركعتان بل ركعة فصارت ثلاثة لأنها وتر النهار أي كما في الحديث فتعود عليه بركة الوترية أن الله وتر يحب الوتر والمراد أنها وتر عقب صلاة النهار وتركت صلاة السفر فلم يزد فيها شيء أي في غير المغرب هذا هو المفهوم من كلام عائشة رضي الله تعالى عنها وهو يفيد أن صلاة السفر استمرت على ركعتين أي في غير المغرب أي وحينئذ يلزم أن يكون القصر في الظهر والعصر والعشاء عزيمة لأرخصة ولا يحسن ذلك مع قوله تعالى { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة }
وفي كلام الحافظ ابن حجر المراد بقول عائشة فأقرت صلاة السفر باعتبار ما آل إليه الأمر من التخفيف أي لأنه لما استقر فرض الرباعية خفف منها أي في السفر
لأنه استقر أمرها بعد قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة بشهر أو بأربعين يوما ثم نزلت آية القصر فى ربيع الأول من السنة الثانية إلا أنها استمرت منذ فرضت فلا يلزم من ذلك أن القصر عزيمة
وقيل فرضت أى الصلوات الخمس فى المعراج أربعا إلا المغرب ففرضت ثلاثا وإلا الصبح ففرضت ركعتين أى وإلا صلاة الجمعة ففرضت ركعتين ثم قصرت لأربع فى السفر أى وهو المناسب لقوله تعالى { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } ومن ثم قال بعضهم إن هذا هو الذى يقتضيه ظاهر القرآن وكلام جمهور العلماء
ويمكن أن يكون المراد من كلام عائشة رضى الله تعالى عنها أنها فرضت ركعتين بتشهد ثم ركعتين بتشهد وسلام
وفيه أن هذا لا يأتى فى الصبح والمغرب وقال بعضهم ويبعد هذا الحمل ما روى عنها كان النبى صلى الله عليه وسلم يصلى أى الصلوات الخمس التى فرضت بالمعراج بمكة ركعتين ركعتين فلما قدم المدينة أى وأقام شهرا أو وعشرة أيام فرضت الصلاة أربعا أو ثلاثا وتركت الركعتان تماما أى تامة للمسافر
وعن يعلى بن أمية قال قلت لعمربن الخطاب { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم } وقد أمن الناس قال عمر عجبت مما عجبت منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته أى فصار سبب القصر مجرد السفر لا الخوف
وهذا قد يخالف ما فى الإتقان سأل قوم من بنى النجار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله إنا نضرب فى الأرض فكيف نصلى فأنزل الله عز وجل { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة } ثم انقطع الوحى فلما كان بعد ذلك غزا النبى صلى الله عليه وسلم فصلى الظهر فقال المشركون لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم هلا شددتم عليهم فقال قائل منهم إن لهم أخرى مثلها فى أثرها فأنزل الله عز وجل بين الصلاتين { إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } إلى قوله { عذابا مهينا } فنزلت صلاة الخوف فتبين بهذا الحديث أن قوله { إن خفتم } شرط فيما بعده وهو صلاة الخوف إلا في صلاة القصر قال ابن جرير هذا تأويل فى الآية حسن لو لم يكن فى الآية إذا قال ابن الغرس يصح مع إذا على جعل الواو زائدة
قلت ويكون من اعتراض الشرط على الشرط وأحسن منه أن يجعل إذا زائدة بناء على قول من يجيز زيادتها هذا كلامه فليتأمل
وقيل فرضت أى الرباعية أربعا فى الحضر وركعتين فى السفر فعن عمررضى الله تعالى عنه صلاة السفر ركعتان وصلاة الجمعة ركعتان وصلاة الغد ركعتان غير قصر أى تامة على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أى وفيه بالنسبة لصلاة السفر ما تقدم
وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما فرضت فى الحضر أربعا وفى السفر ركعتين وفى الخوف ركعة أى وفيه فى صلاة السفر ما تقدم وقوله فى الخوف ركعة أى يصليها مع الإمام وينفرد بالأخرى وذلك فى صلاة عسفان حيث يحرم بالجميع ويسجد معه صف أول ويحرس الصف الثانى فإذا قاموا سجد من حرس ولحقه وسجد معه فى الركعة الثانية وحرس الآخرون فقد صلى كل صف مع الإمام ركعة فلا يقال إن فى كلام ابن عباس ما يفيد أن صلاة الفجر تقصر وفرض التشهد والصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم متأخر عن فرض الصلاة
فعن ابن مسعود كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد السلام على الله قبل عباده السلام على جبريل السلام على ميكائيل السلام على فلان أى من الملائكة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام وقال له بعض الصحابة كيف نصلى عليك إذا نحن صلينا عليك فى صلاتنا فقال قولوا اللهم صل على محمد إلى آخره ولم أقف على الوقت الذى فرض فيه التشهد والصلاة عليه صلى الله عليه وسلم فيه ولا على أن قولهم السلام على الله إلى إخره هل كان واجبا أو مندوبا
قال بعضهم والحكمة فى جعل الصلوات فى اليوم والليلة خمسا أن الحواس لما كانت خمسة والمعاصى تقع بواسطتها كانت كذلك لتكون ما حية لما يقع فى اليوم والليلة من المعاصى أى بسبب تلك الحواس وقد أشار إلى ذلك صلى الله عليه وسلم بقوله أرأيتم لو كان بباب أحدكم نهر يغتسل منه فى اليوم والليلة خمس مرا ت أكان ذلك يبقى من درنه شيئا قالوا لا قال فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا
قيل وجعلت مثنى وثلاث ورباع ليوافق أجنحة الملائكة كأنها جعلت أجنحة للشخص يطير بها إلى الله تعالى
وسئل ابن عباس رضى الله تعالى عنهما هل تجد الصلوات الخمس فى كتاب الله تعالى فقال نعم وتلا قوله تعالى { فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون } أراد بحين تمسون المغرب والعشاء وبحين تصبحون الفجر وبعشيا العصر وبحين تظهرون الظهر
وإطلاق التسبيح بمعنى الصلاة جاء فى قوله تعالى { فلولا أنه كان من المسبحين } قال القرطبى أى من المصلين وفى الكشاف عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما كل تسبيح فى القرآن فهو صلاة والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب = باب عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل
من العرب ان يحموه ويناصروه على ما جاء به من الحق
أى لأنه صلى الله عليه وسلم أخفى رسالته ثلاث سنين ثم أعلن بها فى الرابعة على ما تقدم ودعا إلى الإسلام عشر سنين يوافى الموسم كل عام يتبع الحجاج فى منازلهم أى بمنى والموقف يسأل عن القبائل قبيلة قبيلة ويسأل عن منازلهم ويأتى إليهم في أسواق المواسم وهى عكاظ ومجنة وذو المجاز فقد تقدم أن العرب كانت إذا حجت تقيم بعكاظ شهر شوال ثم تجئ إلى سوق مجنة تقيم فيه عشرين يوما ثم تجئ سوق ذى المجاز فتقيم به إلى أيام الحج يدعوهم إلى أن يمنعوه حتى يبلغ رسالات ربه
فعن جابر بن عبدالله رضى الله تعالى عنه قال كان النبى صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس فى الموقف ويقول ألا رجل يعرض على قومه فإن قريشا قد منعونى أن أبلغ كلام ربى وعن بعضهم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يهاجر إلى المدينة يطوف على الناس فى منازلهم أى بمنى يقول يا أيها الناس إن الله يأمركم أن تتركوا دين آبائكم فسألت من هذا الرجل فقيل أبو لهب يعنى عمه
وفى رواية عن أبى طارق رضى الله تعالى عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوق ذى المجاز يعرض نفسه على قبائل العرب يقول يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله
تفلحوا وخلفه له غديرتان أى ذؤابتان يرجمه بالحجارة حتى أدمى كعبه يقول يا أيها الناس لا تسمعوا منه فإنه كذاب فسألت عنه فقيل إنه غلام عبد المطلب فقلت ومن الرجل الذى يرجمه فقيل هو عمه عبد العزى يعنى أبا لهب
أى وفى السيرة الهشامية عن بعضهم قال إنى لغلام شاب مع أبى بمنى ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقف فى منازل القبائل من العر ب فيقول يا بنى فلان إنى رسول الله إليكم يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه من هذه الأنداد وأن تؤمنوا بى وتصدقونى وتمنعونى حتى أبين عن الله عز وجل ما بعثنى به قال وخلفه رجل أحول وضئ له غديرتان عليه حلة عذنية فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله قال ذلك الرجل يابنى فلان إن هذا الرجل إنما يدعوكم إلى أن تسلخوا اللات والعزى من أعناقكم إلى ما جاء به من البدعة والضلالة فلا تطيعوه ولا تسمعوا منه فقلت لأبى من هذا الرجل الذى يتبعه يرد عليه ما يقول قال هذا عمه عبد العزى بن عبد المطلب
وذكر ابن إسحاق أنه صلى الله عليه وسلم عرض نفسه على كندة وكلب أى إلى بطن منهم يقال لهم بنو عبد الله فقال لهم إن الله قد أحسن اسم أبيكم أى عبد الله أى فقد قال صلى الله عليه وسلم أحب الأسماء إلى الله عز وجل عبد الله وعبد الرحمن ثم عرض عليهم فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم وعرض على بنى حنيفة وبنى عامر بن صعصعة أى فقال له رجل منهم أرأيت إن نحن بإيعناك على أمرك ثم أظفرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك فقال الأمر إلى الله يضعه حيث شاء قال فقال له أنقاتل العرب دونك وفى رواية أنهدف نحورنا للعرب دونك أى نجعل نحورنا هدفا لنبلهم فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا لا حاجة لنا بأمرك وأبوا عليه فلما رجعت بنو عامر إلى منازلهم وكان فيهم شيخ أدركه السن حتى لا تقدر أن يوافى معهم الموسم فلما قدموا عليه سألهم عما كان فى موسمهم فقالوا جاءنا فتى من قريش أحد بنى عبد المطلب يزعم أنه بني يدعونا إلى أن نمنعه ونقوم معه ونخرج به إلى بلادنا فوضع الشيخ يده على رأسه ثم قال يا بنى عامر هل لها من تلاف أى تدارك هل لها من مطلب والذى نفس فلان بيده ما يقولها أى ما يدعى البنوة كاذبا أحد من بنى إسمعيل قط وإنها لحق وإن رأيكم غاب عنكم
وذكر الواقدى أنه صلى الله عليه وسلم أتى بنى عبس أى وبنى سليم وغسان وبنى محارب أى وفزارة وبنى نضر ومرة وعذرة والحضارمة فيردون عليه صلى الله عليه وسلم أقبح الرد ويقولون أسرتك وعشيرتك أعلم بك حيث لم يتبعوك ولم يكن أحد من العرب أقبح ردا عليه من بنى حنيفة أى وهم أهل اليمامة قوم مسيلمة الكذاب وقيل لهم بنو حنيفة لأن أمهم قيل لها ذلك لحنف كان فى رجلها وثقيف أى ومن ثم جاء شر قبائل العرب بنو حنيفة وثقيف
أى ودفع صلى الله عليه وسلم هو وأبو بكر رضى الله تعالى عنه إلى مجلس من مجالس العرب فتقدم أبو بكر فسلم وقال ممن القوم قالوا من ربيعة قال وأى ربيعة من هامتها أو من لهازمها قالوا بل الهامة العظمى قال من أيها قالوا من ذهل الأكبر قال منكم حامى الذمار ومانع الجار فلان قالوا لا قال منكم قاتل الملوك وسالبها فلان قالوا لا قال منكم صاحب العمامة الفردة فلان قالوا لا قال فلستم من ذهل الأكبر أنتم ذهل الأصغر فقال إليه شاب حين بقل وجهه أى طلع شعر وجهه فقال له إن على سائلنا أن نسأله يا هذا إنك قد سألتنا فأخبرناك فممن الرجل فقال أبو بكر رضى الله تعالى عنه أنا من قريش فقال الفتى بخ بخ أهل الشرف والرياسة فمن أى قريش أنت قال من ولد تيم بن مرة فقال الفتى أمكنت أمنكم قصى الذى كان يدعى مجمعا قال لا قال فمنكم هاشم الذى هشم الثريد لقومه قال لا قال فمنكم شبية الحمد عبد المطلب مطعم طير السماء الذى كأن وجهه القمر يضئ فى الليلة الظلماء قال لا واجتذب أبو بكر رضى الله تعالى عنه زمام ناقته ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له على رضى الله تعالى عنه لقد وقعت من الأعرابى على باقعة أى داهية أى ذى دهاء وهو فى الأصل اسم لطائر حذر يطير يمنة ويسرة قال أجل أبا حسن مامن طامة إلا فوقها طامة والبلاء موكل بالمنطق أى واستفهام الفتى توبيخى لا حقيقى لأن من المعلوم أن من ذكر ليسوا من تيم لأن أبا بكر كما تقدم إنما يجتمع مع النبى صلى الله عليه وسلم فى مرة ومرة جد لقصى فكأنه يقول له إن قبيلتكم لم تشمل على هؤلاء الأشراف أى كما أن قبيلتنا لم تشتمل على أولئك الأشراف
وعن عبد الله بن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه صلى الله عليه وسلم لقى جماعة من
شيبان بن ثعلبة وكان معه أبو بكر وعلى رضى الله تعالى عنهما وأن أبا بكر سألهم ممن القوم فقالوا من شيبان بن ثعلبة فالتفت أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال بأبى أنت وأمى هؤلاء غرر أى سادات فى قومهم وفيهم مفروق بن عمرو وهانئ بالهمز ابن قبيصة بفتح القاف ومثنى بن حارثة والنعمان بن شريك وكان مفروق بن عمرو قد غلبهم جمالا ولسانا له غديرتان أى ذؤابتان من شعر وكان أدنى القوم أى أقرب مجلسا من أبى بكر رضى الله تعالى عنه فقال له أبو بكر كيف العدد فيكم قال مفروق إنا لنزيد على الألف ولن تغلب الألف من قلة والذى قاله صلى الله عليه وسلم لن تغلب اثنا عشر ألفا من قلة قاله لما أراد أن يغزو هوزان وكان جيشه العدد المذكور كما سيأتى فقال أبو بكر رضى الله تعالى عنه كيف المنعة فيكم قال مفروق علينا الجهد أى بفتح الجيم وضمها أى الطاقة ولكل قوم جد بفتح الجيم أى حظ وسعادة أى علينا أن نجهد وليس علينا أن يكون لنا الظفر لأنه من عند الله يؤتيه من يشاء فقال أبو بكر رضى الله تعالى عنه فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم فقال الفرق إنا لأشد ما يكون غضبا حين نلقى وإنا لأشد ما يكون لقاء حين نغضب وأنا لنؤثر الجياد أى من الخيل على الأولاد والسلاح على اللقاح أى ذوات اللبن من الإبل المهملة أى ينصرنا مرة ويديل علينا مرة أى ينصر علينا أخرى لعلك أخو قريش فقال أبو بكر رضى الله تعالى عنه أو قد بلغكم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها هوذا فقال مفروق بلغنا أنه يذكر ذلك فإلام تدعو يا أخا قريش فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنى رسول الله وإلى أن تؤوونى وتنصرونى فإن قريشا قد تظاهرت أى تعاونت على أمر الله وكذبت رسوله واستغنت بالباطل عن الحق والله هو الغنى الحميد قال مفروق وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم { قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون } قال مفروق ما هذا من كلام أهل الأرض ولو كان من كلامهم عرفناه ثم قال وإلام
تدعو أيضا يا أخا قريش فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون }
وهذه الآيه ذكر العز بن عبد السلام أنها اشتملت على جميع الأحكام الشرعية وبين ذلك فى سائر الأبواب الفقهية وضمن ذلك كتابا سماه الشجرة فقال مفروق دعوت والله إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال ولقد أفك قوم أى صرفوا عن الحق كذبوك وظاهروا أى عاونوا عليك وكان مفروق أراد أن يشركه أى يشاركه فى الكلام هانئ بن قبيصة فقال هذا هانئ بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا فقال هانئ قد سمعنا مقالتك يا أخا قريش وإنى أرى أن تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك بمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر لزلة فى الرأى وقلة نظر فى العاقبة وإنما تكون الزلة مع العجلة ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقدا ولكن نرجع وترجع وننظر وتنظر وكأنه أحب أن يشركه فى الكلام المثنى بن حارثه فقال هذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حربنا فقال المثنى قد سمعنا مقالتك يا أخا قريش والجواب هو جواب هانئ بن قبيصة فى تركنا ديننا واتباعنا دينك بمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر وإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلى مياه العرب دون ما يلى أنهار كسرى فعلنا فإنا إنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثا وأن لا نؤوى محدثا وإنى أرى هذا الأمر الذى تدعونا إليه أنت هو مما تكرهه الملوك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أسأتم فى الرد إذ أفصحتم بالصدق وإن دين الله عز وجل لن ينصره إلا من أحاط به من جميع جوانبه أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا ختى يورثكم الله أرضهم وأموالهم ويغرسكم نساءهم تسبحون الله وتقدسونه فقال النعمان بن شريك اللهم لك ذا فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم { يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وبشر المؤمنين } ثم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم أى وهؤلاء لم أقف على إسلام أحد منهم إلا أن فى الصحابة شخصا يقال له المثنى بن حارثة الشيبانى وكان فارس قومه وسيدهم والمطاع فيهم ولعله هو هذا لقول هانئ بن قبيصة فيه إنه صاحب حربنا
ورأيت بعضهم ذكر أن النعمان بن شريك له وفادة فيكون من الصحابة أى وفى
أسد الغابة أن مفروق بن عمرو من الصحابة ونقل عن أبى نعيم أنه قال لا أعرف لمفروق إسلاما
ولما قدمت بكر بن وائل مكة للحج قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبى بكرائتهم فاعرضنى عليهم فأتاهم فعرض عليهم فقال لهم كيف العدد فيكم قالوا كثيرا مثل الثرى قال فكيف المنعة قالوا لا منعة جاورنا فارس فنحن لا نمنع منهم ولا نجير عليهم قال فتجعلون لله عليكم إن هو أبقاكم حتى تنزلوا منازلهم وتستنكحوا نساءهم وتستعبدوا أبناءهم أن تسبحوا الله ثلاثا وثلاثين وتحمدوه ثلاثا وثلاثين وتكبروه ثلاثا وثلاثين قالوا ومن أنت قال أنا رسول الله ثم مر بهم أبو لهب فقالوا له هل تعرف هذا الرجل قال نعم فأخبروه بما دعاهم إليه وأنه زعم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم لا ترفعوا بقوله رأسا فإنه مجنون يهذى من أم رأسه فقالوا لقد رأينا ذلك حيث ذكر من أمر فارس ما ذكر
وفى رواية أنه لما سألهم قالوا له حتى يجئ شيخنا حارثة فلما جاء قال إن بيننا وبينك من الفرس حربا فإذا فرغنا عما بيننا وبينهم عدنا فنظرنا فيما تقول فلما التقوا مع الفرس قال شيخهم ما اسم الرجل الذى دعاكم إليه قالوا محمد قال فهو شعاركم فنصروا على الفرس فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بى نصروا أى نصروا بذكرهم اسمى
ولا زال صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل فى كل موسم ويقول لا أكره أحدا على شئ من رضى الذى أدعوه إليه فذلك ومن كره لم أكرهه إنما أريد منعى من القتل حتى أبلغ رسالات ربى فلم يقبله أحد من تلك القبائل ويقولون قوم الرجل أعلم به ترون أن رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه
وعن ابن إسحاق لما أراد الله تعالى إظهار دينه وإعزاز نبيه صلى الله عليه وسلم وإنجاز موعده له خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الموسم
وفى سيرة مغلطاى ومستدرك الحاكم أن ذلك كان فى شهر رجب يعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع فى كل موسم فبينا هو عند العقبة التى تضاف إليها الجمرة فيقال جمرة العقبة أى وهى عند يسار الطريق لقاصد منى مكة وبها الآن مسجد يقال له مسجد البيعة إذ لقى بها رهطا من الخزرج أى لأن الأوس والخزرج كانوا يحجون
فيمن يحج من العرب أى والأوس فى الأصل أى اللغة العطية ويقال للذئب ويقال لرجل اللهو واللعب والخزرج فى الأصل الريح الباردة قيل هى الجنوب خاصة وكانوا ستة نفر وقيل ثمانية أراد الله تعالى بهم خيرا وقد عد الستة فى الأصل وبين الناس اختلاف فى ذكرهم فقال لهم من أنتم قالوا نفر من الخزرج فقال أمن موالى يهود أى من حلفاء يهود المدينة قريظة والنضير لأنهم تحالفوا معهم على التناصر والتعاضد على من سواهم وأن يأمن بعضهم من بعض وهذا كان فى أول أمرهم قبل أن تقوى شوكتهم على يهود قالوا نعم قال أفلا تجلسون أكلمكم قالوا بلى فجلسوا معه صلى الله عليه وسلم وفى لفظ وجدهم يحلقون رءوسهم فجلس إليهم فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم الإسلام أى ورأوا أمارات الصدق عليه صلى الله عليه وسلم لائحة فقال بعضهم لبعض تعلمون والله أنه للنبى الذى يوعدكم به يهود فلا تسبقنكم إليه لأن يهود كانوا إذا وقع بينهم وبينهم شئ من الشر قالوا لهم سيبعث نبى قد أظل أى قرب زمانه نتبعه نقتلكم معه قتلة عاد وإرم أى كما تقدم فى أخبار الأحبار والمراد نستأصلكم بالقتل فلما دعاهم إلى الإسلام أجابوه وصدقوه وأسلموا وقالوا له إنا تركنا قومنا يعنون الأوس والخزرج بينهم من العداوة والشر مابينهم أى فإن الأوس والخزرج كانا أخوين لأب وأم فوقعت بينهما العداوة وتطاولت بينهما الحروب فمكثوا على المحاربة والمقاتلة أكثر من مائة سنة أى مائة وعشرين كما فى الكشاف فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك
أقول وفى رواية قالوا يا رسول الله إنما كانت بعاث أى بضم الموحدة ثم عين مهملة مخففة وفى آخره ثاء مثلثة وقيل بفتح الموحدة وبدل المهملة معجمة قيل وذكر المعجمة تصحيف فعن ابن دريد صحف الخليل بن أحمد يوم بغاث بالغين المعجمة وإنما هو بالمهملة وفى القاموس بالمهملة والمعجمة عام أول يوم من أيامنا اقتتلنا به ونحن كذلك لا يكون لنا عليك اجتماع حتى نرجع إلى غابرنا لعل الله أن يصلح ذات بيننا وندعوهم إلى ما دعوتنا فعسى الله أن يجمعهم عليك فإن اجتمعت كلمتهم عليك واتبعوك فلا أحد أعز منك وبعاث مكان قريب من المدينة على ليلتين منها عند بنى قريطة ويقال إنه حصن للأوس كان به القتال قبل قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة بخمس سنين بين الأوس
والخزرج وسيد الأوس ورئيسهم حينئذ حضير والد أسيد وبه قتل مع من قتل من قومه وكان النصر فيهم أولا للخروج ثم صار للأوس
وسبب القتل أنه كان من قاعدنهم أن الأصيل لا يقتل بالحليف فقتل رجل من الأوس أى وهو سويد بن الصامت رجلا حليفا للخزرج أى وهو ذياد والد المحذر بن ذياد وذياد بالذال المعجمة مكسورة ومفتوحة وتخفيف المثناة تحت والمحذر بالذال المعجمة مشددة مفتوحة فأرادوا أن يقتلوا سويدا فيه فأبى عليه الأوس وذلك لأن سويدا هذا كان تسميه قومه الكامل لشرفه ونسبه وشعره وجلده كان ابن خالة عبد المطلب لأن أمه أخت سلمى أم عبد المطلب وكان قدم مكة حاجا أو معتمرا فتصدى له رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع به لأنه صلى الله عليه وسلم كان لا يسمع بقادم قدم مكة من العرب له اسم وشرف إلا تصدى له ودعاه إلى الله تعالى فدعا سويدا إلى الله عز وجل وإلى الإسلام فقال له سويد لعل الذى معك مثل الذى معى فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وما الذى معك قال حكمة لقمان فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اعرضها على فعرضها عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هذا الكلام حسن والذى معى أفضلا من هذا قرآن أنزله الله على هو هدى ونور فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن ودعاه إلى الإسلام فلم يبعد منه وقال إن هذا القول حسن ثم انصرف وقدم المدينة فلم يلبث أن قتله الخزرج
وفى كلام بعضهم أنه آمن بالله ورسوله وسافر حتى دخل المدينة إلى قومه فشعروا بإيمانه فقتلته الخزرج بغتة وقيل القاتل له المحذر ولد ذياد الذى قتله سويد لأن سويدا كان قد شرب الخمر وجلس يبول وهو ممتلئ سكرا فضربه إنسان من الخزرج فخرج حتى أتى المحذر بن ذياد فقال هل لك فى الغنيمة الباردة قال ما هى قال سويد أعزل لأسلاح معه فخرج المحذر بالسيف مصلتا فلما أبصر سويدا قال له قد أمكن الله منك قال ما تريد منى قال قتلك فقتله فكان ذلك سبب الحرب بين الأوس والخزرج ببعاث فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أسلم الحارث بن سويد والمحذر بن ذياد وشهدا بدرا فجعل الحارث بن سويد يطلب محذرا يقتله بأبيه فلم يقدر عليه حتى كان وقعة أحد قدر عليه فقتله غيلة كما سيأتى
وممن قتل فى هذه الحرب التى يقال لها بعاث شخص يقال له إياس بن معاذ قدم
مكة هو وشخص يقال له أبو الحيسر أنس بن رافع مع جماعة من قومهم يلتمسون الحلف من قريش على قومهم الخزرج فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس إليهم وقال لهم هل لكم فى خير مما جئتم له قالوا وما ذاك قال أنا رسول الله بعثنى للعباد وأدعوهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وأنزل على الكتاب ثم ذكر لهم الإسلام وتلا عليهم القرآن فقال إياس بن معاذ وكان صغيرا أى قوم والله خير مما جئنا إليه فأخذ أبو الحيسر حفنة من تراب فضرب بها وجه إياس وانتهره وقال له دعنا منك لقد جئنا لغير هذا فسكت إياس وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم فلما دنا موت إياس صار يحمد الله ويسبحه ويهلله ويكبره حتى مات والله أعلم ثم انصرف أولئك الرهط من الخزرج راجعين إلى بلادهم
قال وفى رواية أنهم لما آمنو به صلى الله عليه وسلم وصدقوه قالوا له إنا نشير عليك أن تمكث على رسلك أى على حالك باسم الله حتى نرجع إلى قومنا فنذكر لهم شأنك وندعوهم إلى الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم لعل الله يصلح ذا ت بينهم ونواعدك الموسم من العام المقبل فرضى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى أى فلم يقع لهؤلاء الستة أو الثمانية مبايعة ويسمى هذا ابتداء الإسلام للأنصار وربما سماه بعضهم العقبة الأولى فلما كان العام المقبل قدم من الأوس والخزرج اثنا عشر رجلا أى عشرة من الخزرج واثنان من الأوس وقيل كانوا أحد عشر رجلا منهم خمسة من الستة أو الثمانية الذين اجتمعوا به صلى الله عليه وسلم عند العقبة أولا فاجتمع بهم صلى الله عليه وسلم عند العقبة أيضا فبايعهم أى عاهدهم صلى الله عليه وسلم أى وسميت المعاهدة مبايعة تشبيها بالمعاوضة المالية وتلا عليهم آية النساء أى الآية التى نزلت بعد ذلك فى شأن النساء يوم الفتح لما فرغ من مبايعة الرجال وأراد مبايعة النساء
فعن عبادة بن الصامت بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة النساء أى كبيعة النساء أى كمبايعة للنساء التى كانت يوم فتح مكة وهى على أن لا نشرك بالله شيئا ولا نسرق ولا نزنى ولا نقتل أولادنا أى لأن قتل الأولاد كان سائغا فيهم وهو وأد البنات قيل والبنين خوف الإملاق
وفى النهر كان جمهور العرب لا يئدون بناتهم وكان بعض ربيعة ومضر يئدونهن وهو دفنهن أحياء فبعضهم يئد خوف العيلة والافتقار وبعضهم خوف السبى قال ولا نأتى بهتان أى الكذب الذى يبهت صاحبه سامعه نفتريه بين أيدينا وأرجلنا أى فى الحال والاستقبال قيل وغير ذلك ولا نعصيه فى معروف أى ما عرف من الشارع حسنه نهيا وأمرا
قال الحافظ ابن حجر المبايعة المذكورة فى حديث عبادة بن الصامت على الصفة المذكورة لم تقع ليلة العقبة وإنما نص بيعة العقبة ما ذكر ابن إسحاق وغيره عن أهل المغازى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لمن حضر من الأنصار أبايعكم على أن تمنعونى ما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم فبايعوه على ذلك وعلى أن يرحل إليهم هو صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثم ذكر جملة من الأحاديث وقال هذه أدلة صريحة فى أن هذه البيعة بعد نزول الآية بعد فتح مكة
أقول ليس فى كلام عبادة أن هذه البيعة بيعة العقبة إذ لم يقل بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة وإن كان السياق يقتضيه وحينئذ فلا يحسن أن يكون كلام عبادة شاهدا لمن قال وتلا عليهم آية النساء فلا يحسن التفريع المتقدم بل هو دليل على أن هذه المبايعة متأخرة عن يوم الفتح كما قال الحافظ والله أعلم
زاد بعضهم والسمع والطاعة فى اليسر والعسر والمنشط والمكره وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقول الحق حيث كنا لا نخاف فى الله لومة لائم ثم قال ومن وفى بالتخفيف والتشديد أى ثبت على العهد فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فى الدنيا فهو أى العقاب طهرة له أو قال كفارة له
واستشكل بأن أبا هريرة روى أنه صلى الله عليه وسلم لا أدرى الحدود كفارة لأهلها أولا وإسلام أبى هريرة تأخر عن بيعة العقبة بسبع سنين كما سيأتى فإنه كان عام خيبر سنة سبع
ويجاب بأن هذه البيعة التى ذكرها عبادة ليست بيعة العقبة بل بيعة غيرها وقعت بعد فتح مكة كما علمت
وحينئذ يكون ما رواه أبو هريرة رضى الله تعالى عنه كان قبل أن يعلم صلى الله عليه وسلم ذلك ثم علمه أى أن الحدود كفارة قال صلى الله عليه وسلم ومن أصاب من
ذلك شيئا فستره الله عليه فأمره إلى عز وجل إن شاء غفر له وإن شاء عذبه أى وكون الحدود كفارة وطهرة مخصوص بغير الشرك فقتل المريد لا يكون كفارة وطهرة له لأن الله لا يغفر أن يشرك به
وفى رواية فإن رضيتم فلكم الجنة وإن غشيتم من ذلك شيئا فأصبتم بحد فى الدينا فهو كفارة لكم فى الدنيا وإن سترتم عليه فأمركم إلى الله وإن شاء عذب وإن شاء غفر أى وفى هذا رد على من قال بوجوب التعذيب لمن مات بلا توبة وعلى من قال بكفر مرتكب الكبيرة
فلما انصرفوا راجعين إلى بلادهم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم ابن أم مكتوم واسمها عاتكة واسمه عمرو وقيل عبدالله وهو ابن خال خديجة بنت خويلد أم المؤمنين رضى الله تعالى عنها
قال الشعبى غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة غزوة ما فيها غزوة إلا واستخلف ابن ام مكتوم على المدينة وكان يصلى بهم وليس له رواية ومصعب ابن عمير وضى الله تعالى عنهما يعلمان من أسلم منهم القرآن ويعلمانهم أى من أراد أن يسلم الإسلام ويفقهانهم فى الدين ويدعوان من لم يسلم منهم إلى الإسلام وهذا ما فى أكثر الروايات وهو يفيد أنه صلى الله عليه وسلم بعث بهما معا ويدل له ما روى عن البراء بن عازب رضى الله تعالى عنه أول من قدم علينا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير وابن أم مكتوم فجعلا يقرئان الناس القرآن أى وفى رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم مصعبا حين كتبوا إليه يبعث إليهم
وفى رواية ثم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن عفراء ورافع بن مالك رضى الله تعالى عنهما أن ابعث إلينا رجلا من قبلك يفقهنا ويدعو الناس بكتاب الله وفى رواية كتبوا إليه صلى الله عليه وسلم بذلك فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير وكان يقال له المقرى وهو أول من تسمى بهذا الاسم وهذا يدل على أن مصعبا لم يكن معهم
أقول وقد يقال لا منافاة لأنه يجوز أن يكون كتبوا وأرسلوا إليه صلى الله عليه وسلم بذلك عند خروجهم من مكة وقبل أن ينصرفوا منها راجعين إلى المدينة والاقتصار على مصعب لا ينافى ما تقدم من ذكر ابن أم مكتوم معه
ثم رأيت ما يبعد الجمع الأول وهو عن ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بعثه يعنى مصعب بن عمير بعدهم وإنما كتبوا إليه إن الإسلام قد فشا فينا فابعث إلينا رجلا من أصحابك يقرئنا القرآن ويفقهنا فى الإسلام ويعلمنا بسنته وشرائعه ويؤمنا فى صلاتنا فبعث مصعب بن عمير وما يبعد الجمع الثانى وهو ما نقل عن الواقدى أن ابن أم مكتوم قدم المدينة بعد بدر بيسير وفى كلام ابن قتيبة وقدم ابن أم مكتوم المدينة مهاجرا بعد بدر بسنتين
وقد يقال لا منافاة لأنه يجوز أن يكون كل من مصعب بن عمير وابن أم مكتوم رجعا إلى مكة بعد محبيئهما مع القوم وأن مكاتبتهم بأن الإسلام فشا فينا إلى آخره كانت وهم بالمدينة فجاء إليهم مصعب وتخلف ابن أم مكتوم فليتأمل ذلك والله تعالى أعلم وهذه المبايعة يقال لها العقبة الأولى لوجود تلك المبايعة عندها
ولما قدم مصعب المدينة نزل على أبى أمامة أسعد بن زرارة رضى الله تعالى عنه دون بقية رفقته وكان سالم مولى أبى حذيفة رضى الله تعالى عنه يؤم المهاجرين بقباء قبل أن يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مصعب يؤم القوم أى الأوس والخزرج لأن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض وجمع بهم أول جمعة جمعت فى الإسلام قبل قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة وقبل نزول سورة الجمعة الآمرة بها فإنها مدنية
وقال الشيخ أبو حامد فرضت الجمعة بمكة ولم يتمكن من فعلها قال الحافظ ابن حجر وهو غريب أى وعلى صحته فهو ما تقدم حكمه على تلاوته
وعند ابن إسحاق أن أول من جمع بهم أبو أمامة أسعد بن زرارة وكانوا أربعين رجلا أى فعن كعب بن مالك قال أول من جمع بنا فى المدينة أسعد بن زرارة قبل مقدم النبى صلى الله عليه وسلم فى نقيع الخضمان والنقيع بالنون قيل أو بالباء الموحدة لكن قال الخطابى إنه خطأ والخضمان جمع خضمة وهى الماشية التى تخضم أى تأكل بفمها كله مما فى ذلك المحل من الكلأ وهو اسم لقرية من قرى المدينة قال وكنا أربعين رجلا أى ولا مخالفة لأن مصعب بن عمير كان عند أبى أمامة أسعد بن زرارة كما علمت فكان هو المعاون على الجمع وكان الخطيب والمصلى مصعب بن عمير فنسب الجمع لكل منهما أى ويكون ما فى الرواية الآتية من أن أسعد بن زرارة هو الذى صلى بهم على التجوز أى جمعهم على الصلاة ويؤيده ما تقدم من أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض وأيضا المأمور بالتجميع مصعب بن عمير كما سياتى
قال السهيلى وتسميتهم أى الأنصار إياها بهذا الاسم أى تسميتهم اليوم بيوم الجمعة لاجتماعهم فيه هداية من الله تعالى لهم وإلا فكانت تسمى فى الجاهلية العروبة أى يسمى ذلك اليوم بيوم العروبة أى الرحمة وقال عليه الصلاة والسلام فى حق ذلك اليوم إنه اليوم الذى فرض عليهم أى على اليهود والنصارى أى طلب منهم تعظيمه والتفرغ للعبادة فيه كما فرض علينا أضلته اليهود والنصارى وهداكم الله تعالى له أى إن كلا من اليهود والنصارى أمر بذلك اليوم يعظمون فيه الحق سبحانه وتعالى يتفرغون فيه لعبادته واختار اليهود من قبل أنفسهم بدله السبت لأنهم يزعمون أنه اليوم السابع الذى استراح فيه الحق سبحانه وتعالى من خلق السموات والأرض وما فيهن من المخلوقات أى بناء على أن أول الأسبوع الأحد وأنه مبدأ الخلق قال بعضهم وهو الراجح
وفى كلام بعضهم أول الأسبوع الأحد لغة وأوله السبت عرفا أى فى عرف الفقهاء فى الإيمان ونحوها ويؤيد الأول أن السبت مأخوذ من السبات وهى الراحة قال تعالى { وجعلنا نومكم سباتا } أى راحة ظنا منهم أنه أولى بالتعظيم لهذه الفضيلة
واختارت النصارى من قبل أنفسهم بدل يوم الجمعة يوم الأحد أى بناء على أنه أول يوم ابتدأ الله فيه بإيجاد المخلوقات ظنا منهم أنه أولى بالتعظيم لهذه الفضيلة وحينئذ يكون معنى قوله أضلوه تركوه مع علمهم به ويؤيد ذلك ما جاء إن الله تعالى فرض على اليهود الجمعة فأبوا وقالوا ياموسى اجعل لنا يوم السبت فجعل عليهم وهدى الله تعالى المسلمين ليوم الجمعة أى وهداية المسلمين له تدل على أنهم لم يعلموا عينه وإنما اجتهدوا فيه فصادفوه
وفى سفر السعادة كان من عوائده الكريمة صلى الله عليه وسلم أن يعظم يوم الجمعة غاية التعظيم ويخصه بأنواع التشريف والتكريم
وجاء إن أهل الجنة يتباشرون في الجنة بيوم الجمعة كما تتباشر به أهل الدينا فى الدينا واسمه عندهم يوم المزيد كما تقدم لأن الله تعالى يتجلى عليهم فى ذلك اليوم ويعطيهم كل ما يتمنونه ويقول لهم لكم ما تمنيتم ولدينا مزيد فهم يحبون يوم الجمعة لما يعطيهم فيه ربهم من الخير
وقد جاء فى المرفوع يوم الجمعة سيد الأيام وأعظمها عند الله تعالى فهو فى الأيام كشهر رمضان فى الشهور وساعة الإجابة فيه كليلة القدر فى رمضان
والذى فى البخارى ثم هذا أى يوم الجمعة يومهم الذى فرض عليهم أى على اليهود والنصارى فاختلفوا فيه فهدانا الله تعالى له فالناس لنا فيه تبع اليهود غدا والنصارى بعد غد وقوله فاختلفوا فيه يدل على انهم لم يعلموا عينه ويوافقه ما نقل عن بعض أهل العلم أن اليهود أمروا بيوم من الأسبوع يعظمون الله تعالى فيه ويتفرغون لعبادته فاختاروا من قبل أنفسهم السبت فأكرموه فى شرعهم وكذلك النصارى أمروا على لسان عيسى بيوم الأسبوع فاختاروا من قبل أنفسهم الأحد فالتزموه شرعا لهم وهو يخالف ما سبق فليتأمل
قال بعضهم والراجح أن أول الأسبوع السبت لأنه أول يوم ابتدئ فيه بايجاد المخلوقات فقد جاء فى الصحيح إن الله خلق التربة يوم السبت والجبال يوم الأحد والشجر يوم الأثنين والمكروه يوم الثلاثاء والنور يوم الأربعاء كذا فى مسلم وعليه يشكل تسمية اليوم الذى يليه الأحد وأجيب بأنه من تسمية اليهود وتبعهم غيرهم
وقد ذكر السهيلى أن تسمية هذه الأيام طارئة ولو كان الله سبحانه وتعالى سماها فى القرآن بهذه الأسماء المشتقة من العدد لقلنا هى تسمية صادقة لكن لم يذكر منها إلا الجمعة والسبت وإنهما ليسا مشتقين من العدد هذا كلامه
ورد بأنه جاء إن الله تعالى خلق يوما فسماه الأحد ثم خلق ثانيا فسماه الاثنين ثم خلق ثالثا فسماه الثلاثاء ثم خلق رابعا فسماه الأربعاء ثم خلق خامسا فسماه الخميس
وأجاب ابن حجر الهيتمى بأن هذه أى التسمية المذكورة لم تثبت وأن العرب تسمى خامس الورد أربعاء هذا كلامه فيكون أول الأسبوع السبت
ثم رأيت السهيلى قال لم يسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأحد والاثنين إلى سائرها إلا حاكيا للغة قومه لا مبتدئا تسميتها ولعل قومه أن يكونوا أخذوا معانى هذه الأسماء من أهل الكتاب المجاورين لهم فألقوا عليها هذه الأسماء اتباعا لهم هذا كلامه فليتأمل
وفى السبعينات للهمدانى أكرم الله موسى عليه الصلاة والسلام بالسبت وعيسى بالأحد وداود بالاثنين وسليمان بالثلاثاء ويعقوب بالأربعاء وآدم بالخميس ومحمدا صلى الله عليه وسلم بالجمعة وهذا يدل على أن اليهود لم يختاروا يوم السبت والنصارى يوم الأحد من عند أنفسهم فليتأمل الجمع
وقد سئل صلى الله عليه وسلم عن يوم السبت قال يوم مكر وخديعة أى وقع فيه المكر والخديعة أى لأنه اليوم الذى اجتمعت فيه قريش فى دار الندوة للاستشارة فى أمره صلى الله عليه وسلم وسئل عن يوم الأحد فقال يوم غرس وعمارة لأن الله تعالى ابتدأ فيه خلق الدنيا وعمارتها وفى رواية لأن الجنة بنيت فيه وغرست وسئل عن يوم الاثنين فقال يوم سفر وتجارة لأن فيه سافر شعيب فربح فى تجارته وسئل عن يوم الثلاثاء فقال يوم دم لأن فيه حاضت حواء وقتل ابن آدم أخاه
وذكر الهمدانى فى السبعيات أيضا أنه قتل فيه سبعة جرجيس وزكريا ويحيى ولده عليهم الصلاة والسلام وسحرة فرعون وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون وبقرة بنى إسرائيل وهابيل بن آدم وبين قصة كل واحد
أى ومن ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحجامة يوم الثلاثاء أشد النهى وقال فيه ساعة لا يرقأ فيها الدم وفيه نزل إبليس إلى الأرض وفيه خلفت جهنم وفيه سلط الله ملك الموت على أرواح بنى آدم وفيه ابتلى أيوب وفى بعض الروايات أن اليوم الذى ابتلى الله فيه أيوب يوم الأربعاء
وسئل عن يوم الأربعاء قال يوم نحس لأن فيه أغرق فرعون وقومه وأهلك فيه عاد وثمود وقوم صالح أى ومن ثم كان يسمى فى الجاهلية دبار والدبار الملهى لكن الذى فى الحديث الموقوف على ابن عباس الذى لا يقال من قبل الرأى آخر أربعاء فى الشهر يوم نحس مستمر وجاء يوم الأربعاء لا أخذ ولا عطاء
وذكر الزمخشرى أن بعضهم قال لأخيه اخرج معى في حاجة فقال هذا الأربعاء قال فيه ولد يونس قال لاجرم قد بانت له بركته أى حيث ابتلعه الحوت قال وفيه ولد يوسف قال فما أحسن ما فعل به إخوته طال حبسه وغربته قال وفيه نصر المصطفى صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب قال أجل ولكن بعد أن زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر
وورد فى بعض الآثار النهى عن قص الأظفار يوم الأربعاء وأنه يورث البرص
وعن ابن الحاج صاحب المدخل أنه هم بقص أظفاره يوم الأربعاء فتذكر ذلك فترك ثم رأى أن قص الأظفار سنة حاضرة ولم يصح عنده النهى فقصها فلحقه البرص فرأى النبى صلى الله عليه وسلم فى النوم فقال له ألم تسمع نهى عن ذلك فقال
يا رسول الله لم يصح ذلك عندى فقال يكفيك أن تسمع ثم مسح صلى الله عليه وسلم بيده على بدنه فزال البرص جميعا قال ابن الحاج فجددت مع الله توبة أنى لا أخالف ما سمعت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبدا
وجاء فى حديث أخرجه ابن ماجه عن ابن عمر مرفوعا وخرجه الحاكم من طريقين آخرين لا يبدو جذام ولا مرض إلا يوم الأربعاء وكره بعضهم عيادة المريض يوم الأربعاء
وفى منهاج الحليمى وشعب الإيمان للبيهقى إن الدعاء مستجاب يوم الأربعاء بعد الزوال قبل وقت العصر لأنه صلى الله عليه وسلم استجيب له الدعاء على الأحزاب فى ذلك اليوم فى ذلك الوقت وكان جابر يتحرى ذلك بالدعاء فى مهماته وذكر أنه ما بدئ بشئ يوم الأربعاء إلا وتم فينبغى البداءة بنحو التدريس فيه
وسئل عن يوم الخميس فقال يوم قضاء الحوائج لأن فيه دخل إبراهيم الخليل على ملك مصر فقضى حاجته وأعطاه هاجر ومن ثم زاد فى رواية والدخول على السلطان وسئل عن يوم الجمعة فقال يوم نكاح نكح فيه آدم حواء ويوسف زليخا وموسى بنت شعيب وسليمان بلقيس أى ونكح فيه صلى الله عليه وسلم خديجة وعائشة
وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أذن النبى صلى الله عليه وسلم لهم قبل الهجرة أى قبل أن يهاجر صلى الله عليه وسلم فى إقامة الجمعة أى فلم يفعلوها باجتهاد بل بإذنه صلى الله عليه وسلم كتب إلى مصعب بن عمير رضى الله تعالى عنه أما بعد فانظر اليوم الذى تجهر فيه اليهود بالزبور لسبتهم أى اليوم الذى يليه يوم السبب فاجمعوا نساءكم وأبناءكم فإذا مال النهار عن شطره فتقربوا إلى الله بركعتين فجمع مصعب بن عمير عند الزوال أى صلى الجمعة حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم أى استمر على ذلك حتى قدم النبى صلى الله عليه وسلم وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم عين لهم ذلك اليوم وهو خلاف قوله السابق فهداكم الله له الظاهر فى أن هدايتهم له باجتهاد منهم
ويدل له ما روى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما باسناد صحيح أن الأنصار قالوا إن لليهود يوما يجتمعون فيه كل سبعة أيام وللنصارى مثل ذلك فهلم فلنجعل يوما نجتمع فيه فنذكر الله ونصلى ونشكره فجعلوه يوم العروبة أى لأنه اليوم الذى وقع
فيه خلق آدم الذى هو مبدأ هذا الجنس وجعل فيه فناء الخلق وانقضاءهم إذ فيه تقوم الساعة ففيه المبدء والمعاد إذ هو المروى عن ابن عباس يقتضى أن الأنصار اختاروه باجتهاد منهم إلا أن يقال لا مخالفة لأنه يجوز أن يكون هذا العزم على ذلك حصل منهم أولا ثم أرسلوا له صلى الله عليه وسلم يستأذنونه فى ذلك فأذن لهم فيه فقد جاء الوحى موافقة لما اختاروه
وفيه أنه لو كان كذلك لقال صلى الله عليه وسلم لمصعب بن عمير افعلوا ذلك ولم يقل له انظروا إلى اليوم إلى آخره إلا أن يقال يجوز أنهم لما استأذنوه صلى الله عليه وسلم فى الاجتماع لم يعينوا له اليوم فبينه صلى الله عليه وسلم لهم وتقدم عن الشيخ أبى حامد أن الجمعة أمر بها صلى الله عليه وسلم وهو بمكة وتركها لعدم التمكن من فعلها تقدم عن الحافظ ابن حجر أنه غريب ويؤيده أنه لو كان أمر بها صلى الله عليه وسلم وهو بمكة وتركها لعدم التمكن من فعلها لأمر بها مصعب بن عمير عند إرساله للمدينة ولم يأمره بها إلا بعد ذلك إلا أن يقال إنما لم يأمره بها حينئذ لأنه يجوز أن يكون إنما أمر بها بعد ذهاب مصعب إلى المدينة أو أنه إنما ألم يأمره بذلك لأن لإقامتها شروطا منها العدد وهو عند إمامنا الشافعى رضى الله تعالى عنه أربعون بشروط ولم يكن ذلك موجودا عند إرساله صلى الله عليه وسلم ومن ثم لما علم صلى الله عليه وسلم وجود العدد المذكور أرسل له يأمره بذلك فى قوله أما بعد فانظر اليوم الخ
ثم لا يخفى أن ظاهر سياق الروايات يدل على أن الذى هداهم الله إليه إنما هو إيقاع العبادة فى هذا اليوم لا تسميته بيوم الجمعة كما تقدم عن السهيلى على أن تسميتهم له بذلك لم أقف عليها فى رواية
على أن السهيلى ذكر عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم سماها يوم الجمعة لما أرسل لمصعب بن عمير أن يفعلها كما تقدم فى الإسراء وذكر أيضا أ كعب بن لؤى أول من سمى يوم العروبة الجمعة
وقد يقال لا مخالفة لأنه يجوز أن تكون الأنصار ومن معهم من المهاجرين لم يبلغهم ما ذكر عن كعب بن لؤى إن ثبت أنهم سموها بهذا الاسم اجتهادا منهم
وعن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبب تسمية هذا اليوم بيوم الجمعة فقال لأن فيها جمعت طينة أبيك آدم وقدمنا أنه لا مخالفة بين ما هنا وما تقدم فى الإسراء والله أعلم
وأسلم سعد بن معاذ وابن عمه أسيد بن حضير رضى الله تعالى عنهما على يد بن مصعب ابن عمير وكان إسلام أسيد قبل سعد فى يومه
فعن ابن إسحاق أن أسعد بن زرارة رضى الله تعالى عنه خرج بمصعب بن عمير إلى حائط أى بستان من حوائط بنى ظفر فجلسا فيه واجتمع إليهما رجال ممن أسلم وسعد بن معاذ وأسيد بن حضير يؤمئذ سيدا قومهما أى بنى عبد الأشهل وكلاهما مشرك على دين قومه فقال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير لا أبالك انطلق بنا إلى هذين الرجلين يعنى أسعد بن زرارة ومصعب بن عمير اللذين أتيا دارينا تثنية دار وهى المحلة والمراد قبيلتنا وعشيرتنا ليسفها ضعفاءنا فازجرهما وانههما أى وفى لفظ قال له ائت أسعد بن زرارة فازجره عنا فليكف عنا ما نكره فإنه بلغنى أنه قد جاء بهذا الرجل الغريب يسفه سفهاءنا وضعفاءنا فإنه لولا أسعد بن زرارة منى حيث علمت لكفيتك ذلك هو ابن خالتى ولا أجد عليه مقدما فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إليهما فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب بن عمير هذا سيد قومه قد جاءك فاصدق الله فيه ثم قال مصعب إن يجلس هذا كلمته قال فوقف عليهما متشمتا قال ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة وفى لفظ قال يا أسعد ما لنا ولك تأتينا بهذا الرجل الغريب تسفه به سفهاءنا وضعفاءنا
وفى رواية علام أتيتنا فى دورنا بهذا الرجل الوحيد الغريب الطريد يسفه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم إليه فقال له مصعب أو تجلس بفتح الواو استفهاما فتسمع بالنصب فى جواب الاستفهام فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهته كف عنك ما تكره أى منعنا عنك ما تكره قال أنصفت ثم ركز حربته وجلس إليها فكلمه مصعب بالإسلام وقرأ عليه القرآن فقال ما أحسن هذا وأجمله بالنصب على التعجب كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا فى هذا الدين قالا له تغتسل وتتطهر وتغسل ثوبك ثم تشهد شهادة الحق ثم تصلى فقام واغتسل وطهر ثوبه وشهد بشهادة الحق ثم قام فركع ركعتين أى وهما صلاة التوبة
فقد روى أصحاب السنن وقال الترمذى حديث حسن أنه صلى الله عليه وسلم قال ما من عبد يذنب دنبا فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلى ركعتين ثم يستغفر الله عزوجل إلا غفر له ثم قال لهما إن ورائى رجلا أن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه
وسأرسله إليكما الآن وهو سعد بن معاذ رضى الله تعالى عنه ثم أخذ حربته فانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس فى ناديهم فلما نظر إليه سعد مقبلا قال أحلف بالله لقد جاءكم أسيدين بن حضير بغير الوجه الذى ذهب به من عندكم فلما وقف على النادى قال له سعد ما فعلت قال كلمت الرجلين فوالله ما رأيت بهما بأسا وقد نهيتهما فقالا نفعل ما أحببت وقد حدثت أن بنى حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك ليخفروك أى ينقضوا عهدك فقام سعد مغضبا مبادرا فأخذ الحربة من يده وقال والله ما أراك أغنيت شيئا ثم خرج إليهما ولما أقبل سعد قال أسعد لمصعب لقد جاءك والله سيد من وراءه من قومه إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان فلما رآهما سعد مطمئنين عرف سعد أن أسيدا إنما أراد منه أن يسمع منهما فوقف عليهما متشمتا ثم قال لأسعد بن زرارة يا أبا أمامة والله لولا ما بينى وبينك من القرابة ما رمت منى هذا هذا يغشانا فى دارنا بما نكره فقال له مصعب أو تقعد تسمع فإن رضيت أمرا قبلته وإن كرهت عزلنا عنك ما تكره فقال سعد أنصفت ثم ركز الحربة وجلس فعرض عليه الإسلام وعرض عليه القرآن فقال لهما كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم فى هذا الدين فقال تغتسل وتتطهر وتطهر ثوبك ثم تشهد شهادة الحق ثم تركع ركعتين فقام سعد فاغتسل وطهر ثوبه ثم شهد شهادة الحق ثم ركع ركعتين ثم أخذ حربته فأقبل عامدا إلى نادى قومه ومعه أى مع ذلك النادى أسيد بن حضير فلما رآه قومه مقبلا قالوا نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذى ذهب به من عندكم فلما وقف عليهم قال يا بنى عبد الأشهل كيف تعلمون أمرى فيكم قالوا سيدنا وأفضلنا رأيا وأيمننا وأبركنا نقيبة أى نفسا وأمرا قال فإن كلام رجالكم ونسائكم على حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله قال فوالله ما أمسى فى دارى أى قبيلة بنى عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلما ومسلمة فأسلموا فى يوم واحد كلهم وكان ذلك بعد العقبة الأولى وقبل العقبة الثانية إلا ما كان من الأصيرم وهو عمرو بن ثابت من بنى عبد الأشهل فإنه تأخر إسلامه إلى يوم أحد فأسلم واستشهد ولم يسجد لله سجدة وأخبره صلى الله عليه وسلم أنه من أهل الجنة
أى وفى كلام ابن الجوزى أول دار أى قبيلة أسلمت من دور الأنصار دار بنى عبد الأشهل ثم رجع مصعب إلى دار أسعد بن زرارة رضى الله تعالى عنه فأقام عنده يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا فيها رجال ونساء مسلمون إلا ما كان
من سكان عوالى المدينة أى قراها من جهة نجد قال وفى كلام بعضهم إلا جماعة من الأوس بن حارثة وذلك أنه كان فيهم أبو قيس وهو صيفى بن الأسلت وكان شاعرا لهم يسمعون منه ويطيعونه لأنه كان قوالا بالحق معظما وقد ترهب فى الجاهلية ولبس المسوح واغتسل من الجنابة ودخل بيتا له فاتخذه مسجدا وقال اعبد إله إبراهيم لا يدخل فيه حائض ولا جنب فوقف بهم عن الإسلام فلم يزل على ذلك حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومضى بدر واحد والخندق فاسلم وحسن إسلامه وهو شيخ كبير اه أى سبب تأخر إسلامه ما ذكره بعضهم أنه لما أراد الإسلام عند قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة لقيه أبى ابن سلول وكلمه بما أغضبه ونفره عن الإسلام وقال أبو قيس لا أتبعه إلا آخر الناس فلما احتضر أرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قل لا إله إلا بالله أشفع لك بها فقالها وهم ابنه أن ينكح امرأة أبيه أى على ما هو عادة الجاهلية أى وكان ذلك فى المدينة حتى فى أول الإسلام أن أكبر أولاد الرجل يخلفه على زوجته بعد موته فنزل التحريم أى قوله تعالى { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء } وتقدم الكلام على سبب نزول هذه الآية مستوفى
ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة مع من خرج من المسلمين من الأنصار إلى الموسم مع حجاج قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة أى وأخبر النبى صلى الله عليه وسلم بمن أسلم فسر بذلك
وعن كعب بن مالك قال خرجنا فى حجاج قومنا من المشركين ومعنا البراء بن معرور سيدنا وكبيرنا والبراء بالمد لغة آخر ليلة من الشهر سمى بذلك لأنه ولد فيها ومعرور معناه لغة مقصود فلما خرجنا من المدينة قال البراء لنا إنى قد رأيت رأيا ما أدرى أتوافقونى عليه أم لا قال قلنا وما ذاك قال رأيت أن لا أدع هذه البنية أى بفتح الموحدة وكسر النون وتشديد المثناة تحت المفتوحة ثم تاء التأنيث على وزن فعيلة يعنى الكعبة منى بظهر وأن أصلى إليها قال قلنا والله ما بلغنا أن نبينا صلى الله عليه وسلم يصلى إلا إلى الشام يعنون بيت المقدس أى صخرته وما نريد أن نخالفه قال فقال إنى أصلى إليها قال فقلنا له لكنا لا نفعل قال فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام يعنى بيت المقدس أى واستدبرنا الكعبة وصلى إلى الكعبة أى مستديرا للشام حتى قدمنا مكة وقد كنا عبنا عليه ذلك وأبى إلاقامة على ذلك فلما قدمنا مكة
قال لي يا ابن أخي انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أسأله عما صنعت في سفري هذا فإنه والله لقد وقع في نفسي منه شيء لما رأيت من خلافكم إياي فيه قال فخرجنا نسأل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنا لا نعرفه لأنا لم نره قبل ذلكن فلقينا رجلا من أهل مكة فسألناه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تعرفانه قلنا لا قال فهل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه قلنا نعم وكنا نعرف العباس كان لا يزال يقدم علينا تاجرا قال فإذا دخلتما المسجد فإذا هو الرجل الجالس مع العباس فدخلنا المسجد فإذا العباس جالس ورسول الله صلى الله عليه وسلم معه فسلمنا حين جلسنا إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل قال نعم هذا البراء بن معرور سيد قومه وهذا كعب ابن مالك قال كعب فوالله ما أنسى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الشاعر قال نعم فقال له البراء بن معرور يا رسول الله إني خرجت في سفري هذا وقد هداني الله بالإسلام فرأيت أن لا أجعل هذه البنية منى بظهر يعني الكعبة فصليت إليها وخالفني أصحابي في ذلك حتى وقع في نفسي من ذلك شيء فماذا ترى يا رسول الله قال قد كنت على قبلة لو صبرت عليها فرجع البراء إلى قبلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي بيت المقدس أي ولم يأمره بإعادة ما صلاه مع أنه كان مسلما وبين له أنه كان الواجب عليه استقبال بيت المقدس لأنه كان متأولا فليتأمل
وفي هذا تصريح بأنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا بمكة قبل الهجرة وبعدها يصلون إلى بيت المقدس قبل أن تحول القبلة وقد تقدم الوعد بذلك
قال كعب ثم خرجنا إلى الحج وواعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة أي إلى أن يوافوه في الشعب الأيمن إذا انحدروا من منى أسفل العقبة حيث المسجد اليوم أي الذي يقال له مسجد البيعة كما تقدم وأمرهم أن لا ينبهوا نائما ولا ينتظروا غائبا وذلك في ليلة اليوم الذي هو يوم النفر الأول قال فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لها وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا وكان من جملة المشركين أبو جابر عبد الله بن عمرو بن حرام بفتح الحاء والراء المهملتين سيد من ساداتنا فكلمناه وقلنا له يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا وشريف من أشرافنا وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا ثم دعوناه
إلى الإسلام فأسلم وأخبرناه بميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم فشهد معنا العقبة فمكثنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم أي بعد هدءة يتسلل الرجل والرجلان تسلل القطا مستخفين حتى إذا اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاث وسبعون رجلا وامرأتان نسيبة بالتصغير وهي أم عمارة من بني النجار أي وكانت تشهد الحرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هي وزوجها وابناها حبيب وعبد الله رضي الله تعالى عنهم وحبيب هذا اكتنفه مسيلمة الكذاب وصار يعذبه يقول له أتشهد أن محمدا رسول الله فيقول نعم ثم يقول وتشهد أني رسول الله فيقول لا فيقطع عضوا من أعضائه وهكذا حتى فنيت أعضاؤه ومات وسيأتي ما وقع لها رضي الله تعالى عنها في حرب مسيلمة وأم منيع أي وهذه الرواية لا تخالف رواية الحاكم حمسة وسبعون نفسا نعم تحالف قول ابن مسعود وهم سبعون رجلا يزيدون رجلا أو رجلين وامرأتان أي منهم أحد عشر رجلا من الأوس قال فلا زلنا ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم حتى جاءنا أي وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبقهم وانتظرهم
أقول وقد يقال لا مخالفة لأنه يجوز أن يكون سبقهم وانتظرهم فلما لم يجيئوا ذهب ثم جاءهم بعد مجيئهم والله أعلم ومعه عمه العباس بن عبد المطلب أي ليس معه غيره وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له
أقول وهذا لا يخالف ما جاء أنه كان معه أيضا أبو بكر وعلى لأن العباس أوقف عليا على فم الشعب عينا له وأوقف أبا بكر على فم الطريق الآخر عينا فلم يكن معه عندهم إلا العباس والله أعلم فلما جلسوا كان العباس أول من تكلم فقال يا معشر الخزرج أي قال ذلك لأن العرب كانت تطلق الخزرج على ما يشمل الأوس وكانت تغلب الخزرج على الأوس فيقولون الخزرجين إن محمدا منا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فهو في عز من قومه ومنعة في بلده وقد أبى إلا الانحياز إليكم واللحوق بكم فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم من ذلك وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم فمن الآن تدعونه فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده فقال البراء بن معرور أنا
والله لو كان في أنفسنا غير ما ننطق به لقلناه ولكنا نريد الوفاء والصدق وبذل مهج أنفسنا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم أي والبراء بن معرور هو اول من أوصى بثلث ماله
وفي رواية أن العباس قال قد أبي محمد الناس كلهم غيركم فإن كنتم أهل قوة وجلد وبصر بالحرب واستقلال بعداوة العرب قاطبة ترميكم عن قوس واحدة فأروا رايكم وائتمروا بينكم ولا تفرقوا إلا عن ملأ منكم واجتماع فإن أحسن الحديث أصدقه
أقول قول العباس قد أبى محمد الناس كلهم غيركم ربما يفيد أن الناس غير الأنصار وافقوه على مناصرته فأباهم ولا يساعد عليه ما تقدم ولولا التأكيد بلفظ كلهم لأمكن أن يراد بالناس قبيلة شيبان بن ثعلبة فإنهم كما تقدم قالوا له ننصرك بما يلي مياه العرب دون ما يلي مياه كسرى فأبى ذلك ويحتمل أن المراد بالناس الذين أباهم أهله وعشيرته والله أعلم
وعندما تكلم العباس بما ذكر قالوا له قد سمعنا مقالتك فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت وفي رواية خذ لنفسك ما شئت واشترط لربك ما شئت فقال النبي صلى الله عليه وسلم أشترط لربي عز وجل أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا ولنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأبناءكم ونساءكم فقال ابن رواحة فإذا فعلنا فما لنا فقال صلى الله عليه وسلم لكم الجنة قالوا ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل
وفي رواية فتكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا القرآن ودعا إلى الله عز وجل ورغب في الإسلام ثم قال أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم أي وفي رواية أنهم قالوا له يا رسول الله نبايعك قال تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة لائم وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة فاخذ البراء بن معرور بيده صلى الله عليه وسلم ثم قال نعم والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع به أزرنا أي نساءنا وأنفسنا لأن العرب تكنى بالإزار عن المرأة وعن النفس فنحن والله أهل الحرب وأهل الحلقة أي السلاح ورثناها كابرا عن كابر وبينا البراء يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو الهيثم بن التيهان بتشديد المثناة تحت وتخفيفها نقبله على مصيبة المال وقتل
الأشراف فقال العباس اخفوا جرسكم أي صوتكم فإن علينا عيونا ثم قال أبو الهيثم يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال يعني اليهود حبالا أي عهودا وإنا قاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال بل الدم الدم والهدم الهدم بفتح الدال وسكونها إهدار دم القتيل أي دمي دمكم أي تطلبون بدمي وأطلب بدمكم فدمي ودمكم واحد وفي لفظ بدل الدم اللدم وهو بالتحريك الحرم من القرابات أي حرمكم خرمكم تقول العرب اللدم اللدم إذا أرادت تأكيد المحالفة هدمي وخدمكم واحد أي وإذا أهدرتم الدم أهدرته وذمتي ذمتكم ورحلتي مع رحلتكم أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم أي وعند ذلك قال لهم العباس رضي الله تعالى عنه عليكم بما ذكرتم ذمة الله مع ذمتكم وعهد الله مع عهدكم في هذا الشهر الحرام والبلد الحرام يد الله فوق أيديكم لتجدن في نصرته ولتشدن من أزره قالوا جميعا نعم قال العباس اللهم إنك سامع شاهد وإن ابن أخي قد استرعاهم ذمته واستحفظهم نفسه اللهم كن لابن أخي عليهم شهيدا ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرجوا إلي منكم اثنى عشر نقيبا فلا يحدث أحد في نفسه أن يؤخذ غيره فإنما يختار لي جبريل أي لأنه عليه الصلاة والسلام حضر البيعة فلما تخيرهم أي وهم سعد بن عبادة وأسعد بن زرارة وسعد بن الربيع وسعد بن أبي خيثمة والمنذر بن عمرو وعبد الله بن رواحة والبراء بن معرور وأبو الهيثم بن التيهان وأسيد بن حضير وعبد الله بن عمرو بن حرام وعبادة بن الصامت ورافع بن مالك كل واحد على قبيلة رضي الله تعالى عنهم أجمعين وقال صلى الله عليه وسلم لأولئك النقباء أنتم كفلاء على غيركم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم وأنا كفيل على قومي يعني المهاجرين
وقيل إن الذي تولى الكلام من الأنصار وشد العقدة لرسول الله صلى الله عليه وسلم أسعد بن زرارة أي وهو من اصغرهم فإنه أخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم وقال رويدا يا أهل يثرب إنا لن نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن إخراجه اليوم مفارقة لجميع العرب وقتل خياركم وإن تعطكم السيوف
فإما أنتم قوم تصبرون عليها إذا مستكم بقتل خياركم ومفارقة العرب كافة أي جميعا فخذوه وأجركم على الله تعالى وإما أنتم تحافون من أنفسكم خيفة فذروه فهو عذر لكم عند الله عز وجل فقالوا يا أسعد أمط عنا يدك فوالله لا نذر أي نترك هذه البيعة ولا نستقيلها أي لا نطلب الإقالة منها
وقيل إن الذي تكلم مع الأنصار وشد العقدة العباس بن عبادة بن نضلة قال يا معشر الخزرج هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس أي على من حاربه منهم وإلا فهو صلى الله عليه وسلم لم يؤذن له في البداءة بالمحاربة إلا بعد أن هاجر إلى المدينة بمدة كما سيأتي وكان قبل ذلك مأمورا بالدعاء إلى الله تعالى والصبر على الأذى والصفح عن الجاهل ثم ذكر ما تقدم عن أسعد بن زرارة أي ثم توافقوا على ذلك وقالوا يا رسول الله ما لنا بذلك إن نحن قضينا قال رضوان الله والجنة قالوا رضينا ابسط يدك فبسط يده صلى الله عليه وسلم فبايعوه أي وأول من بايعه صلى الله عليه وسلم البراء بن معرور وقيل أسعد بن زرارة وقيل أبو الهيثم بن التيهان ثم بايعه السبعون كلهم أي وبايعه المرأتان المذكورتان من غير مصافحة لأنه صلى الله عليه وسلم كان لا يصافح الناس إنما كان يأخذ عليهن فإذا أحرزن قال اذهبن فقد بايعتكن كما سيأتي فكانت هذه البيعة على حرب الأسود والأحمر أي العرب والعجم فهؤلاء الثلاثة لم يتقدم عليهم أحد غيرهم وحينئذ تكون الأولية فيهم حقيقية وإضافية
أي ويقال إن أبا الهيثم قال أبايعك يا رسول الله على ما بايع عليه الاثنا عشر نقيبا من بني إسرائيل موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام وأن عبد الله بن رواحة قال أبايعك يا رسول الله على ما بايع عليه الاثنا عشر من الحواريين عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام وقال أسعد بن زرارة أبايع الله عز وجل يا رسول الله فأبايعك على أن أتم عهدي بوفائي واصدق قولي بفعلي في نصرك وقال النعمان بن حارثة أبايع الله عز وجل يا رسول الله وأبايعك على الإقدام في أمر الله عز وجل لا أرأف فيه القريب ولا البعيد أي لا أعامل فيه بالرأفة والرحمة وقال عبادة بن الصامت ابايعك يا رسول الله على أن لا تأخذني في الله لومة لائم وقال سعد بن الربيع أبايع الله وأبايعك يا رسول الله على أن
لا أعصى لكما أمرا ولا أكذبكما حديثا فلما انتهت البيعة وهذه البيعة يقال لها العقبة الثانية ولما وقعت صرخ الشيطان من رأس العقبة بأشد صوت وأبعده يا أهل الجباجب أي بجيمين الأولى مفتوحة والثانية مكسورة وبعد كل جيم باء موحدة وهي منازل منى وفي الهدى يا أهل الأخاشب هل لكم في مذمم والصباة معه يعني بمذمم النبي صلى الله عليه وسلم لأن قريشا كانت تقول بدل محمد صلى الله عليه وسلم مذمم ويعني بالصباة أصحابه الذين بايعوه لأنهم كانوا يقولون لمن أسلم صابيء لأن الصابىء من خرج من دين إلى دين وقد جاء ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم يسبون مذمما وأنا محمد فإنهم قد أجمعوا أي عزموا على حربكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا إزب العقبة أسمع أي عدو الله أما والله لا أفزعن وإزب بكسر الهمزة وإسكان الزاي ثم بالباء الموحدة الخفيفة وقيل بفتح الهمزة وفتح الزاي وتشديد الموحدة أي شيطان سمي بهذا الاسم المركب من المضاف والمضاف إليه عامرها والإزب في الأصل القصير ومن ثم رأى عبد الله بن الزبير رجلا طوله شبران على برذعة رحله فقال له ما أنت قال إزب قال وما إزب قال رجل من الجن فضربه على رأسه بعود سوطه فهرب
وعند ذلك قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ارفضوا وفي لفظ انفضوا إلى رحالكم
أقول وفي رواية لما بايع الأنصار بالعقبة صاح الشيطان من راس الجبل يا معشر قريش هذه بنو الاوس والخزرج تحالف على قتالكم ففزعوا أي الأنصار عند ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يروعكم هذا الصوت فإنما هو عدو الله إبليس وليس يسمعه أحد مما تخافون ولا مانع من اجتماع صراخ إزب العقبة وصراخ إبليس الذي هو أبو الجن ويجوز أن يكون المراد بعدو الله إبليس إزب العقبة لأنه من الأبالسة وإنه أتى باللفظين معا وقد حضر البيعة جبريل كما تقدم
فعن حارثة بن النعمان رضي الله تعالى عنه لما فرغوا من المبايعة قلت يا نبي الله لقد رأيت رجلا عليه ثياب بيض انكرته قائما على يمينك قال وقد رأيته قلت نعم قال ذاك جبريل والله أعلم
ثم إن الحديث نما سمع المشركون من قريش بذلك أي وفي كتاب الشريعة أن الشيطان لما نادى بما ذكر شبه صوته بصوت منبه بن الحجاج فنال عمرو بن العاص ما نال أبو جهل قال عمرو ذهبت أنا وهو إلى عتبة بن ربيعة فأخبره بصوت منبه بن الحجاج فلم يرعه ما راعنا وقال هل أتاكم فأخبركم بهذا منبه قلنا لا فقال لعله إبليس الكذاب الحديث وفيه طول وأمور مستغربة
ولا ينافي سماع عمرو وأبي جهل صوت إبليس قوله صلى الله عليه وسلم ليس يسمعه أحد مما تخافون لأن سماعهم لم يحصل منه خوف لهم وعند فشو الخبر جاء أجلتهم وأشرافهم حتى دخلوا شعب الأنصار فقالوا يا معشر الأوس والخزرج وفي رواية يا معشر الخزرج أي بالتغليب بلغنا أنكم جئتم إلى صاحبنا هذا لتخرجوه من بين أظهرنا وتبايعوه على حربنا والله ما من حي أبغض إلينا أن نشب الحرب بيننا وبينه منكم فصار مشركو الأوس والخزرج يحلفون لهم ما كان من هذا شيء وما علمناه أي حتى إن أبي ابن سلول جعل يقول هذا باطل وما كان هذا وما كان قومي ليفتاتوا علي بمثل هذا لو كنت بيثرب ما صنع هذا قومي حتى يؤامروني وصدقوا لأنهم لم يعلموه كما علم مما تقدم كما علم مما تقدم أي ونفر الناس من مني وبحثت قريش عن خبر الأنصار فوجدوه حقا فلما تحققوا الخبر اقتفوا آثارهم فلم يدركوا إلا سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو فاما سعد فأمسك وعذب في الله وأما المنذر فأفلت ثم أنقذ الله سعدا من أيدي المشركين قال نقل عنه أنه قال لما ظفروا بي ربطوا يدي في عنقي فلا زالوا يلطموني على وجهي ويحذبوني بجمتي أي وكان ذا شعر كثير حتى أدخلوني مكة فأومأ إلي رجل أي وهو أبو البختري بن هشام مات كافرا وقال ويحك ما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد قال بلى قد كنت أجير لجبير بن مطعم تجارة وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي وللحارث بن حرب بن أمية أي وهو أخو أبي سفيان والأول أسلم بعد الحديبية والثاني لا يعلم له إسلام فقال ويحك فاهتف باسم الرجلين ففعلت فخرج ذلك الرجل إليهما فوجدهما في المسجد فقال لهما إن رجلا من الخزرج يضرب بالأبطح يهتف باسمكما فقالا من هو قال يقول إنه سعد بن عبادة فجاءا فخلصاني من أيديهم أه
وعن سعد بينا أنا مع القوم أضرب إذ طلع علي رجل أبيض وضيء شعشاع أي طويل زائد الحسن حلو من الرجال فقلت في نفسي إن يكن عند أحد من القوم خير
فعند هذا فلما دنا مني رفع يديه ولكمني لكمة شديدة فقلت في نفسي والله ما عندهم بعد هذا خير أي وهذا الرجل سهيل بن عمرو رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك
فلما قدم الأنصار المدينة أظهروا الإسلام أي إظهارا كليا وتجاهروا وإلا فقد تقدم أن الإسلام فشافيهم قبل قدومهم لهذه البيعة وكان عمرو بن الجموح وهو من سادات بني سلمة بكسر اللام وأشرافهم ولم يكن أسلم وكان ممن أسلم ولده معاذ بن عمرو وكان لعمرو في داره صنم أي من خشب يقال له المناة لأن الدماء كانت تمني أي تصب عنده تقربا إليه وكان يعظمه فكان فتيان قومه ممن أسلم كمعاذ بن جبل وولده عمرو بن معاذ ومعاذ بن عمرو يدلجون بالليل على ذلك الصنم فيطرحونه أي ولعله بعد إخراجه من داره في بعض الحفر التي فيها خرء الناس منكسا فإذا أصبح عمرو قال ويحكم من عدا على إلهنا هذه الليلة ثم يعود يلتمسه حتى إذا وجده غسله فإذا أمسى عدوا عليه وفعلوا به مثل ذلك إلى أن غسله وطيبه وحماه بسيف علقه في عنقه ثم قال له ما أعلم من يصنع بك فإن كان فيك خير فامتنع فهذا السيف معك فلما أمسى عدوا عليه وأخذوا السيف من عنقه ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه به بحبل ثم القوه في بئر من آباء بني سلمة فيها خرء الناس فلما أصبح عمرو عدا إليه فلم يجده ثم تطلبه إلى أن وجده في تلك البئر فلما رآه كذلك رجع إلى عقله وكلمه من أسلم من قومه فأسلم وحسن إسلأمه وأنشد أبياتا منها ** والله لو كنت إلها لم تكن ** ** أنت وكلب وسط بئر في قرن **
وأمر صلى الله عليه وسلم من كان معه من المسلمين بالهجرة إلى المدينة أي لأن قريشا لما علمت أنه صلى الله عليه وسلم آوى أي استند إلى قوم أهل حرب وتحمل ضيقوا على أصحابه ونالوا منهم ما لم يكونوا ينالونه من الشتم والأذى وجعل البلاء يشتد عليهم وصاروا ما بين مفتون في دينه وبين معذب في أيديهم وبين هارب في البلاد شكوا إليه صلى الله عليه وسلم واستأذنوه في الهجرة أي فمكث أياما لا يأذن لهم ثم قال لهم أريت دار هجرتكم أريت سبخة ذات نخل بين لابتين وهما الحرتان ولو كانت السراة أرض نخل وسباخ لقلت هى هى والسراة بفتح السين أعظم جبال بلاد العرب ثم خرج إليهم مسرورا فقال قد أخبرت بدار هجرتكم وهي يثرب فأذن لهم وقال من اراد أن يخرج فليخرج إليها فخرجوا إليها أرسالا أي متتابعين يخفون ذلك أي وفي
رواية أريت في المنام أنى هاجرت من مكة إلى أرض بها نخل فذهب وهلى أي وهمي إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب
وفي الترمذي عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أوحى إلي أي هؤلاء الثلاثة نزلت هي دار هجرتك المدينة أو البحرين أو قنسرين قال الترمذي هذا حديث غريب وزاد الحاكم فاختار المدينة
أقول فيه أن هذا السياق المتقدم يدل على أن استئذانهم في الهجرة عبارة عن خروجهم من مكة لا لخصوص المدينة وأن عدم إذنه صلى الله عليه وسلم لهم في الهجرة لعدم تعيين المحل الذي يهاجرون إليه له صلى الله عليه وسلم وكل ذلك لا يناسب ما تقدم في حديث المعراج من قول جبريل له صليت بطيبه وإليها المهاجرة
وقد يجاب بانه يجوز أن يكون صلى الله عليه وسلم أنسى قول جبريل المذكور حينئذ ثم تذكره بعد ذلك في قوله قد أخبرت بدار هجرتكم إلى آخره
وفيه أن هذا لا يحسن بعد مبايعته صلى الله عليه وسلم للأوس والخزرج على مناصرته ومحاربة عدوه مع علمه بأن وطنه المدينة وكونهم يباعيونه على مناصرته مع كونه ساكنا في البحرين أو قنسرين في غاية البعد
على أنه سيأتي في غزوة بدر أنه صلى الله عليه وسلم خشى أن الأنصار لا ترى مناصرته إلا في المدينة أي فإن في بعض الروايات وعلى أن تنصروني إذا قدمت عليكم بيثرب والله أعلم
وقبل الهجرة آخى صلى الله عليه وسلم بين المسلمين أي المهاجرين على الحق والمواساة فآخى بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وآخى بين حمزة وزيد بن حارثة وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف وبين الزبير وابن مسعود وبين عبادة بن الحارث وبلال وبين مصعب بن عمير وسعد بن أبي وفاص وبين أبي عبيدة بن الجراح وسالم مولى أبي حذيفة وبين سعيد بن زيد وطلحة بن عبيد الله وبين علي ونفسه صلى الله عليه وسلم وقال أما ترضى أن أكون أخاك قال بلى يا رسول الله رضيت الله تعالى عنه قال فأنت أخي في الدنيا والآخرة قال وأنكر العباس بن تيمية المؤاخاة بين المهاجرين سيما مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله تعالى عنه قال لأن المؤاخاة بين
المهاجرين والأنصار إنما جعلت ليرتفق بعضهم ببعض ولتألف قلوب بعضهم ببعض فلا معنى لمؤاخاة مهاجري لمهاجري
قال الحافظ ابن حجر هذا رد للنص بالقياس وبعض المهاجرين كان أقوى من بعض بالمال والعشيرة فآخى بين الأعلى والأدنى ليرتفق وليستعين الأدنى والأعلى وليستعين الأعلى بالادنى ولهذا تظهر مؤاخاته صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم لعلي رضي الله تعالى عنه كان هو الذي يقوم بأمره قبل البعثة
وفي الصحيح في عمرة القضاء أن زيد بن حارثة قال إن بنت حمزة بنت أخي أي بسبب المؤاخاة اه وكان أول من هاجر منهم إليها أي لامعهم أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد المخزومي هو أخوه من الرضاع وابن عمته وهو أول من يدعى للحساب اليسير كما تقدم فإنه لما قدم من الحبشة لمكة آذاه اهلها وأراد الرجوع إلى الحبشة فلما بلغه إسلام من أسلم من الانصار أي الاثني عشر الذين بايعوا البيعة الأولى خرج إليهم وقدم المدينة بكرة النهار ولما عزم على الرحيل رحل بعيره وحمل عليه أم سلمة وابنها سلمة في حجرها وخرج يقود البعير رآه رجال من قوم أم سلمة فقاموا إليه وقالوا يا أبا سلمة قد غلبتنا على نفسك فصاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها في البلاد ثم نزعوا خطام البعير منه فجاء رجال من قوم أبي سلمة وقالوا إن ابننا معها إذا نزعتموها من صاحبنا ننزع ولدنا منها ثم تجاذبوه حتى خلعوا يده وأخذه قوم أبيه ففرق بينها وبين زوجها وولدها فكانت تخرج كل غداة بالأبطح فتبكي حتى المساء مدة سنة فمر بها رجل من بني عمها فرأى ما بها فرحمها وقال لقومها أما ترحمون هذه المسكينة فرقتم بينها وبين ولدها وزوجها فقالوا لها الحقي بزوجك فلما بلغ ذلك قوم أبي سلمة ردوا عليها ولدها فارتحلت بعيرا وجعلت ولدها في حجرها وخرجت تريد المدينة وما معها أحد من خلق الله تعالى حتى إذا كانت بالتنعيم لقيها عثمان بن طلحة أي الحجبي صاحب مفتاح الكعبة وكان عثمان بن طلحة يومئذ مشركا ثم أسلم رضي الله تعالى عنه في هدنة الحديبية وهاجر مع خالد بن الوليد وعمرو بن العاص كما سيأتي فتبعها إلى المدينة حتى إذا وافى على قباء قال لها هذا زوجك هنا ثم انصرف وهي أول ظغينة دخلت من المهاجرين المدينة رضي الله تعالى عنها وكانت أم سلمة تقول ما رأيت صاحبا أكرم من عثمان بن طلحة قال وقال ابن إسحاق وابن سعد ثم كان أول من قدمها بعد أبي سلمة عامر بن
ربيعة ومعه امرأته ليلى بنت أبي حثمة بالحاء المهملة المفوحة وسكون الثاء المثلثة وهي أول ظعينة قدمت المدينة اه
أقول فأم سلمة أول ظعينة قدمت المدينة لا مع زوجها وليلى أول ظعينة قدمت المدينة مع زوجها فلا منافاة
وفي كلام ابن الجوزي أول من هاجر إلى المدينة من النساء أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط والله أعلم
قال بينت أي أم سلمة ما تقدم عنها في حق عثمان بن طلحة بقولها فإنه لما رآني قال إلى أين قلت إلى زوجي قال أو ما معك أحد قلت لا ما معي إلا الله وابني هذا فقال والله لا أتركك ثم أخذ بخطام البعير وسار معي فكان إذا وصلنا المنزل أناخ بي ثم استأخر فإذا نزلت جاء وأخذ بعيري فحط عنه ثم قيده في الشجرة ثم أتى إلى شجرة فاضطجع تحتها فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فرحله وقدمه ثم استأخر عني وقال اركبي فإذا ركبت أخذ بخطأمه فقادني اه
أي وقد قال فقهاؤنا من الصغائر مسافرة المرأة بغير زوج ولا محرم ولا امرأة ثقة في غير الهجرة وفرض الحج والعمرة أما في ذلك فيجوز حيث أمنت الطريق
وقلنا لا معهم لا ينافى أن أول من قدم المدينة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مصعب بن عمير لأن قدومه كان معهم على ما تقدم أو يقال أبو سلمة أول من قدم المدينة بوازع طبعه وأما مصعب فكان بإرسال منه صلى الله عليه وسلم ثم رأيت في السيرة الهشامية أول من هاجر إلى المدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليهن وسلم من بني مخزوم أبو سلمة وعليه فلا إشكال ثم جاء عمار وبلال وسعد
وفي رواية ثم قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إرسالا بعد العقبة الثانية فنزلوا على الأنصار في دورهم فأووهم وواسوهم ثم قدم المدينة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وعياش بن أبي ربيعة في عشرين راكبا وكان هشام بن العاص واعد عمر بن الخطاب أن يهاجر معه وقال تجدني أو أجدك عند محل كذا فتفطن بهشام قومه فحبسوه عن الهجرة
وعن علي رضي الله تعالى عنه الله قال ما علمت أحدا من المهاجرين هاجر إلا مختفيا
إلا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فإنه لما هم بالهجرة تقلد بسيفه وتنكب قوسه وانتضى في يديه أسهما واختصر عنزته أي وهي الحربة الصغيرة علقها عند خاصرته ومضى قبل الكعبة والملأ من قريش بفنائها فطاف بالبيت سبعا ثم أتى المقام فصلى ركعتين ثم وقف على الحلق واحدة واحدة فقال شاهت الوجوه لا يرغم الله إلا هذه المعاطس أي الأنوف من أراد أن تثكله أمه أي تفقده او يوتم ولده أو ترمل زوجته فليلقنى وراء هذا الوادي قال علي رضي الله تعالى عنه فما تبعه أحد ثم مضى لوجهه ثم إن أبا جهل وأخاه شقيقه الحارث بن هشام رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك يوم الفتح قدما المدينة والنبي صلى الله عليه وسلم بمكة لم يهاجر فكلما عباس بن أبي ربيعة وكان أخاهما لأمهما وابن عمهما كان أصغر ولد أمه وأخبراه أن أمه قد نذرت أن لا تغسل رأسها وفي لفظ ولا يمس رأسها مشط ولا تستظل من شمس حتى تراه أي وفي لفظ أن لا تاكل ولا تشرب ولا تدخل مسكنا حتى يرجع إليها وقالا له وأنت أحب ولد أمك إليها وأنت في دين منه بر الوالدين فارجع إلى مكة فاعبد ربك كما تعبده بالمدينة فرقت نفسه وصدقهما أي واخذ عليهما المواثيق أن لا يغشياه بسوء وقال له عمر إن يريدا إلا فتنتك عن دينك فاحذرهما والله لو آذى أمك القمل امتشطت ولو اشتد عليها حر مكة لاستظلت فقال عياش أبر امي ولي مال هناك آخذه فقال عمر خذ نصف مالي ولا تذهب معهما فأبى إلا ذلك فقال له عمر فحيث صممت فخذ ناقتي هذه فإنها نجيبة ذلول فالزم ظهرها فإن رابك منهما ريب فانج عليها فأبى ذلك وخرج راجعا معهما إلى مكة فلما خرجا من المدينة كتفاه بتخفيف التاء أي شدا يديه إلى خلف بالكتاف في الطريق أي وفي السيرة الهشامية أنه أخذ الناقة وخرج عليها معهما حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل يا أخي والله لقد استغلظت بعيري هذا أفلا تعقبني على ناقتك هذه قال بلى قال فاناخ وأناخ ليتحول عليها فلما استووا بالأرض عدوا عليه وأوثقاء رباطا ودخلا به مكة نهارا موثقا وقالا يا أهل مكة هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفهائنا وفي لفظ بسفيهنا فجلس بمكة مع هشام بن العاص فإنه كما تقدم منه وحبس عن الهجرة وجعل كل في قيد
وفي لفظ أنهما لما ذكرا له أن أمه حلفت أن لا يظلها سقف بيت حتى تراه وأعطياه موثقا أن لا يمنعاه وان يخليا سبيله بعد أن تراه أمه فانطلق معهما حتى إذا خرجا من
المدينة عمدا إليه فشداه وثاقا وجلداه نحوا من مائة جلدة وكان أعانهما عليه رجل من بني كنانة أي يقال له الحارث بن يزيد القرشي وفي كلام ابن عبد البر أنه كان ممن يعذبه بمكة مع أبي جهل
وفي الينبوع جلده كل واحد منهما مائة جلدة وأنه لما جيء به إلى مكة ألقي في الشمس وحلفت أمه أنه لا يحل عنه حتى يرجع عن دينه ففتن قيل وكان ذلك سبب نزول قوله تعالى { ووصينا الإنسان بوالديه } الآية
وفيه أنه نقدم أنها نزلت في سعد بن أبي وقاص إلا أن يقال يجوز أن يكون مما تكرر نزوله فتكون نزلت فيهما وحلف عياش ليقتلن ذلك الرجل إن قدر عليه قيل ولم يزل عياش محبوسا حتى فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة فخرج عياش فلقي ذلك الرجل الكناني وكان قد أسلم وعياش لا يعلم بإسلأمه فقتله وأعلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فأنزل الله تعالى { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ } فقرأها النبي صلى الله عليه وسلم وقال لعياش قم فحرر أي أعتق رقبة وما ذكر من أن عياشا استمر محبوسا إلى الفتح يخالف قول بعضهم مكث صلى الله عليه وسلم وهو بالمدينة كما سيأتي أربعين صباحا يقنت في صلاة الصبح بعد الركوع أي من الركعة الاخيرة وكان يقول في قنوته اللهم أنج الوليد بن الوليد وعياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص والمستضعفين من المؤمنين بمكة الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فإن هذا يدل على أن هشام ابن العاص وعياش بن أبي ربيعة لم يفتتنا ولم يرجعا عن الإسلام وفي السيرة الهشامية ما يفيد أنهما فتنا الأول صريحا والثاني ظاهرا
وفي السيرة الهشامية التصريح بافتتانهما وفيه نظر لما ذكر ولأنهما لو كان فتنا لأطلقا من الحبس والقيد وإدامة ذلك إلا أن يقال فعل بهما ذلك بعدم الوثوق برجوعهما عن الإسلام ومما يدل على أن رجوعهما عن الإسلام إن صح إنما كان ظاهرا فقط دعاؤه صلى الله عليه وسلم لهما
أي وسيأتي أن الوليد كان سببا لتخليص عياش بن أبي ربيعة وهشام بن أبي العاص بعد أن تخلص من الحبس وهاجر إلى المدينة فإن الوليد كان أسر ببدر ثم افتداه أخوه خالد وهشام ابنا الوليد بن المغيرة وذهبا به إلى مكة فأسلم وأراد الهجرة فحبساه بمكة وقيل له هلا أسلمت قبل أن تفدي قال كرهت أن يظن في أني جزعت من الأسر ثم نجا وتوصل
إلى المدينة ورجع إلى مكة مستخفيا وخلص عياشا وهشاما وجاء بهما إلى المدينة فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وشكر صنيعه وبه يعلم ضعف ما تقدم من أن عياشا لم يزل محبوسا إلى يوم الفتح
وممن هاجر قبل النبي صلى الله عليه وسلم سالم مولى أبي حذيفة بن عبتة بن ربيعة أي لأنه لما أعتقته زوجة أبي حذيفة وكانت أنصارية تبناه أبو حذيقة وكان يؤم المهاجرين بالمدينة فيهم عمر بن الخطاب لأنه كان أكثرهم أخذا للقرآن فكان عمر بن الخطاب يثني عليه كثيرا حتى قال لما أوصى عند قتله لو كان سالم مولى أبي خذيفة حيا ما جعلتها شورى قال ابن عبد البر معناه أنه كان يأخذ برأيه فيمن يوليه الخلافة أي فإنه قتل في يوم اليمامة وأرسل عمر بميراثه لمعتقته فأبت ان تقبله فجعله في بيت المال
ولما أراد صهيب الهجرة إلى المدينة أي بعد أن هاجر إليها صلى الله عليه وسلم خلافا لما يوهمه كلام الأصل والشامي قال له كفار قريش أتيتنا صعلوكا فقيرا فكثر مالك عندنا ثم تريد أن تخرج بمالك لا والله لا يكون ذلك فقال لهم صهيب أرايتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي قالوا نعم قال فإني جعلته لكم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ربح صهيب
أقول وذكر أن صهيبا تواعد معه صلى الله عليه وسلم أن يكون معه في الهجرة فلما أراد صلى الله عليه وسلم الخروج للغار أرسل إليه أبا بكر مرتين أو ثلاثا فوجده يصلي فكره أن يقطع عليه صلاته كما سيأتي وحينئذ يكون قول صهيب المذكور بعد هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كما تقدم وهو ما في الخصائص الكبرى عن صهيب لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وخرج معه أبو بكر وقد كنت هممت بالخروج معه فصدني قتيان من قريش أي بعد أن أردت الخروج بعده وقالوا له جئتنا فقيرا حقيرا صعلوكا فكثر مالك عندنا وتريد أن تخرج بمالك ونفسك لا يكون ذلك أبدا قال فقلت لهم أنا أعطيكم أواقي من الذهب وفي لفظ ثلث مالي وفي لفظ مالي وتخلون سبيلي ففعلوا فقلت احفروا تحت أسكفة الباب فإن تحتها الأواقي وخرحت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قباء قبل أن يتحول منها فلما رآني قال يا أبا يحيى ربح البيع ثلاثا فقلت يا رسول الله إنه ما سبقني إليك أحد وما أخبرك إلا جبريل عليه الصلاة والسلام
أي وأخراج أبو نعيم في الحلية عن سعيد بن المسيب قال أقبل صهيب مهاجرا نحو النبي صلى الله عليه وسلم وقد أخذ سيفه وكنانته وقوسه فاتبعه نفر من قريش فنزل عن راحلته وانتثل ما في كنانته ثم قال يا معشر قريش قد علمتم أني من أرحاكم رجلا وأيم الله لا تصلون إلى حتى أرمي بكل سهم في كنانتي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء ثم افعلوا ما شئتم وإن شئتم دللتكم على مالي بمكة وخليتم سبيلي فقالوا نعم فقال لهم ما تقدم وفي رواية أنهم قالوا له دلنا على مالك ونخلي عنك وعاهدوه على ذلك ففعل
وذكر بعض المفسرين أن المشركين أخذوه وعذبوه فقال لهم إني شيخ كبير لا يضركم أمنكم كنت أم من غيركم فهل لكم أن تأخذوا مالي وتذروني وديني وتتركوا لي راحلة ونفقة ففعلوا ونزل قوله تعالى ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله قال فلما قدمت وجدت النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر جالسين فلما رآني أبو بكر قام إلي فبشرني بالآية التي نزلت في أي وفي رواية فتلقاني أبو بكر وعمر ورجال فقال لي أبو بكر ربح بيعك أبا يحيى فقلت وبيعك هلا تخبرني ماذاك فقال أنزل الله فيك كذا وقرأ علي الآية
وفي تفسير سهل بن عبد الله التستري أن صهيبا كان من المشتاقين لم يكن له قرار كان لا ينام لا باللييل ولا بالنهار
وقد حكى أن امرأة اشترته فرأته كذلك فقالت لا ارضى حتى تنام بالليل لأنك تضعف فلا يتهيأ لك الاشتغال بأعمالي فبكى وقال إن صهيبا إذا ذكر النار طار نومه وإذا ذكر الجنة جاء شوقه وإذا ذكر الله طال شوقه أي وليتأمل هذا مع ما في تاريخ ابن كثير أن الروم أغارت على بلاد صهيب وكانت على دجلة وقيل على الفرات فأسرته وهو صغير ثم اشتراه منهم بنو كلب فحملوه إلى مكة فابتاعه عبد الله بن جدعان فأعتقه واقام بمكة حينا فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلم وكان إسلامه وإسلام عمار بن ياسر في يوم واحد وقد يقال يجوز أن تكون تلك المرأة التي اشترته كانت من بني كلب
وعن صهيب رضي الله تعالى عنه صحبت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يوحى إليه وأنه قال له عمر رضي الله تعالى عنه يا صهيب اكتنيت وليس لك ولد فقال كناني
رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي يحيى فهو من جملة من كناه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ولد له وكان في لسانه عجمة شديدة وكان فيه دعابة رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل قثاء ورطبا وهو أرمد إحدى عينيه فقال له تأكل رطبا وأنت أرمد فقال إنما آكل من ناحية عيني الصحيحة فضحك صلى الله عليه وسلم
وفي المعجم الكبير للطبراني عن صهيب قال قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين يديه تمر وخبز فقال ادن فكل فأخذت آكل من التمر فقال لي أتأكل التمر وعينك رمدة فقلت يا رسول الله أمصه من الناحية الأخرى فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أي ولا مانع من التعدد ولما أذن صلى الله عليه وسلم لأصحابه في الهجرة وهاجروا مكث صلى الله عليه وسلم بعد أصحابه ينتظر أن يؤذن له في الهجرة ولم يتخلف معه إلا على بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وابو بكر أي وصهيب كما علمت ومن كان محبوسا أو مريضا أو عاجزا عن الخروج وكان أبو بكر رضي الله تعالى عنه كثيرا ما يستاذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة فيقول له لا تعجل لعل الله أن يجعل لك صاحبا فيطمع أبو بكر أن يكون هو وفي رواية تجهز أبو بكر فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم على رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي فقال له أبو بكر هل ترجو ذلك بأبي أنت وأمي قال نعم فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصحبه وعلف راحلتين عنده الخبط أي وفي لفظ ورق السمر بفتح المهملة وضم الميم قال الزهري وهو الخبط قال ابن فارس والخبط ما يخبط بالعصا فيسقط من روق الشجر وكان مدة علفها أربعة أشهر وكان اشتراهما بثمانمائة درهم
أقول ظاهر هذا السياق أن علفه للراحلتين كان بعد قول المصطفى صلى الله عليه وسلم له ما ذكر ومعلوم أن ذلك بعد مبايعة الأنصار له صلى الله عليه وسلم والمدة بين مبايعة الأنصار له صلى الله عليه وسلم والهجرة كانت ثلاثة أشهر أو قريبا منها لأنها كانت في ذي الحجة ومهاجرته صلى الله عليه وسلم كانت في ربيع الأول
وفي السيرة الشامية ما يصرح بأن علفه للراحلتين كان بعد قول المصطفى صلى الله عليه وسلم له ما ذكر ففيها أنه صلى الله عليه وسلم لما قال لأبي بكر وقد استأذنه في الهجرة لأتعجل لعل الله يجعل لك صاحبا طمع بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يعني نفسه فابتاع راحلتين فحبسها في داره يعلفهما إعدادا لذلك وسيأتي عن الحافظ ابن حجر
أن بين ابتداء هجرة الصحابة وبين هجرته صلى الله عليه وسلم شهرين ونصف شهر على التحرير والله أعلم
فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صار له شيعة أي أنصار وأصحاب من غيرهم ورأوا خروج أصحابه إليهم وأنهم أصابوا منعة لأن الانصار قوم أهل حلقة أي سلاح وبأس حذروا أي خافوا أن يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يجمع على حربهم فاجتمعوا في دار الندوة يتاشورون فيما يصنعون في أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت محل مشورتهم لا يقطعون أمرا الا فيها أي وهي أول دار بنيت بمكة كانت منزل قصي بن كلاب كما تقدم ثم صارت لولده عبد الدار ثم ابتاعها معاوية لما حج وهو خليفة من أولاد عبد الدار
وتقدم أن معاوية إنما اشتراها من حكيم بن حزام ويدل لذلك ما جاء عن مصعب ابن عبد الله قال جاء الإسلام ودار الندوة بيد حكيم بن حزام فباعها من معاوية بن أبي سفيان بمائة ألف درهم فقال له عبد الله بن الزبير بعت مكرمة قريش فقال له حكيم ذهبت المكارم إلا التقوى يا ابن أخي إلى آخر ما تقدم وكانت دار الندوة جهة الحجر عند المقام الحنفي الآن وكان لها باب للمسجد وكان لا يدخلها عند المشورة من ولد قصي إلا ابن أربعين سنة
وفي كلام بعضهم ساد أبو جهل وما طر شاربه ودخل دار الندوة وما استدارت لحيته وقد أدخلت في المسجد قيل لها دار الندوة لاجتماع الندى وهو الجماعة فيها وكان ذلك اليوم يسمى يوم الرحمة لأنه اجتمع فيه أشراف بني عبد شمس وبني نوفل وبني عبد الدار وبني أسد وبني مخزوم وبني سهم وبني جمح وغيرهم مما لا يعد من قريش ولم يتخلف من أهل الرأي والحجا أحد ثم إن إبليس جاء إليهم في صورة شيخ نجدي عليه طيلسان من خز وقيل من صوف أي وإنما فعل ذلك ليقبل منه ما يشير به لأن أهل الطيالسة في العادة من أهل الوقار والمعرفة ووقف ذلك الشيخ على الباب فقالوا له من الشيخ قال شيخ من أهل نجد سمع بالذي اجتمعتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون وعسى أن لا يعدمكم منه رأيا ونصحا قالوا أجل أي نعم فادخل فدخل معهم أي وإنما قال لهم من أهل نجد لأن قريشا قالوا لا يدخلن معكم في المشاورة أحد من أهل تهامة لأن هواهم كان مع محمد صلى الله عليه وسلم
قيل لما سمعهم يقولون لا يدخل معكم اليوم إلا من هو معكم قال لهم لما سألوه وقالوا له من أنت قال شيخ من نجد وأنا ابن أختكم فقالوا ابن أخت القوم منهم
قيل إن إبليس لما دخل عليهم أنكروه وقالوا له من أنت وما أدخللك علينا في خلوتنا هذه بغير إذننا فقال إني رجل من أهل نجد رأيتكم حسنة وجوهكم طيبة ريحكم فأحببت أن أجلس إليكم وأسمع كلامكم فإن كرهتم ذلك خرجت عنكم فقال بعضهم لبعض هذا نجدي ولا عين عليكم منه وفي لفظ هذا من أهل نجد لا من مكة فلا يضركم حضوره معكم وعند المشورة قال بعضهم لبعض إن هذا الرجل يعني النبي صلى الله عليه وسلم قد كان من أمره ما قد رأيتم وإنا والله لا نأمنه الوثوب علينا بمن قد ابتعه من غيرنا فأجمعوا فيه رأيا فتشاوروا فقال قائل أي وهو أبو البختري بن هشام احبسوه في الحديد وأغلقوا عليه بابا ثم تربصوا به ما اصاب أشباهه من الشعراء حتى يصيبه ما أصابهم من هذا الموت فقال الشيخ النجدي لا والله ما هذا لكم براي والله لو حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه فلا تشكوا أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم ثم يكاثروكم حتى يبلغوكم على أمركم ما هذا براي فأنظروا رايا غيره فتشاوروا فقال قائل منهم أي وهو الأسود بن ربيعة بن عمير نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا فإذا خرج عنا فوالله ما نبالي أين يذهب فقال الشيخ النجدي والله ما هذا براي ألم تروا حسن حديثه وحلاوة منطقه وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي الله به والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل بفتح أوله وضم الحاء المهملة أي ينزل ويجوز أن يكون بكسرها أي يسقط على حي من العرب فيغلب بذلك عليهم من قوله وحديثه حتى يبايعوه ثم يسير به إليكم حتى يطأكم به فيأخذوا أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم ما أراد دبروا فيه رايا غير هذا فقال أبو جهل بن هشام والله إني لي فيه لرأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد قالوا وما هو يا أبا الحكم قال الرأي أن تأخذوا من كل قبيلة شابا جلدا أي قويا حسيبا في قومه نسيبا وسطا ثم يعطى كل فتى منهم سيفا صارما ثم يغدون إليه فيضربونه ضربة رجل واحد فيقتلونه فنستريح منه فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا قلم تقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا فيرضوا منا بالعقل أي الدية فعقلنا لهم فقال النجدي القول ما قال هذا الرجل هذا هو الرأي ولا ارى غيره فتفرق القوم على ذلك فأتى جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال لا تبت هذه الليلة في فراشك الذي كنت تبيت عليه أي وأخبره بمكرهم وأنزل الله عز وجل عليه { وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك } الآية فلما كان عتمة من الليل أي الثلث الأول من الليل اجتمعوا على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرصدونه حتى ينام فيثبتوا عليه أي وكانوا مائة
أقول في الدر المنثور أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي خاتم عن عبيد بن عمير لما ائتمروا بالنبي صلى الله عليه وسلم ليثبتوه أو يقتلوه أو يخرجوه قال له أبو طالب هل تدري ما ائتمروا بك قال يريدون أن يحبسوني أو يقتلوني أو يخرجوني قال من حدثك بهذا قال ربي قال نعم الرب وربك فاستوص به خيرا قال أنا أستوصى به بل هو يستوصي بي هذا كلامه ولم يتعقبه بأن هذا كان بعد موت أبي طالب قال وكان ائتمارهم يوم السبت
فقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم السبت فقال مكر وخديعة قالوا ولم يا رسول الله قال إن قريشا أرادوا أن يمكروا فيه بي أي أرادوا فيه المكر فأنزل الله تعالى { وإذ يمكر بك الذين كفروا }
وفي سيرة الحافظ الدمياطي فاجتمع أولئك القوم من قريش يتطلعون من صير الباب أي شقه ويرصدونه يريدون بياته أي يوقعون به الأمر ليلا ويأتمرون أيهم يحمل على المضطجع وفيه أن ائتمارهم في ذلك لا يناسب ما اجتمع رأيهم عليه من أنهم يجتمعون على قتله ليتفرق دمه في القبائل
ثم رأيت بعضهم قال وأحدقوا ببابه صلى الله عليه وسلم وعليهم السلاح يرصدون طلوع الفجر ليقتلوه ظاهرا فيذهب دمه لمشاهدة بني هاشم قاتله من جميع القبائل فلا يتم لهم أخذ ثأره وهو المناسب لما ذكر والله اعلم
فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانهم أي علم ما يكون منهم قال لعلي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه نم على فراشي واتشح بردائي هذا الحضرمي وقد كان يشهد فيه العيدين وقد كان طوله أربعة أذرع وعرضه ذراعان وشبر وهل كان أخضر أو أحمر يدل للثاني قول جابر كان يلبس رداء أحمر في العيدين والجمعة ثم رأيت في بعض الروايات أنه كان أخضر فلينظر الجمع
وفي سيرة الدمياطي وارتد بردائي هذا الأحمر والحضرمي منسوب إلى حضرموت
التي هي البلدة أو القبيلة باليمن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتسجى بذلك البرد عند نومه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم
أقول وأما ما روى أن الله تعالى أوحى إلى جبريل ومكائيل إني قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر فأيكما يؤثر صاحبه بالحياة فاختار كلاهما الحياة فأوحى الله إليهما ألا كنتما مثل علي بن أبي طالب آخيت بينه وبين محمد صلى الله عليه وسلم فبات على فراشه ليفديه بنفسه ويؤثره بالحياة اهبطا إلى الأرض فاحفظاه من عدوه فنزلا فكان جبريل عند رأسه وميكائيل عند رجليه فقال جبريل بخ بخ من مثلك يا ابن أبي طالب باهى الله بك الملائكة وأنزل الله عز وجل ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله قال فيه الإمام ابن تيمية إنه كذب باتفاق أهل العلم بالحديث والسير
وأيضا قد حصلت له الطمأنينة بقول الصادق له لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم فلم يكن فيه فداء بالنفس ولا إيثار بالحياة والآية المذكورة في سورة البقرة وهي مدنية باتفاق وقد قيل إنها نزلت في صهيب رضي الله تعالى عنه لما هاجر أي كما تقدم لكنه في الإمتاع لم يذكر أنه صلى الله عليه وسلم قال لعلي ما ذكر وعليه فيكون فداؤه للنبي صلى الله عليه وسلم بنفسه واضحا ولا مانع من تكرر نزول الآية في حق علي وفي حق المصطفى صلى الله عليه وسلم وفي حق صهيب بمعنى اشترى أي اشترى نفسه بماله ونزول هذه الآية بمكة لا يخرج سورة البقرة عن كونها مدنية لأن الحكم يكون للغالب
وفي السبعيات أنه صلى الله عليه وسلم نظر إلى أصحابه وقال أيكم يبيت على فراشي وأنا أضمن له الجنة فقال علي أنا ابيت وأجعل نفسي فداءك هذا كلامه ولعله لا يصح
ثم رايت في الإمتاع ما يدل لعدم الصحة وهو قال ابن إسحاق ولم يعلم فيما بلغني بخروجه صلى الله عليه وسلم حين خرج إلا علي وأبو بكر الصديق فليتأمل والله تعالى أعلم
وكان في القوم الحكم بن أبي أبي العاص وعقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث وأمية
ابن وزمعة بن الأسود وأبو لهب وأبو جهل فقال وهم على باب رسول الله صلى الله عليه وسلم إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم ثم بعثتم بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن أي بضم الهمزة وتشديد النون وهو محل بأرض الشام يقرب بيت المقدس وإن لم تفعلوا كان فيكم ذبح ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم نار تحترقون فيها وسمعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج عليهم وهو يقول نعم أنا أقو ذلك وأخذ حفنة من تراب وتلا قوله تعالى { يس والقرآن الحكيم } إلى قوله { فأغشيناهم فهم لا يبصرون } فأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه فلم يروه
وفي مسند الحارث بن أبي أسامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر في فضل يس أنها إن قرأها خائف أمن أو جائع شبع أو عار كسى أو عاطش سقى أو سقيم شفى وعند خروجه صلى الله عليه وسلم جعل ينثر التراب على رءوسهم فلم يبق رجل إلا وضع على رأسه ترابا ثم انصرف إلى حيث أراد فأتاهم آت فقال ما تنتظرون ههنا قالوا محمدا فقال قد خيبكم الله والله خرج عليكم محمد ثم ما ترك منكم رجلا إلا وضع على رأسه ترابا وانطلق لحاجته أفما ترون ما بكم قال فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب قال في النور وهذا يعارضه حديث مارية خادم النبي صلى الله عليه وسلم تكنى أم الرباب أنها طأطأت لرسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد حائطا ليلة فر من المشركين وينبغي أن يوفق بينهما إن صحا وإلا فالعبرة بالصحيح منهما هذا كلامه
أقول التوفيق حاصل وهو أنه يجوز أنه يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يحب أن يخرج عليهم من الباب فتسور الحائط التي نزل منها عليهم والله أعلم أي وكان ذهابه صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم في تلك الليلة إلي بيت أبي بكر رضي الله تعالى عنه فكان فيه إلى الليل أي إلى الليلة المقبلة ثم خرج هو وأبو بكر رضي الله عنه ثم مضيا إلى جبل ثور كذا في سيرة الدمياطي ثم أي بعد إخبارهم بخروجه صلى الله عليه وسلم ووضعه التراب على رءوسهم جعلوا يطلعون فيرون عليا نائما على الفراش مسجى ببرد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون والله إن هذا محمد نائما عليه برده فلم يزالوا كذلك أي يريدون أن يوقعوا به بالفعل والله مانع لهم من ذلك حتى أصبحوا واتضح النهار
فقام علي رضي الله تعالى عنه عن الفراش فقالوا والله لقد صدقنا الذي كان حدثنا أي ولما قام علي رضي الله تعالى عنه سألوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا علم لي به وفي رواية فلما أصبحوا صاروا إليه يحسبونه النبي صلى الله عليه وسلم فلما رأوا عليا رضي الله تعالى عنه رد الله تعالى مكرهم فقالوا أين صاحبك قال لا أدري فأنزل الله تعالى قوله { أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون } وأنزل الله عز وإذ يمكر بك الذي كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين كذا في الأصل تبعا لابن إسحاق ولا يخفى أن الآية الثانية موفية بما ذكروه من المشاورة
قال والمانع من اقتحام الجدار عليه في الدار مع قصر الجدار وقد جاءوا لقتله أنهم هموا بذلك فصاحت امرأة من الدار فقال بعضهم لبعض إنها لسبة في العرب أن يتحدث عنا أنا تسورنا الحيطان على بنات العم وهتكنا ستر حرمتنا انتهى
أقول لا يخفى أن هذا لا يناسب ما قدمناه عن بعضهم أنهم إنما أرادوا قتله صلى الله عليه وسلم عند طلوع الفجر ليظهر لبني هاشم قاتلوه فلا يثبوا عليه لئلا يتسور الجدار إلا أن يقال إرادة ذلك منهم كانت عند طلوع الفجر ووجود الأسباب المانعة لهم من الوثوب عليه لا ينافى أن المانع لهم عن الوثوب عليه الذي جاءوا بصدده وهم مائة رجل من صناديد قريش إنما هي حماية الله تعالى الموجبة لخذلانهم وإظهار عجزهم وفي ذلك تصديق لرسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال لعلي لا يخلص إليك شيء تكرهه منهم على ما تقدم والمراد بقول بعضهم كان المشركون يرمونه بأبصارهم لا بنحو حجارة أو نبل كما لا يخفى
فإن قيل هلا نام صلى الله عليه وسلم على فراشه قلنا لو فعل ذلك لفات إذلالهم بوضع التراب على رءوسهم وإظهار حماية الله تعالى له بخروجه عليهم ولم يبصره أحد منهم وفي رواية أنهم تسوروا عليه صلى الله عليه وسلم ودخلوا شاهرين سيوفهم فثار في وجوههم فعرفوه فقالوا هو أنت أين صاحبك فقال لا أدري وهذا مخالف لما تقدم فلينظر الجمع بناء على صحة هذا
وفي لفظ أمروه بالخروج فضربوه وأدخلوه المسجد وحبس به ساعة ثم خلوا عنه والله أعلم
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن له في الهجرة إلى المدينة أي وأنزل الله تعالى عليه { وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا } قال زيد بن اسلم جعل الله عز وجل مدخل صدق المدينة ومخرج صدق مكة وسلطانا نصيرا الأنصار
ويعارضه ما جاء أن عند رجوعه صلى الله عليه وسلم من تبوك إلى المدينة قال له جبريل سل ربك فإن لكل نبي مسالة فقال ما تأمرني أن أسأله قال قل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا فأنزل الله تعالى عليه ذلك في رجعته م نتبوك بعد من ختمت السورة أي إلا أن يدعى تكرار النزول وعند الإذن له صلى الله عليه وسلم في الهجرة قال لجبريل من يهاجر معي قال جبريل أبو بكر الصديق
أي ومن الغريب قول بعضهم ومن ذلك اليوم سماه الله تعالى صديقا فقد تقدم أن تسميته بذلك كان عند تصديقه له صلى الله عليه وسلم عند إخباره بالإسراء وعن صفة بيت المقدس
ومن الغريب أيضا ما في السبعيات أن النبي صلى الله عليه وسلم تشاور مع أصحابه فقال أيكم يوافق معي ويرافقني فقد أمرني الله تعالى بالخروج من مكة إلى المدينة فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه أنا يا رسول الله
ويرده ما في السير أنه صلى الله عليه وسلم أتى أبا بكر ذات يوم ظهرا فناداه فقال أخرج من عندك فقال يا رسول الله إنما هما ابنتاي يعني عائشة وأسماء رضي الله تعالى عنهما قال شعرت أي علمت أنه قد أذن لي في الهجرة فقال يا رسول الله الصحبة أي أسألك الصحبة فقال أي رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحبة أي لك الصحبة عندي فانطلقا أي ليلا كما تقدم عن سيرة الدمياطي لكن تقدم عنها أنه دخل بيت أبي بكر في ليلة خروجه من على فراشه وأنه مكث ببيت ابي بكر إلى الليلة القابلة التي كان فيها خروجه صلى الله عليه وسلم إلى جبل ثور فيحتاج إلى الجمع
وقد يقال إن مجيئه صلى الله عليه وسلم ظهرا كان قبل تلك الليلة ومع خروجهما خرجا مستخفين حتى أتيا الغار وهو بجبل ثور فتواريا فيه
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه صلى الله عليه وسلم قال عند خروجه من
مكة أي متوجها إلى المدينة والله إني لأخرج منك وإني لأعلم أنك أحب بلاد الله إلى الله وأكرمها على الله ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت
أي وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم وقف أي على راحتله بالحزورة ونظر إلى البيت وقال والله إنك لأحب أرض الله إلى الله ولولا أن أهلك أخرجوني منك قهرا ما خرجت
وفي لفظ أنه صلى الله عليه وسلم وقف في وسط المسجد والتفت إلى البيت فقال إني لأعلم ما وضع الله بيتا أحب إلى الله منك وما في الأرض بلد أحب إليه منك وما خرجت منك رغبة ولكن الذين كفروا أخرجوني
أي وهذا السياق يدل على أن وقوفه صلى الله عليه وسلم على الحزورة أو في وسط المسجد يقتضي أنه جاء بعد خروجه من الغار إلى ما ذكر ثم ذهب إلى المدينة وفي رواية وقف صلى الله عليه وسلم على الحجون وقال والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولو لم أخرح منك ما خرجت وفي لفظ ولو تركت فيك لما خرجت منك ولا مانع من تكرر ذلك ثم رأيت في كلام بعضهم أن وقوفه صلى الله عليه وسلم على الحجون كان في عام الفتح وفي لفظ آخر قال لمكة ما أطيبك من بلدة وأحبك إلي ولولا أن قومي أخرجوني ما سكنت غيرك
أي وفي جمال القراء للسخاوي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما توجه مهاجرا إلى المدينة وقف ونظر إلى مكة وبكى فأنزل الله عز وجل عليه { وكأين من قرية هي أشد قوة } الآية
وأما ما روى الحاكم عن أبي هريرة مرفوعا اللهم إنك أخرجتني من أحب البقاع إلي فأسكني في أحب البقاع إليك فقال الذهبي إنه موضوع وقال ابن عبد البر لا يختلف أهل العلم أنه منكر موضوع
أقول والذي رأيته عن المستدرك للحاكم اللهم إنك تعلم أنهم أخرجوني من أحب البلاد إلي فأسكني أحب البلاد إليك والمعنى واحد وإليه ما روى عن الزهري اللهم إنك أخرجتني من أحب البلاد إلي فاسكني أحب البلاد إليك استند من قال بتفضيل المدينة على مكة قال لأن الله تعالى أجاب دعاءه فأسكنه المدينة قيل وعليه جمهور العلماء ومنهم الإمام مالك رضي الله تعالى عنه وإلى الأحاديث الأول استند من
قال بتفضيل مكة على المدينة وهم الجمهور ومنهم إمامنا الشافعى رضى الله تعالى عنه واستندوا فى ذلك إلى أنه صلى الله عليه وسلم قال فى حجة الوداع أى بلد تعلمونه أعظم حرمة قالوا لا نعلم إلا بلدنا هذه يعنون مكة وهذا إجماع من الصحابة أقرهم عليه صلى الله عليه وسلم أنها أى مكة أفضل من سائر البلاد لأن ما كان أعظم حرمة فهو أفضل وقد قال صلى الله عليه وسلم المقام بمكة سعادة والخروج منها شقاوة وقال صلى الله عليه وسلم من صبر على حر مكة ساعة من نهار تباعدت عنه جهنم مسيرة مائة عام
قال ابن عبد البر وإنى لأعجب ممن ترك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قوله والله إنى لأعلم أنك خير أرض وأحبها إلى الله ولولا أن أهلك أخرجونى منك ما خرجت وهذا حديث صحيح ويميل إلى تأويل لا يجامع ما تأوله عليه أى ولأن الحسنه فيها بمائة ألف حسنة فعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم قال من حج ماشيا كتبت له بكل خطوه سبعمائة حسنة من حسنات الحرم قيل وما حسنات الحرم قال الحسنة فيه بمائة ألف حسنة
والكلام فى غير ماضم أعضاءه الشريفة صلى الله عليه وسلم من أرض المدينة وإلا فذاك أفضل بقاع الأرض بالإجماع بل حتى من العرش والكرسى
على أن صاحب عوارف المعارف ذكر أن الطوفان موج تلك التربة المكرمة عن محل الكعبة حتى أرساها بالمدينة فهى من جملة أرض مكة وحينئذ لا يحسن الاستنادفى تفضيل المدينة على مكة بقول أبى بكر رضى الله تعالى عنه إنهم لما اختلفوا فى أى محل يدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقبضه الله إلا فى أحب البقاع إليه ليدفن فيه كما سيأتى والله أعلم
وعن عائشة رضى الله تعالى عنها أنها قالت بينا نحن جلوس يوما فى بيت أبى بكر الصديق فى نحر الظهيرة أى وسطها وهو وقت الزوال قال قائل لأبى بكر أى وهذا القائل هى أسماء بنت أبى بكر وفى كلام بعض الحفاظ يحتمل أن يفسر بعامر بن فهيرة أى مولى أبى بكر قالت أسماء قلت يا أبت هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعا أى متطيلسا فى ساعة لم يكن يأتينا فيها أى فعن عائشة رضى الله تعالى عنها لم يمر علينا يوم أى قبل الهجرة إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفى النهار بكرة وعشيا
وفى لفظ كان لا يخطئ أن يأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت أبى بكر أحد طرفى النهار إما بكرة وإما عشيا أى ويحتاج إلى الجمع بين هاتين الروايتين على تقدير صحة الثانية وإلا فالأولى فى البخارى وتفسير التقنع بالتطيلس ذكره الحافظ ابن حجر حيث قال قوله متقنعا أى متطيلسا وهو أصل فى لبس الطيلسان هذا كلامه
واعترضه ابن القيم حيث قال لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه لبس الطيلسان ولا أحد من أصحابه وحينئذ لا يكون القناع هنا هو الطيلسان بل التقنع تغطية الرأس وأكثر الوجه بالردء من غير أن يجعل منه شئ تحت رقبته الذى يقال له التحنيك وحمل قول ابن القيم المذكورعلى الطيلسان المقور التى تلبسها اليهود قال بعضهم وهذا الطيلسان المقور هو المعروف بالطرحة وقد اتخذت خلفاء بنى العباس الطرحة السوداء على العمامة عند الخطبة واستمر ذلك شعارا للخلفاء
فالحاصل أن ما يغطى به الرأس مع اكثر الوجه إن كان معه تحنيك أى إدارة على العنق قيل له طيلسان وربما قيل له رداء مجازا وإن لم يكن معه تحنيك قيل له رداء أو قناع وربما قيل له مجازا طيلسان وهو ما كان شعارا فى القديم لقاضى القضاة الشافعى خاصة قال بعضهم بل صار شعارا للعلماء ومن ثم صار لبسه يتوقف على الإجازة من المشايخ كالإفتاء والتدريس وكان الشيخ يكتب فى إجازته وقد أذنت له فى لبس الطيلسان لأنه شهادة بالأهلية وما يجعل على الأكتاف دون الرأس يقال له رداء فقط وربما قيل له طيلسان أيضا مجازا وصح عن ابن مسعود رضى الله تعالى عنه وله حكم المرفوع التقنع من أخلاق الأنبياء وقد ذكر بعضهم أن الطيلسان الخلوة الصغرى وفى حديث لا يتقنع إلا من استكمل الحكمة فى قوله وفعله وكان ذلك من عادة فرسان العرب فى المواسم والجموع كالأسواق
وأول من لبس الطيلسان بالمدينة جبير بن مطعم رضى الله تعالى عنه وعن الكفاية لابن الرفعة أن ترك الطيلسان للفقيه مخل بالمروءة أى وهو بحسب ما كان فى زمنه رحمه الله وفى الترمذى لم تكن عادته صلى الله عليه وسلم التقنع إنما كان يفعله لحر أو برد وتعقب بأن فى حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم كان يكئر التقنع وفى طبقات ابن سعد مرسلا أنه ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال هذا ثوب لا يؤدى شكره أى لأن فيه غض البصر ومن ثم قيل إنه الخلوة الصغرى كما تقدم
ولما قيل لأبى بكر رضى الله تعالى عنه ذلك أى هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعا قال أبو بكر فدا له أبى وأمى والله ما جاء به فى هذه الساعة إلا أمر قال فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له فدخل أى وتنحى أبو بكر عن سريره وجلس عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبى صلى الله عليه وسلم لأبى بكر رضى الله تعالى عنه أخرج من عندك قال أبو بكر إنما هى أهلك أى لأنه صلى الله عليه وسلم كان عقد على عائشة رضى الله تعالى عنها كما تقدم فأمها من جملة أهله وأختها كذلك وقيل هو على حد قول الشخص لآخر أهلى أهلك وفى رواية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أخرج من عندك فقال أبو بكر رضى الله تعالى عنه لا عين عليك إنما هما ابنتاى أى وسكت عن أمهما سترا قال فإنه قد أذن لى فى الخروج فقال أبو بكر الصحبة يا رسول الله بأبى أنت وأمى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نعم أى فبكى أبو بكر سرورا قالت عائشة رضى الله تعالى عنها فرأيت أبا بكر يبكى وما كنت أحسب أن أحدا يبكى من الفرح حتى رأيت أبا بكر ولله در القائل ** ورد الكتاب من الحبيب بأنه ** ** سيزورنى فاستعبرت أجقانى ** ** غلب السرور على حتى إننى ** ** من فرط ما قد سرنى أبكانى ** ** يا عين صار الدمع عندك عادة ** ** تبكين من فرح ومن أحزان **
أى ومنه أقر الله عينه لمن يدعى له وهو قرة عين لمن يفرح به وأسخن عينه لمن يدعى عليه وهو سخنة العين لما يحزن به لأن دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة
وقد روى أن نبيا من الأنبياء اجتاز بحجر يخرج منه الماء فسأل ربه عن ذلك فأنطق الله تعالى الحجر فقال منذ سمعت أن لله تعالى نارا وقودها الناس والحجارة وأنا أبكى هذا الدمع خوفا من تلك النار فاشفع لى عند ربك فشفع له فشفع فيه وبشره بذلك ثم مر به بعد مدة فإذا الماء يخرج منه فقال ألم أبشرك أن الله أنجاك من النار فما هذا فقال يا نبى الله ذاك بكاء الخوف والخشية وهذا بكاء الفرح والسرور ومن ثم لما قال صلى الله عليه وسلم لأبى بن كعب إن الله أمرنى أن أقرأ عليك سورة كذا أى لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب بكى من الفرح وقال أو ذكرت هناك أى ذكرنى الله عز وجل وفى لفظ وسمانى قال نعم
وفى سفر السعادة قال العلماء البكاء على عشرة أنواع بكاء فرح وبكاء حزن لما فات وبكاء رحمة وبكاء خوف لما يحصل وبكاء كذب كبكاء النائحة فإنها تبكى بشجو غيرها وبكاء موافقة بأن يرى جماعة يبكون فيبكى مع عدم علمه بالسبب وبكاء المحبة والشوق وبكاء الجزع من حصول ألم لا يحتمله وبكاء الخور والضعف وبكاء النفاق وهو أن تدمع العين والقلب قاس والبكى بالقصر دمع العين من غير صوت والممدود ما كان معه صوت وأما التباكى فهو تكلف البكاء وهو نوعان محمود ومذموم فالأول ما يكون لاستجلاب رقة القلب وهو المراد بقول سيدنا عمر رضى الله تعالى عنه لما رأى المصطفى صلى الله عليه وسلم وأبا بكر يبكيان فى شأن أسارى بدر أخبرنى ما يبكيك يا رسول الله فإن وجدت بكاء بكيت وإلا تباكت ومن ثم لم ينكر عليه صلى الله عليه وسلم ذلك والثانى ما يكون لأجل الرياء والسمعة
قال أبو بكر فخذ بأبى أنت وأمى يا رسول الله إحدى راحلتى هاتين فإنى أعددتهما للخروج قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل بالثمن أى لتكون هجرته صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى بنفسه وماله أى وإلا فقد أنفق أبو بكر رضى الله تعالى عنه أكثر ماله عليه صلى الله عليه وسلم أى فعن عائشة رضى الله تعالى عنها أنفق أبو بكر على النبى صلى الله عليه وسلم أربعين ألف درهم وفى لفظ دينار ومن ثم قال صلى الله عليه وسلم ليس من أحد أمن على فى أهل ومال من أبى بكر وفى رواية ما أحد أمن على فى صحبته وذات يده من أبى بكر وما نفعنى مال أبى بكر فبكى أبو بكر وقال هل أنا ومالى إلا لك يا رسول الله وفى رواية ما لأحد عندنا يد إلا وقد كافأناه ما خلا أبا بكر فإن له عندنا يدا الله يكافئه بها يوم القيامة
أقول ولا ينافى كونه صلى الله عليه وسلم أخذ إحدى ناقتى أبى بكر بالثمن ما رواه أبان بن أبى عياش أحد التابعين عن أنس رضى الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبى بكر رضى الله تعالى عنه ما أطيب مالك منه بلال مؤذنى وناقتى التى هاجرت عليها وزوجتنى ابنتك وواسيتنى بمالك كأنى أنظر إليك على باب الجنة تشفع لأمتى لأن أبان بن أبى عياش معدود من الضعفاء
وقد قال شعبه لأن أشرب من بول حمار حتى أروى أحب إلى من أن أقول حديثاعن أبان بن أبى عياش وقال فيه مرة أخرى لأن يزنى الرجل من أن يروى عن
أبان وقد طلب من شعبة أن يكف عن أبان هذا فقال الأمر دين وهذا يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بين ابن حبان عذر أبان بأنه كان يروى عن أنس وأبان مجالس الحسن البصرى فكان يسمع كلامه فإذا حدث ربما جعل كلام الحسن عن أنس مرفوعا وهو لا يعلم وعلى تقدير صحة ما قاله لا منافاة أيضا لأنها كانت من مال أبى بكر قبل أن يأخذها صلى الله عليه وسلم بثمنها
على أن فى الترمذى ما يوافق ما رواه أبان ففيه عن على رضى الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى رحم الله أبا بكر زوجنى ابنته وحملنى إلى دار الهجرة وصحبنى فى الغار وأعتق بلالا من ماله
قال وهذا حديث غريب والله أعلم
وكان الثمن عن تلك الناقة التى هى القصواء وقد عاشت بعده صلى الله عليه وسلم وماتت فى خلافة أبى بكر رضى الله تعالى عنه أو الجدعاء أربعمائة درهم أى لما علمت أن الناقتين اشتراهما أبو بكر بثمانمائة درهم
وأما ناقته صلى الله عليه وسلم العضباء فقد جاء أن بنته فاطمة رضى الله تعالى عنها تحشر عليها
قالت عائشة رضى الله تعالى عنها فجهزناهما أحب الجهاز أى أسرعه والجهاز بكسر الجيم أفصح من فتحها ما يحتاج إليه فى السفر ووضعنا لهما سفرة فى جراب أى زادا فى جراب لأن السفرة فى الأصل الزاد الذى يصنع للمسافر ثم استعمل فى وعاء الزاد وكان فى السفرة شاة مطبوخة فقطعت أسماء بنت أبى بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب أى وأبقت الأخرى نطاقا لها وهو يوافق ما فى صحيح مسلم عن أسماء رضى الله تعالى عنها أنها قالت للحجاج بلغنى أنك تقول أى لولدها عبدالله بن الزبير تعيره بابن ذات النطاقين أما أنا والله ذات النطاقين أما أحدخما فكنت أرفع به طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم وطعام أبى بكر الصديق رضى الله تعالى عنه وأما الآخر فنطاق المرأة أى الذى لا تستغنى عنه أى عند اشتغالها لأن النطاق ما تشد به المرأة وسطها لئلا تعثر فى ذيلها على ثوب يلقى على أسلفه وقيل النطاق إزار فيه تكة ومن ثم جاءت ذا ت النطاق أى وكلاهما صحيح لكن فى لفظ قطعت نطاقها قطعتين فأوكت بقطعة منه فم الجراب وشدت فم القرية بالباقى أى فلم يبق لها شئ منه
ويوافقه ما فى البخارى عن أسماء لم نجد لسفرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أى لمحلها الذى هو الجراب ولا لسقائه الذى هو القربة ما نربطهما به فقلت لأبى بكر لا والله ما أجد شيئا أربط به إلا نطاقى قال فشقيه اثنين واربطى بواحد السقاء الذى هو القربة وبواحد السفرة ففعلت فلذلك سميت ذا ت النطاقين أى سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لها أبدلك الله بنطاقك هذا نطاقين فى الجنة
وفيه أن الرواية الأولى التى عن عائشة والرواية الثانية التى عن أسماء رواها مسلم لم يذكر السقاء وفى رواية البخارى ذكر السقاء وإسقاط الجراب لكن ذكر بعد الجراب السفرة
وقد يقال المراد بربط محلها الذى هو الجراب كما أشار إليه قال بعضهم وما تقدم عن مسلم ينبغى أن يكون أقرب إلى الضغط لأن أسماء قالت فى آخر عمرها مخبرة عن نفسها أى ولم تربط إلا الجراب بأحد شقى النطاق وأبقت لها الآخر
وقد يقال الحصر ليس فى محله لمنافاته لرواية البخارى وحينئذ يجمع بأنه بجوازها لما شقت النطاق نصفين قطعت أحدهما قطعتين فشدت بإحداهما الجراب والأخرى السقاء فهى ذا ت النطاقين الذى أبقته والذى فعلت به ماذكر
وفى السيرة الهشامية أن أسماء بنت أبى بكر جاءت إليهما لما نزلا من الغار بسفرتهما ونسيت أن تجعل لها عصاما فدهشت لغلق السفرة فإذا ليس لها عصام فشقت نطاقها فجعلته عصاما فعلقتها به وانتطقت الآخر أى وهذا يدل على أن المراد بقول عائشة فجهزناهما أحب الجهاز أى عند خروجهما من الغار لا عند ذهابهما إلى الغار كما قد يتبادر من السياق ثم على المتبادر جرى ابن الجوزى حيث قال أسماء بنت أبى بكر أسلمت بمكة قديما وبايعت وشقت نطاقها ليلة خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار فجعلت واحدا لسفرة رسول الله صلى الله عليه وسلم والآخر عصاما لقربته فسميت ذا تالنطاقين هذا كلامه
وقد قال لا مانع من تعدد ذلك وكون النطاق ماتشد به المرأة وسطها لئلا تعثر فى ذيلها يخالفه قول بعضهم النطاق هو ثوب تلبسه المرأة ثم تشد وسطها بحبل ثم ترسل الأعلى على الأسفل وهذا يوافق القيل المتقدم ولعل له إطلاقين ويوافق الثانى ما قيل أول من فعله هاجر أم إسمعيل اتخذته لتخفى أثر مشيتها على سارة ولعله عند خروجها
لما أمره الله عز وجل بإخراجها مع إبراهيم فيذهب بها إلى مكة قبل أن تركت مع إبراهيم على البراق
ثم استأجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رجلا من بنى الديل وهو عبدالله بن أريقط ويقال ابن أرقط أو أرقد اسم أمه فأريقط مصغرها ليدلهما على الطريق للمدينة وكان على دين قريش أى ثم أسلم بعد ذلك وقيل لم يعرف له إسلام
وفى الروض ما وجدنا من طريق صحيح أنه أسلم بعد ذلك فدفعا إليه راحلتيهما وواعداه على جبل ثور بعد ثلاث ليال وقيل للجبل ذلك لأنه على صورة الثور الذى يحرث عليه وسياق النسائى يدل على أن استئجار عبد الله المذكور كان قبل التجهيز
قالت عائشة رضى الله تعالى عنها ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار فى جبل ثور أى ليلا كما تقدم
وعن ابن سعد لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيته إلى بيت أبى بكر رضى الله تعالى عنه فكان فيه إلى الليل ثم خرج هو وأبو بكر فمضيا إلى غار ثور فدخلاه أى وكان خروجهما من خوخة فى ظهر بيت أبى بكر فعن عائشة بنت قدامه رضى الله تعالى عنها أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لقد خرجت من الخوحة متنكرا فكان أول من لقينى أبو جهل لعنه الله فأعمى الله بصره عنى وعن أبى بكر حتى مضينا
وفى كلام سبط ابن الجوزى وعن وهب بن منبه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما خرج إلى الغار من بيت أبى بكر فخرج من خوخة فى ظهر الدار والأصح إنما كان خروجه من بيت نفسه
وجعل أبو بكر رضى الله تعالى عنه يمشى مرة أمام النبى صلى الله عليه وسلم ومرة خلفه ومرة عن يمينه ومرة عن شماله فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال يا رسول الله أذكر الرصد فأكون أمامك وأذكر الطلب فأكون خلفك ومرة عن يمينك ومرة عن يسارك لا آمن عليك
أقول فى الدر المنثور فمشى صلى الله عليه وسلم ليلته على اطراف أصابعه لئلا يظهر أثر رجليه على الأرض حتى حفيت رجلاه فلما رآهما أبو بكر قد حفيتا حمله على كاهله وجعل يشتد به حتى أتى على فم الغار فأنزله وفى لفظ لم يصب رسول الله صلى الله عليه
وسلم الغار حتى قطرت قدماه دما وفى كلام السهيلى عن أبى بكر رضى الله تعالى عنه أنه قال نظرت إلى قدمى رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الغار وقد تقطرتا دما
قال بعضهم وبشبه أن يكون ذلك من خشونة الجبل وإلا فبعد المكان لا يحتمل ذلك أو لعلهم ضلوا طريق الغار حتى بعدت المسافة ويدل عليه قوله فمشى ليلته رسول الله صلى الله عليه وسلم وفى لفظ فانتهينا إلى الغار مع الصبح ولا يحتمل ذلك مشى ليلته إلا بتقدير ذلك أو أنه صلى الله عليه وسلم كما قيل ذهب إلى جبل حنين فناداه اهبط عنى فإنى اخاف أن تقتل على ظهرى فأعذب فناداه جبل ثور إلى يا رسول الله وساق فى الأصل رواية تقتضى أنه ذهب إلى غار ثور راكبا ناقته الجدعاء ث 4 م رأيته فى النور أشار إلى أن ركوبه صلى الله عليه وسلم الجدعاء إنما كان بعد خروجه من الغار لا أنه ركبها من منزل أبى بكر إلى الغار كما هو ظاهر الرواية
وفى الخصائص الكبرى عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما لما تشاور المشركون فى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطلع الله نبيه على ذلك فخرج تلك الليلة حتى أتى الغار فلما أصبحوا اقتفوا أثره صلى الله عليه وسلم فلما بلغوا الجبل الحديث أى وهو مخالف لما تقدم من أن خروجه صلى الله عليه وسلم إلى الغار كان فى الليلة الثانية لا فى ليلة حروجه على قريش
وقد يقال لا منافاة لأن قوله حتى لحق بالغار غاية لمطلق الخروج من بيته لافى خصوص تلك الليلة أى خرج من بيته واستمر على خروجه حتى لحق بالغار وذلك فى الليلة الثانية لكن تقدم أنه صلى الله عليه وسلم جاء إلى بيت أبى بكر متقنعا فى وقت الظهيرة فليتأمل
وأعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا بخروجه إلى الهجرة وأمره أن يتخلف بعده حتى يؤدى عنه الودائع التى كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس لأنه لم يكن بمكة أحد عنده شئ يخشى عليه إلا وضعه عنده صلى الله عليه وسلم لما يعلمون من أمانته أى ولعل إعلام على بذلك كان عند توجهه صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبى بكر لأنه لم يثبت أنه صلى الله عليه وسلم اجتمع بعلى رضى الله تعالى عنه بعد ذلك إلا فى المدينة لكن سيأتى عن الدر ما تقتضى أنه اجتمع به عند خروجه من الغار
وفى الفصول المهمة أنه صلى الله عليه وسلم وصى عليا رضى الله تعالى عنه بحفظ
ذمته وأداء أمانته ظاهرا على أعين الناس وأمره أن يبتاع رواحل للفواطم فاطمة بنت النبى صلى الله عليه وسلم وفاطمة بنت الزبير بن عبد المطلب ولمن هاجر معه من بنى هاشم ومن ضعفاء المؤمنين وشراء على رضى الله عنه الرواحل مخالف لما يأتى فى الأصل أنه صلى الله عليه وسلم أرسل إلى على حلة وأرسل يقول تشقها خمرا بين الفواطم وهى فاطمة ابنة حمزة وفاطمة بنت عتبة وفاطمة أم على وفاطمة بنته صلى الله عليه وسلم وإرساله لتلك الحلة كان بعد وصوله إلى المدينة فليتأمل
قال فى الفصول المهمة وقال له أى لعلى إذا أبرمت ما أمرتك به كن على أهبة الهجرة إلى الله ورسوله وبقدوم كتابى عليك وإذا جاء أبو بكر توجهه خلفى نحو بئر أم ميمون وكان ذلك فى فحمة العشاء والرصد من قريش قد أحاطوا بالدار ينتظرون أن تنتصف الليلة وتنام الناس ودخل أبو بكر على على وهو يظنه أى وأبو بكر يظن عليا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له على إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج نحو بئر أم ميمون وهو يقول لك أدركنى فلحقه أبو بكر ومضيا جميعا يتسايران حتى أتياجبل ثور فدخلا الغار فليتأمل الجمع بينه وبين ما تقدم
ولما انتهيا إلى فم الغار قال أبو بكر للنبى صلى الله عليه وسلم والذى بعثك بالحق لا تدخل حتى أدخله قبلك فإن كان فيه شئ نزل بى قبلك فدخل رضى الله تعالى عنه فجعل يلتمس بيده كلما رأى جحرا قال بثوبه فشقه ثم ألقمه الجحر حتى فعل ذلك بجميع ثوبه فبقى جحر وكان فيه حية فوضع عقبه عليه ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم إن الحية التى فى الجحر لما أحست بعقب سيدنا أبى بكر جعلت تلسعه وصارت دموعه تتحدر قال ابن كثير وفى هذا السياق غرابة ونكارة أى وقد كان صلى الله عليه وسلم وضع رأسه فى حجر أبى بكر رضى الله تعالى عنه ونام فسقطت دموع أبى بكر رضى الله تعالى عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مالك يا أبا بكر قال لدغت بالدال المهملة والغين المعجمة فداك أبى وأمى فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم على محل اللدغة فذهب ما يجده قال بعضهم وقاه فبورك فى عقبه
قال بعضهم والسر فى اتخاذ رافضة العجم اللباد المقصص على رءوسهم تعظيما للحية التى لدغت أبا بكر فى الغار أى لأنهم يزعمون أن ذلك على صورة تلك الحية
ولما أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبى بكر أين ثوبك فأخبره
الخبر زاد فى رواية وأنه رأى على أبى بكر أثر الورم فسأل عنه فقال من لدغة الحية فقال صلى الله عليه وسلم الله صلى الله عليه وسلم هلا أخبرتنى قال كرهت أن أوقظك فمسحه النبى صلى الله عليه وسلم فذهب ما به من الورم والألم
أى ويحتاج إلى الجمع بين هاتين الروايتين على تقدير صحتهما وحين أخبره أبو بكر بذلك رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه وقال اللهم اجعل أبا بكر معى فى درجتى فى الجنة فأوحى الله تعالى إليه قد استجاب الله لك
وروى أنه لما صار يسد كل جحر وجده أصاب يده ما أدماها فصار يمسح الدم عن أصبعه وهو يقول ** هل أنت إلا أصبع دمت ** ** وفى سبيل الله ما لقيت **
وسيأتى أن هذا البيت من كلام ابن رواحة وقيل من كلامه صلى الله عليه وسلم وأنه يجوز أن يكون ابن رواحة ضم ذلك البيت لأبياته
ومما قد يؤيد أن ذلك من كلامه صلى الله عليه وسلم ما ذكره سبط ابن الجوزى أن أبا بكر لما لحقه صلى الله عليه وسلم فى اثناء الطريق ظنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكفار فأسرع فى المشى فانقطع قبال نعله ففلق إبهامه حجر فسال الدم فرفغ أبو بكر صوته ليعرفه رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرفه
ومما يصرح بذلك ما رأيت عن جندب البجلى قال كنت مع النبى صلى الله عليه وسلم فى غار كذا فدميت أصبعه فذكر البيت المذكور وأراد بالغار غارا من الغيران لا هذا الغار كما توهم
وجاء فى الصحيحين عن جندب بن عبدالله بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أصابه حجر فدميت أصبعه فقال ** هل انت إلا إصبع دميت ** البيت
أى ولما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكرالغار أمر الله تعالى شجرة أى وهى التى يقال لها العشار وقيل أم غيلان فنبتت فى وجه الغار فسترته بفروعها
أى ويقال إنه صلى الله عليه وسلم دعا تلك الشجرة وكانت أمام الغار فأقبلت حتى وقفت على باب الغار وأنها كانت مثل قامة الإنسان وبعث الله العنكبوت فنسجت ما بين فروعها أى نسجا مترا كما بعضه على بعض أى كنسج أربع سنين كما قال بعضهم
وقد نسج العنكبوت أيضا على عبدالله بن أنيس رضى الله تعالى عنه لما قتل سفيان بن خالد وقطع رأسه وأخذها ودخل فى غار فى الجبل وكن فيه حتى انقطع عنه الطلب كما سيأتى ونسج على نبى الله داود لما طلبه طالوت ونسج أيضا على عورة سيدنا زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنهم وهو أخو الإمام محمد الباقر وعم الإمام جعفر الصادق وهو الذى ينسب إليه الزيدية كان إماما مجتهدا وكان ممن أخذ عن واصل بن عطاء الآخذ عن الحسن البصرى
ولما أثبت ابن عطاء المنزلة بين المنزلتين أمره الحسن البصرى باعتزال مجلسه فقيل له معتزلى وصار يقال لأصحابه معتزلة
ولا يلزم من كون شيخ سيدنا زيد معتزليا أن يسلك زيد مسلكه وصلب سيدنا زيد عربانا وأقام مصلوبا أربع سنين وقيل خمس سنين فلم ترعورته وقيل إن بطنه الشريف ارتخى على عورته فغطاها ولا مانع من وجود الأمرين وكان عند صلبه وجهوه إلى غير القبلة فدارت خشبته التى صلب عليه إلى أن صار وجهه إلى القبلة أى وقد وقع لخبيب نحو ذلك كما سيأتى ثم أحرقوا خشبة زيد وجسده وذرى رماده فى الرياح على شاطئ الفرات فإنه خرج على هشام بن عبد الملك وقد سمت نفسه للخلافة فحاربه يوسف بن عمر الثقفى أمير العراقين من قبل هشام بن عبد الملك فانهزم أصحاب زيد عنه بعد أن خذله وانصرف عنه أكثرهم
فقد بايعه ناس كثير من أهل الكوفة وطلبوا منه أن يتبرأ من الشيخين أبى بكر وعمر لينصروه فقال كلا بل أتولاهما فقالوا إذن نرفضك فقال اذهبوا فأنتم الرافضة فسموا بذلك من حينئذ رافضة وجاءت إليه طائفة وقالوا نحن نتولاهما من ونبرأ منهما وقاتلوا معه فسموا الزيدية
أقول والعجب ممن يتمذهب بمذهب سيدنا زيد ويتبرأ من الشيخين ويكرههما ويكره من يذكرهما بخير بل ربما سبهما
وعند مقاتلته أصابته جراحات وأصابه سهم فى جهته وحال الليل بين الفريقين فطلبوا حجاما من بعض القرى لينزع له النصل فاستخرجه فمات من ساعته فذفنوه من ساعته وأخفوا قبره وأجروا عليه الماء واستكتموا الحجام ذلك فلما أصبح
الحجام مشى إلى يوسف بن عمر منتصحا وأخبره ودله على موضع قبره فاستخرجه وبعث برأسه إلى هشام فكتب إليه هشام أن اصلبه عريانا فصلبه كذلك
ويقال إن هشام بن عبد الملك قال يوما لزيد بلغنى أنك تريد الخلافة ولا تصلح لك لأنك ابن أمة فقال قد كان إسماعيل ابن أمة وإسحاق ابن حرة فأخرج الله من صلب إسماعيل خير ولد آدم فقال له هشام قم قال إذن لا ترانى إلا حيث تكره ومن شعره ** لا تطمعوا أن تهينونا ونكرمكم ** ** وأن نكف الأذى عنكم وتؤذونا **
قيل ورأس زيد دفنت بمصر القديمة بمسجد يقال له مشهد زين العابدين بن الحسين وكذلك وقع في طبقات الشيخ الشعرانى نفعنا الله به وببركاته وليس كذلك بل هو محل زيد بن زين العابدين كما ذكره المقريزى فى الخطط ويقال له زيد الأزياد
وذكر فى حياة الحيوان أن ما ينسجه العنكبوت يخرج من خارج جلدها لا من جوفها وعن على رضى الله تعالى عنه طهروا بيوتكم من نسج العنكبوت فإن تركه فى البيوت يورث الفقر
وأمر الله تعالى حمامتين وحشيتين فوقفتا بفم الغاز أى ويروى أنهما باضتا أى وفرختا قال لأبى بكر ضع قدمك موضع قدمى فإن الرمل لاينم وتقدم ما فى ذلك أى لأن المشركين لما فقدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم شق عليهم ذلك وخافوا ذلك وطلبوه بمكة أعلاها وأسفلها وبعثوا القافة أى الذين يقصون الأثر فى كل وجه يقفون أثره فوجدوا الذى ذهب إلى جبل ثور أثره وقال ما تقدم
وأقبل فتيان قريش من كل بطن بعصيهم وسيوفهم أى ولما أقبلوا أشفق صلى الله عليه وسلم على صهيب وخاف عليه وقال واصهيباه ولا صهيب لى أى لأنه تواعد معهما أن يكون ثالثهما فلما أراد صلى الله عليه وسلم الخروج للغار أرسل له أبو بكر مرتين أو ثلاثا فوجده يصلى فقال يا رسول الله وجدت صهيبا يصلى فكرهت أن أقطع عليه صلاته فقال أصبت وتقدمت الحوالة على هذا
فلما كان فتيان قريش على أربعين ذراعا من الغار تعجل بعضهم ينظر فى الغار فلم ير إلا حمامتين وحشيتين أى مع العنكبوت فقال ليس فيه أحد فسمع النبى صلى الله عليه وسلم ما قال فعرف أن الله عز وجل قد درأ عنه أى دفع عنه
وفى رواية فلما انتهوا إلى فم الغار قال قائل منهم ادخلوا الغار فقال أمية بن خلف وما أربكم أى حاجتكم إلى الغار أن عليه لعنكبوتا كان قبل ميلاد محمد صلى الله عليه وسلم أى ولو دخل الغار لانفتح ذلك العنكبوت وتكسر البيض وهذا يدل على أن البيض لم يكن فرخ أى ويحتمل أن بعض البيض فرخ وبعضه لم يفرخ ثم جاء قبالة فم الغار فبال فقال أبو بكر يا رسول الله إنه يرانا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا بكر لو كان يرانا ما فعل هذا وفى بعض الروايات لو رآنا ما تكشف عن فرجه أى ما استقبلنا بفرجه وبوله وقال أبو جهل أما والله إنى لأحسب قريبا يرانا ولكن بعض سحره قد أخذ على أبصارنا فانصرفوا
وذكر ابن كثير أن بعض أهل السير ذكر أن أبا بكر رضى الله تعالى عنه لما قال للنبى صلى الله عليه وسلم لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه قال له النبى صلى الله عليه وسلم لو جاءونا من ها هنا لذهبنا من ها هنا فنظر الصديق إلى الغار قد انفرج من الجانب الآخر وإذا البحر قد اتصل به وسفينة مشدودة إلى جانبه قال ابن كثير وهذا ليس بمنكر من حيث القدرة العظيمة ولكن لم يرد ذلك بإسناد قوى ولا ضعيف ولسنا نثبت شيئا من تلقاء أنفسنا ونهى النبى صلى الله عليه وسلم يومئذ عن قتل العنكبوت وقال إنها جند من جند الله انتهى
وعن أبى بكر الصديق رضى الله تعالى عنه أنه قال لا أزال أحب العنكبوت منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبها ويقول جزى الله العنكبوت عنا خير فإنها نسجت على وعليك يا أبا بكر إلا أن البيوت تطهر من نسجها أى ينبغى ذلك لما تقدم أن وجود نسجها فى البيوت يورث الفقر
وفى الجامع الصغير جزى الله العنكبوت عنا خيرا فإنها نسجت على الغار
أقول فيه أن فى الحديث العنكبوت شيطان فاقتلوه وفى لفظ العنكبوت شيطان مسخه الله فاقتلوه فإن صح وثبت تأخره فهو ناسخ له وإن كان متقدما على ما هنا وصح ما هنا فهو منسوخ به والله أعلم وبارك صلى الله عليه وسلم على الحمامتين وفرض جزاء الحمام وانحدرتا فى الحرم فأفرختا كل شئ فى الحرم من الحمام أى ولأجل ذلك ذهب الغزالى من أئمتنا إلى صحة الوقف على حمام مكة دون غيره من الطيور وهو الراجح
ونظر فى الإمتاع فى كون حمام الحرم من نسل ذلك الزوج فإنه روى فى قصة نوح عليه الصلاة والسلام أنه بعث الحمامة من السفينة لتأتيه نخبر الأرض فوقعت بوادى الحرم فإذا الماء قد نضب من موضع الكعبة وكانت طينتها حمراء فاختضبت رجلاها ثم جاءته فمسح عنقها وطوقها طوقا ووهب لها الحمرة فى رجليها وأسكنها الحرم ودعا لها بالبركة
وفى شعر الحادث بن مضاض الذى أوله ** كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا ** ** أنيس ولم يسمر بمكة سامر ** ** ويبك لبيت يؤذى حمامه ** ** يظل به أمنا وفيه العصافر **
ففى هذا أن الحمام قد كان فى الحرم من عهد جرهم أى ونوح وذكر بعضهم أن حمام مكة أظله صلى الله عليه وسلم يوم فتحها فدعا له بالبركة
ويروى أن أبا بكر رضى الله تعالى عنه لما رأى قريشا أقبلت نحو الغار خصوصا ومعهم القافة بكى أى ويقال لما سمع القائف يقول لقريش والله ما جاز مطلوبكم من هذا الغار حزن وبكى وقال والله ما على نفسى أبكى ولكن مخافة أن أرى فيك ما أكره فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تحزن إن الله معنا وأنزل الله تعالى سكينته على أبى بكر رضى الله تعالى عنه أى وأنزل عليه أمنته التى تسكن عندها القلوب قيل قال له لا تحزن ولم يقل له لا تخف لأن حزنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا النهى تأنيس وتبشير له كما فى قوله تعالى له صلى الله عليه وسلم { ولا يحزنك قولهم } وبه يرد ما زعمته الرافضة أن ذلك غضبا من أبى بكر وذماله لأن حزنه رضى الله تعالى عنه إن كان طاعة فالنبى صلى الله عليه وسلم لا ينهى عن الطاعة فلم يبق إلا أنه معصية
وفى رواية عن أبى بكر رضى الله تعالى عنه قلت للنبى صلى الله عليه وسلم ونحن فى الغار لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه أى لأنهما علوا على رؤوسهما
فعن أبى بكر قال نظرت إلى أقدام المشركين ونحن فى الغار وهم على رءوسنا فقلت يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إلى قدميه أبصرنا تحت قدميه فقال يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما
قال بعضهم كان معهما وثالثهما باللفظ والمعنى أما باللفظ فكان يقال يا رسول الله ويقال لأبى بكر يا خليفة رسول الله وأما بالمعنى فكان مصاحبا لهما بالنصر والهداية
والإرشاد والضمير فى أيده بجنود لم تروها راجع للنبى صلى الله عليه وسلم وتلك الجنود ملائكة أنزلهم الله تعالى عليه فى الغار يبشرونه صلى الله عليه وسلم بالنصر على أعدائه
وروى أ ن أبا بكر رضى الله تعالى عنه عطش فى الغار فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اذهب إلى صدر الغار فاشرب فانطلق أبو بكر رضى الله تعالى عنه إلى صدر الغار فوجد ماء أحلى من العسل وأبيض من اللبن وأزكى رائحة من المسك فشرب منه فقال له رسول الله صلى إن الله أمر الملك الموكل بأنهار الجنة أن يخرق نهرا من جنة الفردوس إلى صدر الغار لتشرب قال أبو بكر يا رسول الله ولى عند الله هذه المنزلة فقال النبى صلى الله عليه وسلم نعم وأفضل والذى بعثنى بالحق نبيا لا يدخل الجنة مبغضك ولو كان عمله عمل سبعين نبيا
أى وذكر بعضهم قال كنت جالسا عند أبى بكر رضى الله تعالى عنه فقال من كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عدة فليقم فقام رجل رجل فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم عدتى بثلاث حثيات من تمر فقال أرسلوا إلى على فجاء فقال يا أبا الحسن إن هذا يزعم كذا وكذا فاحث له فحثى له فقال أبو بكر عدوها فعدوها فوجدوها كل حثية ستين تمرة لا تزيد ولا تنقص فقال أبو بكر صدق الله ورسوله قال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الهجرة فى الغار كفى وكف على فى العدد سواء ذكر الذهبى أنه موضوع ولعل قول الصديق صدق الله ورسوله علة لاختياره عليا على نفسه فى أن يحثو لا أن ذلك علة لكون كل حثية جاءت ستين حبة
ولما أيست قريش منهما أرسلو لأهل السواحل إن من أسر أو قتل أحدهما كان له مائة ناقة أى ويقال إن أبا جهل أمر مناديا ينادى فى أعلى مكة وأسفلها من جاء بمحمد أو دل عليه فله مائة بعير وإلى قصة الغار أشار صاحب الهمزية بقوله ** أخرجوه منها وآواه غار ** ** وحمته حمامة ورقاء ** ** وكفته بنسجها عنكبوت ** ** ما كفته الحمامة الحصداء ** ** واختفى منهم على قرب مرآ ** ** ومن شدة الظهور الخفاء **
أى كانوا سببا لإخراجه من تلك الأرض التى هى مولده صلى الله عليه وسلم ومرباه ووطنه ووطن آبائه بسبب مبالغتهم فى إيدائه وإيذاء أصحابه خصوصا ضعفاءهم وآواه
غار وحمته منهم حمامة فى لونها بياض وسواد وكفته أعداءه عنكبوت بنسجها الذى كفته إياهم الحمامة الكثيرة الريش فتلك الحمامة كانت ورقاء حصداء واستتر منهم مع قرب محل رؤيته
وحكمة خفائه واستتاره منهم مع ظهوره لهم لو نظر أحدهم إلى ما تحت قدميه شدة ظهوره عليهم بالغلبة والمعونة الإلهية ومكثا فى الغار ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله بن أبى بكر وهو غلام يعرف ما يقال يأتيهما حين يختلط الظلام ويدلج من عندهما بفجر فيصبح مع قريش كبائت فى بيته فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه ويخبرهما به
وكان عامر بن فهيرة مولى أبى بكر رضى الله تعالى عنهما كان مملوكا للطفيل فأسلم وهو مملوك وكان ممن يعذب فى الله عز وجل فاشتراه أبو بكر من الطفيل وأعتقه كما تقدم فكان يروح عليهما بمنحة غنم أى قطعة من غنم أبى بكر فكان يرعاها حيث تذهب ساعة من العشاء ويغدو بها عليهما ثم يغلس أى إذا خرج من عندهما عبد الله تبع عامر بن فهيرة أثره بالغنم حتى يقفو أثر قدميه يفعل ذلك فى كل ليلة من تلك الليالى الثلاث أى وذلك بارشاد من أبى بكر رضى الله تعالى عنه
ففى السيرة الهشامية وأمر أبو بكر ابنه عبدالله رضى الله تعالى عنهما أن يستمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون فى ذلك اليوم من الخبر وأمر عامر بن فهيرة أن يرعى عنمه نهارا ثم يريحها عليهما إذا أمسى فى الغار وكانت أسماء بنت أبى بكر رضى الله تعالى عنها تأتيهما إذا أمست بما يصلحهما من الطعام
أقول وفى الدر عن عائشة رضى الله تعالى عنهما ما كان أحد يعلم مكان ذلك الغار إلا عبد الله بن أبى بكر وأسماء بنت أبى بكر فإنهما كانا يختلفان إليهما وعامر بن فهيرة فإنه كان إذا سرح غنمه مر بهما فحلب لهما
وفى الفصول المهمة وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام بلياليها فى الغار وقريش لا يدرون أين هو وأسماء بنت أبى بكر رضى الله تعالى عنها تأتيهما ليلا بطعامهما وشرابهما فلما كان بعد الثلاث أمرها صلى الله عليه وسلم أن تأتى عليا وتخبره بموضعهما وتقول له يستأجر لهما دليلا ويأتى معه بثلاث من الإبل بعد مضى ساعة من الليلة الآتية أى وهى الرابعة فجاءت أسماء إلى على كرم الله وجهه فأخبرته بذلك فاستأجر لهما رجلا يقال له الأريقط بن عبد الله الليثى وأرسل معه بثلاث من الإبل فجاء بهن إلى أسفل
الجبل ليلا فلما سمع النبى صلى الله عليه وسلم رغاء الإبل نزل من الغار هو وأبو بكر فعرفاه أى والذى فى البخارى فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث فارتحلا وتقدم أن المستأجر لهما للدليل النبى صلى الله عليه وسلم وأبو بكر
وقد يجمع بأن المراد باستئجار على رضى الله تعالى عنه إعطاؤه الأجرة وكونه استأجر لهما ثلاث رواحل وأتى بها معه فيه نظر ظاهر وركب النبى صلى الله عليه وسلم وركب أبو بكر وركب الدليل
وفى الدر المنثور فمكث هو صلى الله عليه وسلم وأبو بكر فى الغار ثلاثة أيام يختلف إليهما بالطعام عامر بن فهيرة وعلى يجهزهما فاشترى ثلاثة أباعر واستأجر لهم دليلا فلما كان فى بعض الليل من الليلة الثالثة أتاهم على بالإبل والدليل فليتأمل ذلك مع ما قبله
وفى حديث مرسل مكثت مع صاحبى فى الغار بضعة عشر يوما ما لنا طعام إلا ثمر البرير أى الأراك وتقدم فى باب رعيه الغنم أن ثم الأراك النضيج يقال له الكباث بكاف فباء موحدة مفتوحتين فتاء مثلثة
قال ابن عبد البر وهذا أى القول بأنهما مكثا فى الغار بضعة عشر يوما غير صحيح عند أهل العلم بالحديث قال الحافظ ابن حجر والمراد كما قال الحاكم أنهما مكثا مختفيين من المشركين فى الغار وفى الطريق بضعة عشر يوما وذكر فى الغار أى الاقتصار عليه من بعض الرواة والله أعلم
قال وعن أسماء بنت أبى بكر رضى الله تعالى عنهما أن أبا بكر أرسل ابنه عبد الله فحمل ماله وكان خمسة آلاف درهم أو أربعة آلاف وكان حين أسلم أربعين ألف درهم وفى لفظ أربعين ألف دينار أى ويؤيد ذلك ما جاء عن أنس رضى الله تعالى عنه أنفق أبو بكر على النبى صلى الله عليه وسلم أربعين ألف دينار فحمل إليه ذلك فى الغار قالت أسماء فدخل علينا جدى أبو قحافة رضى الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك وكان قد ذهب بصره فقال والله إنى لأراه يعنى أبا بكر قد فجعكم بماله مع نفسه فقال كلا يا أبت إنه ترك لنا خيرا كثيرا قالت فأخذت أحجارا فوضعتها فى كوة أى طاقة فى البيت كان أبى يضع ماله فيها ثم وضعت عليها ثوبا ثم أخذت بيده فقلت ضع يدك على هذا المال قالت فوضع يده عليه فقال لا بأس إن كان ترك لكم هذا
فى هذا بلاغ لكم ولا والله ما ترك لنا شيئا ولكن أردت أن أسكن قلب الشيخ اه
أى ولما بلغ ضمرة بن جندب خروجه صلى الله عليه وسلم وكان مريضا فقال لا عذر لى فى مقامى بمكة فأمر أهله فخرجوا به فلما وصل إلى التنعيم مات به فأنزل الله تعالى { ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما } وقيل نزلت فى خالد بن حرام بن خويلد بن أسد أسلم قديما وهاجر إلى الحبشة فى المرة الثانية فمات من نهش حية قبل أن يصل وجاء أنه صلى الله عليه وسلم قال لحسان رضى الله تعالى عنه هل قلت فى أبى بكر شيئا قال نعم قال قل وأنا أسمع فقال ** وثانى اثنين فى الغار المنيف وقد ** ** طاف العدو به إذ صاعدوا الجبلا ** ** وكان حب رسول الله قد علموا ** ** من البرية لم يعدل به رجلا **
فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه أى وفى لفظ فتبسم ثم قال صدقت يا حسان هو كما قلت إنه أحب البرية إليه أى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعدل به غيره
أقول فى ينبوع الحياة والذى أعرف فى هذين البيتين أنهما من أبيات رثى بهما حسان أبا بكر رضى الله تعالى عنهما هذا كلامه
وقد يقال لا مانع أن يكون أدخلهما حسان فى مرثيته لأبى بكر بعد ذلك والله أعلم وعن أبى بكر رضى الله تعالى عنه قال لجماعة أيكم يقرأسورة التوبة قال رجل أنا أقرأ فلما بلغ { إذ يقول لصاحبه لا تحزن } بكى وقال أنا والله صاحبه
وعن أبى الدرداء رضى الله تعالى عنه قال رآنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمشى أمام أبى بكر فقال يا أبا الدرداء أتمشى أمام من هو أفضل منك فى الدنيا والآخرة فوالذى نفس محمد بيده ما طلعت الشمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبى بكر وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أتانى جبريل فقال إن الله تعالى يأمرك أن تستشير أبا بكر وعن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حب أبى بكر واجب على أمتى
= باب الهجرة إلى المدينة
لا يخفى أنه لما كان صبيحة الليلة الثالثة من دخولهما الغار على ما تقدم جاءهما الدليل الذى هو الرجل الدؤلى براحلتيهما فركبا وانطلق بهما وانطلق معهما عامربن فهيرة أى رديفا لأبى بكر يخدمهما أى وفى البخارى أن أبا بكر كان رديفا له صلى الله عليه وسلم أى ولامخالفة لما سيأتى
ويروى أنه صلى الله عليه وسلم لما خرج من الغار وركب أخذ أبو بكر بغرزه أى يركابه والغرز بغين معجمة مفتوحة وراء ساكنة وزاى ركاب الإبل خاصة فقال صلى الله عليه وسلم ألا أبشرك قال بلى فداك أبى وأمى قال إن الله عز وجل يتجلى للخلائق يوم القيامة عامة ويتجلى لك خاصة قال الخطيب هذا الحديث لا أصل له قال السيوطى رأيت له متابعات ودعا صلى الله عليه وسلم بدعاء منه اللهم اصحبنى فى سفرى واخلفنى فى أهلى
وأخذ بهم الدليل على طريق السواحل وصار أبو بكر إذا سأله سائل عن النبى صلى الله عليه وسلم من هذا الذى معك أى وفى رواية من هذا الذى بين يديك وفى رواية من هذا الغلام بين يديك أى بناء على أنه كان رديفا له صلى الله عليه وسلم يقول هذا الرجل يهدينى الطريق يعنى طريق الخير أى لأنه صلى الله عليه وسلم قال لأبى بكر أله الناس أى أشغل الناس عنى أى تكفل عنى بالجواب لمن سأل عنى فإنه لا ينبغى لنبى أن يكذب أى ولو صورة كالتورية فكان أبو بكر يقول لمن سأله عن النبى صلى الله عليه وسلم ما ذكر وإنما لم يسأل أبو بكر عن نفسه لأن أبا بكر كان معروفا لهم لأنه كان يكثر المرور عليهم فى التجارة للشام أى معروفا لغالبهم فلا ينافى ما جاء فى بعض الروايات أنه كان إذا سئل من أنت يقول ياغى أى طالب حاجة فعلم أن الأنبياء لا ينبغى لهم الكذب ولو صورة ومن ذلك التورية لكن سيأتى فى غزوة بدر وقوع التورية منه صلى الله عليه وسلم
وفى رواية ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم وراء أبى بكر ناقته وفى التمهيد لأبن عبد البر أنه لما أتى براحلة أبى بكر سأل أبو بكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركب ويردفه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل أنت اركب وأردفك أنا فإن
الرجل أحق بصدر دابته فكان إذا قيل له من هذا وراءك قال هذا يهدينى السبيل
أقول لا مخالفة بين هذا وما تقدم لأنه يجوز أن يكون ركب صلى الله عليه وسلم تارة خلف أبى بكر على ناقة أبى بكر وتارة ركب صلى الله عليه وسلم على ناقة نفسه أمامه وأن ركوبه لها كان فى أثناء الطريق ويكون صلى الله عليه وسلم إما أركب راحلته عامر بن فهيرة أو ترك ركوبها لأجل إراحتها والهداية كما تكون من المتقدم تكون من المتأخر وإن كان الأول هو الغالب والله أعلم وإلى توجهه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أشار صاحب الهمزية بقوله ** ونحا المصطفى المدينة واشتا ** ** قت إليه من مكة الأنحاء **
أى وقصد صلى الله عليه وسلم واشتاقت إليه الجهات والنواحى من مكة وقد جاء أنه لما خرج صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة مهاجرا وبلغ الجحفة اشتاق إلى مكة فأنزل الله تعالى عليه { إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد } أى إلى مكة
وأهل الرجعة يقولون إلى الدينا أى من يقول بأن النبى صلى الله عليه وسلم يرجع إلى الدنيا كما يرجع عيسى وقد أظهرها عبد الله بن سبأ كان يهوديا وأمه يهودية سوداء ومن ثم كان يقال له ابن السوداء أظهر الإسلام فى خلافة عمر رضى الله تعالى عنه وقيل فى خلافة عثمان رضى الله عنه وكان قصده بإظهار الإسلام بوار الإسلام فكان يقول العجب ممن يزعم أن عيسى يرجع إلى الدينا ويكذب برجعة محمد صلى الله عليه وسلم وقد قال الله تعالى { إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد } فمحمد أحق بالرجعة من عيسى عليهما الصلاة والسلام وتقدم ذلك فى أثناء الكلام على بدء الوحى وسيأتى ذلك عند بناء المسجد وكانت قريش كما تقدم أرسلت لأهل السواحل أن من قتل أو أسر أبا بكر أو محمدا كان له مائة ناقة أى فمن قتلهما أو أسرهما كان له مائتان
فعن سراقة جاءنا رسل كفار قريش يجعلون فيهما إن قتلا أو أسرا ديتين فبينا أنا جالس فى مجلس من مجالس قومى بنى مدلج أى بقديد وهو محل قريب من رابغ أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس فقال يا سراقة إنى رأيت أسودة أى أشخاصا بالسواحل أراه محمدا وأصحابه قال سراقة فعرفت أنهم هم فقلت إنهم ليسوا بهم ولكنك رأيت فلانا وفلانا انطلقوا بأعيننا أى بمعرفتنا يطلبون ضالة لهم أى وفى
لفظ قال رأيت ركبة بالتحريك جمع راكب ثلاثا مروا على آنفا أى قريبا إنى لأراهم محمدا وأصحابه قال سراقة فأومأت إليه أن اسكت ثم قلت إنما هم بنو فلان يتبعون ضالة لهم ثم لبثت فى المجلس ساعة ثم قمت إلى منزلى فأمرت جاريتى أن تخرج فرسى خفية إلى بطن الوادى وتحبسها على وأخذت رمحى وخرجت به من ظهر البيت فخططت بزجه فى الأرض والزج الحديدة التى تكون فى أسفل الرمح وخفضت عاليه أى أمسكت بأعلاه وجعلت أسفله فى الأرض لئلا براه أحد وإنما فعل ذلك كله ليفوز بالجعل المتقدم ذكره ولا يشركه فيه أحد من قومه بخروجه معه لقتلهما أو أسرهما زاد فى رواية ثم انطلقت فلبست لامتى وجعلت أجر الرمح مخافة أن يشركنى أهل الماء يعنى قومه قال حتى أتيت فرسى أى وكان يقال لها العود والفرس لغة تقع على الذكر والأنثى قال فى النور والمراد هنا الأنثى لقوله فركبتها ولقوله فرقعتها أى بالغت فى إجرائها حتى دنوت منهم
وفى لفظ فرفعتها تقرب بى وحينئذ يكون المراد أسرعت بالسير بها لأن التقريب دون العدو وفوق العادة فعثرت بى فرسى أى فوقعت لمنخريها كما فى حديث أسماء بنت أبى بكر رضى الله تعالى عنهما
زاد فى رواية ثم قامت تحمحم فخررت عنها فقمت فأهويت بيدى على كنانتى فاستخرجت الأزلام أى وهى عيدان السهام التى لا ريش لها ولم تركب فيها النصال واستقسمت بها أضرهم أم لا فخرج الذى أكره وهو عدم إضرارهم أى لأنه مكتوب عليها أفعل لا تفعل ويقال للأول الآمر ويقال للثانى الناهى فركبت فرسى وعصيت الأزلام تقرب بى حتى سمعت قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو لا يلتفت وأبو بكر يكثر الألتفات ساخت أى غابت يدا فرسى فى الأرض حتى بلغتا الركبتين أى وكانت الأرض جلدة فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت فلم تكد تخرج يديها فلما استوت قائمة إذ لأثر يديها عثان أى غبار ساطع فى السماء مثل الدخان أى مع كون الأرض جلدة فاستقسمت بالأزلام فخرج الذى أكره فناديتهم بالأمان أى وقلت أنظرونى لا أوذيكم ولا يأتيكم منى شئ تكرهونه
أى وفى رواية ناديت القوم وقلت أنا سراقة بن مالك أنظرونى أكلمكم أنا لكم نافع غير ضار وإنى لا أدرى لعل الحى فزعوا لركوبى أى أن بلغهم ذلك وأنا راجع
رادهم عنكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبى بكر قل له ماذا تبتغى فوقفوا فأخبرتهم بما تريد الناس منهم
وفى رواية قال يا محمد ادع الله أن يطلق فرسى وأرجع عنك وأرد من ورائى وفى رواية قال ياهذان ادعوا لى الله ربكما ولكما أن لا أعود ففعل أى دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فانطلق الفرس وحينئذ يكون زجره لها ونهوضها بعد الدعاء فلا مخالفة قال فركبت فرسى أى بعد نهوضها حتى جئتهم فقلت إن قومك جعلوا فيك الدية أى مائة من الإبل لمن قتلك أو أسرك وهذا هو المراد بقوله فى الرواية السابقة فأخبرتهم بما يريد الناس منهم وكأنه رأى أن ذلك كاف فى لحوقه بهم عن ذكر أبى بكر قال سراقة وعرضت عليهما الزاد والمتاع فلم يفبلا وقالا اخف عنا أى وفى رواية عرضت عليهما الزاد والحملان أى ولعل الحملان هو المراد بالمتاع أى لأنه جاء أنه قال لهما خذا هذا السهم من كنانتى وغنمى وإبلى بمحل كذا وكذا فخذا منهما ما شئتما فقالا اكفنا نفسك فقال كفيتماها
أقول وفى رواية قال له صلى الله عليه وسلم يا سراقة إذا لم ترغب فى دين الإسلام فإنى لا أرغب فى إبلك ومواشيك وفى رواية عن أبى بكر رضى الله عنه قال لما أدركنا سراقة قلت يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا { لا تحزن إن الله معنا } أى وقد تقدم أنه قال ذلك له فى الغار فلما كان بيننا وبينه قيد أى مقدار رمح أو ثلاثة قلت يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا وبكيت قال لم تبكى قلت أما والله ما على نفسى أبكى ولكن أبكى عليك فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال اللهم اكفناه بما شئت فساخت به فرسه فى الأرض إلى بطنها وكانت الأرض صلبة أى ولا يخالف ما سبق أنها بلغت الركبتين لجواز أن يكون ذلك فى أول أمرها ثم صارت إلى بطنها وذلك كله فى المرة الأولى فلا يخالف ما فى الإمتاع لما قرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ساخت يدا فرسه فى الأرض إلى بطنها فقال ادع لى يا محمد أن يخلصنى الله تعالى ولك على أن أرد عنك الطلب فدعا فخلص فعاد فتبعهم فساخت قوائم فرسه فى الأرض أشد من الأولى فقال يا محمد قد علمت أن هذا من دعائك على الحديث إذ هو يدل على أنها فى المرة الأولى وصلت إلى بطنها وفى الثانية وصلت إلى ما هو زائد على ذلك وقد يدل له ما يأتى عن الهمزية ولعل المراد أنه دخل جزء من بطنها فى الأرض
فى المرة الثانية وفى لفظ فقال يا محمد قد علمت أن هذا عملك فادع الله ينجينى مما أنا فيه فو الله لأعمين على من ورائى من الطلب فدعا له فانطلق راجعا
وفى السبعيات للهمدانى أن سراقة لما دنا منه صلى الله عليه وسلم صاح وقال يا محمد من يمنعك منى اليوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يمنعنى الجبار الواحد القهار ونزل جبريل عليه السلام وقال يا محمد إن الله عز وجل يقول جعلت الأرض مطيعة لك فأمرها بما شئت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أرض خذيه فأخذت الأرض أرجل جواده إلى الركب فساق سراقة فرسه فلم يتحرك فقال يا محمد الأمان وعزة العزى لو أنجيتنى لأكونن لك لا عليك فقال يا أرض أطلقيه فأطلقت جواده
وروى فى بعض التفاسير أن سراقة عاهد سبع مرات ثم ينكث العهد وكلما ينكث العهد تغوص قوائم فرسه فى الأرض وهذا أى الاقتصار على غوص قوائم فرسه فى الأرض لا ينافى الزيادة فلا يخالف ما سبق وفى السابعة تاب توبة صدق
وفى الفصول المهمة لما اتصل خبر مسيره صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وذلك فى اليوم الثانى من خروجه صلى الله عليه وسلم من الغار جمع الناس أبو جهل وقال بلغنى أن محمدا قد مضى نحو يثرب على طريق الساحل ومعه رجلان آخران فأيكم يأتينى بخبره فوثب سراقة فقال أنا لمحمد يا أبا الحكم ثم إنه ركب راحلته واستجنب فرسه وأخذ معه عبدا له أسود كان ذلك العبد من الشجعان المشهورين فسارا أى فى أثر النبى صلى الله عليه وسلم سيرا عنيفا حتى لحقا به فقال أبو بكر يا رسول الله قد دهينا هذا سراقة قد أقبل فى طلبنا ومعه غلامه الأسود المشهور فلما أبصرهم سراقة نزل عن راحلته وركب فرسه وتناول رمحه وأقبل نحوهم فلماقرب منهم قال النبى صلى الله عليه وسلم اللهم اكفنا أمرسراقة بما شئت وكيف شئت وأنى شئت فغابت قوائم فرسه فى الأرض حتى لم يقدر الفرس أن يتحرك فلما نظر سراقة إلى ذلك هاله ورمى نفسه عن الفرس إلى الأرض ورمى رمحه وقال يا محمد أنت أنت وأصحابك أى أنت كما أنت أى آمن وأصحابك فادع ربك يطلق لى جوادى ولك عهد وميثاق أن أرجع عنك فرفع النبى صلى الله عليه وسلم يديه إلى السماء وقال اللهم إن كان صادقا فيما يقول فأطلق له جواده فال قأطلق الله تعال له قوائم فرسه حتى وثب على الأرض سليما أى ولعل هذا فى المرة الثانية أو المرة الأخيرة من السبع على ما تقدم وتقدم أن الاقتصار على القوائم لا ينافى
الزيادة عليها فلا يخالف ما سبق فى هذه الرواية ورجع سراقة إلى مكة فاجتمع الناس عليه فأنكر أنه رأى محمدا فلا زال به أبو جهل حتى اعترف وأخبرهم بالقصة وفى ذلك يقول سراقة مخاطبا لأبى جهل ** أبا حكم والله لو كنت شاهدا ** ** لأمر جوادى إذ تسوخ قوائمه ** ** علمت ولم تشكك بأن محمدا ** ** رسول ببرهان فمن ذا يقاومه **
وسياق هذه الرواية يدل على أنه خرج خلف النبى صلى الله عليه وسلم من مكة ويدل لذلك ما ذكر أنه كان أحد القاصين لأثره صلى الله عليه وسلم فى الجبل لكنه مخالف لما تقدم أنه خرج خلفه صلى الله عليه وسلم من قديد من مجلس قومه وأخفى خروج فرسه وخروجه عن قومه
وقد يقال لا مخالفة لأنه يجوز أن يكون لما خرج من مكة سلك طريقا غير الطريق الذى سلكها النبى صلى الله عليه وسلم فلم يجده وسبقه على قديد فجلس فى مجلس قومه فلما أخبر بمرورهم فعل ما تقدم ثم وجد عبده الأسود فى مروره وكان معه راحلته فركبها واستجنب فرسه وصحب عبده
ولا مانع أن يخرج من مكة بعد خروجهم من الغار ويسبقهم على قديد ولا ينافى ذلك قوله فأتانا رسل كفار قريش لأنه يجوز أن يكون ذلك هو الحامل لسراقة على الذهاب إلى مكة لعله يجده بطريقه ولا ينافى ذلك كونه كان أحد القصاصين لأثره صلى الله عليه وسلم لأنه يجوز أن يكون عاد إلى قديد قبل أن يجعل الجعل وفى كلام بعضهم أنه أرسل بهذين البيتين إلى أبى جهل ولا منافاة لجواز أن يكون أرسل بهما قبل أن يشافهه بهما
وفى رواية أنه لما لحق بهم قال صلى الله عليه وسلم اللهم اصرعه فصرع عن فرسه فقال يا نبى الله مرنى بما شئت قال تقف مكانك لا تتركن أحدا يلحق بنا
ثم لا يخفى أن صرعه عن فرسه يحتمل أن يكون لما ساخت ويحتمل أنه صرع عنها قبل ذلك وهو ظاهر سياق الرواية الأولى وهى فعثرت بى فرسى فخررت عنها وحينئذ يكون عثورها بدعائه صلى الله عليه وسلم والله أعلم
قال سراقة فسألته أن يكتب لى كتاب أمن لأنه وقع فى نفسى حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
وفى السبعيات قال سراقة يا محمد إنى لأعلم أنه سيظهر أمرك فى العالم وتملك رقاب الناس فعاهدنى أنى إذا أتيتك يوم ملكك فأكرمني فأمر عامر بن فهيرة أى وقيل أبا بكر فكتب لى فى رقعة من أدم أى وقيل فى قطعة من عظم وقيل فى خرقة
أقول وحينئذ يمكن أن يكون كتب عامر بن فهيرة أولا فطلب سراقة أن يكون أبو بكر هو الذى يكتب فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابة ذلك فأحدهما كتب فى الرقعة من الأدم والآخر كتب فى العظم أو الخرقة أو المراد بالخرقة الرقعة من الأدم فلا مخالفة
ولما اراد الانصراف قال له كيف بك ياسراقة إذا تسورت بسوارى كسرى قال كسرى بن هرمز قال نعم وسيأتى أن سراقة أسلم بالجعرانة ولما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بها قال له مرحبا بك
وعن سراقة لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين والطائف خرجت ومعى الكتاب لألقاه فلقيته بالجعرانة فدخلت فى كتيبة من خيل الأنصار فجعلوا يقرعوننى بالرماح ويقولون إليك ماذا تريد قال فدنوت من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته فرفعت يدى بالكتاب ثم قلت يا رسول الله هذا كتابى وأنا سراقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم وفاء وبشر أدنه فدنوت منه وأسلمت
ولما جئ لعمر رضى الله تعالى عنه فى زمن خلافته بسوارى كسرى وتاجه ومنطقته أى وبساطه وكان ستين ذراعا فى ستين ذراعا منظوما باللؤلؤ والجواهر الملونة على ألوان زهر الربيع كان يبسط له فى إيوانه ويشرب عليه إذا عدمت الزهور وجئ له بمال كثير من مال كسرى وبنات كسرى وكن ثلاثا وعليهن الحلى والحلل والجواهر ما يقصر اللسان عن وصفه وعند ذلك دعا سراقة وقال ارفع يديك وألبسه السوارين وقال له قل الحمد لله الذى سلبهما كسرى بن هرمز الذى كان يقول أنا رب الناس وألبسهما سراقة بن مالك أى ورفع عمر بها صوته وصب المال الذى جئ به من أموال كسرى فى صحن المسجد وفرقه على المسلمين ثم قطع البساط وفرقه بين المسلمين فأصاب عليا رضى الله تعالى عنه منه قطعة باعها بخمسين ألف دينار ثم جئ ببنات الملك الثلاث فوقفن بين يديه وأمر المنادى أن ينادى عليهن وأن يزيل نقابهن عن
وجوههن ليزيد المسلمون فى ثمنهن فامتنعن من كشف نقابهن ووكزن المنادى فى صدره فغضب عمر رضى الله تعالى عنه وأراد أن يعلوهن بالدرة وهن يبكين فقال له على رضى الله تعالى عنه مهلا يا أمير المؤمنين فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ارحموا عزيز قوم ذل وغنى قوم افتقر فسكن غضبه فقال له على إن بنات الملوك لا يعاملن معاملة غيرهن من بنات السوقة فقال له عمركيف الطريق إلى العمل معهن فقال يقومن ومهما بلغ ثمنهن يقوم به من يختارهن فقومن وأخذهن على رضى الله تعالى عنه فدفع واحدة لعبد الله بن عمر فجاء منها بولده سالم وأخرى لمحمد بن أبى بكر فجاء منها بولده القاسم والثالثة لولده الحسين فجاء منها بولده على الملقب بزين العابدين وهؤلاء الثلاثة فاقوا أهل المدينة علما وورعا وكان أهل المدينة قبل ذلك يرغبون عن التسرى فلما نشأ هؤلاء الثلاثة فيهم رغبوا فيه
ومن غريب الانفاق ما حكاه بعضهم قال كنت أجالس سعيد بن المسيب واعجب سعيد بى يوما فقال لى من أخوالك فقلت أمى فتاة فكأنى نقصت من عينه فأنا عنده إذ دخل عليه سالم بن عبد الله بن عمر فلما خرج من عنده قلت له ياعم من هذا قال سبحان الله أتجهل مثل هذا من قومك هذا سالم بن عبد الله بن عمر قلت فمن أمه قال فتاه ثم دخل القاسم بن محمد فجلس عنده ثم نهض فلما خرج قلت يا عم من هذا قال ما أعجب أمرك أتجهل مثل هذا هذا القاسم بن محمد بن أبى بكر قلت فمن أمه قال فتاه ثم دخل عليه على بن حسين فجلس ثم نهض فلما خرج قلت له من هذا قال عجبت منك أتجهل مثل هذا هذا على زين العابدين بن الحسين قلت فمن أمه قال فتاة قلت يا عمى رأيتنى نقصت من عينك لما علمت أن أمى فتاة فما لى فى هؤلاءأسوة فقال أجل وعظمت فى عينه جدا
ولما رجع سراقة صار يرد عنهم الطلب لا يلقى أحدا إلا رده يقول سيرت أى اختبرت الطريق فلم أر أحدا وفى لفظ قال لقريش أى لجماعة منهم قصدوه صلى الله عليه وسلم كأنهم أخبروا بمكان مسيره ذلك قد عرفتم بصرى بالطريق وقد سرت فلم أر شيئا فرجعوا أى فإن كفار قريش لما سمعوا من الهاتف أى ومن غيره بأنه صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم نزل فى خيمة أم معبد كما سيأتى أرسلوا سرية فى طلبه يقول قائلهم اطلبوه قبل أن يستعين عليكم بكلبان العرب فيحتمل أن هؤلاء هم الذين ردهم سراقة
فكان سراقة أول النهار جاهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وآخر النهار مسلحة أى سلاحا له
وفى رواية قال سراقة خرجت وأنا أحب الناس فى تحصيلهما ورجعت وأنا أحب الناس فى أن لا يعلم بهما أحد ويحتمل أنه بعد أن ردهم سراقة ذهبوا إلى أم معبد
ففى تتمة الخبر أن تلك السرية جاءت إلى أم معبد فسألوها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشفقت أى خافت عليه منهم فتعاجمت عليهم أى أظهرت عدم علمها بذلك فقالت إنكم تسألونى عن أمر ما سمعت به قبل عامى هذا ثم قالت لئن لم تنصرفوا عنى لأصرخن فى قومى عليكم وكانت فى عز من قومها فانصرفوا ولم يعلموا أين توجه أى من أى طريق توجه أى ولعلها قالت لهم ذلك لما رأت منهم التثقيل عليها وهذا السياق يدل على أن قصة أم معبد وإلى قصة سراقة أشار صاحب الأصل بقوله ** غرت سراقة أطماع فساخ به ** ** جواده فانثنى للصلح مطلبا ** وإليها أشار أيضا صاحب الهمزية بقوله ** واقتفى أثره سراقة فاستهوته ** ** فى الأرض صافن جرداء ** ** ثم ناداه بعد ما سمت الخسف ** ** وقد ينجد الغريق النداء **
أى وتبع أثره سراقة فهوت أى سقطت به صافن وهى الفرس التى تقوم على ثلاث قوائم وتقيم الرابعة على طرف الحافر وهو وصف محمود فى الخيل جرداءقصيرة الشعر وذلك وصف محمود فى الخيل أيضا بعد أن قاربت أن يخسف بها كلها وقد يخلص الدعاء الغريق كما وقع ليونس صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه
قال وعن أبى بكر الصديق رضى الله تعالى عنه أنه قال سرنا ليلتنا كلها حتى قام قائم الظهيرة وخلا الطريق فلا يرى فيه أحد رفعت لنا صخرة طويلة لها ظل فنزلنا عندها فأتيت الصخرة فسويت بيدى مكانا ينام فيه رسول الله عليه وسلم في ظلها ثم بسطت له فروة معي ثم قلت يا رسول الله نم وأنا أتجسس وأتعرف من تخافه فنام صلى الله عليه وسلم وإذا براع يقبل نغنمه إلى الصخرة يريد منها الذى أردناه أى وهو الظل فلقيته فقلت له لمن أنت يا غلام فقال لرجل من أهل مكة فسماه فعرفته أى وقال الحافظ ابن حجر لم أقف على اسم هذا الراعى ولا على اسم صاحب الغنم قال
أبو بكر رضى الله تعالى عنه فقلت هل فى غنمك من لبن قال نعم قلت أفتحلب لى قال نعم فأخذ شاة فحلب لى فى قعب معه وفى رواية فى إداوة معى على فيها خرقة فأتيت النبى صلى الله عليه وسلم وكرهت أن أوقظه من نومه فوقفت حتى استيقظ فصببت على اللبن من الماء حتى برد أسفله فقلت يا رسول الله اشرب من هذا اللبن فشرب لأنه جرت العادة بإباحة مثل ذلك لابن السبيل إذا احتاج إلى ذلك فكان كل راع مأذونا له فى ذلك أى كما تقدم فلا ينافى ما جاء لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه أو أن هذا الحديث محمول على فعل ذلك اختلاسا من غيرمعرفة الراعى
وأما قول بعضهم إنما استجاز شربه لأنه مال حربى ففيه نظر لأن الغنائم أى أموال الحربيين لم تكن أبيحت له حينئذ ثم قال يعنى النبى صلى الله عليه وسلم ألم يأن للرحيل قلت بلى فارتحلنا بعد ما زالت الشمس انتهى
أى وفى رواية أن أبا بكر قال قد آن الرحيل يا رسول الله أى دخل وقته قال الحافظ ابن حجر يجمع بينهما بأن يكون النبى صلى الله عليه وسلم بدأ فسأل فقال له أبو بكر بلى ثم أعاد عليه بقوله قد آن الرحيل واجتازوا فى طريقهم بأم معبد أى واسمها عاتكة وكان منزلها بقديد أى وهو محل سراقه كما تقدم ولعلها كانت بطرفه الأخير الذى يلى المدينة ومنزل سراقة بطرفه الذى يلى مكة وكانت مسافته متسعة فليتأمل
وكانت أم معبد امرأة برزة جلدة تختبى بفناء بيتها وتطعم وتسقى وهى لا تعرفهم أى وسألوها لحما وتمرا أى وفى رواية أو لبنا يشترونه فقالت والله لو كانت عندنا شئ ما أعوزناكم أى للشراء وفى رواية ما أعوزناكم القرى لأنهم كانوا مسنتين أى مجدبين فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أم معبد هل عندك من لبن قالت لا والله فرأى شاة خلفها الجهد عن الغنم أى لم تطق اللحاق بها لما بها من الهزال قال هل بها من لبن قالت هى أجهد من ذلك قال أتأذنين فى حلابها قالت والله ما ضربها من فحل قط فشأنك أى أصلح شأنك بها إن رأيت منها حلبا فاحلبها فدعا بها فمسح ظهرها بيده أى وفى رواية فبعث النبى صلى الله عليه وسلم معبدا وكان صغيرا فقال ادع هذه الشاة ثم قال يا غلام هات فرقا فمسح ظهرها وفى رواية فمسح بيده ضرعها وظهرها وسمى الله تعالى أى وقال اللهم بارك لنا شاتنا فدرت واجترت وتفاحجت أى فتحت ما بين رجليها للحلب ثم دعا بإناء يربض الرهط أى يروبهم
بحيث يغلب عليهم الرى فيربضون وينامون والرهط من الثلاثة للعشرة وقيل من التسعة إلى الأربعين فحلب فيها ثجا أى بقوة لكثرة اللبن ومن ثم قال حتى علاه البهاء وفى رواية حتى علته الثمالة بضم المثلثة أى الرغوة وفى رواية فسقاها فشربت حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا عللا بعد نهل أى مرة ثانية بعد الأولى ثم شرب صلى الله عليه وسلم فكان آخرهم شربا وقال ساقى القوم آخرهم شربا ثم حلب فيه وغادره أى تركه عندها وارتحل وإلى ذلك أشار الإمام السبكى بقوله فى تائيته ** مسحت على شاة لدى أم معبد ** ** بجهد فألفتها أدر حلوبة ** وإلى ذلك أشار صاحب الهمزية بقوله فى وصف راحته الشريفة ** درت الشاة حين مرت عليها ** ** فلها ثروة بها ونماء **
أى أرسلت لبنها حين مرت راحته الشريفة على تلك الشاة فلتلك الشاة بسبب تلك الراحة كثرة لبن وزيادة
وعن أم معبد أن هذه الشاة بقيت إلى خلافة سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه إلى سنة ثمانى عشرة وقيل سبع عشرة من الهجرة ويقال لتلك السنة عام الرمادة أى وكانت تلك السنة أجدبت الأرض إجدابا شديدا حتى جعلت الوحوش تأوى إلى الإنس ويذبح الرجل الشاة فيعافها أى لخبث لحمها وكانت الريح إذا هبت ألقت ترابا كالرماد فسمى ذلك العام عام الرمادة وعند ذلك آلى عمر رضى الله تعالى عنه أن لا يذوق لبنا ولا سمنا ولا لحما حتى تحيا الناس أى تجئ عليهم الحيا وهو المطر وقال كيف لا يعنينى شأن الرعية إذ لم يمسنى مامسهم وهذا السياق يدل على أن الذى حلبه صلى الله عليه وسلم عند أم معبد شاة واحدة
وفى تاريخ العينى شارح البخارى قال يونس عن أبن إسحاق أنه دعا ببعض غنمها فمسح ضرعها بيده ودعا الله وحلب فى العس حتى أرغى وقال اشربى يا أم معبد فقالت أشرب أشرب فأنت أحق به فرده عليها فشربت ثم دعا بحائل أخرى ففعل بها مثل ذلك فسقى دليله ثم دعا بحائل أخرى ففعل بها مثل ذلك فسقى عامر بن فهيرة وطلبت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغوا أم معبد فسألوا عنه صلى الله عليه وسلم ووصفوه لها فقالت ما أدرى ما تقولون قد ضافنى حالب الحائل فقالوا ذلك الذى نريده
وعند قول عمر رضى الله تعالى عنه ذلك قال كعب لعمر يا أمير المؤمنين إن بنى إسرائيل كانوا إذا أصابهم مثل هذا استسقوا بعصبة الأنبياء فقال عمر هذا عم النبى صلى الله عليه وسلم وصنو أبيه وسيد بنى هاشم يعنى العباس فمشى إليه عمر وشكا إليه ما فيه الناس فصعد عمر المنبر ومعه العباس وقال اللهم إنا قد توجهنا إليك بعم نبينا وصنو أبيه صلى الله عليه وسلم فاسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين ثم قال عمر للعباس يا أبا الفضل قم وادع فقام وحمد الله وأثنى عليه ودعا بدعاء منه اللهم شفعنا فى أنفسنا وأهلينا اللهم إنا نشكو إليك جوع كل جائع اللهم إنا لا نرجو إلا إياك ولا ندعو غيرك ولا نرغب إلا إليك فسقوا قبل أن يصلوا إلى منازلهم وخاضوا فى الماء وأخصبت الأرض وعاش الناس فقال عمر هذا والله هو الوسيلة إلى الله تعالى فصار الناس يتمسحون بالعباس ويقولون هنيئا لك سقينا فى الحرمين
وذكر السهيلى أن جماعة كانت مقبلة إلى المدينة فى ذلك اليوم فسمعوا صائحا يصيح فى السحاب أتاك الغوث أبا حفص أتاك الغوث أبا حفص
هذا وذكر العلامة ابن حجر الهيتمى فى الصواعق عن تاريخ دمشق أن الناس كرروا الاستسقاء عام الرمادة سنة سبع عشرة من الهجرة فلم يسقوا فقال عمر رضى الله تعالى عنه لأستسقين غدا بمن يسقينى الله به فلما أصبح غدا للعباس رضى الله تعالى عنه فدق عليه الباب فقال من قال عمر قال ما حاجتك قال اخرج حتى نستسقى الله بك قال اقعد فأرسل إلى بنى هاشم أن تطهروا والبسوا من صالح ثيابكم فأتوه وأخرج طيبا وطيبهم ثم خرج وعلى أمامه بين يديه والحسن عن يمينه والحسين عن يساره وبنو هاشم خلف ظهره وقال يا عمرلا تخلط بنا غيرنا ثم أتى المصلى فوقف فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال اللهم إنك خلقتنا ولم تؤامرنا وعلمت ما نحن عاملون قبل أن تخلقنا فلم يمنعك علمك فينا عن رزقنا اللهم فكما تفضلت علينا فى أوله فتقضل علينا فى آخره قال جابر فما برحنا حتى سحت السماء علينا سحا فما وصلنا إلى منازلنا إلا خوضا فقال العباس أنا ابن المسقى ابن المسقى ابن المسقى ابن المسقى ابن المسقى خمس مرات أشار إلى أن أباه عبد المطلب استسقى خمس مرا ت فسقى هذا كلامه فلينظر الجمع
قال ابن شهاب كان أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم يعرفون للعباس فضله
ويقدمونه ويشاورونه ويأخذون برأيه أى وكان لايمرعمر وعثمان وهما راكبان إلا ترجلا حتى يجوز العباس وربما مشيا معه إلى بيته إجلالا له أى لأنه صلى الله عليه وسلم قال احفظونى فى العباس فإنه عمى وصنو أبى وفى رواية فإنه بقيه آبائى
قالت أم معبد فى وصف تلك الشاة وكنا نحلبها صبوحا وغبوقا أى بكرة وعشية وما فى الأرض قليل ولا كثير أى مما يتعاطى الدواب أكله ولما جاء زوجها أبو معبد قال السهيلى لا يعرف اسمه وقيل اسمه أكثم بالثاء المثلثة كما تقدم وقيل خنيس وقيل عبد الله جاء عند المساء يسوق اعنزا عجافا ورأى اللبن الذى حلبه صلى الله عليه وسلم عجب وقال يا أم معبد ما هذا اللبن ولا حلوب فى البيت أى والشاة عازب أى لم يطرقها فحل لكن رأيته فى النور فسر العازب بالبعيدة المرعى التى لا تأوى إلى المنزل فى الليل وفى الصحاح العازب الكلأ البعيد الذى لم يؤكل ولم يوطأ
قالت مر بنا رجل مبارك قال صفيه قالت رأيت رجلا ظاهر الوضاءة متبلج الوجه أى مشرقه فى أشفاره أى أجفان عينيه أى شعرها النابت بها وطف أى طول وفى عينيه دعج بشدة السواد وفيه أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن بياض عينيه شديد البياض بل كان أشكل العين والشكلة خمرة فى بياض العين وهو دليل الشهامة وهى من علامات نبوته صلى الله عليه وسلم فى الكتب القديمة كما تقدم وفى صوته صحل أى بحة بضم الموحدة أى ليس حاد الصوت غصن بين الغصنين لا تشنؤه من طول أى لا تبغضه لفرط طوله ولا تقتحمه من قصر أى تحتقره من قصره لم تعبه ثجلة أى عظم البطن وكبرها ولم تزر به صعلة أى صغر الرأس كأن عنقه إبريق فضة أى والإبريق السيف الشديد البريق إذا نطق فعليه البهاء وإذا صمت فعليه الوقار له كلام كخرزات النظم أزين أصحابه منظرا وأحسنهم وجها أصحابه يحفون به إذا أمر ابتدروا أمره وإذا نهى انتهوا عند نهيه
قال وفى لفظ أنها قالت رأيت رجلا ظاهر الوضاءة أبلج الوجه أى مشرقه حسن الخلق لم تعبه ثجلة ولم تزره صعلة وسيما قسيما أى حسنا فى عينيه دعج وفى أشفاره وطف وفى صوته صحل أو قالت صهل أحور أكحل أى فى أجفان عينيه سواد خلقة وفى عنقه سطع أى نور وفى لحيته كثافة أى لا طويلة ولادقيقة
أزج أى رقيق طرف الحاجب أقرن أى مقرون الحاجبين شديد سواد الشعر إن صمت فعليه الوقار وإن تكلم سما به أى ارتفع على جلسائه وعلاه البهاء أجمل الناس وأبهاهم من بعيد وأحسنهم من قريب حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر كأن منطقه خززا ت نظمن يتحدرن ربعة لا تشنؤه أى تبغضه من طول أى من فرط طوله ولا تقتحمه عين من نظر أى لا تتجاوزه إلى غيره اختيارا له غصنا بين عصنين فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا له رفقاء يحفون به إن قال أنصتوا لقوله وإن أمر ابتدروا إلى أمره محفود مخدوم محشود له حشد وجماعة لا عابس ولا مفند أى يكثر اللوم اه قال هذه والله صفة صاحب قريش ولو رأيته لا تبعته ولأجتهدن أن أفعل
أى وفى الإمتاع ويقال إنها أى أم معبد ذبحت لهم شاة وطبختها فأكلوا منها ووضعت لهم فى سفرتهم منها ما وسعته تلك السفرة وبقى عندها أكثر لحمها
وفى الخصائص الكبرى أنه صلى الله عليه وسلم بايعها أى أسلمت قبل أن يرتحلوا عنها وفى كلام ابن الجوزى أن أم معبد هاجرت واسلمت وكذا زوجها هاجر وأسلم
اقول فى شرح السنة للبغوى وهاجرت هى وزوجها وأسلم أخوها حبيش بن الأصفر واستشهد يوم الفتح وكان أهلها يؤرخون بيوم نزول الرجل المبارك ويقال بأن زوجها خرج فى أثرهم فأدركهم وبايعه صلى الله عليه وسلم ورجع
وفى الأجوبة المسكتة لابن عون قيل لأم معبد ما بال صفتك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أشبه به من سائر صفات من وصفه أى من الرجال فقالت أما علمتم أن نظر المرأة من الرجل أشفى من نظر الرجل إلى الرجل
وفى ربيع الأبرار للزمخشرى عن هند بنت الجون أنه صلى الله عليه وسلم لما كان بخيمة خالتها أم معبد قام من رقدته فدعا بماء فغسل يديه ثم تمضمض ومج ذلك فى عوسجة إلى جانب الخيمة فأصبحت وهى أعظم دوحة أى شجرة ذات فروع كثيرة وجاءت بثمر كأعظم ما يكون فى لون الورس ورائحة العنبر وطعم الشهد ما أكل منها جائع إلا شبع ولا ظمآن إلا روى ولا سقيم إلا برئ ولا أكل من ورقها بعير إلا در فكنا نسميها المباركة فأصبحنا فى يوم من الأيام وقد سقط ثمرها واصفر
ورقها ففزعنا لذلك فما راعنا إلا نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال والعجب كيف لم يشتهر أمر هذه الشجرة كما اشتهر أمر الشاة
وعن أم معبد أنها قالت مر على خيمتى غلام سهيل بن عمرو ومعه قربتان فقلت ما هذا قال إن النبى صلى الله عليه وسلم كتب إلى مولاى يستهديه ماء زمزم فأنا أعجل السيركى لا تنشف القرب أى فإنه صلى الله عليه وسلم كتب إلى سهيل بن عمرو إن جاءك كتابى ليلا فلا تصبحن أو نهارا فلا تمسين حتى تبعث إلى من ماء زمزم فجاء بقربتين فملأهما من ماء زمزم وبعث بهما على بعير مولاه أزهر ولا زال كفار قريش بمكة لا يعلمون أين توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر حتى سمعوا هاتفا يذكرهما ويذكر أم معبد فى أبيات منها ** جزى الله رب الناس خير جزائه ** ** فيقين قالا خيمتى أم معبد ** ** هما نزلا بالبر ثم ترحلا ** ** فأفلح من أمسى رفيق محمد **
فعلموا توجهه ليثرب أى وفى طريق اليمن محل يقال له الدهيم وبئر أم معبد قال بعضهم وليست بأم معبد التى نزل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة ويجوز أن يكون الخبر الذى وصل إليهم فى اليوم الثانى من خروجه من الغار هو قول هذا الهاتف أو عقبه من شخص رآهم وإلى قول الهاتف أشار صاحب الهمزية بقوله ** وتغنت بمدحه الجن حتى ** ** أطرب الإنس منه ذاك الغناء **
أى وأظهرت الجن أوصافه صلى الله عليه وسلم الحميدة فى صورة الغناء الذى تتولع به النفس حتى أطرب ذلك الغناء الإنس حيث سمعوه وأما قول بعضهم إنهم علموا ذلك من هاتف هتف بقوله ** إن يسلم السعدان يصبح محمد من الأمر لا يخشى خلاف المخالف **
فقالوا السعود سعد بن بكر وسعد بن زيد مناة وسعد هديم فلما كانت القابلة سمعوا ذلك الهاتف يقول ** فياسعد سعد الأوس كن أنت مانعا ** ** ويا سعد الخزرجين الغطارف **
فقالوا سعد الأوس سعد بن معاذ وسعد الخزرجين سعد بن عبادة ففيه نظر لأن السعدين المذكورين كانا أسلما قبل ذلك فلا يحسن قوله إن يسلم السعدان
أقول يجوز أن يكون أن هنا بمعنى إذ أى صيرورته صلى الله عليه وسلم آمنا لا يخشى
خلاف المخالف إسلام السعدين أو المراد دوامهما على الإسلام على أنه ذكر فى الأصل أن إنشاد هذين البيتين وسماع أهل مكة له كان قبل إسلام سعد بن معاذ
وذكر بعضهم أن السعود من الأنصار سبعة أربعة من الأوس سعد بن معاذ وسعد بن خيثمة وسعد بن عبيد وسعد بن زيد وثلاثة من الخزرج سعد بن عبادة وسعد بن الربيع وسعد بن عثمان أبو عبيدة والله أعلم
قال وتقديم قصة سراقة على قصة أم معبد هو ما فى الأصل وقد التزم فيه ترتيب الوقائع وقضية الترتيب ذكر قصة أم معبد قبل قصة سراقة لأنه الصحيح الذى صرح به جماعة اه
أقول ومما يدل لذلك ما تقدم من أن كفار قريش لم يعلموا أين توجه صلى الله عليه وسلم حتى سمعوا الهاتف يذكر أم معبد
وعن أسماء بنت أبى بكر رضى الله تعالى عنهما قالت لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل وقفوا على الباب فخرجت إليهم فقالوا أين أبوك قلت والله لا أدرى فرفع أبو جهل يده فلطم خدى لطمة خرم منها قرطى أى وفى لفظ طرح منها قرطى والقرط ما يعلق فى شحمة الأذن قالت ثم انصرفوا فمضى ثلاث ليال ولم ندر أين توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يغنى بأبيات وإن الناس ليتبعونه يسمعون صوته حتى خرج بأعلى مكة يقول جزى الله رب الناس الأبيات كذا فى الأصل
وفيه أن قولها لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ظاهر فى خروجه للغار وقولها فمضى ثلاث لا ندرى أين توجه يقتضى أن المراد خروجه من الغار وتقدم أنهم علموا بخروجه إلى المدينة فى اليوم الثانى من خروجه من الغار وتقدم أنهم لم يعلموا بذلك إلا من الهاتف فليتأمل
وقد تبع الأصل فى ذلك شيخه الحافظ الدمياطى حيث قدم خبر سراقة على قصة أم معبد إلا أن يقال الدمياطى لم يلتزم الترتيب فلا تحسن تبعيته وهنا قصة أخرى فيها زيادة ونقص قيل هى قصة أم معبد وقيل غيرها وهى أنه اجتاز صلى الله عليه وسلم بغنم فقال لراعيها لمن هذه فقال لرجل من أسلم فالتفت صلى الله عليه وسلم لأبى بكر وقال سلمت إن شاء الله تعالى ثم قال للراعى ما اسمك قال مسعود فالتفت إلى أبى بكر رضى الله تعالى عنه فقال سعدت إن شاء الله تعالى
وفى الإمتاع ولقى بريدة بن الحصيب الأسلمى رضى الله تعالى عنه فى ركب من قومه فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا أى والحصيب بضم الحاء المهملة وفتح الصاد
وفى الشرف أن بريدة لما بلغه ما جعلته قريش لمن يأخذ النبى صلى الله عليه وسلم طمع فى ذلك فخرج هو فى سبعين من أهل بيته وفى لفظ كانوا نحو ثمانين بيتا وجينئذ يراد ببيته قومه فلما رآه صلى الله عليه وسلم قال له من أنت قال بريدة ابن الحصيب فالتفت النبى صلى الله عليه وسلم وقال يا أبا بكر برد أمرنا وصلح قال ممن أنت قال من أسلم من بنى سهم قال النبى صلى الله عليه وسلم سلمنا وخرج سهمك يا أبا بكر أى لأنه صلى الله عليه وسلم كان يتفاءل ولا يتطير كما تقدم ثم قال بريدة للنبى صلى الله عليه وسلم من أنت قال أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب رسول الله فقال بريدة أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فأسلم بريدة وكل من كان معه أى وصلوا خلفه صلى الله عليه وسلم العشاء الآخرة ثم قال بريدة يا رسول الله لا تدخل المدينة إلا ومعك لواء فحل بريدة عمامته ثم شدها فى رمح ثم مشى بين يديه أى وقال له كما فى الوفاء تنزل علام يا نبى الله فقال النبى صلى الله عليه وسلم إن ناقتى هذه مأمورة فقال بريدة الحمد لله الذى أسلمت بنو سهم يعنى قومه طائعين غير مكرهين
ولما سمع المسلمون بالمدينة بخروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة كانوا يغدون كل غداة إلى الحرة ينتظرونه حتى يردهم حر الظهيرة
أقول ولعل خروجهم كان فى ثلاثة أيام وهى المدة الزائدة على المسافة المعتادة بين مكة والمدينة التى كان بها فى الغار والله أعلم
فاتقلبوا يوما بعد أن طال انتظارهم أى وأحرقتهم الشمس وإذا رجل من اليهود صعد على أطم أى محل مرتفع من آطامهم أى من محالهم المرتفعة لأمر ينظر إليه فبصر برسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه مبيضين أى لأنهم لقوا الزبير فى ركب من المسلمين كانوا تجارا قافلين من الشام فكسا الزبير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ثيابا بيضا كما فى البخارى
وقيل إن الذى كساهما طلحة بن عبيد الله قال فى النور ولعلهما لقياه معا أو متعاقبين فكسواه وأبا بكر ما ذكر وهذا الجمع أولى من ترجيح الحافظ الدمياطى لهذا القيل
ومن ثم ذكر الحافظ ابن حجر أن هذا القيل هو الذى فى السير ومال الدمياطى إلى ترجيحه على عادته فى ترجيح ما فى السير على ما فى الصحيح لكنه ذكر أن ذلك كان شأنه فى ابتداء أمره فلما تضلع من الأحاديث الصحيحة كان يرى الرجوع عن كثير مما وافق عليه أهل السير وخالف الأحاديث الصحيحة
فلما رآهم ذلك اليهودى يزول بهم السراب أى يرفعهم ويظهرهم أى والسراب ما يرى كالماء فى وسط النهار فى زمن الحر فلم يملك اليهودى أن قال بأعلى صوته يا معشر العرب هذا جدكم أى حظكم الذى تنتظرون أى وفى رواية فلما دنوا من المدينة بعثوا رجلا من أهل البادية إلى أبى أمامة وأصحابه من الأنصار أى ولا مانع من وجود الأمرين فثار المسلمون إلى السلاح فبلغوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهر الحرة أى وفى لفظ فوافوه وهو مع أبى بكر فى ظل نخلة ولعل تلك النخلة كانت بظهر الحرة فلا مخالفة ثم قالوا لهما ادخلا آمنين مطاعين فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بقباء فى دار بنى عمرو بن عوف وذلك فى يوم الأثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول على كلثوم بن الهدم أى لأنه كان شيخ بنى عمرو بن عوف أى وهم بطن من الأوس قيل وكان يومئذ مشركا ثم أسلم وتوفى قبل بدر بيسير وقيل أسلم قبل وصوله صلى الله عليه وسلم المدينة أى وعند نزوله صلى الله عليه وسلم نادى كلثوم بغلام له يا نجيح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنجحت يا أبا بكر وكان يجلس للناس ويتحدث مع أصحابه فى بيت سعد بن خيثمة أى لأنه كان عزبا لا أهل له هناك أى وكان منزله يسمى منزل العزاب والعزب من الرجال من لا زوجة له ولا يقال أعزب وقيل هى لغة رديئة
أقول وبذلك يجمع بين قول من قال نزل على كلثوم وقول من قال نزل على سعد ابن خيثمة ثم رايت الحافظ الدمياطى أشار إلى ذلك والله أعلم
ونزل على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه لما قدم المدينة على كلثوم أيضا بقباء بعد ان تأخر بمكة بعده صلى الله عليه وسلم ثلاث ليال يؤدى الودائع التى كانت عند النبى صلى الله عليه وسلم لأمره له صلى الله عليه وسلم يذلك كما تقدم
فلما توجه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة قام على رضى الله تعالى عنه بالأبطح ينادى
من كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وديعة فليأت إليه أمانته فلما نفد ذلك ورد عليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشخوص إليه فابتاع ركائب وقدم ومعه الفواطم ومعه أم أيمن وولدها أيمن وجماعة من ضعفاء المؤمنين
أقول سيأتى ما يخالف ذلك وهو أنه صلى الله عليه وسلم لما نزل فى دار أبى أيوب بعث زيد بن حارثه وأبا رافع إلى مكة وأعطاهما خمسمائة درهم وبعيرين يقدمان عليه بفاطمة وأم كلثوم بنته وسودة زوجته وأم أيمن وولدها أسامة إلاأن يقال يجوز أن يكون الكتاب الذى فيه استدعاء سيدنا على رضى الله تعالى عنه للهجرة كان مع زيد وأبى رافع رضى الله تعالى عنهما وأنهما صحباه ولا ينافى ذلك ما تقدم من أنه صلى الله عليه وسلم تأخر بعد على رضى الله تعالى عنه بمكة ثلاث ليال يؤدى الودائع لأن تلك الليالى الثلاث كانت مدة تأدية الودائع ومكث بعدها إلى أن جاءه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحينئذ يكون قدم على صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد نزوله بقباء على كلثوم فلا مخالفة لكن فى السيرة الهشامية فنزل أى على معه أى مع النبى صلى الله عليه وسلم على كلثوم وهو لا يتأتى إلا على القول بأنه صلى الله عليه وسلم مكث فى قباء بضع عشرة ليلة كما سيأتى وحينئذ يخالف ما سبق من مجيئه مع زيد وأبى رافع لما علمت أنه صلى الله عليه وسلم إنما أرسلهما بعد أن تحول من قباء إلى المدينة
وفى الإمتاع لما قدم على من مكة كان يسير الليل ويكمن النهار حتى تقطرت قدماه فاعتنقه النبى صلى الله عليه وسلم وبكى رحمة لما بقدميه من الورم وتفل فى يديه وأمرهما على قدميه فلم يشكهما بعد ذلك ولا مانع من وقوع ذلك من على مع وجود ما يركبه لأنه يجوز أن يكون هاجر ماشيا رغبة فى عظيم الأجر
وفى السيرة الهشامية أن إقامة على بقباء كانت ليلة أو ليلتين وأنه رأى امرأة مسلمة لا زوج لها يأتيها إنسان من جوف الليل يضرب عليها بابها فتخرج إليه فيعطيها شيئا معه فتأخذه قال على فسألتها فقالت هذا سهل بن حنيف قد عرف أنى امرأة لا أحد لى فإذا أمسى غدا على أوثان قومه فكسرها ثم جاءنى بها فقال احتطبى بهذا أى اجعليه للنار فكان على يعرف ذلك لسهل بن حنيف والله أعلم
قال ونزل أبو بكر على حبيب بن أبى إساف وقيل على خارجة بن زيد بالسنح بضم السين المهملة فنون ساكنة فجاء مهملة
وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ولد نبيكم يوم الأثنين وحملت به أمه يوم الاثنين وخرج من مكة أى من الغار يوم الاثنين ودخل المدينة يوم الاثنين
قال الحاكم تواترت الأخبار أن خروجه صلى الله عليه وسلم كان يوم الاثنين ودخوله المدينة كان يوم الاثنين زاد بعضهم وفتح مكة كان يوم الاثنين ووضع الركن كان يوم الاثنين
ومن الغريب ما حكاه بعضهم عن الربيع المالكى وكان بمصر كان يوم الاثنين خاصة إذا نام فيه تنام عيناه ولا ينام قلبه وقيل خرج من مكة أى إلى الغار يوم الخميس وعليه يكون مكث صلى الله عليه وسلم فى الغار تلك الليلة التى هى ليلة الجمعة وليلة السبت وليلة الأحد وعليه يكون خروجه من الغار صبيحة ليلة الأحد
ففى البخارى أتاهما أى الدليل براحلتهما صبح ثلاث وتقدم أن خروجهما إلى الغار كان ليلا من بيت أبى بكر وقول أبى بكر سرنا ليلتنا كلها حتى قام قائم الظهيرة يقتضى أنهما خرجا من الغار ليلا بل أول الليل لأن مع التأكد يبعد أن يكون المراد بقية ليلتنا وتقدم عن البخارى أتاهما براحلتيهما صبح ثلاث وحمل ذلك على ماقارب الصبح من الليل بعيد فلتيأمل هذا المحل وقيل دخلها أى المدينة ليلا كما فى رواية لمسلم أى وقال الحافظ ابن حجر ويجمع بأن القدوم كان آخر الليل فدخلها نهارا
أقول لعل مراد الحافظ أن الوصول كان ليلا إلى قرب المدينة فأقاموا بذلك المحل إلى أن أسفر النهار وساروا فما وصلوا إلا وقت الظهيرة فلا يخالف ما تقدم وقيل دخلها يوم الجمعة وذكر الحافظ ابن حجر أنه شاذ والله أعلم
وسرى السرور إلى القلوب بحلوله صلى الله عليه وسلم فى المدينة فعن البراء رضى الله تعالى عنه قال ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشئ فرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلم
وعن أنس بن مالك رضى الله تعالى عنه قال لما كان اليوم الذى دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شئ وصعدت ذوات الخدور على الأجاجير أى الأسطحة عند قدومه صلى الله عليه وسلم يعلن بقولهن طلع البدر علينا الخ
وعن عائشة رضى الله تعالى عنها لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة جعل النساء والصبيان والولائد يقلن ** طلع البدر علينا ** من ثنيات الوداع **
** وجب الشكر علينا ** ما دعا لله داعى ** ** أيها المبعوث فينا ** جئت بالأمر المطاع **
قال واستشكل بأن ثنيات الوداع ليست من جهة القادم من مكة بل هى من جهة الشام فقد قال ابن القيم فى الهدى فى غزوة تبوك ثنيات الوداع من جهة الشام لا يطؤها القادم من مكة ونقل الحافظ ابن حجر عنه عكس ذلك وليس فى محله وأجيب بأنه صلى الله عليه وسلم جاء من جهتها فى دخوله للمدينة عند خروجه من قباء اه
أى وفى كلام بعضهم ما كان أحد يدخل المدينة إلا منها فإن لم يعبر منها مات قبل أن يخرج لوبائها كما زعمت اليهود فإذا وقف عليها قيل قد ودع فسميت به وقيل قيل لها ثنية الوداع لأن المودع يمشى مع المسافر من المدينة إليها وهو اسم قديم جاهلى وقيل إسلامى سمى ذلك المحل لذلك وقيل لأن الصحابة رضى الله تعالى عنهم ودعوا فيها النساء اللاتى استمتعوا بهن فى خيبرعند رجوعهن من خيبر أو وقع توديع من خرج إلى غزوة تبوك فيها أو لكونه صلى الله عليه وسلم ودع بعض المسافرين عندها وهذا يدل على أن هذا الشعر قيل له عند دخوله المدينة لا عند دخوله قباء وسياق بعضهم يقتضيه وسياق بعض آخر يقتضى أنه كان عند دخوله قباء ومن هذا تعلم أن المدينة تطلق ويراد بها ما يشمل قباء ومنه قولنا وسرى السرور إلى القلوب بحلوله صلى الله عليه وسلم فى المدينة فعن البراء إلى آخره وهى المرادة بدخوله المدينة يوم الاثنين على ما تقدم وتطلق ويراد بها ما قابل قباء وحينئذ تكون هذه المرادة بقول أنس لما كان اليوم الذى دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة إلى آخره ولعل منه ما فى بعض الروايات المتقدمة دخل المدينة يوم الجمعة الذى حكم الحافظ ابن حجر بشذوذه كما تقدم
ولما جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم قام أبو بكر للناس أى وأبو بكر شيخ أى شيبه ظاهر والنبى صلى الله عليه وسلم شاب أى شعر لحيته أسود مع كونه أسن من أبى بكر كما تقدم وقد قال أنس لم يكن فى الذين هاجروا أشمط غير أبى بكر فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله صلى الله عليه وسلم يجئ أبا بكر فيعرفه بالنبى صلى الله عليه وسلم حتى أصابت الشمس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرفه الناس أى عرفه من جاء منهم بعد ذلك أى لأن عدم تأثير الشمس فيه لتظليل الغمامة كان قبل البعثة إرهاصا كما تقدم
ومما يدل على أن خروجه من قباء كان يوم الجمعة قول بعضهم ولبث رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بنى عمرو بن عوف أى فى قباء بقية يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس وخرج يوم الجمعة وقيل لبث بضع عشرة ليلة وهو المنقول عن البخارى
وعن ابن عقبة أقام صلى الله عليه وسلم ثنتين وعشرين ليلة وفى الهدى أقام أربعة عشر يوما وهو ما فى صحيح مسلم فليتأمل وأسس فى قباء المسجد الذى أسس على التقوى أى الذى نزلت فيه الآية وصلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فى الهدى ولا ينافى هذا قوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل عن المسجد الذى أسس على التقوى فقال مسجدكم هذا وأشار لمسجد المدينة أى وفى رواية فأخذ حصاة فضرب بها الأرض وقال مسجدكم هذا يعنى مسجد المدينة لأن كلا منهما مؤسس على التقوى هذا كلامه ويوافقه ما نقل عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما أنه كان يرى كل مسجد بنى بالمدينة الشاملة لقباء أسس على التقوى أى لكن الذى نزلت فيه الآية مسجد قباء وكان خروجه صلى الله عليه وسلم من قباء يوم الجمعة حين ارتفع النهار قال قيل وكان محل مسجد قباء مربد أى محلا يجفف فيه التمر لكلثوم بن الهدم وهو أول مسجد بنى فى الإسلام لعموم المسلمين فلا ينافى أنه بنى قبله غيره من المساجد لكن لخصوص الذى بناه كالمسجد الذى بناه الصديق بفناء داره بمكة كما تقدم انتهى
أى وفى كلام ابن الجوزى أول من بنى مسجدا فى الإسلام عمار بن ياسر
وفى السيرة الهشامية عن الحكم بن عيينة لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل قباء قال عمار بن ياسر ما لرسول الله صلى الله عليه وسلم بد من أن يجعل له مكانا يستظل به إذا استيقظ ويصلى فيه فجمع حجارة فبنى مسجد قباء أى فانه لما جمع الحجارة أسسه صلى الله عليه وسلم واستتم بنيانه عمار فعمار أول من بنى مسجدا لعموم المسلمين
قال وعن جابر لبثنا بالمدينة قبل أن يقدم النبى صلى الله عليه وسلم بسنتين نعمر المساجد ونقيم الصلاة انتهى
ونعمر يحتمل أن يكون بالتخفيف فيكون عطف نقيم الصلاة من عطف التفسير ويحتمل أن يكون بالتشديد فيكون بناء المساجد تعدد فى المدينة قبل قدومه صلى الله عليه وسلم
وفيه أن الحافظ ابن حجر قال كان بين ابتداء هجرة الصحابة وبين هجرته صلى الله
عليه وسلم شهران ونصف شهر على التحرير كما تقدم أى ورواية جابر تدل على أنه كان بين اجتماع الاثنى عشر من الأنصار به صلى الله عليه وسلم ومجيئهم إلى المدينة وبين قدومه صلى الله عليه وسلم للمدينة سنتان
وقد يقال ليس مراد جابر أن ابتداء المدة من قدوم الاثنى عشر عليه بل مراده أن ابتداءها من قدوم الستة عليه الذين منهم جابر والمدة تزيد على السنتين فليتأمل وهو أى مسجد قباء أول مسجد صلى فيه صلى الله عليه وسلم بأصحابه جماعة ظاهرين أى آمنين
وقيل إن هذا المسجد بناه المهاجرون والأنصار يصلون فيه فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وورد قباء صلى فيه ولم يحدث فيه شيئا
ويخالفه ما تقدم عن السيرة الهشامية وما فى الطبرانى بسند رجاله ثقات عن الشموس بفتح الشين المعجمة بنت النعمان رضى الله تعالى عنها قالت نظرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم ونزل وأسس المسجد مسجد قباء فرأيته يأخذ الحجر أو الصخرة حتى يصهره الحجر أى يتبعه فيأتى الرجل من أصحابه فيقول يا رسول الله بأبى أنت وأمى تعطينى أكفك فيقول لآخذ مثله حتى أسسه
أى وجاء أنه صلى الله عليه وسلم لما أراد بناءه قال يا أهل قباء ائتونى بأحجار من الحرة فجمعت عنده أحجار كثيرة فخط القبلة وأخذ حجرا فوضعه ثم قال يا أبا بكر خذ بحجر فضعه إلى جنب حجرى ثم قال يا عمر خذ حجرا فضعه إلى جنب حجر أبى بكر ثم قال يا عثمان خذ حجرا فضعه إلى جنب حجر عمر قال بعضهم كأنه صلى الله عليه وسلم أشار إلى ترتيب الخلافة وسيجئ فى بناء مسجد المدينة نحوه ويحتاج للجمع بين هذه الروايات
وبعد تحوله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان يأتيه يوم السبت ماشيا وراكبا وقال من توضأ وأسبغ الوضوء ثم جاء مسجد قباء فصلى فيه كان له أجر عمرة وروى أى الترمذى والحاكم وصححاه عن أسيد بن حضير عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال صلاة فى مسجد قباء كعمرة وفى رواية من صلى فى مسجد قباء يوم الاثنين والخميس انقلب بأجر عمرة وكان عمر رضى الله تعالى عنه يأتيه يوم الاثنين ويوم الخميس وقال لو كان بطرف من الأطراف وفى رواية فى افق من الآفاق لضربت إليه أكباد الإبل
أى وصح الحاكم عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما قال كان رسول الله صلى الله
عليه وسلم يكثر الاختلاف إلى قباء ماشيا وراكبا وعن أبى سعيد الخدرى رضى الله تعالى عنه عن أبيه قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين إلى قباء وعن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم كان يأتى مسجد قباء فيصلى فيه ركعتين وعنه قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قباء فقام يصلى فجاءته الأنصار تسلم عليه فقلت لبلال كيف رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد عليهم قال يشير إليهم بيده وهو يصلى أى يجعل باطنها إلى أسفل وظهرها إلى فوق
وقد وقعت له صلى الله عليه وسلم الإشارة فى الصلاة برد السلام لما قدمت عليه ابنته رضى الله تعالى عنها من الحبشة وهو يصلى فسلمت فأومأ إليها برأسه
وفى الهدى وأما حديث من أشار فى الصلاة إشارة تفهم عنه فليعد صلاته فحديث باطل وفى كلام بعضهم قد ثبت فى الأحاديث الصحيحة أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم عليه أحد وهو فى الصلاة أشار بأصبعه المباركة جواب السلام وليس لهذه الأحاديث معارض إلا حديث مجهول وهو من أشار فى صلاته إشارة مفهمة فليعد صلاته وهذا الحديث لا يصلح للمعارضة ولما نزل قوله تعالى { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألهم عن ذلك فقال ما هذا الطهور الذى أثنى الله عليكم به فقالوا يا رسول الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه فقال هو هذا وفى لفظ أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مسجد قباء أى وفى الكشاف ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباء فإذا الأنصار جلوس فقال أمؤمنون أنتم فسكت القوم ثم أعادها فقال عمر يا رسول الله إنهم لمؤمنون وأنا منهم فقال عليه الصلاة والسلام أتؤمنون بالقضاء قالوا نعم قال وتصبرون على البلاء قالوا نعم قال أتشكرون على الرخاء قالوا نعم قال عليه الصلاة والسلام مؤمنون ورب الكعبة فجلس وقال يامعشر الأنصار إن الله عز وجل قد أثنى عليكم فما الذى تتبعون عند الوضوء وعند الغائط أى المعبر عنه بالطهور فقالوا يا رسول الله نتبع الغائط الأحجار الثلاثة ثم نتبع الأحجار الماء فتلا النبى صلى الله عليه وسلم { فيه رجال يحبون أن يتطهروا } هذا كلامه وفى رواية فقال إن الله قد أحسن إليكم الثناء فى الطهور فما هذا الطهور الذى تتطهرون به قالوا يا رسول الله ما نعلم شيئا إلا أنه كان لنا جيران من اليهود فكانوا يغسلون
ج777777777777777777
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب:السيرة الحلبية في سيرة الأمين المأمون
المؤلف:علي بن برهان الدين الحلبي
أدبارهم من الغائط فغسلناها كما غسلوا وفى لفظ كنا نستنجى بالماء فى الجاهلية فلما جاء الإسلام لم ندعه قال فلا تدعوه وفى لفظ قالوا نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنانة فقال هل مع ذلك غيره قالوا لا غير إن أحدنا إذا خرج إلى الغائط أحب أن يستنجى بالماء وفى رواية نستنجي من البول والغائط زاد في رواية ولا ننام الليل كله على الجنابة قال هو ذاك فعليكموه أي الزموه
اي وفي مسند البزار عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه صلى الله عليه وسلم لما سألهم قالوا إنا نتبع الحجارة الماء قال بعضهم في إسناده ضعف وبهذا وما تقدم من ذكر الحجارة يرد على الإمام النووي حيث قال هكذا أي ذكر الحجر مع الماء في خبر الانصار بقباء رواه الفقهاء في كتبهم وليس له أصل في كتب الحديث بل المذكور فيها أنهم قالوا كنا نستنجي بالماء وليس فيها مع الحجر أي ويكون السكوت عن ذكر الحجر لكونه كان معلوما فعله
وفي الخصائص الصغرى أن مما اختص به صلى الله عليه وسلم في شرعه وأمته الإستنجاء بالجامد وبالجمع فيه بين الماء والحجر
ومن اهل قباء عويمر بن ساعدة قال في حقه صلى الله عليه وسلم نعم العبد من عباد الله والرجل من أهل الجنة عويمر بن ساعدة أي لأنه كان أول من استنجى بالماء كما قيل أي ومن ثم جاء تخصيصه بالسؤال فقد روى البيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عويمر بن ساعدة فقال ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم به فقال يا نبي الله ما خرج منا رجل ولا امرأة من الغائط الحديث وهذا السياق ربما يقتضي أن الإستنجاء بالماء لم يكن معروفا في غير اهل قباء نزول هذه الآية
وفي كلام بعضهم أول من استنجى بالماء إبراهيم الخليل وكره بعض الصحابة الإستنجاء بالماء وهو حذيفة ولعله لكونه في الإستنجاء بالماء عدول عن الرخصة
ونقل عن ابن عمر انه كان لا يستنجي بالماء ولعله لما ذكرنا وكذا ما نقل عن ابن الزبير ما كنا نفعله وعن الإمام أحمد أنه لم يصح حديث في الإستنجاء بالماء وبالغ مغلطاي في رده وعن سيدنا مالك إنكار النبي صلى الله عليه وسلم استنجى بالماء ولعل المراد إنكار صحة ذلك عنه صلى الله عليه وسلم فليتأمل
وذكر الأحجار في الخبر يؤيد ظاهره ما ذكره إمامنا في الأم أن سنة الجمع بين الحجر
والماء تتوقف على كون الاستنجاء بالحجر كافيا لو اقتصر عليه بقوله والاستنجاء بالحجر كاف ولو أتى به أى بالاستنجاء الكافى رجل ثم غسل بالماء كان أحب إلى وإنما قلنا ظاهره لإمكان رجوع الضمير للاستنجاء لا بقيد كونه كافيا
والذى عليه متأخرو أصحابنا أن سنة الجمع يكتفى فيها بازالة العين ولو بحجر واحد وقد يقال هذا محبوب وما ذكره الإمام أحب
ولا يخفى أن حديث الأنصار يقتضى اختصاص سن الجمع بين الحجر والماء بالغائط وبه قال القفال فى كتابه محاسن الشريعة والمفهوم من نص الأم أن مثل الغائط البول ثم بعد إقامته صلى الله عليه وسلم المذكورة بقباء ركب راحلته الجدعاء وقيل القصواء وقيل العضباء أى قاصدا المدينة والجدعاء بالدال المهملة المقطوعة الأنف أو مقطوعة الأذن كلها والقصواء المقطوع طرف أذنها والغضباء المشقوقة الأذن قال بعضهم وهذه ألقاب ولم يكن بها أى بتلك النوق شئ من ذلك وسيأتى عن الأصل أن هذه ألقاب لناقة واحدة
ولما ركب صلى الله عليه وسلم وخرج من قباء وسار سار الناس معه ما بين ماش وراكب أى ولا زال أحدهم ينازع صاحبه زمام الناقة شحا أى حرصا على كرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيما له حتى دخل المدينة قال وصار الخدم والصبيان يقولون الله أكبر جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء محمد صلى الله عليه وسلم ولعبت الحبشة بحرابها فرحا برسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قالت بنو عمرو بن عوف له صلى الله عليه وسلم يا رسول الله أخرجت ملالا لنا أم تريد دارا خيرا من دارنا قال إنى أمرت بقرية تأكل القرى أى تغلبها وتقهرها والمراد أهلها أى أن أهلها تفتح القرى فيأكلون أموال أهل تلك القرى ويسبون ذراريهم فخلوا سبيلها يعنى ناقته صلى الله عليه وسلم أى ومن أسماء تلك القرية المدينة
وروى الشيخان أمرت بقرية تأكل القرى يثرب وهى المدينة فالمدينة علم بالغلبة على تلك القرية كالنجم للثريا إذا أطلق فهى المرادة وإن أريد غيرها قيد والنسبة إليها مدنى ولغيرها من المدن مدينى للفرق بينهما ويثرب اسم محل فيها سميت كلها به ولعل ذلك المحل سمى بذلك لأنه نزل به يثرب من نسل نوح وفى الحديث المدينة تنفى الناس أى شرارهم كما ينفى الكير خبث الحديد
ففى بعض الروايات لا تقوم الساعة حتى تنفى المدينة شرارها قيل وكان ذلك فى حياته صلى الله عليه وسلم وقيل يكون ذلك فى زمن الدجال فقد جاء أن الدجال يرجف بأهلها فلا يبقى منافق ولا كافر إلا خرج إليه وفى رواية ينزل الدجال السبخة فترجف المدينة ثلاث رجفات يخرج الله منها كل منافق وكافر وبهذا استدل من قال كون المدينة تنفى الخبث ليس عاما فى الأزمنة ولا فى الأشخاص لأن المنافقين كانوا بها وخرج منها جماعة من خيار الصحابة منهم على وطلحة والزبير وأبو عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود
وفى كلام ابن الجوزى أن عبد الله بن مسعود مات بالمدينة وقد قال صلى الله عليه وسلم أى أرض مات بها رجل من أصحابى كان قائدهم ونورهم يوم القيامة وفى رواية فهو شفيع لأهل تلك الأرض
وأما قوله صلى الله عليه وسلم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون أى خيرلهم من بلاد الرخاء بدليل صدر الحديث يأتى على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه هلم إلى الرخاء هلم إلى الرخاء والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون والذى نفسى بيده لا يخرج أحد منها رغبة عنها إلا أخلف الله من هو خير منه أى من خرج منها رغبة عنها إلى غيرها من بلاد الرخاء والسعة فلا دليل فى ذلك على أنها أفضل من مكة
ومن أسمائها أكالة البلدان ومن أسمائها البارة بتشديد الراء وتسمى الفاضحة لأن من أضمر فيها شيئا أظهر الله ما أضمره وافتضح به أى فالمراد أضمر شيئا من السوء وقد قال صلى الله عليه وسلم من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله تعالى هى طابة كشامة هى طابة هى طابة قال ذلك ثلاثا وفى رواية فليستغفر الله فليستغفر الله فليستغفر الله هى طيبة كهيبة هى طيبة هي طيبة هى طائب ككاتب
قيل وإنما سميت طيبة لطيب رائحة من مكث بها وتزايد روائح الطيب بها ولا يدخلها طاعون ولا دجال ولا يكون بها مجذوم أى لأن ترابها يشفى من الجذام وتسميتها يثرب فى القرآن إنما هو حكاية لقول المنافقين أى بعد نهيهم عن ذلك وقوله صلى الله عليه وسلم لا أراها إلا يثرب أي ونحو ذذلك من كل ما وقع في كلامه صلى الله عليه وسلم من تسميتها بذلك كان قبل النهى عن ذلك انتهى
أى وجاء إن الإيمان ليأزر إلى المدينة كما تأزر الحية إلى جحرها ويأزر بكسر الزاى أى ينضم ويجتمع بعضه إلى بعض وفى رواية إن الإسلام بدا غريبا وسيعود غريبا كما
بدا يأزر كما تأزر الحية إلى جحرها وإنما كرهت تسميتها بيثرب لأن يثرب مأخوذ من التثريب وهو المؤاخذة بالذنب ومنه قوله تعالى { لا تثريب عليكم اليوم } أو من الثرب بالتحريك وهو الفساد
وعن القاسم بن محمد قال بلغنى أن للمدينة فى التوراة أربعين اسما وقيل أحد عشر من جملتها سكينة أى ومن جملتها الجابرة أى التى تجبر والعذراء والمرحومة وفى كلام بعضهم لها نحو مائة اسم منها دار الأخيار ودار الأبرار ودار الإيمان ودار السنة ودار السلامة ودار الفتح قال الإمام النووى لا يعرف فى البلاد أكثر اسما منها ومن مكة
ومما يدل على أن خروجه صلى الله عليه وسلم من قباء متوجها إلى المدينة كان يوم الجمعة قول بعضهم وعند مسيره صلى الله عليه وسلم إلى المدينة أدركته صلاة الجمعة فى بنى سالم ابن عوف فصلاها فى المسجد الذى فى بطن الوادى بمن معه من المسلمين وهم مائة وصلاها بعد ذلك فى المدينة وكانوا به صلى الله عليه وسلم أربعين
فعن ابن مسعود رضى الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم جمع بالمدينة وكانوا أربعين رجلا أى ولم يحفظ أنه صلاها مع النقص عن هذا العدد ومن حينئذ صلى الجمعة فى ذلك المسجد سمى هذا المسجد بمسجد الجمعة وهو على يمين السالك نحو قباء فكانت أول جمعة صلاها بالمدينة أى وخطب لها وهى أول خطبة خطبها فى الإسلام أى ومن خطبته تلك فمن استطاع أن يقى وجهه من النار ولو بشق تمرة فليفعل ومن لم يجد فبكلمة طيبة فإنها تجزى الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورحمة الله وبركاته وفى رواية والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ونقل القرطبى هذه الخطبة فى تفسيره وأوردها جميعها فى المواهب وليس فيها هذا اللفظ
أقول هذا واضح إن كان أقام فى قباء والإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس كما تقدم وأما على أنه صلى الله عليه وسلم أقام بضع عشرة ليلة أو أكثر من ذلك كما تقدم فيبعد أنه لم يصل الجمعة فى قباء فى تلك المدة ثم رأيت فى كلام بعضهم أنه كان يصلى الجمعة في مسجد قباء فى إقامته هناك
أى ويبعد أنه صلاها من غير خطبة وفى الجامع الصغير إن الله كتب عليكم الجمعة
فى مقامى هذا فى ساعتى هذه فى مشهدى هذا فى عامى هذا إلى يوم القيامة من تركها من غير عذر مع إمام عادل أو إمام جائر فلا جمع له شمله ولا بورك له فى أمره ألا ولا صلاة له ولا حج له ألا ولا بركة له ولا صدقة له فإن كان قال ذلك فى هذه الخطبة التى خطبها فى مسجد الجمعة كما هو المتبادر اقتضى ذلك أنها لم تكن واجبة قبل ذلك وهو مخالف قول فقهائنا أنها وجبت بمكة ولم تقم بها لعدم قدرتهم على إظهارها بمكة لأن إظهارها أقوى من إظهار جماعة الصلوات الخمس
وفى الإتقان مما تأخر حكمة عن نزوله آية الجمعة فإنها مدنية والجمعة فرضت بمكة وقول ابن الغرس إن إقامة الجمعة لم تكن بمكة قط يرده ما أخرجه ابن ماجه عن عبد الرحمن ابن كعب بن مالك قال كنت قائد أبى حين ذهب بصره فكنت إذا خرجت به إلى الجمعة فسمع النداء يستغفرلأبى أمامة أسعد بن زرارة فقلت يا أبتاه أرأيت صلاتك على أسعد بن زرارة كلما سمعت النداء بالجمعة لم هذا قال أى بنى كان أول من صلى بنا الجمعة قبل أن يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة هذا كلامه وليتأمل ما وجه الرد من هذا
وجاء صلاة الجمعة بالمدينة كألف صلاة فيما سواها وصيام شهر رمضان فى المدينة كصيام ألف شهر فيما سواها كذا فى الوفاء عن نافع عن ابن عمر وأول قرية صليت فيها الجمعة بعد المدينة قرية عبد القيس بالبحرين وهل كانت الخطبة قبل الصلاة أو بعدها
فى الدر أنه صلى الله عليه وسلم كان وهو بالمدينة يخطب الجمعة بعد أن يصلى مثل العيدين فبينما هو يخطب يوم الجمعة قائما إذ قدمت عير دحية الكلبى وكان إذا قدم يخرج أهله للقائه بالطبل واللهو ويخرج الناس للشراء من طعام تلك العير والتفرج عليها وقيل للتفرج على وجه دحية فقد قيل كان إذا قدم دحية المدينة لم تبق معصر إلا خرجت لتنظر إليه لفرط جماله ولا مانع أن يكون ذلك لاجتماع الأمرين فانفض الناس ولم يبق معه صلى الله عليه وسلم إلا نحو اثنى عشر رجلا والجلال المحلى فى قطعة التفسير أسقط لفظ نحو أى وانفضاض ما عدا هؤلاء يحتمل أن يكون بعد ذلك فى حال الخطبة قبل تمام الأركان ويحتمل أن يكون بعد ذلك
وعلى الأول يجوز أن يكون رجع ممن انفض ما يكمل به العدد أربعين قبل طول
الفصل وقد أعاد صلى الله عليه وسلم مالم يسمعوه من أركان الخطبة عند انفضاضهم فلا يخالف ما ذهب إليه إمامنا الشافعى رضى الله تعالى عنه من وجوب سماع أربعين لأركان الخطبة
قال مقاتل بلغنى أنهم فعلوا ذلك أى الانفضاض عند الخطبة ثلاث مرات فأنزل الله تعالى { وإذا رأوا تجارة أو لهوا } الآية ثم صار صلى الله عليه وسلم يخطب قبل أن يصلى أى ليحافظ الناس على عدم الإنفضاض لأجل الصلاة وعليه انعقد الإجماع فلا نظر لمخالفة الحسن البصرى وحينئذ يكون قول بعض فقهائنا استدلالا على وجوب تأخر صلاة الجمعة عن الخطبتين يثبت صلاته صلى الله عليه وسلم بعد خطبتين أى استقر ثبوت ذلك
وعن الزهرى بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا خطب أى فى غير الخطبة المتقدمة كل ما هو آت قريب لا بعد لما هو آت لا يعجل الله لعجلة أحد ولا يخف لأمر من الناس يريد الناس أمرا ويريد الله أمرا فما شاء الله كان لا ما شاء الناس وما شاء الله كان ولو كرة الناس لا مبعد لما قرب الله ولا مقرب لما بعد الله ولا يكون شئ إلا بإذن الله والله أعلم
ثم ركب صلى الله عليه وسلم راحلته بعد الجمعة متوجها للمدينة أى وقد أرخى زمامها ولم يحركها وهى تنظر يمينا وشمالا فسأله بنو سالم منهم عتبان بكسر العين المهملة ابن مالك ونوفل بن عبد الله بن مالك وعبادة بن الصامت فقالوا يا رسول الله أقم عندنا فى العدد والعزة والمنعة وفى لفظ والثروة وفى لفظ أنزل فينا فإن فينا العدد والعدة والحلقة أى السلاح ونحن أصحاب الحدائق والدرك يا رسول الله كان الرجل من العرب يدخل هذه البحيرة خائفا فيلجأ إلينا فقال لهم خيرا وقال خلوا سبيلها يعنى ناقته دعوها فإنها مأمورة أى وفى رواية إنها مأمورة خلوا سبيلها وهو يتبسم ويقول بارك الله عليكم فانطلقت حتى وردت دار بنى بياضة أى محلتهم أى والمراد القبيلة فسأله بنو بياضة أى ومنهم زياد بن لبيد وفروة بن عمرو بمثل ما تقدم وأجابهم بأنها مأمورة خلوا سبيلها فانطلقت حتى وردت دار بنى ساعدة أى ومنهم سعد ابن عبادة والمنذر بن عمرو وأبو دجانة فسأله بنو ساعدة بمثل ذلك وأجابهم بخلوا سبيلها فأنها مأمورة فانطلقت حتى مرت بدار عدى بن النجار وهم أخواله صلى الله عليه وسلم
أى أخوال جده عبد المطلب كما تقدم أى بأوائل دورهم فسأله بنو عدى بن النجار أى أولئك الطائفة منهم بمثل ما تقدم أى وفى رواية أنهم قالوا له نحن أخوالك هلم إلى العدة والمنعة والعزة مع القرابة لا تجاوزنا إلى غيرنا يا رسول الله أى زاد فى رواية لا تجاوزنا ليس أحد من قومنا أولى بك منا لقرابتنا وأجابهم بأنها مأمورة فانطلقت حتى بركت فى محل من محلات بنى النجار وذلك فى محل المسجد أى محل بابه أو فى محل المنبر الآن وذلك عند دار بنى مالك بن النجار وعند باب أبى أيوب الأنصارى أى واسمه خالد بن زيد النجارى الأنصارى الخزرجى شهد العقبة وسائر المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مع على بن أبى طالب من خاصته شهد معه الجمل وصفين والنهروان غزا أيام معاوية أرض الشام مع يزيد بن معاوية سنة خمسين وقيل إحدى وخمسين فتوفى عند مدينة قسطنطينية فدفن هناك وأمر يزيد بالخيل فجعلت تقبل وتدبر على قبره حتى خفى أثر القبر خوفا أن تنبشه الكفار فكان المشركون إذا أمحلوا كشفوا عن قبره فيمطروا فلم ينزل عنها صلى الله عليه وسلم ثم وثبت وسارت غير بعيد ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع لها زمامها ثم التفتت خلفها ورجعت إلى مبركها فبركت فيه وتجلجلت أى بالجيم تضعضت ووضعت جرانها أى باطن عنقها من المذبح إلى المنحر وأزرمت أى صوتت من غير أن تفتح فاها فنزل عنها صلى الله عليه وسلم وقال { رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين } أى قال ذلك أربع مرات وأخذه صلى الله عليه وسلم الذى كان يأخذه عند الوحى أى وسرى عنه وقال هذا إن شاء الله يكون المنزل أى وأمر أن يحط رحله وفى لفظ أن أبا أيوب قال له ائذن لى أن أنقل رحلك فأذن له واحتمل أبو أيوب رحله فوضعه فى بيته أى وجاء أسعد بن زرارة فأخذ بزمام راحلته فكانت عنده أى وذكر بعضهم أن أبا أيوب لما نقل رحله أناخ الناقة فى منزله وقد يقال لا مخالفة لجواز أن يكون أسعد أخذ بزمامها بعد ذلك فكانت عنده
أى وعن أبى أيوب رضى الله تعالى عنه لما قدم النبى صلى الله عليه وسلم المدينة اقترعت الأنصار أيهم يأويه فقرعتهم الحديث وقد يقال مراده بالأنصار أهل تلك المحلة التى بركت فيها الناقة
وذكر السهيلى أنها لما ألقت جرانها فى دار بنى النجار أى فى محل من محلاتها جعل
رجل من بنى سلمة وهو جبار بن صخر أى وكان من صالحى المسلمين ينخسها رجاء أن تقوم فينزل فى دار بنى سلمة فلم تفعل
وجاء أنه صلى الله عليه وسلم قال خير دور الأنصار بنو النجار ثم بنو عبد الأشهل ثم بنو الحارث ثم بنو ساعدة وفى كل دور الأنصار خير
ولما بلغ ذلك سعد بن عبادة وجد فى نفسه وقال خلفنا فكنا آخر الأربع أسرجوا إلى حمارى آت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه ابن أخته سهل فقال أتذهب لترد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم أو ليس حسبك أن تكون رابع أربع فرجع وقال الله ورسوله أعلم وأمر بحماره فحل عنه وفى رواية قال له اجلس ألا ترضى أن سماك رسول الله صلى الله عليه وسلم فى الأربع الدور التى سمى فمن ترك فلم يسم أكثر ممن سمى فانتهى سعد بن عبادة عن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرجت جويريات من بنى النجار بالدفوف يقلن ** نحن جوار من بنى النجار ** يا حبذا محمد من جار **
فخرج إليهن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أتحببننى وفى رواية أتحبونى قلن نعم يا رسول الله فقال الله يعلم أن قلبى يحبكن وفى رواية والله أحبكم وفى رواية وأنا والله أحبكم وأنا والله أحبكم وأنا والله أحبكم قال ذلك ثلاثا وهذا دليل لسماع الغناء على الدف من المرأة لغير العرس ويدل لذلك أيضا ما جاء عن ابن عباس مرفوعا أن أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم جلسوا سماطين وجاءت جارية يقال لها سيرين معها مزهر تختلف به بين القوم وهى تغنيهم وتقول ** هل على وبحكم ** إن لهوت من حرج **
فتبسم النبى صلى الله عليه وسلم وقال لا حرج إن شاء الله تعالى
وما روى عن عائشة رضى الله تعالى عنها دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندى جاريتان من جوارى الأنصار يغنيان وفى رواية يضربان بدفين فاضطجع صلى الله عليه وسلم على الفراش وحول وجهه ودخل أبو بكر رضى الله تعالى عنه فانتهرنى فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال دعها وفى رواية قال أبو بكر بمزمور وفى رواية بمزمار وفى لفظ بمزمارة الشيطان فى بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذلك مرتين وانتهرنى وكان صلى الله عليه وسلم متغشبا بثوبه
فكشف النبى صلى الله عليه وسلم عن وجهه الشريف فقال دعها يا أبا بكر فإنها أيام عيد أى لأن تلك كانت أيام منى
وقيل كان يوم عيد الفطر وقيل الأضحى ولا مانع من تعدد الواقعة
أقول فى البخارى عن الربيع بنت معوذ أنه صلى الله عليه وسلم دخل عليها غداة بنى عليها وعندها جويريات يضربن بالدف يندبن من قتل من آبائهن يوم بدر حتى قالت جارية وفينا نبى يعلم ما فى غد فقال لها النبى صلى الله عليه وسلم لا تقولى هكذا وقولى ما كنت تقولين
وفى حديث أبى هريرة أن النبى صلى الله عليه وسلم خرج فى بعض مغازيه فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت يا رسول الله إنى كنت نذرت إن ردك الله سالما أن أضرب بين يديك بالدف فقال لها إن كنت نذرت فاضربى فجعلت تضرب فدخل أبو بكر وهي تضرب ثم دخل عمر فألقت الدف تحتها وقعدت عليه فقال النبى صلى الله عليه وسلم إن الشيطان ليفرق منك يا عمر إنى كنت جالسا وهى تضرب ودخل أبو بكر وهى تضرب فلما دخلت أنت ألقت الدف أى وإذا كان الشيطان يخاف منك فما بالك بامرأة ضعيفة العقل
ولا ينافى هذا أى سماعه الغناء من المرأة مع الضرب على الدف ما تقدم فى باب ما حفظ به صلى الله تعالى عليه وسلم فى صغره من أمر الجاهلية لأن الدف ثم كان معه مزمار بخلافه هنا وتسمية أبى بكر رضى الله تعالى عنه الدف مزمارا لأنه كان يعتقد حرمة ذلك فشبهه بالمزمار المحرم سماعه
قال بعضهم واعلم أن السماع فى طريق القوم معروف وفى الجواذب إلى المحبة معدود وموصوف وقال بعض آخر إنه من أكبر مصايد النفوس أى والرجوع بها إلى الله تعالى وقد شوهد تأثير السماع فى الحيوانات غير الناطقة بل فى الأشجار ومن لم يحركه السماع فهو فاسد المزاج غليظ الطبع
وعن أبى بشر أن النبى صلى الله عليه وسلم وأبا بكر مرا بالحبشة وهم يلعبون ويرقصون ويقولون ** يا أيها الضيف المعرج طارقا ** لولا مررت بآل عبد الدار ** ** لولا مررت بهم تريد قراهم ** منعوك من جهد ومن إقتار **
أى ولم ينكر عليهم وبه استدل أئمتنا على جواز الرقص حيث خلا عن التكسر فقد صحت الأخبار وتواترت الآثار بإنشاد الأشعار بين يديه صلى الله عليه وسلم بالأصوات الطيبة مع الدف وبغيره وبذلك استدل أئمتنا على جواز الضرب بالدف ولو فيه جلاجل لما هو سبب لإظهار السرور وعلى جواز إنشاد الشعر واستماعه حيث خلا عن هجو لغير نحو فاسق متجاهر بفسقه وخلا عن تشبب بمعين من امرأة أو غلام والخلاف إنما هو فى سماع الملاهى كالأوتار والمزامير وخوف الفتنة من سماع صوت المرأة أو الأمرد الجميل
ونقل عن الجنيد أنه قال الناس فى السماع أى سماع الآلات على ثلاثة أضرب العوام وهو حرام عليهم لبقاء نفوسهم والزهاد وهو مباح لهم لحصول مجاهداتهم والعارفون وهو مستحب لهم لحياة قلوبهم وذكر نحوه أبو طالب المكى وصححه السهروردى فى عوارف المعارف
وفى كلام بعضهم جبلت النفوس حتى غير العاقلة على الإصغاء إلى ما يحسن من سماع الصوت الحسن فقد كانت الطيور تقف على رأس داود عليه الصلاة والسلام لسماع صوته لكن يشكل على ذلك ما أخرجه ابن أبى شيبة عن صفوان بن أمية وهو من المؤلفة قال كنا عند النبى صلى الله عليه وسلم إذ جاء عمر بن قرة فقال يا رسول الله إن الله كتب على الشقوة فلا أنال الرزق إلا من دفى بكفى فأذن لى فى الغناء من غير فاحشة فقال النبى صلى الله عليه وسلم لا إذن لك ولا كرامة ولا نعمة كذبت أى عدو الله أى يا عدو الله والله لقد رزقك الله طيبا فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه مكان ما أحل الله لك من حلاله أما إنك لو قلت بعد كهذه المقالة لضربتك ضربا وجيعا إلا أن يقال هذا النهى إن صح محمول على من يتخذ ضرب الدف حرفة وهو مكروه تنزيها وقوله صلى الله عليه وسلم اخترت ما حرم الله عليك إلى آخره للمبالغة فى التنفير عن ذلك
ونزل صلى الله عليه وسلم على أبى أيوب وقال المرء مع رحله أى بعد أن قال أى بيوت أهلنا يعنى أهل تلك المحلة من بنى النجار أقرب فقال أبو أيوب دارى هذه وقد حططنا رحلك فيها فذهبت تلك الكلمة أى التى هى المرء مع رحله مثلا وقال اذهب فهيئ لنا مقيلا فذهب فهيأ ذلك ثم جاء فقال يا نبى الله قد هيأت مقيلا فقم على
بركة الله تعالى ونزل معه صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة رضى الله تعالى عنه
أقول وفى رواية فتنازع القوم أيهم ينزل عليه أى كل يحرص على أن تكون داره له منزلا أى مقاما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزل الليلة على بنى النجار أخوال عبد المطلب لأكرمهم بذلك فلما أصبح غدا حيث أمر وحينئذ يكون قوله صلى الله عليه وسلم أنزل الليلة أى غد تلك الليلة ولا يخالف هذا ما قبله من قول بنى النجار هلم إلينا وقوله لهم إنها مأمورة لجواز أن يكون أمر بالنزول عليهم
وأعلم أن خصوص البقعة والمحلة من محلات بنى النجار التى ينزل بها من دارهم ما تبرك به الناقة وفيه أنه يبعد مع ذلك أى مع قوله المذكور أى أنه ينزل على بنى النجار سؤال غير بنى النجار فى النزول عنده إلا أن يقال لعل السائلين له صلى الله عليه وسلم فى ذلك لم يبلغهم قوله المذكور أو جوزوا أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم بدا له فى ذلك رأى وقد أشار إلى نزوله صلى الله عليه وسلم على بنى النجار الامام السبكى فى تائيته بقوله ** نزلت على قوم بأيمن طائر ** لأنك ميمون السنا والنقيبة ** ** فيالبنى النجار من شرف به ** يجرون أذيال المعالى الشريفة **
وهذا السياق يدل على أن تنازع القوم وقوله لهم المذكور كان فى آخر ليلة وهو فى قباء وهو يرد قول بعضهم يشبه أن يكون ذلك فى أول قدومه صلى الله عليه وسلم من مكة قبل نزوله قباء لا فى قدومه باطن المدينة فالمراد بأهل المدينة أهل قباء
ويرد قول سبط ابن الجوزى لعله نزل على بنى النجار ليلة انتهى أى تلك الليلة ثم ارتحل إلى بنى عمرو بن عوف أى فى قباء هذا وفى رواية عن أنس بن مالك رضى الله عنه لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة نزل فى علو المدينة فى حى يقال لهم بنو عمرو بن عوف فأقام فيهم أربع عشرة ليلة ثم أرسل إلى ملأ من بنى النجار فجاءوا متقلدين سيوفهم قال أنس فكأنى أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته وأبو بكر رديفه وملأ من بنى النجار حوله حتى أناخ بفناء أبى أيوب وهذه الرواية وقع فيها اختصار كبير
ويقال إنه صلى الله عليه وسلم عرج على عبد الله بن أبى ابن سلول وكان جالسا محتبيا وأراد النزول عليه فقال له اذهب إلى الذين دعوك وانزل عليهم فقال له سعد
ابن عبادة يا رسول الله لا تجد فى نفسك من قوله فقد قدمت علينا والخزرج تريد أن تملكه وقد وقع له فى بعض الأيام أنه صلى الله عليه وسلم قيل له يا رسول الله لو أتيت عبد الله بن أبى ابن سلول أى متألفا له ليكون ذلك سببا لإسلام من تخلف من قومه وليزول ما عنده من النفاق فانطلق النبى صلى الله عليه وسلم وركب حمارا وانطلق المسلمون يمشون معه فلما أتاه النبى صلى الله عليه وسلم قال له إليك عنى والله لقد آذانى نتن حمارك فقال رجل من الأنصار والله لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحا منك فغضب لعبد الله رجل من قومه فشتمه فغضب لكل واحد منهما أصحابه فكان بينهما ضرب بالجريد والأيدى والنعال فنزل { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما } كذا فى البخارى
وفيه أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على بن أبى ابن سلول وهو فى جماعة فقال ابن أبى لقد عثا ابن أبى كبشة فى هذه البلاد فسمعها ابنه عبد الله رضى الله تعالى عنه فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيه برأسه فقال له صلى الله عليه وسلم لا ولكن بر أباك وكان ابن أبى جميل الصورة ممتلئ الجسم فصيح اللسان وهو المعنى بقوله تعالى { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم } الآية ولكونه متبوعا جئ فيه بصيغة الجمع
وعن الزهرى أخبرنى عروة بن أسامة بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب حمارا على إكاف وأردف أسامة وراءه يعود سعد بن عبادة فى بنى الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر حتى مر بمجلس فيه عبد الله بن أبى ابن سلول وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أبى ابن سلول فاذا فى المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود وفى المسلمين عبد الله بن رواحة فثار غبار من مشى الحمار فخمر ابن أبى أنفه بردائه ثم قال لا تغبروا علينا فسلم رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم ثم نزل ودعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن فقال ابن أبى أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول إن كان حقا فلا تؤذينا به فى مجالسنا إرجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه فقال عبد الله بن رواحة بلى يا رسول الله فاغشنا فإنا نحب ذلك واستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتبادرون فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكنوا ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم دابته حتى دخل على سعد بن عبادة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا سعد ألم تسمع
ما قال أبو حباب يعنى ابن أبى قال كذا وكذا فقال سعد بن عبادة يا رسول الله اعف عنه واصفح فوالله الذى أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذى أنزل عليك وقد اصطلح أهل هذه البحيرة على أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة فلما رد بالحق الذى أعطاك الله شرق فذلك الذى فعل به ما رأيت فعفا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم والله أعلم
ومكث صلى الله عليه وسلم ببيت أبى أيوب إلى أن بنى المسجد وبعض مساكنه وقد مكث فى بناء ذلك من شهر ربيع الأول إلى شهر صفر من السنة القابلة أى وذلك اثنا عشر شهرا وقيل مكث ببيت أبى أيوب سبعة أشهر
قال ولما تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم من بنى عمرو بن عوف إلى المدينة تحول المهاجرون أى غالبهم أخذا مما يأتى فتنافس فيهم الأنصار أن ينزلوا عليهم حتى اقترعوا فيهم بالسهمان فما نزل أحد من المهاجرين على أحد من الأنصار إلا بقرعة بينهم فكان المهاجرون فى دور الأنصار وأموالهم اه
وكان من جملة محل مسجده صلى الله عليه وسلم مسجد لأبى أمامة أسعد بن زرارة رضى الله تعالى عنه وكان أبو أمامة يجمع فيه بمن يليه بناه فى بعض مربد للتمر لسهل وسهيل أى يجفف فيه التمر ويرادف المربد الجرين والمسطح والبيدر وهو ما يبسط فيه الزرع أو التمر للتجفيف
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلى فى ذلك المسجد قال فعن أم زيد بن ثابت أنها قالت رأيت أسعد بن زرارة قبل أن يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة يصلى بالناس الصلوات الخمس ويجمع بهم فى مسجد بناه فى مربد سهل وسهيل قالت فكأنى أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم وصلى بهم فى ذلك المسجد وبناه أى مع إدخال بقية ذلك المربد فهو مسجده
وحينئذ لا يخالف ذلك قول الحافظ بن الدمياطى عن الزهرى قال بركت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موضع مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ يصلى فيه رجال من المسلمين قبل قدومه صلى الله عليه وسلم وكان مربدا لسهل وسهيل وكان جدارا مجدرا ليس عليه سقف وقبلته إلى بيت المقدس وكان أسعد بن زرارة بناه وكان يصلى بأصحابه ويجمع بهم فيه الجمعة قبل قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم أى ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة صار يصلى فيه
وفى الإمتاع كان أسعد بن زرارة بنى فيه جدارا تجاه بيت المقدس كان يصلى إليه بمن أسلم قبل قدوم مصعب بن عمير ثم صلى بهم إليه مصعب هذا كلامه وتعلم ما فيه لما قدمناه فى قدوم مصعب المدينة لكن فى البخارى أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلى فى مرابض الغنم قبل أن يبنى المسجد أى ولعله اتفق له ذلك فى بعض الأوقات لأنه صلى الله عليه وسلم كان يصلى حيث أدركته الصلاة
ثم إنه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك سأل أسعد بن زرارة أن يبيعه تلك البقعة التى كان من جملتها ذلك المسجد ليجعلها مسجدا فإنها كانت فى يده ليتيمين فى حجره وهما سهل وسهيل وقيل كانا فى حجر معاذ بن عفراء قال فى الأصل وهو الأشهر
وفى المواهب أن الأول هو المرجح واليتيمان المذكوران من بنى مالك بن النجار وقيل كانا فى حجر أبى أيوب الأنصارى قال بعضهم والظاهر أن الكل أى من اسعد ومعاذ وأبى أيوب كانوا يتكلمون لليتيمين لأنهم بنو عم فنسبا إلى حجر كل
وقد عرض أبو أيوب عليه صلى الله عليه وسلم أن يأخذ تلك الأرض ويغرم لليتيمين فيمتها فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم وابتاعها بعشرة دنانير أداها من مال أبى بكر أى وفى رواية فدعا الغلامين فساومهما بالمربد فقالا نهبه لك يا رسول الله فأبى أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير وأمر أبا بكر أن يعطيهما ذلك أى وحينئذ يكون وصفهما باليتم باعبتار ما كان
وفى رواية أرسل صلى الله عليه وسلم إلى ملأ من بنى النجار ولعلهم من تقدم وهو أسعد ومعاذ وأبو أيوب ومعهم سهل وسهيل فجاءوه صلى الله عليه وسلم فقال لهم ثامنونى بحائطكم هذا أى خذوا منى ثمنه قالوا لا يا رسول الله والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله فأبى أن يأخذه إلا بالثمن
قال وجاء أن أسعد بن زرارة عوض اليتيمين من تلك الأرض نخلا أى له فى بنى بياضة وقيل أرضا هما فيها أبو أيوب وقيل معاذ بن عفراء
وطريق الجمع بين ذلك أنه يحتمل أن كلا من أسعد وأبى أيوب ومعاذ بن عفراء دفع للغلامين شيئا أى زيادة على العشرة دنانير فنسب ذلك لكل منهم
وجاء أنه كان فى تلك الأرض قبور جاهلية فأمر بها صلى الله عليه وسلم فنبشت وأمر بالعظام فألقيت اه أى وفى رواية وأمر بالعظام أن تغيب أى وفى رواية كان
فى موضع المسجد نخل وخرب أى حفر ومقابر للمشركين فأمر صلى الله عليه وسلم بالقبور فنبشت وبالخرب فسويت وبالنخل فقطعت
أى وفى سيرة الحافظ الدمياطى فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنخل الذى فى الحديقة أى وهى تلك الأرض التى كانت مربدا أى وسمى حديقة لوجود النخل به وأمر بالغرقد الذى فيه أن يقطع أى والغرقد شجر معروف وبقبع الغرقد مقبرة أهل المدينة وشجر الغرقد يقال له شجر اليهود فإنه لا يدل على اليهودى إذا توارى به عند نزول عيسى عليه الصلاة والسلام وقتله للدجال ولجنده من اليهود فإذا توارى اليهودى بشجرة نادته يا روح ههنا يهودى فيأتى حتى يقف عليه فإما أن يسلم وإما أن يقتل إلا شجر الغرقد فإنه لا يدل على اليهودى إذا توارى به فقيل له شجر اليهود لذلك
قال وكان فى المربد ماء مستبجر فسيروه حتى ذهب والمستبجر الذى ينشع ويظهر من الأرض
ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر باتخاذ اللبن فاتخذ وبنى به المسجد وجاء أنه صلى الله عليه وسلم عند الشروع فى البناء وضع لبنة ثم دعا أبا بكر فوضع لبنة أى بجانب لبنته صلى الله عليه وسلم ثم دعا عمر فوضع لبنة بجانب لبنة أبى بكر ثم جاء عثمان فوضع لبنة بجانب لبنة عمر
أى وقد أخرج ابن حبان لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ووضع فى البناء حجرا وقال لأبى بكر ضع حجرك إلى جنب حجرى ثم قال لعمر ضع حجرك إلى جنب حجر أبى بكر ثم قال لعثمان ضع حجرك إلى جنب حجر عمر ثم قال هؤلاء الخلفاء بعدى قال أبو زرعة إسناده لا بأس به فقد أخرجه الحاكم فى المستدرك وصححه وفى رواية هؤلاء ولاة الأمر بعدى قال ابن كثير وهذا الحديث بهذا الإسناد غريب جدا
قال بعضهم وقوله صلى الله عليه وسلم لعثمان ما ذكر أى ضع حجرك إلى جنب حجر عمر يرد على من زعم أن هذا منه صلى الله عليه وسلم إشارة إلى قبورهم أى إذ لو كان إشارة إلى ذلك لدفن عثمان بجانب عمر كما دفن عمر بجانب أبى بكر بل هو إشارة إلى ترتيب الخلافة أى لأنه لا يستفاد من قوله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الخلفاء بعدى إلا ذلك
ومن ثم جاء فى رواية فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال أمر الحلافة من بعدى
وتصحيح الحاكم لما ذكر يظهر التوقف فى قول بعضهم إن هذا لم يجئ فى الصحيح إلا أن يريد صحيح الشيخين
وأما قوله قال البخارى فى تاريخه إن ابن حبان لم يتابع على الحديث المذكور لأن عمر وعثمان وعليا قالوا لم يستخلف النبى صلى الله عليه وسلم فقد يقال عليه معناه لم ينص على استخلاف أحد بعينه عند موته وذلك لا ينافى الإشارة إلى وقوع الخلافة لهؤلاء بعده ولا ينافى قوله هؤلاء الخلفاء بعدى لجواز أن يراد الخلافة فى العلم ثم رأيت ابن حجر الهيتمى أشار إلى ذلك حيث قال قلت هذا أى وضع تلك الأحجار وقوله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الخلفاء بعدى مع احتماله للخلافة فى العلم والإشارة متقدم على وقت الاستخلاف عادة وهو قرب الموت فلم يكن نصا سالما من المعارض هذا كلامه ثم قال للناس ضعوا أى الحجارة فوضعوا ورفع بالحجارة أى قريب من ثلاثة أذرع وبنى باللبن وجعل عضادتيه أى جانبيه بالحجارة وسقفه بالجريد وجعلت عمدء وفى رواية سواريه من جذوع النخل وطول جداره قامة أى كان ارتفاعه قدر قامة
قال وعن شهر بن حوشب قال لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبنى المسجد قال ابنوا لى عريشا كعريش موسى ثمامات وخشبات وظلة كظلة موسى والأمر أعجل من ذلك قيل وماظلة موسى قال كان إذا قام أصاب رأسه السقف انتهى
أى فالمراد اجعلوا سقفه يكون بحيث إذا قمت أصاب رأسى السقف أو رفعت يدى أصابت السقف
والجمع بين هاتين الروايتين يدل على أن المراد ما هو قريب من ذلك بحيث لا يكون كثير الارتفاع فلا ينافى ما يأتى من أمره بجعل ارتفاعه سبعة أذرع فليتأمل
وفى سيرة الحافظ الدمياطى فقيل له ألا تسقف فقال عريش كعريش موسى خشبات وثمام أى وقيل للحسن ما عريش موسى قال إذا رفع يده بلغ العريش يعنى السقف
وفى رواية لما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بناء المسجد قال قيل لى أى قال له جبريل عريش كعريش أخيك موسى سبعة أذرع طولا فى السماء وكان
سبعة أذرع بحيث يصيب رأسه ولا نزخرفه ثم الأمر أعجل من ذلك أى وفيه أن هذا يقتضى أن موسى كان طوله سبعة أذرع وهو يخالف ما اشتهر أن قامة موسى كانت أربعين ذراعا وعصاه كذلك ووثبته كذلك وقد جاء ما أمرت بتشييد المساجد أى ولعل قوله ذلك كان لما جمع الأنصار مالا وجاءوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله ابن هذا المسجد وزينه إلى متى تصلى تحت هذا الجريد
وجاء لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس فى المساجد وجاء من أشراط الساعة أن يتباهى الناس فى المساجد أى تزخرفها كما تزخرف اليهود والنصارى كنائسهم وبيعهم ولم يكن على السقف كبيرطين إذ كان المطر يكف اى ينزل منه ماء المطر المخالط للطين عليهم بحيث يمتلئ أى المسجد طينا فقالوا يا رسول الله لو أمرت فطين أى جعل عليه طين كثير بحيث لا ينزل عليه المطر فقال لا عريش كعريش موسى فلم يزل كذلك حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وعند بنائه عمل فيه المسلمون المهاجرون والأنصار وعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه ليرغب المسلمين فى العمل فيه
قال فقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم صار ينقل اللبن أى فى ثيابه وفى رواية فى ردائه حتى اغبر صدره الشريف وصار يقول ** هذا الحمال لا حمال خيبر ** هذا أبر ربنا وأطهر **
أى هذا المحمول من اللبن أبر وأطهر ياربنا مما يحمل من خيبر من نحو التمر والزبيب فالحمال بالحاء المهملة بمعنى المحمول ووقع فى رواية بالجيم جمع جمل قال بعضهم وله وجه والأول أظهر ولا يحسن هذا الوجه إلا إذا كانت جمال خيبر أنفس من جمال غيرها وصار يقول ** اللهم إن الأجر أجر الآخره ** فارحم الأنصار والمهاجره **
قال البلاذرى وهذا القول لامرأة من الأنصار وتمامه ** وعافهم من حر نار ساعره ** فإنها لكافر وكافره **
والذى فى البخارى فاغفر للأنصار والمهاجره ولعله صلى الله عليه وسلم هو الذى أخرجه عن الوزن كما هو عادته فى إنشاد الشعر كما سيأتى وفى لفظ فأصلح وفى لفظ فأكرم وفى رواية اللهم لا خير إلا خير الآخره فارحم المهاجرين والأناصره وفى رواية فانصر الأنصار والمهاجره وعن الزهرى أنه كان يقول اللهم لا خير إلا خير
الآخرة فارحم المهاجرين والأنصار لأنه كان لا يقيم الشعر أى لا يأتى به موزونا ولو متمثلا وفيه أنه مع قوله اللهم إن الأجر إلى آخره لا يكون شعرا موزونا إلا إن حذف أل من اللهم وقال لاهم وكسر همزة فأرحم وحينئذ تكون المرأة من الأنصار إنما نطقت بذلك أى قالت لاهم إلى آخره وهو صلى عليه وسلم هو الذى غيره
ونقل عن الزهرى أنه صلى الله عليه وسلم لم يقل بيتا موزونا متمثلا به إلا قوله هذا الحمال البيت ولم أقف على قائله وسيأتى عن الزهرى أنه من إنشائه صلى الله عليه وسلم وسيأتى ما فيه
وفى كلام بعضهم قال ابن شهاب يعنى الزهرى لم يبلغنا فى الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم تمثل ببيت شعرتام أى موزون إلا هذه الأبيات قال ابن عائذ أى التى كان يرتجز بهن وهو ينقل اللبن لبناء المسجد أى وفيه هذا مخالف لما تقدم عن الزهرى أنه صلى الله عليه وسلم لم يقل بيتا موزونا إلا قوله هذا الحمال فلا يحسن أن يفسر كلامه بذلك على أنه تمثل ببيت شعر تام موزون غير ذلك فقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم جعل يدور بين قتلى بدر ويقول ** نفلق هاما من رجال أعزة ** علينا وهم كانوا أعق وألأما **
وفى المواهب وقد قيل إن الممتنع عليه صلى الله عليه وسلم إنشاء الشعر لا إنشاده أى ولذلك جاء ما أبالى ما أوتيت إن أنا قلت الشعر من قبل نفسى وفى الكشاف وقد صح أن الأنبياء معصومون من الشعر ولا دليل على منع إنشاده أى الشعر موزونا مثمثلا
أقول نقل الحافظ الدمياطى عن الزهرى أنه كان يقول إنه صلى الله عليه وسلم لم يقل شيئا من الشعر إلا ما قد قيل قبله إلا قوله ** هذا الحمال لا حمال خيبر ** هذا أبر ربنا وأطهر **
أى فإنه من قوله وهو يخالف ما تقدم عنه ولعله سقط من عبارة الزهرى المذكورة شئ والأصل أنه لم يقل شيئا من الشعر إلا ما قد قيل قبله ولم يقل ما قبله تاما أى موزونا إلا قوله هذا الحمال إلى آخره فلا يخالف ما تقدم عنه وكونه كان لا يقيم الشعر أى لا يأتى به موزونا ولو متمثلا هو المنقول عن عائشة رضى الله تعالى عنها فقد قيل لها هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتى بشئ من الشعر فقالت كان
أبغض الحديث إليه الشعر غير أنه كان يتمثل ويجعل أوله آخره وآخره أوله أى غالبا كان يقول ويأتيك من لم تزود بالأخبار ويقول كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا أى وذلك قول سحيم بمهملة مصغرا عبد بنى الحساس شاعر مشهور مخضرم كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا ولما غير رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له الصديق رضى الله تعالى عنه إنما قال الشاعر كذا فأعاده صلى الله عليه وسلم كالأول فقال الصديق أشهد أنك رسول الله { وما علمناه الشعر } ولما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قول سحيم ** الحمد لله حمدا لا انقطاع له ** فليس إحسانه عنا بمقطوع **
قال أحسن وصدق وقول الصديق أشهد أنك رسول الله { وما علمناه الشعر } يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لا يجرى الشعر على لسانه موزونا وقد قيل له صلى الله عليه وسلم من أشعر الناس قال الذى يقول ** ألم تريانى كلما جئت طارقا ** وجدت بها وإن لم تطيب طيبا **
الأصل وجدت بها طيبا وإن لم تطيب
وكان أبو بكر رضى الله تعالى عنه يقول له بأبى أنت وأمى يا رسول الله ما أنت بشاعر ولا راوية والمراد بكون الشعر أبغض إليه الإتيان به وإلا فقد كان يسمع الشعر كما تقدم ويستنشده فقد ذكر بعضهم أنه صلى الله عليه وسلم كان يستنشد الخنساء أخت صخر لأمه ويعجبه شعرها فكانت تنشده وهو يقول هيه يا خناس ويومئ بيده
وقد قال بعضهم أجمع أهل العلم أنه لم تكن امرأة قبلها ولا بعدها أشعر منها ومن شعرها فى أخيها المذكور ** أعينى جودا ولاتجمدا ** ألا تبكيان لصخر الندى ** ** طويل النجاد عظيم الرماد ** وساد عشيرته أمردا ** وللجلال السيوطى كتاب سماه نزهة الجلساء فى أشعار الخنساء وقولنا فى قول عائشة إنه كان يتمثل بالشعر ويجعل أوله آخره أى غالبا حتى لا ينافى ما جاء عنها كان يتمثل بشعر ابن رواحة ** ويأتيك بالأخبار من لم تزود **
وقولها ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينشد شعرا إلا بيتا واحدا
** تفاءل لما تهوى بكن فلقلما ** يقال لشئ كان إلا تخلفا **
وفى الخصائص الكبرى قال المزنى ولم يبلغنى أنه صلى الله عليه وسلم أنشد بيتا تاما على رويه بل إما الصدر كقول لبيد ألاكل شئ ما خلا الله باطل أو العجز كقول طرفة ويأتيك بالأخبار من لم تزود أى وفيه ما تقدم عن عائشة وكقوله وقد أنشده أعشى بنى مازن أبياتا فى ذم النساء آخر تلك الأبيات وهن من شر غالب لمن غلب فجعل صلى الله عليه وسلم يقول وهن شر غالب لمن غلب فإن أنشد بيتا كاملا غيره أى غالبا لما تقدم كبيت العباس بن مرداس أى فإنه صلى الله عليه وسلم قال يوما للعباس بن مرداس أرأيت قولك وفى لفظ أنت القائل ** أصبح نهبى ونهب العبيد ** بين الأقرع وعيينة **
فقيل له إنما هو بين عيينة والأقرع فقال عليه الصلاة والسلام إنما هو الأقرع وعيينة فقال أبو بكر رضى الله تعالى عنه بأبى أنت وأمى يا رسول الله وفى لفظ أشهد أنك رسول الله ما أنت بشاعر ولا راويه ولا ينبغى لك إنما قال بين عيينة والأقرع أى أنه لا ينبغى لك أن تكون شاعرا كما قال الله ولا ينبغى لك أن تكون راويا للشعر أى بأن تاتى به على وجهه أى لا يكون شأنك ذلك مباعدة عن الشعر وكون شأنه ذلك لا ينافى وجوده منه على وجهه فى بعض الأحيان فليتأمل
وعن بعضهم ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت شعر قط أى موزونا وقد يقال لا يخالف هذا ما تقدم عن المواهب لأنه يجوز أن يكون هذا المنقول عن عائشة
وعن المزنى وعن بعضهم كان أغلب أحواله كما قدمناه فى المنقول عن عائشة ثم رأيته فى الامتاع أشار إلى ذلك بقوله وربما أنشد صلى الله عليه وسلم البيت المستقيم فى النادر وقول المواهب لا دليل على منع إنشاده متمثلا أي دائما وأبدا ويدل لذلك قول الزهري إنه لم يقل بيتا موزونا متمثلا به إلا قوله هذا الحمال إلى آخره وفيه ما علمت ولا يخفى أن الشعر عر ف بأنه كلام عربى موزون عن قصد قال البدر الدمياطى وقولنا عن قصد يخرج ما كان وزنه اتفاقيا كآيات شريفة اتفق جريان الوزن فيها أى من بحور الشعر الستة عشر وقد ذكرها الجلال السيوطى فى نظمه للتلخيص وذلك كما فى قوله تعالى { لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون } وكقوله تعالى { وجفان كالجواب وقدور راسيات }
وقوله تعالى { نصر من الله وفتح قريب } وككلمات شريفة نبوية جاء الوزن فيها اتفاقيا غير مقصود كما فى قول النبى صلى الله عليه وسلم ** هل انت إلا أصبع دميت ** وفى سبيل الله مالقيت **
أى بناء على تسليم أنه من قوله صلى الله عليه وسلم وإلا فقد قيل إنه من قول عبد الله ابن رواحة أى فإن ذلك مذكور فى أبيات قالها فى غزوة مؤتة وقد صدمت أصبعه فدميت وذكر بدل فى سبيل الله فى كتاب الله ولا مانع أن يكون ابن رواحة أدخل ذلك البيت فى تلك الأبيات التى صنعها كما تقدم
وفى كلام ابن دحية ولا يمر على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من ضروب الرجز إلا ضربان منهوك ومشطور فالمنهوك أنا النبى لا كذب والمشطور هل أنت إلا أصبع دميت وقيل البيت الواحد لا يكون شعرا على أنه قيل إن الرجز ليس من الشعر عند الأخفش خلافا للخليل أى فإن الأخفش احتج على أن الرجز ليس بشعر رادا على الخليل ومن تبعه القائلين بأنه من الشعر حيث قال لأحتجن عليهم بحجة إن بم يقروا بها كفروا لو كان شعرا ما جرى على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الله تعالى يقول { وما علمناه الشعر وما ينبغي له } هذا كلامه قال فى النور والصحيح أنه شعر أى موافقة للخليل وقد علمت أن ما جرى منه على لسانه صلى الله عليه وسلم ليس شعرا لعدم قصده فليتأمل
وقد نقل الماوردى من أئمتنا أنه كما يحرم عليه قول الشعر أى إنشاؤه يحرم عليه روايته أى دون إنشاده متمثلا
وفرق بعضهم بين الإنشاد والرواية بأن الرواية يقول قال فلان كذا وأما إنشاده متمثلا فلا يقول ذلك هذا كلامه
وفيه أنه قال لما قيل له من أشعر الناس قال الذى يقول إلى آخره وقال للعباس ابن مرداس أنت القائل إلى آخره قال ذلك البعض وكان الفرق بين الرواية والإنشاد أن فى قوله قال فلان فيه رفعة للقائل بسبب قوله وهذا متضمن لرفع شأن الشعر والمطلوب منه الإعراض عن الشعر من حيث كونه شعرا
وفيه أن الصديق قال له عند كل من الرواية والإنشاد لست براوية كما تقدم وعن الخليل كان الشعر أحب إليه صلى الله عليه وسلم من كثير من الكلام
أى وقد يقال لا يخالف هذا ما تقدم عن عائشة رضى الله تعالى عنها كان أبغض الحديث إليه صلى الله عليه وسلم الشعر لأن المراد بالشعر الذى يحبه ما كان مشتملا على حكمة أو وصف جميل من مكارم الأخلاق والذى يبغضه ما كان مشتملا على ما فيه هجنة أو هجو ونحو ذلك
ومن ثم قيل الشعر كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح وفى الجامع الصغير الشعر بمنزلة الكلام فحسنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام الشعر الحسن أحد الحمالين يكسوه الله المرء المسلم
وقد قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما إذا خفى عليكم شئ من غريب القرآن فالتمسوه فى الشعر فإن الشعر ديوان العرب وفى كلام سيدنا عمر رضى الله تعالى عنه نعم الأبيات من الشعر يقدمها الرجل فى صدر حاجته يستعطف بها قلب الكريم ويستميل بها لؤم اللئيم
والحاصل أن الحق الحقيق بالاعتماد وبه تجتمع الأقوال أن المحرم عليه صلى الله عليه وسلم إنما هو إنشاد الشعر أى الاتيان بالكلام الموزون عن قصد وزنه وهذا هو المعنى بقوله تعالى { وما علمناه الشعر }
فإن فرض وقوع كلام موزون منه صلى الله عليه وسلم لا يكون ذلك شعرا اصطلاحا لعدم قصد وزنه فليس من الممنوع منه
والغالب عليه صلى الله عليه وسلم أنه إذا أنشد بيتا من الشعر متمثلا أو مسندا لقائله لا يأتى به موزونا وربما أتى به موزونا
وادعى بعض الأدباء أنه صلى الله عليه وسلم كان يحسن الشعر أى يأتى به موزونا قصدا ولكنه كان كان لا يتعاطاه أى لا يقصد الإتيان به موزونا قال وهذا أتم وأكمل مما لو قلنا بأنه كان لايحسنه وفيه أن فى ذلك تكذيبا للقرآن
وفى التهذيب للبغوى من أئمتنا قيل كان صلى الله عليه وسلم يحسن الشعر ولا يقوله والأصح أنه كان لا يحسنه ولكن كان يميز بين جيد الشعر ورديئه ولعل المراد بين الموزون منه وغير الموزون ثم رأيته فى ينبوع الحياة قال كان بعض الزنادقة المتظاهرين بالإسلام حفظا لنفسه وماله يعرض فى كلامه بأن النبى صلى الله عليه وسلم كان يحسن الشعر يقصد بذلك تكذيب كتاب الله تعالى فى قوله تعالى { وما علمناه الشعر وما ينبغي له }
قال بعضهم والحكمة في تنزيه القرآن الموزون مع أن الموزون من الكلام رتبته فوق رتبة غيره أن القرآن منبع الحق ومجمع الصدق وقصارى أمر الشاعر التخيل بتصور الباطل في صورة الحق والأفراط في الإطراء والمبالغة في الذم والإيذاء دون إظهار الحق والباطل وإثبات الصدق ولهذا نزه الله تعالى نبيه عنه ولأجل شهر الشعر بالكذب سمى أصحاب البرهان القياسات المؤدية في أكثر الأمر إلى البطلان والكذب شعرية
قد جاء التنفير عن إنشاد الشعر في المسجد قال صلى الله عليه وسلم من رأيتموه ينشد شعرا في المسجد فقولوا فض الله فاك ثلاث مرات والأخذ بعمومه فيه من العسر مالا يخفى
وفي العرائس عن بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال من قال آدم قد قال الشعر فقد كذب على الله ورسوله ورمى آدم بالإثم وإن محمد والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم كلهم في النهى عن الشعر سواء
وفي كلام الشيخ محي الدين بن العربي في قوله تعالى { وما علمناه الشعر وما ينبغي له } أعلم ان الشعر محل الأجمال واللغز والتورية أى ما رمزنا لمحمد صلى الله عليه وسلم شيئا ولا ألغزنا ولاخاطبناه بشئ ونحن نريد شئيا آخر ولا أجملنا له الخطاب بحيث لم يفهمه وأطال في ذلك وهل ويشكل على ذلك الحروف المقطة أوئل السور ولعله رضي الله بعلمه والله تعالى عنه لايرى أن ذلك من المتشابه أو أن المتشابه ليس مما استأثر الله بعلمه والله اعلم
ولما رأته صلى الله عليه وسلم الصحابة ينقل اللبن بنفسه دأبوا فى ذلك أى فى نقل اللبن أى وهو المراد بالصخر فى قول بعضهم وجعل أصحابه ينقلون الصخر أو المراد الصخر الذى يبنى به الجدار وجانبا الباب كما تقدم حتى قال قائلهم ** لئن قعدنا والنبى يعمل ** لذاك منا العمل المضلل **
وجعل يحمل كل رجل لبنة لبنة وعمار بن ياسر يحمل لبنتين لبنتين فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفض التراب عن رأس عمار ويقول يا عمار ألا تحمل كما يحمل أصحابك قال إنى أريد الأجر من الله تعالى وفى رواية كان يحمل لبنة عن نفسه ولبنة عنه صلى الله عليه وسلم فمسح رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهره وقال يا ابن سمية للناس أجر ولك أجران وآخر زادك أى من الدنيا شربة من لبن وجاء فى حق
عمار بن سمية ما عرض عليه أمران قط إلا اختار رضى الله عنه الأرشد منهما إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق وتقتلك الفئة الباغية تدعوهم إلى الجنة وتدعوك إلى النار وعمار يقول أعوذ بالله وفى رواية بالرحمن من الفتن أى وهذا السياق يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يستمر ينقل اللبن بل نقل ذلك فى بعض الأوقات
وفى مسلم وعن أبى سعيد الخدرى رضى الله تعالى عنه قال أخبرنى من هو خيرمنى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نظر لعمار حين شغل بحفر الخندق فجعل يمسح رأس عمار ويقول ابن سمية تقتلك فئة باغية وفى رواية تغيين من أبهمه أبو سعيد وهو أبو قتادة وزاد فى رواية أن النبى صلى الله عليه وسلم لما حفر الخندق وكان الناس يحملون لبنة لبنة أى من الحجارة التى تقطع وعمار ناقه من وجع كان به فجعل يحمل لبنتين قال لعمار بؤسا لك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية
ثم رأيت بعضهم قال يشبه أن يكون ذكر الخندق وهما أوقالها عند بناء المسجد وقالها يوم الخندق هذا كلامه أى ويكون عمار بن ياسر فى الخندق قد صار يحمل الحجرين وكان فى بناء المسجد يحمل اللبنتين وكان عثمان بن مظعون رضى الله تعالى عنه رجلا متنظفا أى مترفها فكان إذا حمل اللبنة يجافى بها عن ثوبه لئلا يصيبه التراب فإن أصابه شئ من التراب نفضه فنظر إليه على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه وأنشد يقول أى مباسطة مع عثمان بن مظعون لاطعنا فيه ** لا يستوى من يعمر المساجدا ** يدأب فيها قائما وقاعدا ** **
ومن يرى عن التراب حائدا
**
أى وكان عثمان هذا من جملة من حرم الخمر على نفسه فى الجاهلية وقال لا أشرب شرابا يذهب عقلى ويضحك بى من هو أدنى منى
وذكر ابن إسحق قال سألت غير واحد من أهل العلم بالشعر عن هذا الرجز هل تمثل به على أو أنشأه فكل يقول لا أدرى فسمع ذلك الرجز عمار بن ياسر فصار يرتجز بذلك وهو لا يدرى من يعنى بذلك فمر يرتجز بذلك على عثمان فظن عثمان أن عمارا يقصد التعريض به فقال له عثمان يا ابن سمية ما أعرفنى بمن تعرض به لتكفن أو لأعترضن بهذه الحديدة لحديدة كانت معه وجهك وفى لفظ والله إنى أرانى سأعرض هذه العصا بأنفك لعصا كانت فى يده فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب وقال إن عمار بن ياسر جلدة ما بين عينى ووضع يده الشريفة بين عينيه الشريفتين
فقال الناس لعمار قد غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم أى ونخاف أن ينزل فينا قرآن فقال أنا أرضيه فقال يا رسول الله مالى ولأصحابك قال مالك ولهم قال يريدون قتلى فيحملون لبنة لبنة ويحملون على لبنتين لبنتين أى وفى لفظ يحملون على اللبنتين والثلاث أى ولعله حمل ثلاث لبنات فى بعض الأوقات فأخذ بيده وطاف به المسجد وجعل يمسح ذفرته من التراب والذفرة بالذال المعجمة الشعر الذى حهه القفا ويقول يا ابن سمية ليسوا بالذين يقتلونك تقتلك الفئة الباغية ويقول ويح عمار تقتلة الفئة الباغية يدعوهم ألى الجنة أى إلى سببها وهو اتباع الإمام الحق لأنه كان يدعو إلى اتباع على وطاعته وهو الإمام الواجب الطاعة إذ ذاك ويدعونه إلى النار أى إلى سببها وهو عدم اتباع على وطاعته واتباع معاوية وطاعته
وفيه ان تلك الفئة التى كان فيها قاتله كان فيها جمع من الصحابة وهو معذورون بالتأويل الذى ظهر لهم إلا أن يقال يدعونه إلى النار باعتبار اعتقاده وإطلاق البغى عليهم حينئذ باعتبار ذلك قال بعضهم وفئة معاوية وإن كانت باغية لكنه بغى لا فسق فيه لأنه إنما صدر عن تأويل يعذر به أصحابة انتهى أى وما زاده بعضهم فى الحديث لا انالهم الله شفاعتى يوم القيامة قال ابن كثير من روى هذا فقد افترى فى هذه الزيادة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لم يقلها إذ لم تنقل عمن يقبل وقال الإمام أبو العباس ابن تيمية وهذا كذب مزيد فى الحديث لم يروه أحد من أهل العلم بإسناد معروف وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم عمار جلدة ما بين عيني لا يعرف له إسناد والذى فى الصحيح تقتل عمارا الفئة الباغية وعن أبى العالية سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول قاتل عمار فى النار ومن العجب أن أبا العالية هذا هو القاتل لعمار يوم صفين فكان أبو العالية مع معاوية وكان عمار مع على أى ويقول إن عمار ا لما برز للقتال قال اللهم لو أعلم رضاك عنى أن أوقد نارا فأرمى نفسى فيها لفعلت أو أغرق نفسى لفعلت وإنى لا أريد قتال هؤلاء إلا لوجهك الكريم وأنا أرجو أن لا تخيبنى وجعلت يده ترتعش على الحربة أى لأن عمره يومئذ كان ثلاثا وسبعين سنة أى وقد كان جئ له بلبن فضحك فقيل له ما يضحكك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول آخر شراب تشربه حين تموت لبن وفى رواية آخر زادك من الدنيا مشيج من اللبن ثم نادى اليوم زخرفت الجنان وزينت الحور الحسان اليوم نلقى الأحبة محمدا وحزبه
ولما قتل عمار دخل عمرو بن العاص على معاوية فزعا وقال قتل عمار فقال معاوية قتل عمار فماذا قال عمرو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول تقتل عمارا الفئة الباغية فقال له معاوية دحضت أى زلفت فى بولك أنحن قتلناه إنما قتله من أخرجه وفى رواية قال له اسكت فو الله ما تزال تدحض أى تزلق فى بولك إنما قتله على واصحابه جاءوا به حتى ألقوا بيننا
وذكر أن عليا رضى الله تعالى عنه لما احتج على معاوية رضى الله تعالى عنه بهذا الحديث ولم يسع معاوية إنكاره قال إنما قتله من أخرجه من داره يعنى بذلك عليا فقال على رضى الله تعالى عنه فرسول الله صلى الله عليه وسلم إذن قتل حمزة حين أخرجه
ولما قتل عمار جرد خزيمة بن ثابت رضى الله تعالى عنه سيفه وقاتل مع على وكان قبل ذلك اعتزل عن الفريقين وقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول تقتل عمارا الفئة الباغية فقاتل معاوية حتى قتل وكان ذو الكلاع رضى الله تعالى عنه مع معاوية وقال له يوما ولعمرو بن العاص كيف نقاتل عليا وعمار بن ياسر فقالا له إن عمارا يعود إلينا ويقتل معنا فقتل ذو الكلاع قبل قتل عمار
ولما قتل عمار قال معاوية لو كان ذو الكلاع حيا لمال بنصف الناس إلى على أى لأن ذا الكلاع كان ذووه أربعة آلاف أهل بيت وقيل عشرة آلاف
وكان عبد الله بن بديل بن ورقاء رضى الله تعالى عنه مع على رضى الله تعالى عنه فلما قتل عمار أخذ سيفين ولبس درعين ولم يزل يضرب بسيفه حتى انتهى إلى معاوية فأزاله عن موقفه وأزال أصحابه الذين كانوا معه عن موقفهم ثم قام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبى صلى الله عليه وسلم ثم قال ألا إن معاوية ادعى ماليس له ونازع الأمر أهله ومن ليس قبله وجادل بالباطل ليدخض به الحق وصال عليكم بالأعراب والأحزاب وزين لهم الضلالة وزرع فى قلوبهم حب الفتنة ولبس عليهم الأمر وأنتم والله على الحق على نور من ربكم وبرهان مبين فقاتلوا الطغاة الجناة قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين قاتلوا الفئة الباغية الذين نازعوا الأمر أهله قوموا رحمكم الله
ولما قتل عمار ندم ابن عمر رضى الله تعالى عنهما على عدم نصرة على والمقاتلة معه وقال عند موته ما أسفى على شئ ما أسفى على ترك قتال الباغية قال بعضهم شهدنا
صفين مع على بن أبى طالب فى ثمانمائة من أهل بيعة الرضوان وقتل منهم ثلاثة وستون منهم عمار بن ياسر وكان خزيمة بن ثابت الذى جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم شهادته بشهادة رجلين كان مع على يوم صفين كافا سلاحه حتى قتل عمار جرد سيفه وقاتل حتى قتل لأنه كان يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عمار تقتله الفئة الباغية
وفى الحديث من عادى عمارا عاداه الله ومن أبغض عمارا أبغضه الله عمار يزول مع الحق حيث يزول عمار خلط الإيمان بلحمه ودمه عمار ما عرض عليه أمران إلا اختار الأرشد منهما
وجاء أن عمارا دخل على النبى صلى الله عليه وسلم فقال مرحبا بالطيب المطيب إن عمار بن ياسر حشى ما بين أخمص قدميه إلى شحمة أذنه إيمانا وفى رواية إن عمارا ملئ إيمانا من قرنه إلى قدمه واختلط الإيمان بلحمه ودمه
وتخاصم عمار مع خالد بن الوليد فى سرية كان فيها خالد أميرا فلما جاءا إليه صلى الله عليه وسلم استبا عنده فقال خالد يا رسول الله أيسرك أن هذا العبد الأجدع يشتمنى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا خالد لا تسب عمارا فإن من سب عمارا فقد سب الله ومن أبغض عمارا أبغضه الله ومن لعن عمارا لعنه الله ثم إن عمارا قام مغضبا فقام خالد فتبعه حتى أخذ بثوبه واعتذر إليه فرضى عنه
وعن سعد بن أبى وقاص رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الحق مع عمار مالم يغلب عليه دلهة الكبر وهذا الحديث من أعلام النبوة فإن عمارا وقع بينه وبين عثمان بن عفان بعض الشحناء وأشيع عنه أنه يريد أن يخلع عثمان فاستدعاه سعد بن أبى وقاص وكان مريضا فقال له ويحك يا أبا اليقطان كنت فينا من أهل الخير فما الذى بلغنى عنك من السعى فى الفساد بين المسلمين والتألب على أمير المؤمنين أمعك عقلك أم لا فغضب عمار ونزع عمامته وقال خلعت عثمان كما خلعت عمامتى هذه فقال سعد إنا لله وإنا إليه راجعون ويحك حين كبر سنك ورق عظمك ونفد عمرك خلعت ربقة الإسلام من عنقك وخرجت من الدين عريانا كما ولدتك أمك فقام عمار مغضبا موليا وهو يقول أعوذ بربى من فتنة سعد وعند ذلك روى سعد الحديث وقال قد دله وخرف عمار وأظهر عمار القوم على ذلك
قال وجعلت قبلة المسجد إلى بيت المقدس وجعل له ثلاثة أبواب باب فى مؤخره والباب الذى كان يقال له باب عاتكة وكان يقال له باب الرحمة والباب الذى يقال له الآن باب جبريل انتهى أى وهو الباب الذى كان يدخل منه صلى الله عليه وسلم ويقال له باب عثمان لأنه كان يلى دار عثمان وهو الذى يخرج منه الآن إلى البقيع
أقول وجعل قبلته إلى بيت المقدس كان قبل أن تحول القبلة ولما حولت قبلته إلى الكعبة وهذا محمل قوله صلى الله عليه وسلم ما وضعت قبلة مسجدى هذا حتى رفعت لى الكعبة فوضعتها أتيممها أو أؤمها أى اقصدها وفى رواية ما وضعت قبلة مسجدى هذا حتى فرج لى ما بينى وبين الكعبة والله أعلم
أى وفى كلام بعضهم ومن الفوائد الحسنة ما ذكره مغلطاى أن موضع المسجد كان ابتاعه تبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه بألف سنة وإنه لم يزل على ملكه أى متعلقا به من ذلك العهد على ما دل عليه كتاب تبع
أقول سيأتى أن تبعا بنى للنبى صلى الله عليه وسلم دارا بالمدينة إذا قدمها ينزل فى تلك الدار وأنه يقال إنها دار أبى أيوب
وقد يجمع بأنه يجوز أن يكون ذلك المربد ودار أبى أيوب مجموعهما تلك الدار وأن تلك الدار قسمت فكان دار أبى أيوب بعضها وذلك المربد بعضها الآخر وأن الأيدى تداولت سكنى تلك الدار إلى أن صارت سكنا لأبى أيوب وهذا هو المراد بقول المواهب تداولت الدار الملاك إلى أن صارت لأبى أيوب
لكن قد يقال لو كانت الدار مذكورة فى الكتاب لذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن الكتاب كما سيأتى وصل إليه فى مكة فى أول البعثة ونزوله دار أبى أيوب وأخذه المربد على الكيفية المذكورة يبعد ذلك أى أنه ذكر له أمر تلك الدار والله أعلم
قال ومكث صلى الله عليه وسلم يصلى فى المسجد بعد تمامه إلى بيت المقدس خمسة أشهر ولما حولت القبلة سد صلى الله عليه وسلم الباب الذى كان فى مؤخر المسجد
وفى كلام بعضهم لما حولت القبلة لم يبق من الأبواب التى كان يدخل منها صلى الله عليه وسلم إلا الباب الذى يقال له باب جبريل عليه السلام أى فإنه بقى فى محله وأما باب الرحمة الذى كان يقال له أيضا باب عاتكة فأخر عن محله
وسبب وضع الحصا فى المسجد أن المطر جاء ذات ليلة فأصبحت الأرض مبتلة
فجعل الرجل يأتى بالحصا فى ثوبه فيبسطه تحته ليصلى عليه فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة قال ما أحسن هذا وفى رواية ما أحسن هذا البساط
وقد يعارض هذا ما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أن يحصب المسجد فمات قبل ذلك فحصبه عمر رضى الله تعالى عنه
أقول قد يقال لا معارضة لأنه يجوز أن يكون صلى الله عليه وسلم لما أعجبه ذلك من فعل بعض الصحابة أمره أن يحصب جميع المسجد لأن الواقع تحصيب بعضه لكن يشكل على ذلك قول بعضهم من البدع فرش المساجد إلا أن يراد بالحصر ونحوها لأنه لم يكن زمنه صلى الله عليه وسلم ولا أمر به ثم رأيت بعضهم ذكر ذلك حيث قال أول من فرش الحصر فى المساجد عمر بن الخطاب وكانت قبل ذلك مفروشة بالحصباء أى فى زمنه صلى الله عليه وسلم كما تقدم
وفى الإحياء أكثر معروفات هذه الأعصار منكرات فى عصر الصحابة رضى الله تعالى عنهم إذ من عزيز المعروف فى زماننا فرش المساجد بالبسط الرقيقة فيها وقد كان يعد فرش البوارى فى المسجد بدعة كانوا لا يرون أن يكون بينهم وبين الأرض حائل هذا كلام الإحياء أى والحصباء لا تعد حائلا وسيأتى أن المسجد بنى بعد فتح خيبر وهى التى عناها خارجة رضى الله تعالى عنه بقوله لما كثر الناس قالوا يا رسول الله لو زيد فيه ففعل ولعلها هى التى أدخل فيها الأرض التى اشتراها عثمان رضى الله تعالى عنه من بعض الأنصار بعشرة آلاف درهم ثم جاء عثمان إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أتشترى منى البقعة التى اشتريتها من الأنصار اى التى كانت مجاورة للمسجد فاشتراها منه ببيت فى الجنة
أى وفى رواية أن عثمان رضى الله تعالى عنه لما حصر أى الحصرة الثانية وأشرف على الناس من فوق سطح داره وقد اشتد به العطش قال أههنا على قالوا لا قال أههنا طلحة قالوا لا قال أنشدكم بالله الذى لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من يبتاع مربد بنى فلان أى لمربد كان مجاورا للمسجد غفر الله له فاتبعته بعشرين ألفا أو بخمسة وعشرين ألفا شك عثمان وتقدم أنه اشتراها بعشرة آلاف درهم فليتأمل فأتيت النبى صلى الله عليه وسلم فقلت قد ابتعته فقال اجعله مسجدنا وأجره لك قالوا اللهم نعم قد كان ذلك وفى لفظ أنشدكم بالله
وبالإسلام هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يشتري بقعة ابن فلان لبقعة كانت إلى جانب المسجد فقال صلى الله عليه وسلم من يشتريها ويوسعها فى المسجد له مثلها وفى لفظ بخير له منها فى الجنة فاشتريتها ووسعتها فى المسجد فأنتم الآن تمنعوني أن أصلى فيها ركعتين أى وزاد فيه عثمان رضى الله تعالى عنه بعد ذلك زيادة كبيرة وبنى جداره بالحجارة المنقوشة وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج كما فى البخارى وعدد عثمان رضى الله تعالى عنه أشياء منها أنه قال أنشدكم بالله وبالإسلام هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة ولم يكن يشرب منها أحد إلا بالثمن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من يشترى بئر رومة يجعل دلوه فيها مع دلاء المسلمين فى لفظ ليكون دلوه فيها كدلاء المسلمين بخير له منها فى الجنة وفى لفظ له بها مشرب فى الجنة فاشتريتها من صلب مالى فجعلتها للغنى والفقير وابن السبيل قالوا اللهم نعم قال فأنتم اليوم تمنعونى أن أشرب منها بل وتمنعونى الماء ألا أحد يسقينا فإنى أفطر على الماء الملح وفى رواية هل فيكم من يبلغ عليا عطشنا فأبلغوه فلما بلغ ذلك عليا أرسل إليه بثلاث قرب مملوءة ماء فما كادت تصل إليه وجرح بسببها عدة من موالى بنى هاشم وبنى أمية أى وكانت هذه البئر ركية ليهودى يقال له رومة يقال إنه أسلم وكان يبيع المسلمين ماءها كانت بالعقيق وتفل فيها صلى الله عليه وسلم فعذب ماؤها ولما قال رسول الله صلى اللع عيه وسلم من يشتري بئر رومة فيجعلها للمسلمين يضرب بدلوه فى دلائهم وله بها مشرب فى الجنة فساومه فيها عثمان فأبى أن يبيعها كلها فاشترى نصفها باثنى عشر ألف درهم وجعل ذلك للمسلمين وجعل له يوما ولليهودى يوما فإذا كان يوم عثمان استقى المسلمون ما يكفيهم يومين فلما رأى اليهودى ذلك قال لعثمان أفسدت على ركيتى فاشترى النصف الآخر بثمانية آلاف وقيل جملة ما اشتراها به خمسة وثلاثون ألف درهم وقول عثمان جعلتها للغنى والفقير وابن السبيل دليل على أن قوله دلوى فيها كدلاء المسلمين على أنه لم يشترط ذلك بل قصد به التعميم فى الموقوف عليه ولا دليل فيه على جواز أن للواقف أن يشترط له الانتفاع بما وقفه كما زعمه بعضهم
وكان حصار عثمان رضى الله تعالى عنه شهرين وعشرين يوما وفى كلام سبط ابن الجوزى كان الحصار الأول عشرين يوما والثانى أربعين يوما وفى يوم من تلك
الأيام قال وددت لو أن رجلا صادقا أخبر عن أمرى هذا أى من أين أوتيت فقام رجل من الأنصار فقال أنا أخبرك يا أمير المؤمنين إنك تطأطأت لهم فركبوك وما جرأهم على ظلمك إلا إفراط حلمك فقال له صدقت اجلس
وأول من دخل عليه الدار محمد بن أبى بكر تسور عليه هو وجماعة من الحائط من دار عمرو بن حزم فأخذ بلحيته فقال له دعها يا ابن أخى فوالله لقد كان أبوك يكرمها فاستحى وخرج وفى رواية لما أخذ بلحيته هزها وقال له ما أغنى عنك معاوية وما أغنى عنك ابن أبى سرح فقال له يا ابن أخى أرسل لحيتى فو الله إنك لتجر لحية كانت تعز على أبيك وما كان أبوك يرضى مجلسك هذا منى فتركه وخرج ويقال إنه قال له ما أريد بك أشد من قبضى على لحيتك فقال عثمان أستنصر بالله عليك وأستعين به ثم طعن جبينه بمشقص كان فى يده ثم ضربه بعض هؤلاء بالسيف فأتته نائلة زوج عثمان فقطع أصابع يدها الخمس
وعن ابن الماجشون عن مالك أن عثمان بعد قتله ألقى على المزبلة ثلاثة أيام وقيل أغلق عليه بابه بعد قتله ثلاثة أيام لا يستطيع أحد أن يدفنه فلما كان الليل أتاه اثنا عشر رجلا منهم حويطب بن عبد العزى وحكيم بن حزام وعبد الله بن الزبير وقيل صلى عليه أربعة وإن ابن الزبير لم يشهد قتل عثمان فاحتملوه فلما اجتازوا به للمقبرة منعوهم وقالوا والله لا يدفن فى مقابر المسلمين فدفنوه بمحل كان الناس يتوقون أن يدفنوا موتاهم به فكان يمر به ويقول سيدفن هنا رجل صالح فيتأسى به الناس فى دفن موتاهم به وكان ذلك المحل بستانا فاشتراه عثمان وزاده فى البقيع فكان هو أول من قبر فيه وحملوه على باب وإن رأسه ليقرع الباب لإسراعهم به من شدة الخوف ولما دفنوه عفوا قبره خوفا عليه أن ينبش وأما غلاماه اللذان قتلا معه فجروهما برجليهما وألقوهما على التلال فأكلتهما الكلاب
وسبب هذه الفتنة أنهم نقموا عليه أمورا
منها عزله لأكابر الصحابة ممن ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهم من أوصى عمر رضى الله تعالى عنه بأن يبقى على ولايته وهو أبو موسى الأشعرى رضى الله تعالى عنه من البصرة فإن عمر رضى الله تعالى عنه أوصى بأن يبقى على ولايته فعزله عثمان وولى ابن خاله عبد الله بن عامر محله وعزل عمرو بن العاص عن مصر وولاها ابن أبى سرح
وعزل المغيرة بن شعبة عن الكوفة وعزل ابن مسعود رضى الله تعالى عنه عنها أيضا وأشخصه إلى المدينة وعزل سعد بن أبى وقاص رضى الله تعالى عنه عن الكوفة وولى أخاه لأمه الوليد بن عقبة بن أبى معيط الذى سماه الله تعالى فاسقا بقوله تعالى { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا } وصار الناس يقولون بئس ما فعل عثمان عزل اللين الهين الورع المستجاب الدعوة وولى أخاه الخائن الفاسق المدمن للخمر ولعل مستندهم فى ذلك ما رواه الحاكم فى صحيحه من ولى رجلا على عصابة وهو يجد فى تلك العصابة من هو أرضى لله منه فقد خان الله ورسوله والمؤمنين
ومنها أنه أدخل عمه الحكم بن أبى العاص والد مروان المدينة وكان يقال له طريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعنه وقد كان صلى الله عليه وسلم طرده إلى الطائف ومكث به مدة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومدة أبى بكر بعد أن سأله عثمان فى إدخاله المدينة فأبى فقال له عثمان عمى فقال عمك إلى النار هيهات هيهات أن أغير شيئا فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم والله لا رددته أبدا فلما توفى أبو بكر وولى عمر كلمه عثمان فى ذلك فقال له ويحك يا عثمان تتكلم فى لعين رسول الله صلى الله عليه وسلم وطريده وعدو الله وعدو رسوله فلما ولى عثمان رده إلى المدينة فاشتد ذلك على المهاجرين والأنصار فأنكر ذلك عليه أعيان الصحابة فكان ذلك من أكبر الأسباب على القيام عليه واعتذر عثمان عن ذلك بأن النبى صلى الله عليه وسلم كان وعده برده وهو فى مرض موته قال فشهدت عند أبى بكر فقال إنك شاهد واحد ولاتقبل شهادة الواحد ثم قال لى عمر كذلك فلما صار الأمر إلى قضيت بعلمى اى وأما عزله لأبى موسى فإن جند عمله شكوا شحه فعزله خوف الفتنة
ومنها أنه جاء إلى عثمان أهل مصر يشكون ممن ولاه عليهم وهو ابن أبى سرح وقالوا كيف توليه على المسلمين وقد أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح دمه وتعزل عمرو بن العاص عنا
ورد هذا بأن عزله لعمرو إنما كان لكثرة شكايتهم منه وابن أبى سرح أسلم بعد الفتخ وحسن حاله ووجدوه لسياسة الأمر أقوى من عمرو بن العاص وعزله للمغيرة بأنه أنهى إليه فيه أنه ارتشى فرأى المصلحة فى عزله فلما عادوا إلى مصر قتل ابن أبى سرح رجلا منهم فعادوا إلى عثمان وكلموا أكابر الصحابة كعلى وطلحة بن عبيد الله فقالوا
اعزله عنهم فإنهم يسالونك رجلا مكانه فقال لهم عثمان يختارون رجلا أوليه عليهم فاختاروا محمد بن أبى بكر فكتب إليه عهده وولاه فخرج وخرج معه جماعة من المهاجرين والأنصار وجماعة من التابعين لينظروا بين أهل مصر وبين ابن أبى سرح فلما كان محمد بن أبى بكر ومن معه على مسيرة ثلاثة مراحل من المدينة فإذا هم بغلام أسود على بعير فقالوا له ما قضيتك فقال لهم أنا غلام أمير المؤمنين أرسلنى إلى عامل مصر فقال له واحد منهم هذا عامل مصر يعنى محمد بن أبى بكر فقال ما هذا أريد فلما أخبر ذلك الرجل محمد بن أبى بكر استدعاه فقال له بحضور من معه من المهاجرين والأنصار أنت غلام من فصار تارة يقول غلام أمير المؤمنين وتارة يقول غلام مروان فعرفه رجل من القوم وقال هذا غلام عثمان فقال له محمد إلى من أرسلت قال إلى عامل مصر برسالة قال معك كتاب قال لا ففتشوه فإذا معه كتاب من عثمان إلى ابن أبى سرح فى قصبة من رصاص فى جوف الإداوة فى الماء ففتح الكتاب فحضره جميع من معه فإذا فيه إذا أتاك محمد وفلان وفلان فاحتل فى قتلهم وفى رواية انظر فلانا وفلانا إذا قدموا عليك فاضرب أعناقهم وعاقب فلانا بكذا وفلانا بكذا منهم نفر من الصحابة ونفر من التابعين
وفى رواية اذبح محمد بن أبى بكر واحش جلده تبنا وكن على عملك حتى يأتيك كتابى فلما قرءوا الكتاب فزعوا ورجعوا إلى المدينة وقرئ الكتاب على جميع من بالمدينة من الصحابة والتابعين فما منهم أحد إلا واغتم لذلك فدخل عليه على مع جماعة من أهل بدر ومعه الكتاب والغلام فقالوا له هذا الغلام غلامك قال نعم قالوا والبعير بعيرك قال نعم قالوا فأنت كتبت هذا الكتاب فقال لا وحلف بالله ما كتبت هذا الكتاب ولا أمرت به ولا علم لى به فقال له على والخاتم خاتمك قال نعم قال فكيف يخرج غلامك ببعيرك وبكتابك عليه ختمك وأنت لا تعلم به فحلف بالله ما أمرت بهذا الكتاب ولا وجهت هذا الغلام إلى مصر فعرفوا أنه خط مروان لا عثمان لأن عثمان لا يحلف باطلا وفى رواية الخط خط كاتبى والخاتم خاتمى وفى رواية انطلق الغلام بغير أمرى وأخذ الجمل بغير علمى قالوا فما نقش خاتمك قال نقش عليه مروان فسألوه أن يدفع لهم مروان وكان مروان عنده فى الدار فأبى فخرجوا من عنده غضابا وقالوا لا يبرأ عثمان إلا أن يدفع إلينا مروان حتى نبحث ونعرف
حال الكتاب فإن كان عثمان أمر به عزلناه وإن كان مروان كتبه على لسان عثمان نظرنا ما يكون فى أمر مروان فأبى عثمان أن يخرج إليهم مروان خوفا عليه من القتل فحوصر عثمان بسبب ذلك ومنعوه الماء ووقع ما تقدم
وذكر ابن الجوزى أنه لما دخل المصريون على عثمان رضى الله عنه والمصحف فى حجره يقرأ فيه فمدوا إليه أيديهم فمد يده فضربت فسال الدم وقيل وقعت قطرة على { فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم } فقال أما إنها أول يد خطت المفصل هذا كلامه أى وهذا من أعلام النبوة فقد أخرج الحاكم عن ابن عباس رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يا عثمان تقتل وأنت تقرأ سورة البقرة فتقع قطرة من دمك على { فسيكفيكهم الله } قال الذهبى إنه حديث موضوع أى قوله فيه وأنت تقرأ إلى آخره
وروى أنه لما حوصر قال والله ما زنيت فى جاهلية ولا إسلام ولا تمنيت أن لى بدينى بدلا منذ هدانى الله ولا قتلت نفسا فبم تقتلوننى وقال { ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد } يا قوم لا تقتلونى إنكم أن قتلتمونى كنتم هكذا وشبك بين أصابعه وقال معددا لنعم الله تعالى عليه ما وضعت يدى على فرجى منذ بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما مرت بى جمعة منذ أسلمت إلا وأنا أعتق فيها رقبة إلا أن لا يكون عندى شئ فأعتقها بعد ذلك قال بعضهم وجملة من أعتقه عثمان ألفان وأربعمائة رقبة تقريبا
وذكر أنه رأى فى الليلة التى قتل فى يومها المصطفى صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر فى المنام وقالوا له اصبر فإنك تفطر عندنا الليلة القابلة فلما أصبح دعا بالمصحف فنشره بين يديه ولبس السراويل ولم يكن لبسها قبل ذلك فى الجاهلية ولا فى الإسلام خوفا أن يطلع على عورته عند قتله
وكان من جملة ما انتقم به على عثمان رضى الله تعالى عنه أنه أعطى ابن عمه مروان بن الحكم مائة ألف وخمسين أوقية واعطى الحارث عشر ما يباع فى السوق أى سوق المدينة وأنه جاء إليه ابو موسى بكيلة ذهب وفضة فقسمها بين نسائه وبناته وأنه انفق أكثر بيت المال فى عمارة ضياعه ودوره وأنه حمى لنفسه دون إبل الصدقة وانه حبس عبدالله بن مسعود وهجره وحبس عطاء وابى بن كعب ونفى أبا ذر إلى الربدة
وأشخص عبادة بن الصامت من الشام لما شكاه معاوية وضرب عمار بن ياسر وكعب بن عبدة ضربه عشرين سوطا ونفاه إلى بعض الجبال وقال لعبد الرحمن بن عوف إنك منافق وإنه أقطع اكثر أراضى بيت المال وأن لا يشترى أحد قبل وكيله وأن لا تسير سفينة فى البحر إلا فى تجارته وأنه احرق الصحف التى فيها القرآن وأنه أتم الصلاة بمنى ولم يقصرها لما حج بالناس وأنه ترك قتل عبيد الله وقد قتل الهرمزان وقد أجاب عن ذلك كله فى الصواعق فراجعه
وما رواه الزبير بن بكار عن أنس من أنه صلى الله عليه وسلم لم يعمل اللبن ولم يبن به المسجد إلا بعد أربع سنين من الهجرة رأيت ما يرده فى تاريخ للمدينة ونصه ما روى عن أنس واه أو مؤول والمعروف خلافه والله أعلم
وعن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لو بنى مسجدى هذا إلى صنعاء كان مسجدى قال بعضهم إن صح هذا كان من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم أى لأنه وسع بعد ذلك أى وسعه المهدى وذلك فى سنة ستين ومائة ثم زاد فيه المأمون فى سنة اثنتين ومائتين
وبه يرد القوم بأن المضاعفة خاصة بالموجود حين الإشارة أى لكن المحافظة على الصلاة فيما كان فى عهده صلى الله عليه وسلم أولى
قال وبنى حجرتين لعائشة وسودة أى بناهما مجاورتين للمسجد وملاصقتين له على طرز بناء المسجد من لبن وجعل سقفهما من جذوع النخل والجريد أى وقدم رجل من أهل اليمامة عند الشروع فى بناء المسجد يقال له طلق من بنى حنيفة فعنه رضى الله تعالى عنه قال قدمت على النبى صلى الله عليه وسلم وهو يبنى مسجده والمسلمون يعملون معه فيه وكنت صاحب علاج الطين فأخذت المسحاة وخلطت بها الطين فقال لى يعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم رحم الله امرأ أحسن صنعته وقال لى الزم أنت هذا الشغل فإنى أراك تحسنه وفى لفظ إن هذا الحنفى لصاحب طين وفى لفظ قربوا اليمانى من الطين فإنه أحسنكم له مسكا وأشدكم منكبا وفى لفظ دعوا الحنفى والطين فإنه من أصنعكم للطين وأرسل وهو فى بيت أبى أيوب زيد بن حارثة وأبا رافع مكة وأعطاهما خمسمائة درهم وبعيرين ليأتيا بأهله أى والخمسمائة أخذها من أبى بكر ليشتريا بها ما يحتاجان إليه فاشترى بها زيد ثلاثة أبعرة وأرسل معهما أبو بكر رضى الله تعالى
عنه عبد الله بن الأريقط دليلا أى ببعرين أو ثلاثة فقدما بفاطمة وأم كلثوم بنتيه صلى الله عليه وسلم وسودة زوجته وأم أيمن حاضنته صلى الله عليه وسلم زوج زيد بن حارثة وابنها أسامة بن زيد فأسامة أخو أيمن لأمه وكان أسامة حب رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن حبه وابن حاضنته
عن عائشة رضى الله تعالى عنها أن أسامة عثر يوما فى أسكفة الباب فشج وجهه فقال لى رسول الله صلى الله عليه وسلم أميطى عنه قالت عائشة فكأنى تقذرته أى لأنه كان أسود أفطس فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمصه يعنى الدم ثم يمجه
وأما بنته صلى الله عليه وسلم زينب التى هى أكبر بناته فكانت مع زوحها ابن خالتها أبى العاص بن الربيع فمنعها من الهجرة وسيأتى أنها هاجرت بعد ذلك قبله وتركته على شركة وبعد أن اسر فى بدر وأطلق وأمره صلى الله عليه وسلم بأن يخلى سبيلها ففعل ثم لما أسلم ردها إليه
وأما بنته رقية فتقدم أنها هاجرت مع زوجها عثمان بن عفان وخرج مع فاطمة ومن ذكر معها عبد الله بن أبى بكر ومعه عيال أبى بكر فيهم زوجته أم رومان وعائشة وأختها أسماء زوج الزبير أى وهى حامل بابنها عبد الله بن الزبير وعن عائشة رضى الله تعالى عنها أنها كانت هى وأمها على بعير فى محفة فنفر البعير قالت فصارت أمى تقول وابنتاه واعروساه فمسك البعير وسلم الله وفى رواية عن عائشة رضى الله تعالى عنها لما صارت أمى تقول واعروساه وابنتاه سمعت قائلا يقول أرسلى خطامه فأرسلت خطامه فوقف بإذن الله وسلمنا الله وأم رومان ولدت لأبى بكر عائشة وعبد الرحمن رضى الله تعالى عنهم وكانت قبل أبى بكر تحت عبد الله بن الحارث فولدت له الطفيل قال صلى الله عليه وسلم فى حقها من يسره أن ينظر إلى امرأة من الحور العين فلينظر إلى أم رومان وتوفيت فى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ماتت سنة ست من الهجرة ونزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قبرها وقال اللهم إنه لم يخف عليك ما لاقت أم رومان فيك وفى رسولك صلى الله عليه وسلم
وعورض القول بموتها فى حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم بما فى البخارى عن مسروق قال سألت أم رومان وهى أم عائشة رضى الله تعالى عنهما ومسروق ولد بعد
موت النبى صلى الله عليه وسلم بلا خلاف وما فى البخارى حديث صحيح مقدم على ما ذكره أهل السير من موتها فى حياته صلى الله عليه وسلم
وفى البخارى عن أسماء فنزلت بقباء فولدته بها يعنى ولدها عبدالله بن الزبير ثم أتيت النبى صلى الله عليه وسلم فوضعته فى حجرة ثم دعا بتمرة فمضغها ثم تفل فى فيه فكان أول شئ دخل جوفه ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم حنكه بتمرة أى بتلك التمرة ففى المواهب وحنكه بها ثم دعا له وبرك عليه وهو أول مولود ولد فى الإسلام أى للمهاجرين
وفيه أن أسماء إنما قدمت المدينة أى إلى قباء بعد تحوله صلى الله عليه وسلم من قباء ويدل له قول بعضهم قدم آل أبى بكر من مكة وهو صلى الله عليه وسلم يبنى مسجده وأنزلهم أبو بكر فى السنح إلا أن يقال يجوز أن يكون صلى الله عليه وسلم جاء إلى قباء بعد ذلك فقد قال بعضهم وهذا السياق يدل على أن عبدالله بن الزبير ولد فى السنة الأولى لافى الثانية كما قاله الواحدى وتبعه غيره فقال ولد بعد عشرين شهرا من الهجرة ففرح به المسلمون فرحا شديدا لأن اليهود كانوا يقولون قد سحرناهم فلا يولد لهم مولود وهذا ربما يؤيد القول الثانى إلا أن يقال يجوز أن يكون عبدالله مكث فى بطنها المدة المذكورة
فقد ذكر أن مالكا رضى الله تعالى عنه مكث فى بطن أمه سنتين وكذا الضحاك ابن مزاحم التابعى مكث فى بطن أمه سنتين وفى المحاضرات للجلال السيوطى أن مالكا مكث فى بطن أمه ثلاث سنين وأخبر سيدنا مالك أن جارة له ولدت ثلاثة أولاد فى اثنتى عشرة سنة بحمل أربع سنين وحينئذ يجوز أن تكون سيدتنا أسماء جاءت إلى قباء فولدت سيدنا عبدالله وصادف مجيئه صلى الله عليه وسلم إلى قباء فى ذلك اليوم وقد سماه صلى الله عليه وسلم عبد الله وكناه أبا بكر بكنية جده الصديق رضى الله تعالى عنه
وروى أنه جاء النبى صلى الله عليه وسلم وهو ابن سبع أو ثمان ليبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أمره والده الزبير بذلك فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وبايعه وكون آل أبى بكر نزلوا عند مجيئهم المدينة فى السنح لا ينافى كون أسماء نزلت بقباء وولدت بها لأنه يجوز أن يكون نزول أسماء فى السنح بعد نزولها فى قباء قصدا لراحتها لكونها كانت حاملا حتى وضعت والسياق المتقدم يدل على ذلك وكون عبدالله بن الزبير
أول مولود ولد فى الإسلام للهاجرين بالمدينة كذلك عبدالله بن جعفر بن أبى طالب أول مولود ولد للمهاجرين بالحبشة ويقال له عبدالله الجواد
واتفق أن النجاشى ولد له مولود يوم ولد عبدالله هذا فأرسل إلى جعفر يقول له كيف سميت ابنك فقال سميته عبدالله فسمى النجاشى ابنه عبدالله وأرضعته أسماء بنت عميس مع ابنها عبدالله المذكور فكانا يتراسلان بتلك الأخوة من الرضاع
وأول مولود ولد للأنصار بعد الهجرة مسلمة بن مخلد وقيل النعمان بن بشير وذكر أن أم أسماء قدمت المدينة وهى مشركة على أسماء بهدية فحجبتها أسماء وردت عليها هديتها فسألت عائشة رضى الله تعالى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأمر أسماء أن تؤوى أمها وتقبل هديتها
قيل وفى ذلك وفى إرسال عبدالرحمن بن أبى بكر وهو بمكة على دينه قبل أن يسلم إلى أبيه يسأله النفقة فأبى أبوه أن ينفق عليه أنزل الله الإذن فى الإنفاق على الكفار
وقال أبو أيوب الأنصارى لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بيتى نزل فى أسفل البيت وأنا وأم أيوب فى العلو فقلت يا رسول الله بأبت أنت وأمى إنى أكره وأعظم أن أكون فى العلو وتكون تحتى فاظهر أنت وكن فى العلو وننزل نحن فنكون فى السفل فقال صلى الله عليه وسلم يا أبا أيوب أرفق بنا أى السفل أرفق بنا وبمن يغشانا أي وفى لفظ إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون فى سفل البيت قال أبو أيوب فانكسر حب ليا فيه ماء والحب بضم الحاء المهملة الجرة الكبيرة فقمت أنا وأم أيوب بقطيقة لنا ما لنا لحاف غيرها ننشف بها الماء تخوفا أن يقطر منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم شئ فيؤذيه ولم أزل أتضرع للنبى صلى الله عليه وسلم حتى تحول في العلو أي وفي رواية عن أبي أيوب قال نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة فكنت فى العلو فلما خلوت إلى أم أيوب فقلت لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق بالعلو منا ينتثر التراب عليه من وطء أقدامنا وتنزل عليه الملائكة وينزل عليه الوحى وفى رواية ينزل عليه القرآن ويأتيه جبريل فما بت تلك الليلة أنا ولا أم أيوب فلما أصبحت قلت يا رسول الله ما بت الليلة أنا ولا أم أيوب قال لم يأبا أيوب قلت كنت أحق العلو منا ينزل عليك الملائكة وينزل عليك الوحى والذى بعثك بالحق لا أعلو سقيفة أنت تحتها أبدا أى وعن أفلح مولى أبى أيوب أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل أسفل وأبو أيوب فى العلو انتبه أبو أيوب ذات ليلة فقال نمشى فوق رسول الله صلى الله عليه وسلم فباتا فى جانب فلما أصبح الحديث
وعند نزوله صلى الله عليه وسلم فى بيت أبى أيوب صارت تأتى إليه جفنة سعد بن عبادة وجفنة أسعد به زرارة كل ليلة أي وكانت جفنة سعد بن عبادة بعد ذلك تدور معه صلى الله عليه وسلم فى بيوت أزواجه فقد جاء كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم من سعد بن عبادة جفنة من ثريد أى عليه لحم أو خبز فى لبن أو فى سمن أو فى عسل أو بخل وزيت فى كل يوم تدور معه أينما دار مع نسائه وصار وهو فى بيت أبى أيوب يأتى إليه الطعام من غيرهما أى فقد جاء وما كان من ليلة إى وعلى باب رسول الله صلى الله عليه وسلم الثلاثة والأربعة يحملون الطعام يتناوبون حتى تحول رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزل أبى أيوب أى وفى لفظ وجعل بنو النجار يتناوبون فى حمل الطعام إليه صلى الله عليه وسلم مقامه فى منزل أبى أيوب رضى الله تعالى عنه وهو تسعة أشهر وأول طعام جئ به إليه صلى الله عليه وسلم فى دار أبى أيوب قصعة أم زيد بن ثابت
فعن زيد بن ثابت أول هدية دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى بيت أبى أيوب قصعة أرسلتنى بها أمى إليه فيها ثريد خبز بر بسمن ولبن فوضعتها بين يديه وقلت يا رسول الله أرسلت بهذه القصعة أمى فقال له بارك الله فيها أى وفى رواية بارك الله فيك ودعا أصحابه فأكلوا قال زيد فلم أرم الباب أى أرده حتى جاءت قصعة سعد ابن عبادة ثريد وعراق لحم أى بفتح العين عظم عليه لحم فإن أخذ عنه اللحم قيل له عراق بضم العين وقد جاء كان أحب الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الثريد ويقال له الثفل بالمثلثة والفاء
ولما بنى المسجد جعل فى المسجد محلا مظللا يأوى إليه المساكين يسمى الصفة وكان أهله يسمون أهل الصفة وكان صلى الله عليه وسلم فى وقت العشاء يفرقهم على أصحابه ويتعشى معه منهم طائفة
وظاهر السياق أن ذلك أى المحل فعل فى زمن بناء المسجد وآوى إليه المساكين من حينئذ لكن روى البيهقى عن عثمان بن اليمان قال لما كثر المهاجرون بالمدينة ولم يكن لهم زاد ولا مأوى أنزلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد وسماهم أصحاب الصفة وكان يجالسهم ويأنس بهم أى وكان إذا صلى الله عليه وسلم أتاهم فوقف عليهم فقال لو تعلموا مالكم عند الله لأحببتم أن تزدادوا فقرا وحاجة
أقول ذكر أن المسجد كان إذا جاءت العتمة يوقد فيه بسعف النخل فلما قدم تميم الدارى المدينة صحب معه قناديل وحبالا وزيتا وعلق تلك القناديل بسوارى المسجد وأوقدت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم نورت مسجدنا نور الله عليك أما والله لو كان لى ابنة لأنكحتكها
هذا وفى كلام بعضهم أول من جعل فى المسجد المصابيح عمر بن الخطاب رضر الله تعالى عنه ويوافقه قول بعضهم والمستحب من بدع الأفعال تعليق القناديل فيها أى المساجد وأول من فعل ذلك عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه فإنه لما جمع الناس على أبى بن كعب فى صلاة التروايح علق القناديل فلما رآها على تزهر قال نورت مساجدنا نور الله قبرك يا ابن الخطاب ولعل المراد تعليق ذلك بكثرة فلا يخالف ما تقدم عن تميم الدارى
ثم رأيت فى أسد الغابة عن سراج غلام تميم الدارى قال قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن خمسة غلمان لتميم الدارى فأمرنى يعنى سيده فأسرجت المسجد بقنديل فيه زيت وكانوا لا يسرجون فيه إلا بسعف النخل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أسرج مسجدنا فقال تميم غلامى هذا فقال ما اسمه فقال فتح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل اسمه سراج فسمانى رسول الله صلى الله عليه وسلم سراجا
وعن بعضهم قال أمرنى المأمون أن أكتب بالاستكثار من المصابيح فى المساجد فلم أدر ما أكتب لأنه شئ لم أسبق إليه فأريت فى المنام أكتب فإن فيها أنسا للمجتهدين ونفيا لبيوت الله عن وحشة الظلم فانتبهت وكتبت بذلك قال بعضهم لكن زيادة الوقود كالواقع ليلة النصف من شعبان ويقال لها ليلة الوقود ينبغى أن يكون ذلك كتزويق المساجد ونقشها وقد كرهه بعضهم والله أعلم
قال وذكر ابن إسحاق فى كتاب المبدأ وقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن تبع بن حسان الحميرى وهو تبع الأول أى الذى ملك الأرض كلها شرقها وغربها وتبع بلغة اليمن الملك المتبوع ويقال له الرئيس لأنه رأس الناس بما أوسعهم من العطاء وقسم فيهم من الغنائم وكان أول من غنم
ولما عمد إلى البيت يريد تخريبه رمى بداء تمخض منه رأسه قيحا وصديدا وأنتن
حتى لا يستطيع أحد أن يدنو منه قيد رمح كما تقدم وتقدم أنه بعد ذلك كسا الكعبة وبعد ذلك اجتاز بيثرب وكان فى ركابه مائة ألف وثلاثون ألفا من الفرسان ومائة ألف وثلاثة عشر ألفا من الرجالة فأخبر أن أربعمائة رجل من أتباعه من الحكماء والعلماء تبايعوا أن لا يخرجوا منها فسألهم عن الحكمة فى ذلك فقالوا إن شرف البيت إنما هو برجل يخرج يقال له محمد هذه دار إقامته ولا يخرج منها فبنى فيها لكل واحد منهم دارا واشترى له جارية واعتقها وزوجها منه وأعطاهم عطاء جزيلا وكتب كتابا وختمه ودفعه إلى عالم عظيم منهم وأمره أن يدفع ذلك الكتاب لمحمد صلى الله عليه وسلم إن أدركه وفى ذلك الكتاب أنه آمن به وعلى دينه وبنى دارا له صلى الله عليه وسلم ينزلها إذا قدم تلك البلد ويقال إنها دار أبى أيوب أى كما تقدم وأنه من ولد ذلك العالم الذى دفع إليه الكتاب أى فهو صلى الله عليه وسلم لم ينزل إلا داره أى على ما تقدم
ولما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم أى دعا إلى الإسلام أرسلوا إليه ذلك الكتاب مع شخص يسمى أبا ليلى فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له أنت أبو ليلى الذى معك كتاب تبع الأول فقال له أبو ليلى من أنت قال أنا محمد هات الكتاب فلما قرأه أى قرئ عليه وذكر بعضهم أن مضمون الكتاب أما بعد يا محمد فإنى آمنت بك وبربك ورب كل شئ وبكل ما جاءك من ربك من شرائع الإسلام والإيمان وإنى قلت ذلك فإن أدركتك فيها ونعمت وإن لم أدركك فاشفع لى يوم القيامة ولا تنسنى فإنى من أصل الأولين وبايعتك قبل مجيئك وقبل أن يرسلك الله وأنا على ملتك وملة إبراهيم وختم الكتاب وتلا أى قرأ عليه لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله فقد قرأ هذا قبل نزوله وكتب عنوان الكتاب إلى محمد بن عبد الله خاتم النبين والمرسلين ورسول رب العالمين من اتبع لأول حمير أمانة الله فى يد من وقع هذا الكتاب فى يده إلى أن يدفعه إلى صاحبه ودفعه إلى رأس العلماء المذكورين ثم وصل الكتاب المذكور إلى النبى صلى الله عليه وسلم على يد بعض ولد العالم المذكور حين هاجر وهو بين مكة والمدينة وسياق الرواية الأولى يدل على أن ذلك كان فى أول البعثة وبعد قراءة الكتاب عليه صلى الله عليه وسلم قال مرحبا بتبع الأخ الصالح ثلاث مرات وكان بين تبع هذا أى بين قوله إنه آمن به
وعلى دينه وبين مولد النبى صلى الله عليه وسلم ألف سنة سواء أى وتقدم أنه ابتاع المحل الذى بناه دارا له قبل مبعثه بألف سنة فليتأمل ويقال إن الأوس والخزرج من أولاد أولئك العلماء والحكماء اه
أقول قد علمت أن نزوله صلى الله عليه وسلم دار أبى أيوب على الوجه المتقدم وأخذه المربد على الكيفية المتقدمة مع وصول الكتاب إليه أول البعثة أو بين مكة والمدينة وهو مهاجر إلى المدينة يبعد هذا
وفيه أيضا أن الذى فى التنوير لابن دحية أن هذا تبع الأوسط وأنه الذى كسا البيت بعد ما أراد غزوة وبعد ما غزا المدينة وأراد خرابها انصرف عنها لما أخبر أنها مهاجر نبى اسمه محمد
أى فقد ذكر بعضهم أن تبعا أراد تخريب المدينة واستئصال اليهود فقال له رجل منهم بلغ من العمر مائتين وخمسين سنة الملك أجل من أن يستخفه غضب وأمره أعظم أن يضيق عنا حلمه أو نحرم صفحه مع أن هذه البلدة مهاجر نبى يبعث بدين إبراهيم فكتب كتابا وذكر فيه شعرا فكانوا يتوارثون ذلك الكتاب إلى أن هاجر النبى صلى الله عليه وسلم فأدوه إليه ويقال إن الكتاب كان عند أبى أيوب الأنصارى وكان ذلك قبل مبعثه بسبعمائة عام
وفى التنوير أيضا أن ابن أبى الدنيا ذكر أنه حفر قبر بصنعاء قبل الإسلام فوجد فيه امرأتان لم يبليا وعند رءوسهما لوح من فضة مكتوب فيه بالذهب هذا قبر فلانة وفلانة اينتى تبع ماتتا وهما يشهدان أن لا إله إلا الله ولا يشركان به وعلى ذلك مات الصالحون قبلهما وجاء لاتسبوا تبعا فإنه كان مؤمنا وفى رواية لاتسبوا تبعا الحميرى فإنه أول من كسا الكعبة قال السهيلى وكذا تبع الأول كان مؤمنا بالنبى صلى الله عليه وسلم وقال شعرا ينبئ فيه بمبعثه صلى الله عليه وسلم والله أعلم
وكانت المدينة فى الجاهلية معروفة بالوباء أى الحمى وكان إذا أشرف على واديها أحد ونهق نهيق الحمار لا يضره الوباء وفى لفظ كان إذا دخلها غريب فى الجاهلية يقال له إن أردت السلامة من الوباء فانهق نهيق الحمار فإذا فعل ذلك سلم
وفى حياة الحيوان كانوا فى الجاهلية إذا خافوا وباء بلد عشروا كتعشير الحمار أى نهقوا عشرة أصوات فى طلق واحد قبل أن يدخلوها وكانوا يزعمون أن ذلك يمنعهم من الوباء
ولما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة وجد اهلها من أخبث الناس كيلا فأنزل الله تعالى { ويل للمطففين } الآية فأحسنوا الكيل بعد ذلك
ولما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة وأصحابه أصابت أصحابه بالحمى وفى لفظ استوخم المهاجرون هواء المدينة ولم يوافق أمزجتهم فمرض كثير منهم وضعفوا حتى كانوا يصلون من قعود فرآهم صلى الله عليه وسلم فقال اعلموا أن صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم فتجشموا المشقة وصلوا قياما
قالت عائشة رضى الله تعالى عنها قدمنا المدينة وهى أوبأ أرض الله ولما حصلت لها الحمى قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم مالى أراك هكذا قالت بأبى أنت وأمى هذه الحمى وسبتها فقال لا تسبيها فإنها مأمورة ولكن إن شئت علمتك كلمات إذا قلتهني أذهبها الله تعالى عنك قالت فعلمنى قال قولى اللهم ارحم جلدى الرقيق وعظمى الدقيق من شدة الحريق يا أم ملدم إن كنت آمنت بالله العظيم فلا تصدعى الرأس ولا تنتنى الفم ولا تأكلى اللحم ولا تشربى الدم وتحولى عنى إلى من اتخذ مع الله إلها آخر فقالتها فذهبت عنها
وعن على رضى الله تعالى عنه لما قدمنا المدينة أصبنا من ثمارها فأصابنا بها وعك أى حمى ومن جملة من أصابته الحمى سيدنا أبو بكر رضى الله تعالى عنه ومولياه عامر بن فهيرة وبلال أى وكان أبو بكر إذا أخذته الحمى أنشد ** كل امرئ مصبح فى أهله ** والموت أدنى من شراك نعله **
أى وهذا من شعر حنظلة بن يسار بناء على الصحيح أن الرجز يقال له شعر كما تقدم وليس من شعر أبى بكر
فعن عائشة رضى الله تعالى عنها أن أبا بكر لم يقل شعر فى الإسلام أي ولا في الجاهلية كما في رواية عنها والله ما قال أبو بكر بيت شعر في الجاهلية ولا فى الاسلام أى لم ينشئه حتى مات أى وهذا ربما ينافى ما فى الينبوع ليس عمل الشعر رذيلة قد كان الصديق وعمر وعلى رضوان الله تعالى عليهم يقولون الشعر وعلى كرم الله وجهه أشعر من أبى بكر وعمر وما تقدم عن عائشة معارض بظاهر ما روى عن أنس بن مالك رضى الله تعالى عنه قال كان أبو بكر الصديق رضى الله تعالى عنه أذا رأى النبى صلى الله عليه وسلم يقول
** أمين مصطفى بالخير يدعو ** كضوء البدر زايله الظلام **
إلا أن يحمل قولها على أنها لما تسمع ذلك منه بناء على أن ذلك من إنشاء الصديق وكان بلال إذا أقلعت عنه الجمى يرفع عقيرته أى صوته يقول متشوقا إلى مكة ** الا ليت شعرى هل أبيتن ليلة ** بواد وحولى إذخر وجليل ** ** وهل أردن يوما مياه مجنة ** وهل يبدون لى شامة وطفيل **
اللهم العن شيبة بن ربيعة وأمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء وأراد بلال بالوادى وادى مكة وإلا ذخر نبت معروف وجليل بالجيم نبت ضعيف وشامة وطفيل جبلان بقرب مكة أى وفى رواية وهل يبدون لى عامر وطفيل وعامر أيضا جبل من جبال مكة
وفى شرح البخارى للخطابى كنت أحسب شامة وطفيلا جبلين حتى مررت بهما فإذا هما عينان من ماء هذا كلامه
وقد يقال يجوز أن تكون العينان بقرب الجبلين المذكورين فأطلق اسم كل منهما على الآخرين ولعل هذا اللعن من بلال كان قبل النهى عن لعن المعين لأنه لا يجوز لعن الشخص المعين على الراجح إلا إن علم موته على الكفر كأبى جهل وأبى لهب دون الكافر الحى لأنه يحتمل أن يختم له بالحسنى فيموت على الإسلام لأن اللعن هو الطرد عن رحمة الله تعالى المستلزم لليأس منها وأما اللعن على الوصف كآكل الربا فجائز أو أن ذلك محمول فى ذلك على الإهانة الطرد عن مواطن الكرامة لا على الطرد عن رحمة الله تعالى الذى هو حقيقة اللعن وكان كل من أبى بكر وعامر وبلال فى بيت واحد قالت عائشة رضى الله تعالى عنها فاستأدنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عيادتهم فدخلت عليهم وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب فإذا بهم مالا يعلمه إلا الله تعالى من شدة الوعك فسلمت عليهم أى وقالت لأبيها يا أبت كيف أصبحت فأنشدها الشعر المتقدم قالت فقلت إنا لله إن أبى ليهذى قالت فقلت لعامر بن فهيرة كيف تجدك فقال ** إنى وجدت الموت قبل ذوقه إن الجبان خنقه من فرقه **
قالت فقلت هذا والله لا يدرى ما يقول قالت ثم قلت لبلال كيف أصبحت فإذا هولا لا يعقل وفى رواية فأنشدها البيتين قالت وذكرت حالهم للنبى صلى الله عليه وسلم وقلت إنهم يهذون ولا يعقلون من شدة الحمى
أى وهذا السياق يخالف ما فى السيرة الهاشمية أن الصديق رضى الله تعالى عنه لما قدم المدينة أخذته الحمى هو وعامر بن فهيرة وبلال إلا أن يقال لا مخالفة لأنه يجوز أنها أخذتهم أولا وأقلعت عنهم ثم عادت عليهم بعد دخوله صلى الله عليه وسلم بعائشة أو أن عائشة استأذنته فى ذلك وذكرت له حالهم قبل دخوله بها لأنها كانت معقودا عليها ولعل الصديق كان فى غير بيت أم عائشة
والذى فى تاريخ الأزرقى عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت لما قدم المهاجرون المدينة شكوا بها فعاد النبى صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضى الله تعالى عنه فقال كيف تجدك فأنشده ما تقدم ثم دخل على بلال فقال كيف تجدك يا بلال فأنشده ما تقدم ثم دخل على عامر بن فهيرة فقال كيف تجدك يا عامر فأنشده ما تقدم ولا مانع من التعدد فليتأمل
وحين ذكرت عائشة رضى الله تعالى عنها له ذلك نظر إلى السماء أى لأنها قبلة الدعاء وقال اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة أو أشد وفى رواية وأشد وبارك لنا فى مدها وصاعها وصححها لنا ثم انقل وباءها إلى مهيعة أى الجحفة كما فى رواية وهى قرية من رابع محل إحرام من يجئ من جهة مصر حاجا وكان سكانها إذ ذاك يهود ودعاؤه صلى الله عليه وسلم أن يحبب إليهم المدينة إنما هو لما جلبت عليه النفوس من حب الوطن والحنين إليه ومن ثم جاء فى حديث أن عائشة رضى الله تعالى عنها سألت رجلا بحضور رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة من مكة فقالت له كيف تركت مكة فذكر من أوصافها الحسنة ما غرغرت منه عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لا تشوقنا يا فلان وفى رواية دع القلوب تقر
اقول ودعاؤه صلى الله عليه وسلم بنقل الحمى كان فى أخر الأمر وأما عند قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة فخير بين الطاعون والحمى أى بقائها فأمسك الحمى بالمدينة وأرسل الطاعون إلى الشام كما جاء فى بعض الأحاديث أتانى جبريل بالحمى والطاعون فأمسكت الحمى بالمدينة وأرسلت الطاعون إلى الشام وقولنا أى بقائها رد لما قد يتوهم من الحديث أن الحمى لم تكن بالمدينة قبل قدومه صلى الله عليه وسلم إليها وإنما اختار الحمى على الطاعون لأنه كان حينئذ فى قلة من أصحابه فاختار بقاء الحمى لقلة الموت بها غالبا بخلاف الطاعون ثم لما احتاج للجهاد وأذن له فى القتال ووجد الحمى تضعف أجساد
الذين يقاتلون دعا بنقل الحمى من المدينة ألى الجحفة فعادت المدينة أصح بلاد الله تعالى بعد أن كانت بخلاف ذلك كذا قيل فليتأمل
فإنه يقتضى أن الحمى لما نقلت إلى الجحفة لم يبق منها بقية بالمدينة وهو الموافق لما يأتى عن الخصائص وحين نقلت الحمى إلى الجحفة صارت الجحفة لا يدخلها أحد إلا حم بل قيل أذا مر بها الطائر حم
واستشكل حينئذ جعلها ميقاتا للإحرام وقد علم من قواعد الشرع أنه صلى الله عليه وسلم لا يأمر بما فيه ضرر
وأجيب بأن الحمى انتقلت إليها مدة مقام اليهود بها ثم زالت بزوالهم من الحجاز أو قبله حين التوقيت بها كذا قيل فليتأمل
وعنه صلى الله عليه وسلم قال رأيت أى فى النوم امرأة سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى نزلت مهيعة فأولتها أن وباء المدينة نقل إلى مهيعة
وفى الخصائص الصغرى للسيوطى وصرف الحمى عنها يعنى المدينة أول ما قدمها ونقلها إلى الجحفة ثم لما أتاه جبريل بالحمى والطاعون أمسك الحمى بالمدينة وأرسل الطاعون إلى الشام ولما عادت الحمى إلى المدينة باختياره صلى الله عليه وسلم إياها لم تستطع أن تأتى أحدا من أهلها حتى جاءت ووقفت ببابه واستأذنته فيمن يبعثها إليه فأرسلها إلى الأنصار
فقد جاء إن الحمى جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت أنا أم ملدم وفى رواية أنا الحمى أبرى اللحم وأشرب الدم قال لا مرحبا بك ولا أهلا
وفيه أنه تقدم أنه صلى الله عليه وسلم الله نهى عائشة عن سبها فقالت له أمضى إلى أحب قومك أو أحب أصحابك إليك فقال اذهبى للأنصار فذهبت إليهم فصرعتهم فقالوا له ادع لنا بالشفاء فقال إن شئتم دعوت الله عز وجل يكشفها عنكم وإن شئتم تركتموها فأسقطت ذنوبكم وفى رواية كانت لكم طهورا فقالوا بلى دعها يا رسول الله ولعل هذا كان لطائفة من الأنصار فلا ينافى ما جاء أن الأنصار لما شكوا له الحمى وقد مكثت عليهم ستة أيام بلياليها دعا لهم بالشفاء وصار صلى الله عليه وسلم يدخل دارا دارا وبيتا بيتا يدعو لهم بالعافية وهذا الذى فى الخصائص يدل على أن الحمى لما ذهبت إلى الجحفة لم يبق منها بقية بالمدينة وأنها بعد ذلك عادت إلى المدينة باختيار منه صلى الله عليه وسلم
والذى نقله هو عن الحافظ ابن حجر أن الحمى كانت تصيب من أقام بالمدينة من أهلها وغيرهم فارتفعت بالدعاء عن أهلها إلا النادر ومن لا يألف هواها
وقد جاء وإن حمى ليلة كفارة سنة ومن حم يوما كانت له براءة من النار وخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه
والذى رواه الإمام أحمد وابن حبان فى صحيحه عن جابر استأذنت الحمى على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال من هذه قالت أم ملدم فأمر بها إلى أهل قباء فلقوا مالا يعلمه إلا الله تعالى فشكوا إليه صلى الله عليه وسلم فقال إن شئتم دعوت الله تعالى ليكشفها وإن شئتم تكون لكم طهورا قالوا أو يفعل قال نعم قالوا فدعها والله أعلم
ثم دعا صلى الله عليه وسلم بقوله اللهم اجعل بالمدينة ضعفى ما جعلت بمكة من البركة وفى رواية واجعل مع البركة بركتين وجاء أنهم شكوا له صلى الله عليه وسلم سرعة فناء طعامهم فقال لهم قوتوا طعامكم يبارك لكم فيه قيل معناه تصغير الأرغفة ودعا لغنم كانت ترعى بالمدينة فقال اللهم اجعل نصف أكراشها مثل ملئها فى غيرها من البلاد أى ولعل الدعاء بذلك ليس خاصا بتلك الأغنام الموجودة فى زمنه صلى الله عليه وسلم
ويدل لذلك ما ذكره السيوطى فى الخصائص الصغرى مما اختصت به المدينة أن غبارها يطفئ الجذام ونصف أكراش الغنم فيها مثل ملئها فى غيرها من البلاد والكرش كالمعدة للإنسان
وكما صينت المدينة عن الطاعون بإرساله إلى الشام صينت عن الدجال روى الشيخان عن أبة هريرة رضى الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنقاب المدينة أى على أبوابها ملائكة لايدخلها الطاعون ولا الدجال وفى رواية لها أى المدينة سبعة أبواب على كل باب ملك
فإن قيل كيف مدحت المدينة بعدم دخول الطاعون وكيف أرسله صلى الله عليه وسلم إلى الشام مع أنه شهادة
وأجيب بأنه إنما أرسله إلى الشام لما تقدم وصينت عنه بعد انتقاء ما تقدم لأن سببه طعن كفار الجن وشياطينهم فمنع من المدينة احتراما لها ولم يتفق دخول الطاعون
بها فى زمن من الأزمنة بخلاف مكة فإنه وجد بها فى بعض السنين وهى سنة تسع وأربعين وسبعمائة
ويقال إنه وقع فى سنة تسع وثلاثين بعد الألف لما هدم السيل الكعبة أى الجانب الذى جهة الحجر قال بعضهم فمن حين انهدم وجد الطاعون بمكة واستمر إلى أن أقاموا الأخشاب موضع المنهدم وجعلوا عليها الستر فعند ذلك ارتفع الطاعون كذا أخبر بعض الثقات من أهل مكة
وكونه لم يتفق دخول الطاعون فى المدينة فى زمن من الأزمنة يخالفه قول بعضهم وفى السنة السادسة من الهجرة وقع طاعون فى المدينة أفنى الخلق وهو أول طاعون وقع فى الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وقع فلا بأرض تخرجوا منها وإن سمعتم به فى أرض فلا تقربوها
ويروى أنه لما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة رفع يديه وهو على المنبر وقال اللهم انقل عنها الوباء ثلاثا أى وفيه أن هذا قد يخالف ما سبق من أن هذا كان فى آخره الأمر لاعند قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة إلا أن يحمل على أن قدومه صلى الله عليه وسلم كان من سفر لا للهجرة
وفى الحديث سيأتى على الناس زمان يلتمسون فيه الرخاء فيحملون بأهليهم إلى الرخاء المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون لا يلبث فيها أحد فيصبر للأوائها وشدتها حتى يموت إلا كنت له يوم القيامة شهيدا وشفيعا
وفي مسلم لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتي إلا وكنت له شفيعا يوم القيامة أو شهيدا أي شفيعا للعاصي وشهيدا للطائع وللأواء بالمد الجوع
وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت فإنى أشفع لمن يموت بها لا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله تعالى ذوب الملح فى الماء وفى رواية أذابه الله فى النار ذوب الرصاص أو ذوب الملح فى الماء لا تقوم الساعة حتى تنفى المدينة شرارها كما ينفى الكير خبث الحديد أى وفى رواية فى مسلم تنفى الخبث كما تنفى النار خبث الفضة وتقدم أن هذا ليس عاما فى الأزمنة ولا فى الأشخاص وفى رواية مكة والمدينة ينفيان الذنوب كما ينفى الكير خبث الحديد من أخاف أهل المدينة ظلما أخافه الله عز وجل وعليه لعنة الله والملائكة والناس لايقبل الله
منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا أى وبهذا الحديث تمسك من جوز اللعن على يزيد لما تقدم عنه فى إباحة المدينة فى وقعة الحرة
ورد بأنه لا دلالة فيه على جواز لعن يزيد باسمه إنما هو والكلام فيه وإنما يدل على جواز لعنه بالوصف وهو من أخاف أهل المدينة وليس الكلام فيه والفرق بين المقامين واضح كما علمت
وجاء أهل المدينة جيرانى وحقيق على أمتى حفظ جيرانى ما اجتنبوا الكبائر من حفظهم كنت له شهيدا وشفيعا يوم القيامة ومن لم يحفظهم سقى من طينة الخبال أى وهى عصارة أهل النار وفى لفظ من أخاف هذا الحى من الأنصار فقد أخاف ما بين هذين ووضع يده على جنبيه وقيل لها طيبة لطيب العيش بها ولأن للعصر أى الطيب بها رائحة لا توجد فيه فى غيرها
ومن خصائصها أن ترابها شفاء من الجذام كما تقدم زاد بعضهم ومن البرص بل من كل داء وعجوتها شفاء من السم
اى وفى الحديث تخرب المدينة قبل يوم القيامة بأربعين سنة وإن خرابها يكون من الجوع وإن خراب اليمن يكون من الجراد أى وقد دعا صلى الله عليه وسلم على الجراد فقال اللهم أهلك الجراد واقتل كباره وأهلك صغاره واقطع دابره وخذ بأفواهها عن مواشينا وارزقنا إنك سميع الدعاء وفى مسلم عن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه كان صلى الله عليه وسلم يؤتى بأول التمر فيقول اللهم بارك لنا فى مدينتنا وفى ثمارها وفى مدنا وفى صاعنا بركة مع بركة ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان اللهم إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك دعاك لمكة وإنى عبدك ونبيك أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه
ثم بنى صلى الله عليه وسلم بقية الحجر التسع عند الحاجة إليها أى وهذا هو الموافق لما سبق أن بعضها بنى مع المسجد وهى حجرة سودة وحجرة عائشة رضى الله تعالى عنهما كما تقدم
وفى كلام أئمتنا أن بيوته صلى الله عليه وسلم كانت مختلفة وأكثرها كان بعيدا عن المسجد وكلام الأصل يقتضى أنها بنيت كلها فى السنة الأولى من الهجرة حيث قال وفيها أى السنة الأولى بنى مسجده صلى الله عليه وسلم ومساكنه أى وخط صلى الله
عليه وسلم للمهاجرين فى كل أرض ليست لأحد وفيما وهبته له الأنصار من خططها وأقام قوم منهم ممن لم يمكنه البناء بقباء عند من نزلوا عليه بها
قال عبدالله بن زيد الهذلى رأيت بيوت أزواج النبى صلى الله عليه وسلم حين هدمها عمر بن عبدالعزيز بأمر الوليد بن عبد الملك أى بعد موت أزواجه صلى الله عليه وسلم قال بعضهم حضرت كتاب الوليد بن عبد الملك يقرأ بادخالها في المسجد فما رأيت أكثر باكيا من ذلك اليوم أى وكانت تسعة أربعة مبنية باللبن أى وسقفها من جريد النخل مطين بالطين ولها حجر من جريد أى غير بيت أم سلمة فإنها جعلت حجرتها بناء
وكان صلى الله عليه وسلم فى غزوة دومة الجندل فلما قدم دخل عليه أول نسائه فقال لها ما هذا البنيان قالت أردت أن أكف أبصار الناس فقال صلى الله عليه وسلم وإن شر ما ذهب فيه مال المرء المسلم البنيان وعن على رضى الله تعالى عنه إن لله بقاعا تسمى المنتقمات فإذا اكتسب الرجل المال من حرام سلط الله عليه الماء والطين ثم لا يمتعه به أى وكانت تلك الحجر التى من الجريد مغشاة من خارج بمسوح الشعر وخمسة أبيات من جريد مطينة لا حجر بها على أبوابها ستور من مسوح الشعر أى وهى التى يقال لها البلانس ذرع الستر فوجد ثلاثة أذرع فى ذراع
هذا وفى كلام السهيلى كانت مساكنه صلى الله عليه وسلم مبنة من جريد عليه طين وبعضها من حجارة موضوعة وسقوفها كلها من جريد وكانت حجرته عليه الصلاة والسلام أكسية من شعر مربوطة بخشب من عرعر هذا كلامه
قال بعضهم وليتها تركت ولم تهدم حتى يقصر الناس عن البناء ويريدون ما رضى الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ومفاتيح خزائن الأرض بيده أى فإن ذلك مما يزهد الناس فى التكاثر والتفاخر فى البنيان
وجاء أنه صلى الله عليه وسلم خرج إلى بعض طرق المدينة فرأى فيه مشرعة فقال ما هذه قالوا هذه لرجل من الأنصار فجاء ذلك الرجل فسلم على النبى صلى الله عليه وسلم فأعرض عنه فعل ذلك مرارا فأعلم بالقصة فهدمها الرجل
وعن الحسن البصرى قال كنت وأنا مراهق أدخل بيوت أزواج النبى صلى الله عليه وسلم فى خلافة عثمان فأتناول سقفها بيدى أى لأن الحسن البصرى ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب يقينا وكان ابنا لمولاة لأم سلمة زوج النبى صلى الله عليه وسلم اسمها
خيرة وكانت أم سلمة تخرجه للصحابة يباركون عليه وأخرجته إلى عمر رضى الله تعالى عنه فدعاله بقوله اللهم فقهه فى الدين وحببه إلى الناس وكان والده من جملة السبى الذى سباه خالد فى خلافة الصديق من الفرس
وروى عن على بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه لأن عمره كان قبل أن يخرج على من المدينة إلى الكوفة وذلك بعد قتل عثمان أربع عشرة سنة قيل له يا أبا سعيد إنك تقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنك لم تدركه فقال لذلك السائل كل شئ سمعتنى أقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو عن على ابن أبى طالب رضى الله تعالى عنه غير أنى فى زمان لا أستطيع أن أذكر عليا أى خوفا من الحجاج
وقد أخرج له عن على جماعة من الحافظ كالترمذى والنسائى والحاكم والدار قطنى وأبو نعيم ما بين حسن وصحيح وبه يرد قول من أنكر أنه لم يسمع من على لأن المثبت مقدم على النافى أو هو محمول على أنه لم يسمع من على بعد خروج على من المدينة
قال بعضهم كان الحسن البصرى أجمل أهل البصرة وفى كلام ابن كثير كان الحسن البصرى شكلا ضخما طوالا هذا كلامه وكان إذا أقبل كأنه أقبل من دفن حميمة وإذا جلس فكأنه أسير أمر يضرب عنقه وإذا ذكرت النار فكأنها لم تخلق إلا له
وعن الواقدى كان لحارثة بن النعمان منازل قرب المسجد وحوله فكلما أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم أهلا تحول له حارثة عن منزل حتى صارت منازله كلها لرسول الله صلى الله عليه وسلم أى وهذا يخالف ما تقدم عن الأصل من أن مساكنه ينيت فى السنة الأولى
ومات عثمان بن مظعون وهو أخوه صلى الله عليه وسلم من الرضاعة وأمر صلى الله عليه وسلم أن يرش قبره بالماء ووضع حجرا عند رأس القبر أى بعد أن أمر رجلا أن يأتيه بحجر فأخذ الرجل حجرا ضعف عن حمله فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم
فحسر عن ذراعيه ثم حمله ووضعه فى المحل المذكور وقال أتعلم به قبر أخى وأدفن إليه من مات من أهلى أى ومن ثم دفن ولده إبراهيم عند رجليه
وعن عائشة رضى الله تعالى عنها أنه صلى الله عليه وسلم قبل عثمان بن مظعون وهو ميت قالت ورأيت دموع رسول الله صلى الله عليه وسلم على خدى عثمان بن مظعون
أى وفى الاستيعاب أنه مات بعد شهوده بدرا فلما غسل وكفن قبله رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عينيه ولا معارضة بينه وبين خبر عائشة رضى الله تعالى عنها السابق كما لا يخفى وجعل النساء يبكين فجعل عمر يسكتهن فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مهلا يا عمر ثم قال إياكن ونعيق الشيطان ومهما كان من العين فمن الله ومن الرحمة وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان وقالت امرأته وهى خولة بنت حكيم وقيل أم العلاء الأنصارية وكان نزل عليها وقيل أم خارجة بن زيد طبت هنيئا لك الجنة أبا السائب فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم نظرة غضب وقال وما يدريك فقالت يا رسول الله مارسك وصاحبك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أدرى ما يفعل بى فأشفق الناس على عثمان
وعن عائشة رضى الله تعالى عنها أن خولة بنت حكيم دخلت عليها وهى متشوشة الخاطر فقالت لها عائشة مابالك قالت زوجى تعنى عثمان بن مظعون يقوم الليل ويصوم النهار فدخل النبى صلى الله عليه وسلم على عائشة فذكرت له ذلك فلقى عثمان فقال له يا عثمان إن الرهبانية لم تكتب علينا أمالك بى أسوة والله إن أخشاكم لله وحدوده لأنا أى وسماه السلف الصالح فقال عند دفن ولده إبراهيم الحق بسلفنا الصالح وقال عند دفن بنته زينب الحقى بسلفنا الخير عثمان بن مظعون
ومات أسعد بن زرارة رضى الله تعالى عنه ووجد أى حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدا شديدا عليه وكان نقيبا لبنى النجارفلم يجعل لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم نقيبا بعده أى بعد أن قالوا له اجعل لنا رجلا مكانه يقيم من أمرنا ما كان يقيم وقال لهم أنتم أخوالى وأنا نقيبكم وكره أن يخص بذلك بعضهم دون بعض فكانت من مفاخرهم
أى ووهم ابن منده وأبو نعيم فى قولهما إن أبا أمامة كان نقيبا لبنى ساعدة لأنه صلى الله عليه وسلم كان يجعل نقيب كل قبيلة منهم ومن ثم كان نقيب بنى ساعدة سعد بن عبادة
أى وقد قيل إن قبل قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة مات البراء بن معرور فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ذهب هو وأصحابه فصلى على قبره وقال اللهم اغفر له وارحمه وارض عه وقد فعلت وهي أول صلاة صليت على الميت فى الإسلام بناء على أن المراد بالصلاة حقيقتها وإلا جاز أن يراد بالصلاة الدعاء ويوافق ذلك قول الإمتاع لم أجد فى شئ من كتب السير متى فرضت صلاة الجنازة
ولم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم صلى على عثمان بن مظعون وقد مات في السنة الثانية وكذلك أسعد بن زرارة مات في السنة الأولى ولم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم صلى عليه الصلاة الحقيقة وقد تقدم ذلك وتقدم ما فيه
وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا بين المهاجرين والأنصار وادع فيه يهود أى بنى قينقاع وبنى قريظة وبنى النضير أى صالحهم على ترك الحرب والأذى أى أن لا يحاربهم ولا يؤذيهم وأن لا يعينوا عليه أحدا وأنه إن دهمه بها عدو ينصروه وعاهدهم وأقرهم على دينهم وأموالهم
وقد ذكر فى الأصل صورة الكتاب وآخى صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار فى دار أنس بن مالك وهى دار أبى طلحة زوج أم أنس أى واسمه زيد ابن سهل وقد ركب البحر غازيا فمات فلم يجدوا جزيرة يدفنونه فيها إلا بعد سبعة أيام فدفنوه بها ولم يتغير
وعن أنس رضى الله تعالى عنه أن أبا طلحة لم يكن يكثر من الصوم فى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبب الغزو فلما مات صلى الله عليه وسلم سرد الصوم وكانت المؤاخاة بعد بناء المسجد وقيل والمسجد يبنى على المواساة والحق وأن يتوارثوا بعد الموت دون ذوى الأرحام وفى لفظ دون القرابة فقال تأخوا فى الله أخوين أخوين
اقول ذكر ابن الجوزى عن زيد بن أبى أوفى قال دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى مسجد المدينة فجعل يقول أين فلان أين فلان فلم يزل يتفقدهم ويبعث إليهم حتى اجتمعوا عنده فقال إنى محدثكم بحديث فاحفظوه وعوه وحدثوا به من بعدكم إن الله تعالى اصطفى من خلقه خلقا ثم تلا هذه الآية { الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس } وإنى أصطفى منكم من أحب أن أصطفيه وأوخى بينكم كما آخى الله تعالى بين ملائكتة قم يا أبا بكر فقام فجثا بين يديه صلى الله عليه وسلم فقال
إن لك عندى يدا الله يجزيك بها ولو كنت متخذا خليلا لا تخذتك خليلا فأنت منى بمنزلة قميصى من جسدى وحرك قميصه بيده ثم قال ادن يا عمر فدنا فقال قد كنت شديد البأس علينا يا أبا حفص فدعوت الله أن يعز بك الدين أو بأبى جهل ففعل الله ذلك بك وكنت أحبهما إلى الله فأنت معى فى الجنة ثالث ثلاثة من هذه الأمة وآخى بينه وبين أبى بكر هذا كلام ابن الجوزى وهو يقتضى أنه صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة آخى بين المهاجرين والأنصار أيضا كما آخى بينهم قبل الهجرة وهذا لا يتم إلا لو آخى بين غير أبى بكر وعمر من المهاجرين ويكون ابن أبى أوفى اقتصر
والمعروف المشهور أن المؤاخاة إنما وقعت مرتين مرة بين المهاجرين قبل الهجرة ومرة بين المهاجرين والأنصار بعد الهجرة والله اعلم ويدل لذلك قول بعضهم كانوا إذ ذلك خمسين من المهاجرين وخمسين من الأنصار أى وقيل كانوا تسعين فأخذ بيد على بن ابى طالب وقال هذا أخى فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أخوين وآخى بين أبى بكر وخارجة بن زيد وكان صهر لأبى بكر كانت ابنته تحت أبى بكر وبين عمر وعتبان بن مالك وبين أبى رويم الخثعمى وبين بلال وبين أسيد ابن حضير وبين زيد بن حارثة وكان أسيد ممن كناه النبى صلى الله عليه وسلم كناه أبا عبس وكان من أحسن الناس صوتا بالقرآن وكان أحد العقلاء أهل الرأى وكان الصديق رضى الله تعالى عنه يكرمه ولا يقدم عليه أحدا وآخى بين أبى عبيدة وبين سعد ابن معاذ وأخى بين عبدالرحمن بن عوف وبين سعد بن الربيع وعند ذلك قال سعد لعبدالرحمن يا عبد الرحمن إنى من أكثر الأنصار مالا فأنا مقاسمك وعندى امرأتان فأنا مطلق إحداهما فإذا انقضت عدتها فتزوجها فقال له بارك الله لك فى أهلك ومالك
وفى الأصل عن ابن اسحق آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه من المهاجرين والأنصار فقال تآخوا فى الله أخوين أخوين
وفى كلام بعضهم أنه صلى الله عليه وسلم آخى بين حمزة وبين زيد بن حارثة وإليه أوصى حمزة يوم أحد فليتأمل فإنهما مهاجران ثم أخذ بيد على بن أبى طالب وقال هذا أخى فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أخوين وفيه أن هذا ليس من المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وقد تقدم فى المؤاخاة بين المهاجرين قبل الهجرة مؤاخاته له صلى الله عليه وسلم وفى رواية لما آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه جاء على
تدمع عيناه فقال يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بينى وبين أحد فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنت أخى فى الدنيا والآخرة قال الترمذى هذا حديث حسن غريب وآخى بين جعفر بن أبى طالب وهو غائب بالحبشة وبين معاذ بن جبل أي أرصد معاذ لأخوة جعفر إذا قدم من الحبشة وبه يرد ما قيل جعفر بن أبي طالب إنما قدم فى فتح خيبر سنة سبع فكيف يؤاخى بينه وبين معاذ بن جبل أول مقدمه عليه الصلاة والسلام وآخى بين أبى ذر الغفارى والمنذر بن عمرو وبين حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر وبين مصعب بن عمير وأبى أيوب
وفى الاستيعاب أنه آخى بين سلمان وأبى الدرداء وجاء سلمان لأبى الدرداء زائرا فرأى أم الدرداء مبتذلة فقال ما شأنك قالت إن أخاك ليس له حاجة فى شئ من الدنيا فقال له سلمان إن لربك عليك حقا ولأهلك عليك حقا ولجسدك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه فسأل أبو الدرداء النبي صلى الله عليه وسلم عما قال سلمان فقال له مثل ما قال سلمان ولعل هذه المؤاخاة بين سلمان وأبى الدرداء كانت قبل عتق سلمان لأنه تأخر عتقه عن أحد لأن أول مشاهده الخندق كما تقدم وروى الإمام أحمد عن أنس أنه آخى بين أبى عبيدة وبين أبى طلحة وقد تقدم أنه آخى بينه وبين سعد بن معاذ وقال المهاجرون يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة فى قليل ولا أحسن بذلا فى كثير كفونا المؤنة وأشركونا فى المهنة اى الخدمة حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله قال لا ما أثنيتم عليهم ودعوتهم لهم أى فإن ثناءكم عليهم ودعاءكم لهم حصل منكم به نوع مكافأة
قال بعضهم والمؤاخاة من خصائصه صلى الله عليه وسلم ولم يكن ذلك لنبى قبله ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من لى بعياش بن أبى ربيعة وهشام بن العاص أي المحبوسين عند قريش المانعين لهما من الهجرة فقال الوليد بن الوليد بن المغيرة اى بعد أن خرج إلى المدينة من حبس أهله له بمكة كما تقدم أنا لك يا رسول الله بهما فخرج إلى مكة فقدمها مستخفيا فلقى امرأة تحمل طعاما فقال لها أين تريدين يا أمة الله قالت أريد هذين المحبوسين تعنيهما فتبعها حتى عرف موضعهما وكان بيتا لا سقف له فلما أمسى تسور عليهما ثم اخذ مروة أى حجرا فوضعها تحت قيدهما
ثم ضربهما بسيفه فقطعهما فان يقال لسيفه ذو المروة ثم جعلهما على بعيره وساق بهما فعثر فدميت اصبعه فأنشد أي متمثلا هل أنت إلا اصبع دميت ** وفي سبيل الله ما لقيت **
ثم قدم بهما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقدم ان ذلك يرد القول بان عياشا استمر محبوسا حتى فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وقد دعا صلى الله عليه وسلم في قنوت الصلاة بقوله اللهم أنج الوليد بن الوليد أي وذلك ان يتخلص من حبسه بمكة أي فإن الوليد اسر يوم بدر أسره عبد الله بن جحش فقدم في فدائه اخواه خالد وكان اخاه لأبيه أي ومن ثم لما أبى الله أن يأخذ في فداء الوليد إلا أربعة آلاف درهم وصار خالد يأبى ذلك قال له هشام إنه ليس بابن امك والله لو أبى فيه إلا كذا وكذا لفعلت
ويقال إنه صلى الله عليه وسلم فضفاضة قال لعبد الله بن جحش ولا تقبل في فدائه إلاشلمة ابيه وهي درع فضافة مقومة بمائة دينار فجاءا بها وسلماها إلى عبد الله فلما افتدى وقدم إلى مكة اسلم فقيل له هلا أسلمت قبل ان تفتدى فقال كرهت أن يظنوا بي أني جزعت من الاسار فلما أسلم حبسه اهل مكة ثم أفلت ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد عمرة القضاء وكتب إلى أخيه خالد فوقع الاسلام في قلب خالد وكان خالد من جملة من خرج من مكة الى اخيه خالد فوقع الإسلام في قلب خالد وكان خالد من جملة من خرج من مكة فارا لئلا يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه كراهة الإسلام وأهله فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم الوليد عنه وقال لو اتانا خالد لاكرمناه وما مثله يجهل الاسلام فكتب له اخوه الوليد بذلك وفي مدة حبس الوليد كان صلى الله عليه وسلم في كل ليلة اذا صلى العشاء الآخرة قنت في الركعة الأخيرة يقول اللهم انج هشام بن العاص اللهم انج سلمة بن هشام اللم انج عياش بن ابي ربيعة اللهم انج هشام بن العاص اللهم انج المستضعفين من المؤمنين اللهم اشدد وطأتك على مضر اللهم اجعلهم عليهم سنين مثل سني يوسف فأكلوا العلهز ثم لو يزل يدعو المستضعفين حتى نجاهم الله أي بعد ان نجى عياشا وهشاما والوليد
أقول هذه الراية تدل على انه كان يدعو بما ذكر في الركعة الأخيرة من العشاء الآخرة وفي البخاري ان ذلك كان في الركعة الأخيرة من الصبح
وقد يقال لا مخالفة لانه صلى الله عليه وسلم تارة يدعو في الركعة الاخيرة
من صلاة العشاء الآخرة وتارة في الركعة الاخيرة من الصبح أو كان يدعو بذلك فيهما وكل روى بحسب ما رأى والله اعلم
ثم لا زال المهاجرون الانصار يتوارثون بذلك الاخاء دون القرابات إلى أن نزل قوله تعالى في وقعة بدر { وأولو الأرحام } أي القرابات { بعضهم أولى ببعض } أي في الإرث { في كتاب الله } أي اللوح المحفوظ فنسخت ذلك أي لأنه كان الغرض من المؤاخاة ذهاب وحشة الغربة ومفارقة الأهل والعشيرة وشد أزر بعضهم ببعض فلما عز الإسلام واجتمع الشمل وذهبت الوحشة بطل التوارث ورجع كل إنسان إلى نسبه وذوي رحمه أي ومن ثم قيل لزيد بن حارثة زيد بن حارثة أي بعد أن كان يقال له زيد بن محمد وكانت المؤاخاة بعد الهجرة بخسمة أشهر وقيل غير ذلك
أقول تقدم ان سبب امتناع أن يقال زيد بن محمد نزول قوله تعالى { ادعوهم لآبائهم } أي ومن ثم قيل للمقداد بن عمرو وكان له المقدد بن الأسود لأن الأسود كان تبناه في الجاهلية ومن لم يعرف أبوه رد اليه مواليه ومن ثم قيل لسالم مولى أبي حذيفة ابن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بعد أن كان يقال له سالم بن أبي حذيفة فكا ابو حذيفة يرى أنه ابنه ومن ثم انكحه ابنة اخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة
وجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو امرأة أبي حذيفة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إنا كنا نرى سالما ولدا وكان يدخل على وقد بلغ ما يبلغ الرجال وإنه يدخل علي وأظن في نفس ابي حذيفة من ذلك شيئا فماذا ترى فيه فقال ارضعيه تحرمي
وعن اسلم زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت لعائشة ما ترى هذه إلا رخصة رخصها رسول الله صلى الله عليه وسلم لسالم وكان سالم رضي الله تعالى عنه يؤم المهاجرين الأولين في مسجد قباء فيهم أبو بكر وعمر
وفي ينبوع الحياة كانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار توجب التوارث بينهم ثم نسخ ذلك قبل العمل به وأما قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كانوا يتوارثون بذلك حتى نزلت { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض } فمعناه أنهم التزموا هذا الحكم ودانوا به
ومن المشكل حينئذ ما نقل أن الحتات بضم الحاء وفتح المثناة فوق مخففة كان
صلى الله عليه وسلم آخى بينه وبين معاوية ولما مات الحتات عند معاوية في خلافته ورثه بالاخوة مع وجود أولاده ثم رأيت الحافظ ابن حجر في الإصابة ذكر ذلك ونظر فيه والله اعلم & باب بدء الأذان ومشروعيته
أي والإقامة ومشروعيتها وكل منهما من خصائص هذه الأمة كما أن من خصائصها الركوع والجماعة وافتتاح الصلاة بالتكبير فإن صلاة الامم السابقة كانت لا ركوع فيها ولا جماعة وكانت الأنبياء كأممهم يستفتحون الصلاة بالتوحيد والتسبيح والتهليل أي وكان دأبه صلى الله عليه وسلم في إحرامه لفظة الله أكبر ولم ينقل عنه سواها أي كالنية
ولا يشكل على الركوع قوله تعالى لمريم { واسجدي واركعي مع الراكعين } لأن المراد به في ذلك الخضوع أو الصلاة لا الركوع المعهود كما قل لكن في البغوي قيل إنما قد السجود على الركوع لأنه كان كذلك في شريعتهم وقيل بل كان الركوع قبل السجود في الشرائع كلها وليست الواو للترتيب بل للجمع هذا كلامه فليتأمل وكان وجود ذلك أي الآذان والإقامة في السنة الأولى وقيل في الثانية
ذكر أن الناس إنما كانوا يجتمعون للصلاة لتحين مواقيتها أي لدخول أوقاتها من غير دعوة أي وقد قال ابن المنذر هو صلى الله عليه وسلم كان يصلي بغير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة وإلى أن وقع التشاور
قال ووردت أحاديث تدل على أن الآذان شرع بمكة قبل الهجرة من تلك الأحاديث ما في الطبراني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال لما أسرى برسول الله صلى الله عليه وسلم أوحى الله تعالى اليه الأذان فنزل به وعلمه بلالا قال الحافظ ابن رجب هو حديث موضوع
ومنها ما رواه ابن دمويه عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا لما اسرى بي أذن جبريل فظنت الملائكة أنه أي جبريل يصلي بهم فقدمني فصليت قال فيه الذهبي حديث منكر بل موضوع هذا كلامه على أنه يدل على أن المراد بالأذان الإقامة كما تقدم أنها المرادة بالأذان انتهى
أقول ومن أغرب ما وقع في بدء الآذان ما رواه ابو نعيم في الحلية بسند فيه مجاهيل إن جبريل نادى بالأذان لآدم حين اهبط من الجنة وقد سئل الحافظ السيوطي هل ورد أن بلالا أو غيره أذن بمكة قبل الهجرة فأجاب بقوله ورد ذلك بأسانيد ضعيفة لا يعتمد عليها والمشهور الذي صححه اكثر العلماء ودلت عليه الأحاديث الصحيحة أن الأذان انما شرع بعد الهجرة وأنه لم يؤذن قبلها لا بلال ولا غيره وذكر في الدر في قوله تعالى { ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا } أنها نزلت بمكة في شأن المؤذنين والآذان إنما شرع في المدينة فهي مما تأخر حكمه عن نزوله هذا كلامه
وفي كلام الحافظ ابن حجر ما يوافقه حيث ذكر أن الحق أنه لا يصح شيء من الأحاديث الدالة على أن الآذان شرع بمكة قبل الهجرة وذكر ما تقدم عن ابن المنذر من أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي من غير أذن منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وإلى أن وقع التشاور في ذلك أي فقد ائتمر صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه كيف يجمع الناس فقيل له انصب راية عند حضور الصلاة فإذا رآها الناس آذن أي أعلم بعضهم بعضا فلم يعجبه ذلك فذكر له بوق يهود أي ويقال له الشبور بفتح الشين المعجمة ثم موحدة مشددة مضمومة ثم واو ساكنة ثم راء ويقال له القبع بضم القاف وإسكان الموحدة وقيل بفتحها وقيل بإسكان النون وبالعين المهملة
قال السهيلي وهو أولى بالصواب وقيل بالمثناة فوق وقيل بالمثلثة وهو القرآن الذي يدعون به لصلاتهم أي يجتمعون لها عند سماع صوته فكرهه صلى الله عليه وسلم وقال هو من أمر اليهود فذكر له الناقوس الذي يدعون به النصارى لصلاتهم فقال هو من أمرالنصارى أي فقالوا لو رفعنا نارا أي فإذا رآها الناس اقبلوا إلى الصلاة فقال ذلك للمجوس وقيل كما في حديث الشيخين عن ابن عمر أن عمر رضي الله عنهما قال أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة أي بحضروها أي ففعلوا ذلك وكان المنادي هو بلال رضي الله تعالى عنه
قال الحافظ ابن حجر وكان اللفظ الذي ينادي به بلال أي قبل رؤيا عبد الله الصلاة جامعة كما رواه ابن سعد وسعيد بن منصور عن سعيد بن المسيب مرسلا
وقد جاء أنه صلى الله عليه وسلم قال لقد هممت أن أبث رجالا ينادون الناس بحين
الصلاة أي في حينها أي وقتها وقد هممت أن آمر رجالا تقوم على الآطام ينادون المسلمين بحين الصلاة أي ولعل هذا كان معه صلى الله عليه وسلم قبل وقوع ما تقدم عن بلال ثم أمر بلال بما تقدم
وقيل أئتمر رسول الله صلى الله عليه وسلم هو واصحابه بالناقوس أي اتفقوا عليه فنحت ليضرب به المسلمون أي وهو خشية طويلة يضرب عليها بخشبة صغيرة فنام عبد الله بن زيد فأرى الأذان أي والإقامة في منامه
فعنه رضي الله عنه قال لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس فطاف بي وأنا نائم رجل وفي لفظ إني لبين نائم ويقظان طاف بي رجل والمراد أنه نام نوما خفيفا قريبا من اليقظة فروحه كالمتوسطة بين النوم واليقظة
قال الحافظ السيوطي اظهرمن هذا أن يحمل على الحالة التي تعترى أرباب الاحوال ويشاهدون فيها ما يشاهدون ويسمعون ما يسمعون والصحابة رضي الله تعالى عنهم اجمعين هم رءوس أرباب الأحوال أي وهذه الحالة هي التي عناها الشيخ عبد الله الدلاصي بقوله كنت بالمسجد الحرام في صلاة الصبح فلما أحرم الإمام واحرمت اخذتني اخذه فرايت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إماما وخلفه العشرة فصليت معهم فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم الاولى سورة المدثر وفي الثانية { عم يتساءلون } ثم سلم الإمام فعقلت تسليمه فسلمت
أي ويدل لذلك قول عبد الله بن زيد كما جاء في رواية ولولا أن يقول الناس أي يستبعد الناس ذلك لقلت إني كنت يقظان غير نائم وذلك الرجل عليه ثوبان أخضران يحمل ناقوسا في يده فقلت يا عبد الله اتبيع الناقوس قال وما تصنع به فقلت ندعو به إلى الصلاة قال أفلا أدلك على ما هو على ما هو خير لك من ذلك فقلت بلى أي وفي رواية فقلت اتبيع الناقوس فقال ماذا تريد به فقلت اريد أن اتباعه لكي أضرب به للصلاة اتبيع الناقاوس فقال قال فأنا احدثك بخير لك من ذلك فقلت بل قال تقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله اكبر أشهد أن لا إل إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد ان محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح الله اكبر الله اكبر لا إله إلا الله قال عبد الله ثم استأخر عني أي ذلك لرجل غير بعيد ثم قال وتقول
إذا قمت إلى الصلاة الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله اكبر الله أكبر لا إله إلا الله أي ففي هذه الرواية إفراد الفاظ الإقامة إلا لفظها ولفظ التكبير اولا وآخرا وفي رواية رأى رجلا عليه ثياب خضر وهو قائم على سقف المسجد وفي رواية على جذم حائط بكسر الجيم وسكون المعجمة أي اصل الحائط ولا مخالفة لما سيعلم فأذن ثم قعد قعدة ثم قال فقال مثلها أي مثل الكلمات أي كلمات الآذان إلا أنه يقول قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة أي زيادة على تلك الكلمات التي هي الأذان ففي هذه الرواية تثنية ألفاظ الإقامة والإتيان بالتكبير في أولها اربعا كالآذان أي وهذا أي كونه على سقف المسجد وكونه على جذم حائط لا مخالفة بينهما لانه يجوز أن يكون لما قال له تقول الله اكبر إلى آخر الأذان والإقامة كان قائما على سقف المسجد قريبا من جذم الحائط فنسب قيامه إلى كل منهما ويكون قوله ثم استأخر عني غير بعيد أي سكت غير طويل قال عبد الله فلما اصبحت اتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت أي وفي رواية أنه أتاه ليلا واخبره وهي المذكورة في سيرة الحافظ الدمياطي
ولا منافاة لانه يجوز أن يكون قوله عبد الله فلما اصبحت أي قاربت الصباح فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها لرؤيا حق إن شاء الله تعالى فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى وفي رواية أمد صوتا منك أي أعلى وارفع وقيل أحسن واعذب ولا مانع من إرادة ما أمرك به عبد الله بن زيد فافعله فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به أي فبلال أول مؤذنيه صلى الله عليه وسلم أي وقيل أول مؤذنيه عبد الله ابن زيد ذكره الإمام والغزالي وأنكره ابن الصلاح أي حيث قال أجد هذا بعد البحث عنه هذا كلامه
وقد يقال لا منافاة لان عبد الله اول من نطق بالأذان وبلال أول من أعلن به وحينئذ يكون أول مشروعيته كان في اذان الصبح فلما سمع بذلك أي بأذان بلال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وهو في بيته خرج يجر رداءه وفي رواية إزاره أي عجلا أي وقد أعلم بالقصة لقوله والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل
ما رأى عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه وفي رواية مثل ما يقول أي بلال رضي الله تعالى عنه فقال صلى الله عليه وسلم فلله الحمد قال الترمذي عبد الله ابن زيد بن عبد ربه لا نعرف له عن النبي صلى الله عليه وسلم شيئا يصح إلا هذا الحديث الواحد في الأذان
وقيل رأى رأى مثل ما رأى عبد الله ابو بكر رضي الله تعالى عنه وقيل سبعة من الأنصار وقيل أربعة عشر
قال ابن الصلاح لم أجد هذا بعد إمعان النظر وتبعه النووي فقال هذا ليس بثابت ولا معروف وإنما الثابت خروج عمر يجر رداءه وقيل رآه صلى الله عليه وسلم ليلة الأسراء اسمع ملكا يؤذن أي فقد جاء في حديث بعض رواته متروك
بل قيل إنه من وضعه أنه لما أراد الله عز وجل أن يعلم رسوله الاذان جاء جبريل عليه الصلاة والسلام بدابة يقال لها البراق فركبها حتى أتى الحجاب الذي يلي الرحمن فبينما هو كذلك خرج من الحجاب ملك فقال الله أكبر فقيل من وراء الحجاب صدق عبدي أنا أكبر أنا أكبر وذكر بقية الأذان
فرؤيا عبد الله دلت على أن هذا الذي رآه في السماء يكون سنة في الأرض عند الصلوات الخمس التي فرضت عليه تلك الليلة أي فلذلك قال إنها لرؤيا حق إن شاء الله
وفيه أن الذي تقدم عن الخصائص أن المراد بها الأذان الذي أتى به الملك الإقامة لا حقيقة الأذان أي ويدل لذلك أن الملك قال فيه قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة فقال الله صدق عبدي أنا أقمت فريضتها ثم قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم تقدم فأم أهل السماء فيهم ادم ونوح
قال بعضهم والأذان ثبت بحديث عبد الله بن زيد باجماع الامة لا يعرف بينهم خلاف في ذلك إلا ما روي عن محمد بن الحنفية وعن أبي العلاء قال قلت لمحمد ابن الحنفية إنا لنتحدث أن بدء هذا الآذان كان من رؤيا رآها رجل من الانصار في منامه قال ففزع لذلك محمدا بن الحنفية فزعا شديدا وقال عمدتم إلى ما هو الأصل في شرائع الإسلام ومعالم دينكم فزعمتم أنه إنما كان من رؤيا رآها رجل من الأنصار في منامه تحتمل الصدق والكذب وقد تكون اضغاث احلام قال فقلت له هذا الحديث قد
استفاض في الناس قال هذا والله هو الباطل ثم قال وانما أخبرني أبي أن جبريل عليه الصلاة والسلام أذن في بيت المقدس ليلة الإسراء وأقام ثم أعاد جبريل الأذان لما عرج بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء فسمعه عبد الله بن زيد وعمر بن الخطاب
وفي رواية عنه أنه لما انتهى إلى مكان من السماء وقف به وبعث الله ملكا فقيل له علمه الأذان فقال الملك الله أكبر فقال الله صدق عبدي أنا الله أكبر إلى أن قال قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة وفيه ما علمت أن هذا الإقامة لا الأذان وقد رد عليه بأنه لو ثبت بقول جبريل لما احتاج صلى الله عليه وسلم إلى المشورة والمعراج كان بمكة قبل الهجرة
والأولى أن يتمسك ابن الحنفية بما يأتي عن بعض الروايات من قوله صلى الله عليه وسلم لعبد الله قد سبقك بذلك الوحي وكونه أتى بالبراق إلى الحجاب هو بناء على أن العروج كان على البراق وتقدم ما فيه ويحتمل أن يكون هذا عروجا آخر غير ذلك وحينئذ لا يخالف هذا ما تقدم أنه لما أسرى به أذن جبريل وتقدم ما فيه ولا ما جاء عن علي رضي الله تعالى عنه مؤذن أهل السماء جبريل لجواز حمل ذلك على الغالب وحينئذ لا يخالف أيضا ما جاء أسرافيل مؤذن أهل السماء وامامهم ميكائيل عند البيت المعمور وفي لفظ يؤم بالملائكة في البيت المعمور ولعل كون ميكائيل إمام أهل السماء لا يخالف ما جاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها إمام أهل السماء جبريل لما علم وجاء إن مؤذن أهل السماء يؤذن لاثنتى عشرة ساعة من النهار ولاثنتى عشرة ساعة من الليل
أقول وفي النور لو رآه أي الأذان ليلة الإسراء لم يحتج إلا إلى ما يجمع به المسلمين إلى الصلاة ويرد بأنه لم يكن يعلم قبل هذه الرؤيا أن ما رآه في السماء يكون سنة للصلوات الخمس التي فرضت عليه تلك الليلة فبتلك الرؤيا علم أن ذلك سنة في الأرض كما تقدم
وعبارة بعضهم ولا يشكل على أذان جبريل ببيت المقدس أن الأذان إنما كان بعد الهجرة لأنه لا مانع من وقوعه ليلة الإسراء قبل مشروعيته للصلوات الخمس وهذا كله على تسليم أن المرئى له الأذان حقيقة لا الإقامة وقد علمت ما فيه
ثم رأيت بعضهم قال وأما قول القرطبي لا يلزم من كونه سمعه ليلة الإسراء أن يكون مشروعا في حقه ففيه نظر لقوله في أوله لما أراد الله تعالى أن يعلم رسوله الأذان أي لأن المتبادر تعليمه الأذان الذي يأتي به في الأرض للصلوات
وقد يقال على تسليم ذلك قد علمت أن المراد بالأذان الذي سمعه ليلة الإسراء الإقامة وقد قال الحافظ ابن حجر الحق أنه لم يصح شيء من هذه الأحاديث الواردة بأنه سمعه ليلة الإسراء ومن ثم قال ابن كثير في بعض الأحاديث الواردة بأنه سمع هذا الأذان في السماء ليلة المعراج هذا الحديث ليس كما زعم البيهقي أنه صحيح بل هو منكر تفرد به زياد بن المنذر أبو الجارود الذي تنسب إليه الفرقة الجارودية وهو من المتهمين وبهذا يعلم ما في الخصائص الصغرى خص صلى الله عليه وسلم بذكر اسمه في الأذان في عهد آدم وفي الملكوت الأعلى والله أعلم
أي وروى بسند واه إن أول من أذن بالصلاة جبريل عليه الصلاة والسلام في سماء الدنيا فسمعه عمر وبلال رضي الله تعالى عنهما فسبق عمر بلالا فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم ثم جاء بلال فقال له سبقك بها عمر وهذا لادلاله فيه لأنه يجوز أن يكون ذلك بعد رؤيا عبد الله
وذكر أن عمر رضي الله تعالى عنه رآه من عشرين يوما وكتمه ولما أخبر صلى الله عليه وسلم بذلك قال له ما منعك أن تخبرني قال سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت منه
أقول في هذا الكلام ما لا يخفى فليتأمل إنما قال له إنها رؤيا حق لأنه يجوز أن يكون جاءه صلى الله عليه وسلم الوحي بذلك قبل أن يجئ إليه عبد الله بن زيد به ومن ثم قال له حين أخبره بذلك على مافي بعض الروايات قد سبقك بذلك الوحي فالأذان إنما ثبت بالوحي لا بمجرد رؤيا عبد الله
قال بعضهم في قوله وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا الآية كان اليهود إذا نودي إلى الصلاة وقام المسلمون إليها يقولون قاموا لا قاموا صلوا لاصلوا على طريق الاستهزاء والسخرية
وفيها دليل على مشروعية الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده هذا كلامه ورده أبو حيان بان هذه جملة شرطية دلت على سبق المشروعية لا على إنشائها هذا كلامه أي وذلك على تسليم أن يكون المدعو به للصلاة خصوص اللفظ الذي وجد في المنام وصار بلال يؤذن بذلك للصلوات الخمس وينادي في الناس لغير الصلوات الخمس لأمر يحدث يطلب له حضور الناس كالكسوف والخسوف والاستسقاء الصلاة جامعة
قيل وكان بلال إذا أذن قال أشهد أن لا إله إلا الله حي على الصلاة فقال له عمر على أثرها أشهد أن محمدا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبلال قل كما قال عمر وهذا روي عن ابن عمر في حديث فيه راو ضعيف ولولا التعبير بكان لأمكن حمل ذلك على أن بلالا أتى بذلك ناسيا في ذلك الوقت لما لقنه عبد الله بن زيد ثم رأيت ابن حجر الهيتمي قال والحديث الصحيح الثابت في أول مشروعية الأذان يرد هذا كله هذا كلامه
قيل وزاد بلال في أذان الصبح بعد الحيعلات الصلاة خير من النوم مرتين فأقرها صلى الله عليه وسلم أي لأن بلالا كان يدعو النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة فيقول له الصلاة فدعاه ذات غداة إلى الفجر فقيل له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نائم فصرخ بأعلى صوته الصلاة خير من النوم مرتين أي اليقظة الحاصلة للصلاة خير من الراحة الحاصلة بالنوم
أقول وهذا يقال له التثويب وذكر فقهاؤنا أنه صح أنه صلى الله عليه وسلم لقن ذلك لأبي محذورة أي قال له فإن كانت صلاة الصبح قلت الصلاة خير من النوم ولا مناقاة لأن تعليم أبي محذور للأذان كان عند منصرفه صلى الله عليه وسلم من حنين على ما سيأتي وكذا ما ورد من أنه صلى الله عليه وسلم قال إن ذلك من السنة لأنه يجوز أن يكون ذلك صدر منه بعد أن أقر بلالا عليه نعم ذكر أنه لم ينقل أن ابن أم مكتوم كان يقوله أي لقول بلال له في الإذان الأول وهو يدل لمن قال إنه إذا قيل في الأذان الأول لا يقال في الثاني لأن أذانه اللصبح كان متأخرا عن أذان بلالا في أكثر الأحوال وهو محمل ما جاء في كثير من الأحاديث إن بلالا يؤذن بليل فكلوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ومن غير الأكثر محمل ما جاء إن ابن أم مكتوم ينادي بليل وكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال ابن أم مكتوم أعمى فإذا أذن ابن أم مكتوم فكلوا وإذا أذن بلال فأمسكوا ولا تأكلوا والراجح أنه يقوله فيهما لكن ربما يخالف ذلك ما في الموطأ أن المؤذن جاء عمر يؤذنه لصلاة الصبح فوجده نائما فقال الصلاة خير من النوم فأمره عمر رضي الله عنه أن يجعلها في نداء الصبح وفي الترمذي أن بلالا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تثويب في شيء من الصلاة أي من أذان الصلاة إلا في صلاة الفجر أي يقول الصلاة خير من النوم
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه سمع الأذان في مسجد فأراد أن يصلي فيه فسمع المؤذن يثوب في غير الصبح فقال لرفيق له اخرج بنا من عند هذا المبتدع فإن هذه بدعة أي سمع المؤذن يقول بين الأذان والإقامة على باب المسجد الصلاة الصلاة وهذا هو المراد بالتثويب الذي سمعه ابن عمر كما قاله بعضهم
وفي كلام بعضهم من المحدثات أن المؤذن يجئ بين الأذان والإقامة إلى باب المسجد فيقول حي على الصلاة قيل وأول من أحدثه مؤذن معاوية رضي الله تعالى عنه فكان يأتيه بعد الأذان وقبل الإقامة يقول حي على الصلاة حي على الصلاة وحي على الفلاح حي على الفلاح يرحمك الله
أما قول المؤذن بين الأذان والإقامة الصلاة الصلاة فليس بدعة لأن بلالا كان يقول ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وأما قوله حي على الصلاة فهذا لم يعهد في عصره صلى الله عليه وسلم
ثم رأيت في درر المباحث في أحكام البدع والحوادث اختلف الفقهاء في جواز دعاء الأمير إلى الصلاة بعد الأذان وقبل الإقامة بأن يأتي المؤذن باب الأمير فيقول حي على الصلاة حي على الفلاح أيها الأمير وفسر به التثويب فاحتج من قال بجواره أي بسنيته أن بلالا كان إذا أذن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ثم يقول حي على الصلاة حي على الفلاح الصلاة يرحمك الله أي كما كان يفعل مؤذن معاوية رضي الله تعالى عنه فليس من المحدثات
وفي الحديث المشهور أنه في مرضه صلى الله عليه وسلم أتاه بلال فقال السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته الصلاة يرحمك الله فقال صلى الله عليه وسلم له مر أبا بكر فليصل بالناس واحتج من قال بالمنع بأن عمر رضي الله تعالى عنه لما قدم مكة أتاه أبو محذورة فقال الصلاة يا أمير المؤمنين حي على الصلاة حي على الفلاح فقال ويحك أمجنون أنت أما كان في دعائك الذي دعوته ما يكفيك حتى تأتينا ولو كان هذا سنة لم ينكر عليه أي وكون عمر رضي الله تعالى عنه لم يبلغه فعل بلال من البعيد
وعن ابي يوسف لا أرى بأسا أن يقول المؤذن السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته حي على الصلاة حي على الفلاح الصلاة يرحمك الله لاشتغال الأمراء بمصالح المسلمين أي ولهذا كان مؤذن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه يفعله
وذكر بعضهم أن في دولة بني بويه كانت الرافضة تقول بعد الحيعلتين حي على خير العمل فلما كانت دولة السلجوقية منعوا المؤذنين من ذلك وأمروا أن يقولوا في أذان الصبح بدل ذلك الصلاة خير من النوم مرتين وذلك في سنة ثمان وأربعين وأربعمائة
ونقل عن ابن عمرو عن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما أنهما كانا يقولان في أذانيهما بعد حي على الفلاح حي على خير العمل
وورد الترجيح في خبر أذان أبي محذورة أيضا وهو أن يخفض صوته بالشهادتين قبل رفعه بهما ففي مسلم عن أبي محذورة أنه قال قلت يا رسول الله علمني سنة الأذان قال فمسح مقدم رأسي وقال تقول أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله تخفض بها وتك ثم ترفع صوتك بالشهادة أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله وكان أبو محذورة يشفع الإقامة كالأذان أي يكرر ألفاظها فيقول الله أكبر الله أكبر الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الصلاة حي على الفلاح حي على الفلاح قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله لقنه صلى الله عليه وسلم ذلك وهي الرواية الثانية التي تقدمت عن عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه
وذكر الإمام أبو العباس بن تيمية رحمه الله أن النقل ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أبا محذورة الأذان فيه الترجيع والإقامة مثناة كالأذان وأن بلالا كان يشفع الإذان ويوتر الإقامة أي ولا يرجع الإذان
ففي الصحيحين أمر بلال أن يشفع الأذان أي ومن شفع الأذان التكبير أوله أربعا ولم يصح عنه صلى الله عليه وسلم الإقتصار فيه على مرتين وإن كان هو عمل أهل المدينة كما سيأتي نعم يرد على شفع الأذان التهليل آخره فإنه مفرد فالأولى أن يقال يشفع معظم الأذان ويوتر الإقامة إلا الإقامة أي لفظها أي وهي قد قامت الصلاة فإنه يكررها مرتين يقول قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة ولم يصح عنه صلى الله عليه وسلم
إفرادها البتة أي وإن كان هو عمل أهل المدينة كما سيأتي وصح عنه تكرير لفظ التكبير مرتين أولا وآخرا وحينئذ يكون المراد بإفراد الإقامة إفراد معظمها فكان يقول في الإقامة الله أاكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله حي على الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله ولم يكن في أذانه ترجيع أي وهو الإتيان بالشهادتين مرتين سرا ثم يأتي بهما جهرا أي كما تقدم قال فنقل إفراد الإقامة صحيح بلا ريب وتثنيتها صحيح بلا ريب
أي وكل روى عن عبد الله بن زيد كما علمت قال أي ابن تيمية وأحمد وغيره أخذوا بأذان بلال وإقامته أي فلم يستحبوا الترجيع في الأذان واستحبوا إفراد الإقامة إلا لفظها
والشافعي رضي الله عنه تعالى عنه أخذ بأذان أبي محذرة وإقامة بلال فاستحب الترجيع في الأذن والإفراد إلا لفظها وأبو حنيفة رحمه الله وأخذ بأذان بلال وإقامة أبى محذورة أي فلم يستحب الترجيع واستحب تثنية ألفاظ الإقامة
قال في الهدى وأخذ مالك بما عليه عمل أهل المدينة من الإقتصار في التكبير على مرتين في الأذان وعلى كلمة الإقامة مرة واحدة أي ولعل هذا بحسب ما كان في المدينة والإ ففي أبى داود ولم يزل ولد أبي محذورة وهم الذين يلون الأذان بمكة يفردون الإقامة أي معظم ألفاظها ويحكونه عن جدهم غير أن التثنية عنه أكثر فيحتمل أن إتيان أبى محذورة بالإقامة فرادى واستمراره وولده بعده على ذلك كان بأمر منه صلى الله عليه وسلم له بذلك بعد أمره أولا له بتثنيتها أي فيكون آخر أمره الإفراد وقد قيل لأحمد رضي الله تعالى عنه وقد كان يأخذ بأذان بلال أي كما تقدم أليس أذان أبى محدورة بعد أذان بلال أي لأن النبي صلى الله عليه وسلم علمه له عند منصرفه من حنين على ما سيأتي وهو الذي رواه إمامنا الشافعي رضي الله عنه عن أبي محذورة أنه قال خرجت في نفر وكنا ببعض طريق حنين فقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين فلبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الطريق فأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالصلاة فسمعنا صوت المؤذن ونحن متنكبون أي عن الطريق فصرنا نحكيه ونستهزئ به فسمع النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بين يديه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع فأشار القوم كلهم إلى فحبسني أي أبقاني عنده وأرسلهم وقال قم فأذن فقمت ولا شيء أكره إلى من النبي صلى الله عليه وسلم ولا مما يأمرني به فقمت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقى على التأذين هو بنفسه صلى الله عليه وسلم الحديث ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شيء من فضة ثم وضع يده على ناصيتي ومر بها على وجهي ثم بين يدي ثم على كبدي حتى بلغت يده سرتي ثم قال بارك الله فيك وبارك عليك فقلت يارسول الله مرني بالتأذين بمكة فقال صلى الله عليه وسلم قد أمرتك به وذهب كل شيء كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كراهته وعاد ذلك كله محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقدمت على عتاب بن أسيد رضي الله تعالى عنه عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم على مكة فأذنت بالصلاة عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقيل علمه صلى الله عليه وسلم ذلك يوم فتح مكة لما أذن بلال رضي الله تعالى عنه للظهر على ظهر الكعبة وصار فتية من قريش يستهزئون ببلال ويحكون صوته وكان من جملتهم أبو محذورة فأعجبه صلى الله عليه وسلم صوته فدعاه وعلمه الأذان وأمره أن يؤذن لأهل مكة فليتأمل الجمع وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أي بالمتأخر عنه لأن المتأخر ينسخ المتقدم فقال أليس لما عاد إلى المدينة أقر بلالا على أذانه
قال أبو داود وتثنية الإذان وإفراد الإقامة مذهب أكثر علماء الأمصار وجرى به العمل في الحرمين والحجاز وبلاد الشام واليمن وديار مصر ونواحي المغرب أي إلا مصر في المساجد التي تغلب صلاة الأروام بها فإن الإقامة تثنى كالأذان فيها
وقد ذكر أن أبا يوسف رحمه الله ناظر إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه في المدينة بين يدي مالك رضي الله تعالى عنه والرشيد فأمر الشافعي بأحضار أولاد بلال وأولاد سائر مؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لهم كيف تلقيتم االإذان والإقامة عن
آبائكم فقالوا الأذان مثنى مثنى والإقامة فرادى هكذا تلقيناه من آبائنا وآباؤنا عن أسلافنا إلى زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء أنه صلى الله عليه وسلم سمع بلالا يقيم الصلاة فلما قال قد قامت الصلاة قال صلى الله عليه وسلم أقامها الله وأدامها وفي البخاري من قال حين يسمع النداء أي الأذان اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته وجبت له شفاعتي يوم القيامة
قال بعضهم كان المؤذنون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مؤذنين بلالا وابن ام مكتوم فلما كان زمن عثمان رضي الله تعالى عنه جعلهم أربعا وزاد الناس بعده
ولما مات صلى الله عليه وسلم ترك بلال الإذان ولحق بالشام فمكث زمانا فرأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال له يا بلال جفوتنا وخرجت من جوارنا فاقصد إلى زيارتنا وفي لفظ أنه قال له ما هذه الجفوة يا بلال ما آن لك أن تزورنا فانتبه بلال رضي الله تعالى عنه فقصد المدينة فلما انتهى إلى المدينة تلقاه الناس أي وأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم وجعل يبكي عنده ويتمرغ عليه وأقبل على الحسن والحسين يقبلهما ويضمهما وألحوا عليه أن يؤذن فلما صعد ليؤذن اجتمع أهل المدينة رجالهم ونساؤهم وخرجت العذارى من خدورهن ليستمتعوا أذانه رضي الله تعالى عنه فلما قال الله أكبر ارتجت المدينة وصاحوا وبكوا فلما قال أشهد أن لا إله إلا الله ضجوا جميعا فلما قال أشهد أن محمدا رسول الله لم يبق ذو روح إلا بكى وصاح وكان ذلك اليوم كيوم موت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرف إلى الشام وكان يرجع إلى المدينة في كل سنة مرة فينادي بالأذان إلى أن مات رضي الله تعالى عنه
أقول في كلام بعضهم كان سعد القرظ رضي الله تعالى عنه مؤذنه صلى الله عليه وسلم بقباء فلما لحق بلال بالشام أيام عمر رضي الله تعالى عنه أمر سعد القرظ أن يؤذن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أي فإن بلالا لما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء إلى أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقال ياخليفة رسول الله إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول أفضل أعمال المؤمن الجهاد في سبيل الله وقد أردت أن أرابط في سبيل الله حتى أموت فقال له أبو بكر رضي الله تعالى عنه أنشدك الله يا بلال وحرمتي وحقي عليك أن لا تفارقني فأقام بلال حتى توفي أبو بكر رضي الله تعالى عنه
وهو يؤذن ثم جاء إلى عمر فقال له كما قال لأبي بكر ورد عليه رضي الله عنه كما رد عليه أبو بكر فأبى وخرج إلى الشام مجاهدا
وفي أنس الجليل لما فتح أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه بيت المقدس حضرت الصلاة فقال يا بلال أذن لنا يرحمك الله قال بلال يا أمير المؤمنين والله ما أردت أن أؤذن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد ولكن سأطيعك إذ أمرتني في هذه الصلاة وحدها فلما أذن بلال وسمعت الصحابة رضي الله تعالى عنهم صوته ذكروا النبي صلى الله عليه وسلم فبكوا بكاء شديدا ولم يكن من الصحابة يومئذ أطول بكاء من أبى عبيدة ومعاذ بن جبل حتى قال لهما عمر رضي الله تعالى عنه حسبكما رحمكما الله تعالى فلم يؤذن بلال بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مرة واحدة لما أمره عمر بالأذان هذا ما في أنس الجليل أي فالمراد بالمرة هذه المرة التي كانت ببيت المقدس
وفيه أن هذا يخالف ما تقدم مما ظاهره أنه استمر يؤذن مدة خلافة أبى بكر رضي الله تعالى عنه وما تقدم من إلحاح الحسن والحسين عليه في أن يؤذن عند مجيئه للمدينة
إلا أن يقال المراد لم يؤذن خارج المدينة فلا يخالف ما سبق من أذانه بعد إلحاح الحسن والحسين ولعل ما سبق كان بعد فتح بيت المقدس بل وبعد موت الخلفاء الأربعة
ثم رأيت الزين العراقي قال لم يؤذن بلال بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم لأحد من الخلفاء إلا أن عمر لما قدم الشام حين فتحها أذن بلال هذا كلامه فليتأمل مع ما سبق
وفي الكتاب المذكور روي عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن رجلا قال يا رسول الله أي الخلق أول دخولا الجنة قال الأنبياء قال ثم من قال الشهداء قال ثم من قال مؤذنو بيت المقدس قال ثم من قال مؤذنو بيت الحرام قال ثم من قال مؤذنو مسجدي قال ثم من قال سائر المؤذنين
ثم رأيت في نسخة من شرح المنهاج للدميري عن جابر تقديم مؤذني المسجد الحرام على مؤذني بيت المقدس ورأيت في بعض الروايات ما يوافقه وهي أول من يدخل الجنة بعدى أبو بكر ثم الفقراء ثم مؤذنو المسجد الحرام ثم مؤذنو بيت المقدس ثم مؤذنو مسجدي ثم سائرهم على قدر أعمالهم
وفي البدور السافرة عن جابر رضي الله تعالى عنه أن رجلا قال يا رسول الله أي
الخلق أول دخولا الجنة يوم القيامة قال الأنبياء قال ثم من قال الشهداء قال ثم من قال مؤذنو الكعبة قال ثم من قال مؤذنو بيت المقدس قال ثم من قال مؤذنو مسجدي هذا قال ثم من قال سائر المؤذنين على قدر أعمالهم
وفيها عن جابر أيضا أول من يكسى من حلل الجنة إبراهيم ثم محمد صلى الله عليه وسلم ثم النبيون والرسل ثم يكسى المؤذنون وجاء إن الصحابة رضي الله تعالى عنهم قالوا يا رسول الله لقد تركتنا نتنافس في الأذان بعدك فقال أما إنه يكون قوم بعدكم كفلتهم مؤذنوهم قيل وهذه الزيادة منكرة وقال الدار قطنى ليست محفوظة
وجاء إذا أخذ المؤذن في أذانه وضع الرب جل وعز يده فوق رأسه ولا يزال كذلك حتى يفرغ من أذانه وأنه ليغفر له مد صوته فإذا فرغ قال الرب صدقت عبدي وشهدت شهادة الحق فأبشر والله أعلم
قال وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال كان رجل من اليهود أي من التجار وعن السدى من النصارى بالمدينة سمع المؤذن يقول أشهد أن محمدا رسول الله قال أخزى الله الكاذب وفي رواية أحرق الله الكاذب فدخلت خادمه بنار وهو نائم وأهله نيام فسقطت شرارة فأحرقت البيت واحترق هو وأهله انتهى
أي وفي بعض الأسفار حضر وقت الصلاة أي صلاة الصبح فطلبوا بلالا يؤذن فلم يوجد أي لتأخره في السير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن زياد بن الحارث الصدائي أي بأمره صلى الله عليه وسلم فقال له أذن يا أخا صداء وصداء حي من اليمن
وعنه رضي الله تعالى عنه سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمرني على قومي فقال لا خير في الإمرة لرجل مؤمن فقلت حسبي ثم سار النبي صلى الله عليه وسلم مسيرا فسرت معه فانقطع عنه أصحابه وأضاء الفجر فقال لي أذن يا أخا صداء فأذنت ثم لما حضرت الصلاة و فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا إنما يقيم من أذن واختلف هل أذن صلى الله عليه وسلم بنفسه فقيل نعم أذن مرة واستدل على ذلك بأنه جاء في بعض الأحاديث أي وقد صح أنه صلى الله عليه وسلم أذن في السفر وصلى وهم على رواحلهم فتقدم على راحلته صلى الله عليه وسلم فصلى بهم يومي إيماء يجعل السجود أخفض من الركوع وقيل ما أذن وإنما أمر بلالا بالأذان كما في بعض طرق ذلك الحديث
ففي الهدى وصلى بهم الفرض على الرواحل لأجل المطر والطين وقد روي أحمد والترمذي أنه صلى الله عليه وسلم انتهى إلى مضيق هو وأصحابه والسماء من فوقهم والمسيل من أسفل منهم فحضرت الصلاة فأمر المؤذن فأذن وأقام ثم تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم الحديث والمفصل يقضي على المجمل
وفي رواية أذن اختصارا أي أمر بالأذان أي وهذا المجمل الذي تشير إليه هو فأذن صلى الله عليه وسلم على راحلته وأقام أي ويروي أن بلالا كان يبدل الشين في أشهد سينا فقال صلى الله عليه وسلم سين بلال عند الله شين قال ابن كثير لا أصل لرواية سين بلال شين في الجنة ولا يلزم من كون هذه الرواية لا أصل لها أن تكون تلك الرواية كذلك
وكان بلال وابن أم مكتوم يتناوبان في أذاني الصبح فكان أحدهما يؤذن بعد مضى نصف الليل الأول والليل باق والثاني يؤذن بعد طلوع الفجر وروى الشيخان إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم أي وفي مسلم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمنعن أحدا منكم أذان بلال أو قال نداء بلال من سحوره فإنه يؤذن وقال ينادي ليرجع قائمكم ويوقظ نائمكم إنما يؤذن بليل بعد نصفه الأول فيرجع القائم المتهجد إلى راحلته لينام غفوة ليصبح نشيطا ويستيقظ النائم ليتأهب للصبح
قال في الهدى وانقلب على بعض الرواة فقال إن ابن أم مكتوم ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي بلال أي وقد علمت أنه لا قلب وأنهما كانا يناديان فكان بلال تارة يؤذن بليل وابن ام مكتوم عند الفجر الثاني وتارة يكون ابن مكتوم بالعكس فوقع كل من الأحاديث باعتبار ما هو موجود عند النطق ولم يكن بين أذانهما إلا أن ينزل هذا ويرقى هذا أي أن ينزل المؤذن الأول من أذانه ويرقى المؤذن الثاني كما ذكر فمن كان يؤذن أولا يتربص بعد أذانه لنحو الدعاء ثم يرقب الفجر فإذا قارب طلوعه نزل فأخبر صاحبه فيرقى ويؤذن مع الفجر أو عقبه من غير فاصل وهذا هو المراد مما قيل إن ابن أم مكتوم كان لا يؤذن حتى يقال له أصبحت أصبحت
وعن ابن عمر كان ابن مكتوم يتوخى الفجر فلا يخطئه وفي أبى داود عن ابن عمر أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر فأمره صلى الله عليه وسلم أن يرجع فينادي ألا إن
العبد نام فرجع فنادى ألا إن العبد نام إلا إن العبد نام أي غفل عن الوقت أو رجع لينام لبقاء الليل ولعل هذا كان قبل أن يتخذ ابن أم مكتوم مؤذنا ثانيا أو كان أذان بلال في هذه المرة بعد أذان ابن أم مكتوم على ما تقدم فلا مخالفة
والثابت في الجمعة أذان واحد كان يفعل بين يديه صلى الله عليه وسلم إذا صعد المنبر وجلس عليه كذا قال فقهاؤنا مستدلين على ذلك بحديث البخاري عن السائب بن يزيد قال كان التاذين يوم الجمعة حين يجلس الإمام على المنبر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما وليس فيه أن ذلك الأذان كان بين يديه ولما كثر المسلمون أمر عثمان رضي الله تعالى عنه أي وقيل عمر وقيل معاوية بأن يؤذن قبله على المنارة
وعبارة بعضهم وفي السنة الرابعة والعشرين زاد عثمان النداء على الزوراء يوم الجمعة ليسمع الناس فيأتوا إلى المسجد وأول من أحدثه بمكة الحجاج والتذكير قبل الأذان الأول الذي هو التسبيح أحدث بعد السبعمائة في زمن الناصر محمد بن قلاوون
وأول ما أحدثت الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم أي على الكيفية المعهودة الآن بعد تمام الأذان على المنارة أي في غير المغرب في زمن السلطان المنصور حاجي بن الأشرف شعبان بن حسن بن محمد بن قلاوون بأمر المحتسب نجم الدين الطنبدي في أواخر القرن الثامن واستمر ذلك إلى الآن لكن في غير أذان الصبح الثاني وغير أذان الجمعة أول الوقت أما أذان الصبح الثاني وأذان الجمعة المذكور فتقدم الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم على الأذان فيهما وكان أحدث ذلك في زمان صلاح الدين بن أيوب ولعل الحكمة في ذلك أما في الأول فلاستيقاظ النائم وأما في الثاني فلأجل حصول التكبير المطلوب في الجمعة
ولا يخفى أن من السنة مطلق الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم بعد فراغ الأذان ففي مسلم إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي وقيس بذلك الإقامة فالأذان والإقامة من المواطن التي يستحب فيها الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى { ورفعنا لك ذكرك } فقد قيل في معناه لا أذكر إلا وتذكر معي لكن بعد فراغهما لا عند الابتداء بهما كما يقع لبعض الأروام أن يقول المقيم للصلاة عند ابتداء الإقامة اللهم صل على سيدنا محمد الله أكبر الله أكبر فإن ذلك بدعة
ومن البدع التطريب في الأذان والتلحين فيه وفي كلام إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه ويكون الأذان مرسلا بغير تمطيط ولا تغن قيل التمطيط التفريط في المد والتغني أن يرفع صوته حتى يجاوز المقدار
ومن البدع رفع المؤذنين أصواتها بتبليغ التكبير لمن بعد عن الإمام من المقتدين قال بعضهم ولا بأس به لما فيه من النفع أي حيث لم يبلغهم صوت الإمام بخلاف ما إذا بلغهم
ففي كلام بعضهم التبليغ بدعة منكرة باتفاق الأئمة الأربعة حيث بلغ المأمومين صوت الإمام ومعنى منكرة أنها مكروهة
وأول ما أحدث التسبيح بالأسحار في زمن موسى عليه الصلاة والسلام حين كان بالتيه واستمر إلى أن بني داود عليه الصلاة والسلام بيت المقدس فرتب فيه جماعة يقومون به على الآلات إلى ثلت الليل الأخير ثم بعد ثلث الليل الأخير يقومون به على الآلات عند الفجر
وأول حدوثه في ملتنا كان بمصر أمر به أميرها من قبل معاوية مسلمة بن مخلد الصحابي رضي الله تعالى عنهما فإنه لما اعتكف بجامع عمرو سمع أصوات النواقيس عالية فشكا ذلك إلى شرحبيل بن عامر عريف المؤذنين بجامع عمرو ففعل ذلك من نصف الليل إلى قريب الفجر ومسلمة هذا تولى مصر من معاوية بعد عتبة بن أبي سفيان أخي معاوية رضي الله تعالى عنهما وعتبة تولاها حين مات أميرها عمرو بن العاص وهذا مما يدل على أن عمرو بن العاص مدفون بمصر وكان عتبة خطيبا فصيحا
قال الأصمعي الخطباء من بني أمية عتبة بن أبي سفيان وعبد الملك بن مروان خطب عتبة يوما أهل مصر فقال يا أهل مصر خف على ألسنتكم مدح الحق ولا تأتونه وذم الباطل وأنتم تفعلونه كالحمار يحمل أسفارا يثقله حملها ولا ينفعه علمها وإني لا أداوي داءكم إلا بالسيف ولا أبلغ السيف ما كفاني السوط ولا أبلغ السوط ما صلحتم على الدرة فالزموا ما ألزمكم الله لنا تستوجبوا ما فرض الله لكم علينا وهذا يوم ليس فيه عتاب ولا بعده عتاب
ومما يؤثر عنه ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم وقال لبنيه يوما تلقوا النعم بحسن مجاورتها والتمسوا المزيد منها بالشكر عليها
ومسلمة أول من جعل بنيان المنابر التي هي محل التأذين في المساجد فلما ولى أحمد بن طولون رتب جماعة يكبرون ويسبحون ويحمدون فلما ولى صلاح الدين يوسف ابن أيوب وحمل الناس على اعتقاد مذهب الأشعري والخروج عما كان يعتقد الفواطم أمر المؤذنين أن يعلنوا وقت التسبيح بذكر العقيدة المرشدة وقد وقفت عليها فإذا هي ثلاث ورقات ولم أقف على اسم مؤلفها فواظبوا على ذكرها في كل ليلة
قيل في سبب نزول قوله تعالى { قل كل من عند الله } أن اليهود قالوا في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ دخل المدينة نقصت ثمارها وغلت أسعارها فرد الله تعالى عليهم بقوله { قل كل من عند الله } أي يبسط الأرزاق ويقبضها وعند ظهور الإسلام وقوته في المدينة قامت نفوس أحبار اليهود ونصبوا العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل قوله تعالى لرسول الله صلى الله عليه وسلم { قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر } وقال في موضع آخر { إن تمسسكم حسنة تسؤهم }
وعن صفية أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها بنت حيي قالت كنت أحب ولد أبي إليه وإلى عمى أبى ياسر وكانا من أكبر اليهود وأعظمهم فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة غدوا إليه ثم جاءا من العشي فسمعت عمي يقول لأبي أهو هو قال نعم والله قال أتعرفه وتثبته قال نعم قال فما في نفسك منه قال عداوته والله ما بقيت قال وفي رواية أنها قالت إن عمى أبا ياسر حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ذهب إليه وسمع منه صلى الله عليه وسلم وحادثه ثم رجع إلى قومه فقال يا قوم أطيعوني فإن الله قد جاءكم بالذي كنتم تنتظرونه فاتبعوه ولا تخالفوه ثم انطلق إبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسمع منه ثم رجع إلى قومه فقال لهم أتيت من عند رجل والله لا أزال له عدوا فقال له أخوه أبو ياسر يا ابن أم أطعني في هذا الأمر واعصني فيما شئت بعد لا تهلك فقال والله لا نطيعك 1 هـأي ثم وافق أخاه حييا فكانا أشد اليهود عداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم جاهدين في رد الناس عن الإسلام بما استطاعا فأنزل الله تعالى فيهما وفيمن كان موافقا لهما في ذلك { ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق }
وحيي بن أخطب هذا قيل هو الذي قال لما نزل تعالى { من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا }
يستقرضنا ربنا وإنما يستقرض الفقير الغني فأنزل الله تعالى { لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء }
أي وقيل في سبب نزولها إن أبا بكر رضي الله تعالى عنه دخل بيت المدارس فقال لفنحاص اتق الله وأسلم فوالله إنك لتعلم أن محمدا رسول الله فقال والله يا أبا بكر ما بنا إلى الله من فقر وإنه إلينا لفقير فغضب أبو بكر وضرب وجه فنحاص ضربا شديدا وقال والله لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت عنقك فشكاه فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له أبو بكر ما كان منه فأنكر قوله ذلك فنزلت الآية
وقيل في سبب نزولها أيضا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل أبا بكر رضي الله تعالى عنه إلى فنحاص بن عازوراء بكتاب وكان انفرد بالعلم والسيادة على يهود بني قينقاع بعد إسلام عبد الله بن سلام يأمرهم في ذلك الكتاب بالإسلام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن يقرضوا الله قرضا حسنا فلما قرأ فنحاص الكتاب قال أقد احتاج ربكم سنمده وفي رواية قال يا أبا بكر تزعم أن ربنا يستقرضنا أموالنا وما يستقرض إلا الفقير من الغني فإن كان حقا ما تقول فإن الله جل وعلا أذن لفقير ونحن أغنياء فضرب أبو بكر وجه فنحاص ضربا شديدا وقال لقد هممت أن أضربه بالسيف وما منعني أن أضربه بالسيف إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دفع إلى الكتاب قال لي لا تفتت على بشيء حتى ترجع إلى فجاء فنحاص إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشكا أبا بكر رضي الله تعالى عنه فقال صلى الله عليه وسلم لأبي بكر ما حملك على ما صنعت قال يا رسول الله إنه قال قولا عظيما زعم أن الله عز وجل فقير وأنهم أغنياء فغضبت لله تعالى وقال فنحاص والله ما قلت هذا فنزلت الآية تصديقا لأبي بكر رضي الله تعالى عنه
وقد قال بعض اليهود لبعض العلماء إنما قلنا إن الله فقير ونحن أغنياء لأنه استقرض أموالنا فقال له إن كان استقرضها لنفسه فهو فقير وإن كان استقرضها لفقرائكم ثم يكافئ عليها فهو الغني الحميد
ومن شدة عداوتهم أي اليهود أن لبيد بن الأعصم اليهودي سحر النبي صلى الله عليه وسلم في مشط أي له صلى الله عليه وسلم وقيل في أسنان من مشطه صلى الله عليه وسلم
ومشاطة وهي ما يخرج من الشعر إذا مشط أي من شعر رأسه صلى الله عليه وسلم أعطاها لهم غلام يهودي كان يخدمه صلى الله عليه وسلم وجعل مثالا من شمع وقيل من عجين كمثال رسول الله صلى الله عليه وسلم وغرز فيه إبرا وجعل معه وترا عقد فيه إحدى عشرة عقدة
وفي لفظ أن الإبر كانت في العقد ودفن ذلك تحت راعونة في بئرذي أروان وقد مسخ الله تعالى ماءها حتى صار كنقاعة الحناء فكان يخيل إليه صلى الله عليه وسلم أنه يفعل الفعل وهو لا يفعله أي ومكث في ذلك سنة وقيل ستة أشهر وقيل أربعين يوما
قال بعضهم ويمكن أن تكون السنة أو الستة أشهر من ابتداء تغير مزاجه الشريف وأن مدة اشتداده كانت في الأربعين وقيل اشتد عليه ثلاثة أيام وقد يقال هي أشد الأربعين فلا منافاة وعند ذلك نزل جبريل عليه الصلاة والسلام وقال له إن رجلا من اليهود سحرك وعقد لك عقدا ودفنها بمحل كذا فأرسل صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله تعالى عنه فاستخرجها فجاء بها فجعل كلما حل عقدة وجد صلى الله عليه وسلم بذلك خفة حتى قام كأنما نشط من عقال وفي رواية أن اليهودي دفن ذلك بقبر فأنزل الله تعالى سورة الفلق وسورة الناس وهما إحدى عشرة آية سورة الفلق خمس آيات وسورة الناس ست آيات كلما قرأ آية انحلت عقدة حتى انحلت العقد كلها وفي لفظ فإذا وتر فيه إحدى عشرة عقدة مغروزة بالإبر فلم يقدروا على حل تلك العقد فنزلت المعوذتان فكلما قرأ جبريل آية انحلت عقدة ووجد صلى الله عليه وسلم بعض الخفة حتى قام عند انحلال العقدة الأخيرة كأنما نشط من عقال وجعل جبريل يقول بسم الله أرقيك والله يشفيك من كل داء يؤذيك أي ولعله كان يقول ذلك عند حل كل عقدة بعد قراءة الآية أي وكان ذلك بين الحديبية وخيبر
وذكر بعضهم أنه بعد خيبر جاءت رؤساء يهود الذين بقوا في المدينة ممن يظهر الإسلام إلى لبيد بن الأعصم وكان أعلمهم بالسحر فقالوا له يا أبا الأعصم قد سحرنا محمدا سحره منا الرجال فلم يصنع شيئا أي ولم يؤثر سحرهم وأنت ترى أمره فينا خلافة في ديننا ومن قتل وأجلى ونجعل لك على سحره ثلاثة دنانير ففعل ذلك ثم إنه صلى الله عليه وسلم قال جاءني رجلان أي وهما جبريل وميكائيل كما في بعض طرق الحديث
فقعد أحدهما عند رأسي والآخر تحت رجلي فقال أحدهما ما وجع الرجل فقال الآخر مطبوب أي مسحور فقال من طبه قال لبيد بن الأعصم قال فيم قال في مشط ومشاطة وفي لفظ ومشاقة أي وهي المشاطة وقيل هي مشاقة الكتان وجف بالجيم والفاء وقيل بالباء الموحدة طلعة ذكر أي غشاء طلع الذكر الذي يقال له كوز الطلع قال فأين هو قال في بئر ذي ذروان على وزن مروان وفي لفظ بئرذي أروان وفي لفظ بئر ذروان وعليه اقتصر في الإمتاع تحت صخرة في الماء قال فما دواء ذلك قال تنزح البئر ثم تقلب الصخرة فتوجد الكدية فيها تمثال فيه إحدى عشرة عقدة فتحرق فإنه يبرأ بإذن الله تعالى ثم أحضر صلى الله عليه وسلم لبيدا فاعترف فعفا عنه لما اعتذر له بأن الحامل له على ذلك حب الدنانير وقيل له يا رسول الله لو قتلته فقال صلى الله عليه وسلم قد عافاني الله ماوراءه من عذاب الله تعالى أشد
ويحتاج إلى الجمع بين كون جبريل قال له سحرك إلى آخره وكون جاءه رجلان قعد أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه فقال أحدهما للآخر ما وجع الرجل إلى آخره قيل وهذا أي عدم قتل الساحر ربما يعارض القول بأن الساحر يتحتم قتله فيه أنه عندنا لا يتحتم قتله ولا يقتل إلا إذا قتل بسحره واعترف بأن سحره يقتل غالبا
ولبيد هذا قيل إنه أول من قال ينفي صفات الباري وقال بها الجهم بن صفوان وأظهرها فقيل لاتباعه في ذلك الجهمية
فعند ذلك بعث صلى الله عليه وسلم عليا وعمار بن ياسر إلى تلك البئر فاستخرجا ذلك وقيل الذي استخرج السحر بأمر رسول الله صلى الله عيه وسلم قيس بن محصن
وفي الصحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنه صلى الله عيله وسلم توجه إلى البئر مع جماعة من أصحابه فإذا ماؤها كأنه خضب بالحناء فاستخرجا أي النبي صلى الله عليه وسلم وجماعته منها ذلك
ويحتاج إلى الجمع بين كونه صلى الله عليه وسلم أرسل لاستخراج السحر عليا كرم الله وجهه وكونه بعث لاستخراجه عليا وعمار بن ياسر وكونه أمر قيس بن محصن باستخراجه وكونه صلى الله عليه وسلم ذهب هو وجماعته لاستخراجه فإذا وتر به فيه إحدى عشرة عقدة أي وإذا فيها إبر مغروزة ونزلت المعوذتان فجعل رسول الله
صلى الله عليه وسلم كلما قرأ آية انحلت عقدة حتى انحلت العقد فذهب عنه صلى الله عليه وسلم وسلم ما كان يجد
أي ولا ينافي ما تقدم أن القارىء لذلك جبريل عليه الصلاة والسلام لجواز أن يكون كلاهما صار يقرأ الآية أو أنه صلى الله عليه وسلم صار يقرأ بعد قراءة جبريل
وفي الإمتاع عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت له أفلا استخرجته قال لا أما أنا فقد عافاني الله وكرهت أن أثير على الناس شرا ومراد عائشة بقولها أفلا استخرجته السحر أي هلا استخرجت السحر من الجف والمشاطة حتى تنظر إليه فقال أكره أن أثير على الناس شرا
قال ابن بطال أي كره أن يخرجه فيتعلم منه بعض الناس فذلك هو الشر الذي كرهه صلى الله عليه وسلم وذكر السهيلي أنه يجوز أن يكون الشر غير هذا وهو أنه لو أظهر للناس لربما قتله طائفة من المسلمين ويغضب آخرون من عشيرته فيثور شر
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت له صلى الله عليه وسلم هلا تنشرت أي استعملت النشرة قال بعضهم وفيه دليل على عدم كراهة استعمال النشرة حيث لم ينكر عليها قولها وكرهها جمع واستندوا الحديث في أبي داود مرفوعا النشرة من عمل الشيطان وحمل ذلك على النشرة التي تصحبها العزائم المشتملة على الأسماء التي لا تفهم فأمر بها فطمت أي تلك البئر وحفروا بئرا أخرى فأعانهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في حفرها حيث طموا الأخرى التي سحر فيها هذا كلامه فليتأمل مع ما قبله
وقيل إنما سحره بنات أعصم أخوات لبيد ودخلت إحداهن على عائشة فسمعت عائشة تذكر ما أنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم من بصره ثم خرجت إلى أخواتها فأخبرتهن بذلك فقالت إحداهن إن يكن نبيا فسيخبر وإن يكن غير ذلك فسوف يذهله هذا السحر حتى يذهب عقله فدله الله تعالى عليه
وقد يجمع بين كون الساحر له صلى الله عليه وسلم لبيدا وكون الساحر له أخوات لبيد بأن الساحر له أخوات لبيد ونسب السحر إلى لبيد لأنه جاء أنه الذي ذهب به فأدخله تحت راعونة البئر أي أو في القبر كما تقدم ولا منافاة لجواز أن يكون وضعه في القبر مدة ثم أخرجه منه ووضعه تحت تلك الراعونة أي وهي حجر يوضع على رأس البئر يقول
عليه المستقى وقد يكون في أسفل البئر يجلس عليه الذي ينظف البئر أي والثاني هو المراد بدليل ما سبق
وفي النهر لأبي حيان ونص القرآن والحديث أن السحر تخييل أي لا يقلب الأعيان ولا شك في وجوده في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وأما في زماننا الآن فكل ما وقفنا عليه من كتبه فهو كذب وافتراء لا يترتب عليه شيء فلا يصح منه شيء ألبتة
وطعنت المعتزلة وطوائف من أهل البدع في كونه صلى الله عليه وسلم سحر وقالوا لا يجوز على الأنبياء أن يسحروا ولو جاز أن يسحروا لجاز أن يجنوا وقد عصموا من الناس
ورد بأن الحديث الدال على ذلك صحيح والعصمة إنما وجبت لهم في عقولهم وأديانهم وأما أبدانهم فيبتلون فيها والسحر إنما أثر في بعض جوارجه صلى الله عليه وسلم من بصره لكن تقدم أنه صلى الله عليه وسلم صار يخيل له أنه يفعل الشيء ولا يفعله وهذا متعلق بالعقل
ثم رأيت أبا بكر بن العربي قال لم يقل كل الرواة إنه اختلط عليه صلى الله عليه وسلم أمر وإنما هذا اللفظ زيد في الحديث لا أصل له
قال ومثل هذه الأخبار من وضع الملحدين تلعنا واستجرارا إلى القول وإبطال معجزات الأنبياء عليه الصلاة والسلام والقدح فيها وأنه لا فرق بين معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وبين فعل السحرة وأن جميعه من نوع واحد هذا كلامه
وممن كان حريصا على رد الناس عن الإسلام أيضا شاس بن قيس كان شديد الطعن على المسلمين شديد الحسد لهم مر يوما على الأنصار الأوس والخزرج وهم مجتمعون يتحدثون فغاظه ما رأى من ألفتهم بعد ما كان بينهم من العداوة فقال قد اجتمع بنو قيلة والله مالنا معهم إذا اجتمعوا من قرار فأمر فتى شابا من يهود فقال اعمد إليهم فاجلس معهم ثم اذكر يوم بعاث أي يوم الحرب الذي كان بينهم وما كان فيه وأنشدهم ما كانوا يتقاولون به من الأشعار ففعل فتكلم القوم عند ذلك أي قال أحد الحيين قد قال شاعرنا كذا وقال الآخر قد قال شاعرنا كذا وتنازعوا وتواعدوا على المقاتلة أي قالوا تعالوا نرد الحرب جذعا كما كانت فنادى هؤلاء
ياللأوس ونادى هؤلاء ياللخزرج ثم خرجوا إليهم وقد أخذوا السلاح واصطفوا للقتال فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين حتى جاءهم فقال يا معشر المسلمين الله الله أي اتقوا الله أبدعوى الجاهليه أي وهي يا للخزرج ياللأوس وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله إلى الإسلام وألفكم به وقطع به عنكم أمر الجاهلية واستنقذكم به من الكفر وألف به بينكم فعرف القوم أنها نزغة من الشيطا وكيد من عدوهم فبكوا وعانق الرجال من الأوس الرجال من الخزرج ثم انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى في شاس بن قيس { يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا } الآية
وقد جاء في ذم هذه الكلمة التي هي دعوى الجاهلية وهي يالفلان قوله صلى الله عليه وسلم إذا رأيتم الرجل يتعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا أي قولوا له اغضص على ذكر أبيك ولا تكنوا عنه بالهن فلا تقولوا على هن أبيك بل قولوا على ذكر أبيك تنكيلا له وزجرا عما أتى به أي وقد كان أنزل الله تعالى فيهم { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب } الآية وقد قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بين الصفين رافعا بها صوته فألقوا السلاح وفعلوا ما تقدم
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن يهود كانوا يستفتحون أي يستنصرون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله عليه وسلم قبل مبعثه أي يقولون سيبعث نبي صفته كذا وكذا نقتلكم معه قتل عاد وإرم كما تقدم عند مبايعة العقبة فقال لهم معاذ ابن جبل وبشر بن البراء يا معشر يهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد صلى الله عليه وسلم ونحن أهل شرك وكفر وتخبرونا أنه مبعوث وتصفونه لنا بصفته فقال سلام أي بالتشديد ابن مشكم من عظماء يهود بني النضير ما جاءنا بشيء نعرفه ما هو الذي كنا نذكره لكم فأنزل الله تعالى في ذلك قوله تعالى { ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين }
وقيل في سبب نزول قوله تعالى { ما أنزل الله على بشر من شيء } أنه صلى الله عليه وسلم قال لمالك بن الصيف وكان رئيسا على اليهود أنشدك بالذي أنزل التواراة على موسى
هل تجد فيها أن الله يبعض الحبر السمين فأنت الحبر السمين قد سمنت من مالك الذي تطعمك اليهود فضحك القوم فغضب والتفت إلى عمر رضي الله تعالى عنه فقال ما أنزل الله على بشر من شيء فقالت له اليهود ما هذا الذي بلغنا عنك فقال إنه أغضبني فنزعوه من الرياسة وجعلوا مكانه كعب بن الأشرف أي لأن في قوله المذكور طعنا في التوراة
وقيل إن يهود المدينة من بني قريظة وبني النضير وغيرهم كانوا إذا قاتلوا من بينهم من مشركي العرب من أسد وغطفان وجهينة وعذرة قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم يقولون اللهم إنا نستنصرك بحق النبي الأمي الذي وعدت أنك وعدت باعثه في آخره الزمان إلا نصرتنا عليهم وفي لفظ قالوا اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته وصفته في التوراة فينصرون ولفظ يقولون اللهم ابعث النبي الذي نجده في التوراة يعذبهم ويقتلهم وفي لفظ أن يهود خيبر كانت تقاتل غطفان فكلما التقوا هزمت يهود فدعت يوما اللهم إنا نسألك بحق محمد النبي الأمي الذي وعدتنا أن تخرجه لنا في آخر الزمان إلا نصرتنا عليهم فكانوا إذا التقوا دعوا بهذا الدعاء فيهزمون غطفان وصار اليهود يسألونه صلى الله عليه وسلم عنأشياء ليلبسوا الحق بالباطل أي ومن جملة ما سألوه صلى الله عليه وسلم عن الروح فعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرث المدينة يتوكأ على عسيب أي جريدة من جريد النخل إذ مر بنفر من اليهود فقال بعضهم لبعض لا تسألوه لئلا يسمعكم ما تكرهون وفي رواية لئلا يستقبلكم بشيء تكرهونه أي يجيبكم بما هو دليل عندكم على أنه النبي الأمي وأنتم تنكرون نبوته فقاموا إليه فقالوا يا محمد وفي رواية يا أبا القاسم ما الروح وفي رواية أخبرنا عن الروح فسكت قال ابن مسعود فظننت أنه صلى الله عليه وسلم يوحى إليه فقال { ويسألونك عن الروح } أي التي يكون بها الحيوان حيا { قل الروح من أمر ربي } فقالوا هكذا نجد في كتابنا أي التوراة وقد تقدم الكلام على ذلك عند الكلام على فترة الوحي
قال صاحب الإفصاح إنه إنما سأل اليهود عن الروح تعجيزا وتغليطا لأن الروح تطلق بالإشتراك على الروح للإنسان وعلى القرآن وعلى عيسى وعلى جبريل وعلى ملك آخر وعلى صنف من الملائكة فقصد اليهود أنه بأي شيء أجابهم به قالوا
ليس هو فجاءهم الجواب مجملا فكان هذا الجواب لرد كيدهم لأن كل واحد مما ذكر أمر من مأمورات الحق تعالى ولما أنزل الله تعالى في حق اليهود { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } قالوا أوتينا علما كثيرا أوتينا التوراة ومن أوتي التوراة فقد أوتي خيرا كثيرا فأنزل الله تعالى { قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا } وفي الكشاف أنهم قالوا نحن مخصوصون بهذا الخطاب أم أنت معنا فيه فقال صلى الله عليه وسلم نحن وأنتم لم نؤت من العلم إلا قليلا فقالوا ما أعجب شأنك ساعة تقول { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا } وساعة تقول هذا فنزلت { ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله } هذا كلامه وسألوه صلى الله عليه وسلم متى الساعة إن كنت نبيا فأنزل الله تعالى { يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي } الآية
أي وجاء يهوديان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألاه عن قوله تعالى { ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات } فقال صلى الله عليه وسلم لهما لا تشركوا بالله شيئا ولا تزنوا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا تسرقوا ولا تسحروا ولا تمشوا ببرئ إلى سلطان ولاتأكلوا الربا ولا تقذفوا محصنة وعليكم يا يهود خاصة أن لا تعتدوا في السبت فقبلا يديه ورجليه صلى الله عليه وسلم وقالا نشهد أنك نبي قال ما يمنعكما أن تسلما فقالا نخاف إن أسلمنا أن تقتلنا يهود
أي وسألوه صلى الله عليه وسلم عن خلق السموات أي في اي زمن والأرض وما بينهما أي مدة ما بينهما فقال لهم خلق الأرض في يوم الأحد والإثنين وخلق الجبال وما فيها يوم الثلاثاء اي ولذلك يقول الناس إنه يوم ثقيل وخلق البحر والماء والمدائن والعمران والخراب يوم الأربعاء وخلق السموات يوم الخميس وخلق الشمس والقمر والنجوم والملائكة يوم الجمعة قالوا ثم ماذا يا محمد قال ثم استوى على العرش قالوا قد أصبت لو تممت ثم استراح أي لو قلت هذا اللفظ لأنهم يقولون إنه استراح جل وعز يوم السبت ومن ثم يسمونه يوم الراحة فأنزل الله تعالى { ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب } أي تعب { فاصبر على ما يقولون }
وفي رواية خلق الله الأرض يوم الأحد والإثنين وخلق الجبال يوم الثلاثاء
وخلق الأنهار والأشجار يوم الأربعاء وخلق الطير والوحش والسباع والهوام والآفة يوم الخميس وخلق الإنسان يوم الجمعة وفرغ من الخلق يوم السبت
وهذا يشكل على ما تقدم أن مبدأ الخلق يوم السبت حتى يكون آخر الأسبوع يوم الجمعة وهو الراجح على ما تقدم وقد قيل في سبب نزول قوله تعالى { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم } إلى قوله { إن الدين عند الله الإسلام } أن حبرين من أراضي الشام لم يعلما ببعثته صلى الله عليه وسلم فقدما المدينة فقال أحدهما للآخر ما أشبه هذه بمدينة النبي الخارج في آخر الزمان فأخبرا بمهاجرة النبي صلى الله عليه وسلم ووجوده في تلك المدينة فلما رأياه قالا له أنت محمد قال نعم قالا نسألك مسألة إن أخبرتنا بها آمنا فقال صلى الله عليه وسلم اسألاني فقالا أخبرنا عن أعظم الشهادة في كتاب الله تعالى فنزلت هذه الآية فتلاها صلى الله عليه وسلم عليهما فآمنا
قال وعن قتادة رضي الله تعالى عنه أن رهطا من اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد هذا الذي خلق الجن والإنس من خلقه وفي لفظ خلق الله الملائكة من نور الحجاب وآدم من حمأ مسنون وإبليس من لهب النار والسماء من دخان والأرض من زبد الماء فأخبرنا عن ربك من أي شيء خلق فغضب صلى الله عليه وسلم حتى انتقع لونه فجاء جبريل عليه الصلاة والسلام وقال له خفض عليك فأنزل الله تعالى عليه ( { قل هو الله أحد } السورة أي متوحد في صفات الجلال والكمال منزه عن الجسمية وأجب الوجود لذاته أي اقتضت ذاته ووجوده مستغن عن غيره وكل ما عداه محتاج إليه 1 هـ
أقول ونزول جبريل بذلك ربما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم توقف ولم يدر ما يقول كما وقع له لما سأله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه وقال له صف ربك كما سيأتي
ثم رأيت عن الشيخين وغيرهما أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ذكر في سبب نزول هذه السورة غير ما ذكر ولعله ما سيأتي في قصة إسلام عبد الله بن سلام ولا مانع من تكرر النزول لأسباب مختلفة
ثم رأيته في الإتقان ذكر أن سورة الإخلاص تكرر نزولها فنزلت جوابا للمشركين بمكة وجوابا لأهل الكتاب بالمدينة وقال قبل ذلك إنها إنما نزلت بالمدينة
وفي دعوة تكرر نزولها يقال حيث سئل أولا ونزلت جوابا كيف يتوقف ثانيا عند السؤال الثاني حتى يحتاج إلى نزولها مع بعد نسيان ذلك له صلى الله عليه وسلم
ثم رأيت عن البرهان قد ينزل الشيء مرتين تعظيما لشأنه وتذكيرا عند حدوث سببه خوف نسيانه وهو كما ترى لا يدفع التوقف وكان من أعلم أحبار يهود عبد الله بن سلام بالتخفيف وكان قبل أن يسلم اسمه الحصين فلما أسلم سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله وكان من ولد يوسف الصديق أي وقد أثنى الله تعالى عليه في قوله تعالى { وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم } وكان من يهود بني قينقاع كما تقدم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسمع كلامه أي في أول يوم دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم دار أبي أيوب أي ولعل الذي سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم هو قوله يا أيها الناس أفشوا السلام وصلوا الأرحام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام
فعنه رضي الله تعالى عنه قال لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أنجفل إليه الناس أي بالجيم أسرعوا فكنت ممن أتى إليه أي وهذا يدل على أنه جاءه في قباء وسيأتي قال فلما رأيت وجهه صلى الله عليه وسلم عرفت أنه وجه غير كذاب أي لأن صورته وهيئته وسمته صلى الله عليه وسلم تدل العقلاء على صدفة وأنه لا يقول الكذب قال عبدالله فسمعته صلى الله عليه وسلم يقول أيها الناس إلى آخره
أي ولا مانع أن يكون ذلك تكرر منه صلى الله عليه وسلم وعند ذلك قال أشهد أنك رسول الله حقا وأنك جئت بحق ثم رجعت إلى أهل بيتي فأمرتهم فأسلموا وكتمت إسلامي من اليهود ثم جئته صلى الله عليه وسلم أي في بيت أبي أيوب وقلت له لقد علمت اليهود أني سيدهم وابن سيدهم وأعلمهم وابن أعلمهم فأخبئني يا رسول الله قبل أن يدخلوا عليك فادعهم فاسألهم عني قبل أن يعلموا أني أسلمت فإنهم قوم بهت أي بضم الباء والهاء يواجهون الإنسان بالباطل وأعظم قوم عضيهة أي كذبا وإنهم إن يعلموا أني قد أسلمت قالوا في ماليس في وخذ عليهم ميثاقا أني إن اتبعتك اتبعتك بكتابك أن يؤمنوا بك وبكتابك الذي أنزل عليك فأرسل رسول الله
صلى الله عليه وسلم إليهم فدخلوا عليه فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معشر يهود ويلكم اتقوا الله فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أني رسول الله حقا وأني جئتكم بحق أسلموا قالوا ما نعلم فأعاد ذلك عليهم ثلاثا وهم يجيبونه كذلك قال فأي رجل فيكم ابن سلام قالوا ذاك سيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن أعلمنا وفي رواية خيرنا وابن خيرنا بالخاء المعجمة والياء المثناة تحت أفعل تفضيل وقيل بالمهملة والباء الموحدة أي أعلمنا بكتاب الله سيدنا وعالمنا وأفضلنا قال أفرايتم إن شهد أني رسول الله وآمن بالكتاب الذي أنزل علي تؤمنوا بي قالوا نعم فدعاه فقال يا ابن سلام اخرج عليهم فخرج عليهم فقال يا عبدالله بن سلام أما تعلم أني رسول الله تجدني عندكم مكتوبا في التوراة والإنجيل أخذ الله ميثاقكم أن تؤمنوا بي وأن تتبعوني من أدركني منكم قال ابن سلام بلى يا معشر يهود ويلكم اتقوا الله والله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول الله حقا وأنه جاء بالحق قال زاد في رواية تجدونه مكتوبا عندكم في التوراة اسمه وصفته قالوا كذبت انت اشرنا وابن اشرنا وهذه لغة رديئة والفصحى شرنا وابن شرنا بغير همزة وهي رواية البخارى قال ابن سلام رضى الله تعالى عنه هذا الذي كنت اخاف يا رسول الله الم اخبرك انهم قوم بهت اهل غدر وكذب وفجور انتهى فاخرجهم رسول الله صلى الله عليه وسلم واظهرت إسلامي وانزل الله تعالى { قل أرأيتم إن كان من عند الله } يعني الكتاب او الرسوال { وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل } يعني عبدالله بن سلام على مثله يعنى اليهود { فآمن واستكبرتم إن الله لا يهدي القوم الظالمين }
اقول هذا السياق الا يناسب ما حكاه في الخصائص الكبرى عن تاريخ الشام لابن عساكر ان ابن سلام اجتمع بالني صلى الله عليه وسلم بمكة قبل ان يهاجر فقال له النبي صلى الله عليه وسلم انت ابن سلام عالم اهل يثرب قال نعم قا ل ناشدتك بالذى انزل التوارة على موسى هل تجد صفتي في كتاب الله يعنى التوراة قال انسب ربك يا محمد فارتج النبي صلى الله عليه وسلم أي توقف ولم يدر ما يقول فقال له جبريل { قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد } فقال ابن سلام اشهد انك رسول الله وان الله مظهرك ومظهر دينك على الاديان واني لاجد صفتك في كتاب الله تعالى { يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا } انت عبدي
ورسولى الى آخر ما تقدم عن التوراه فانه يدل على ان ابن سلام اسلم بمكة وكتم اسلامه ولو كان كذلك لما قال فلما رايت وجهه الشريف عرفت انه غير وجه كذاب ولما قال وكنت عرفت صفته واسمه ولما ساله عن الامور الاتية ولما احتاج إلى الاسلام ثانيا إلا ان يقال على تسليم صحة ما قاله ابن عساكر جاز ان يكون قال ذلك وفعل ما ذكر اقامة للحجة على اليهود
وقد وقع لابن سلام هذا انه لقى عليا بالربذة وقد خرج بعد قتل عثمان وبعد ان بويع بالخلافة متوجها إلى البصرة لما بلغه ان عائشة وطلحة والزبير ومن معهم خرجوا إلى البصرة في طلب دم عثمان وكان ذلك سببا لوقعة الجمل فاخذ بعنان فرس علي وقال يا امير المؤمنين لا تخرج منها يعني المدينة فوالله لئن خرجت منها لايعود اليها سلطان المسلمين ابدا فسبه بعض الناس وقال له ما لك ولهذا يا ابن اليهودية فقال علي دعوه فنعم الرجل من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم
وعن ابى هريرة رضى الله تعالى عنه قال لقد لقيت عبدالله بن سلام فقلت له اخبرني عن ساعة الاجابة يوم الجمعة فقال في آخر ساعة في يوم الجمعة قلت وكيف وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلى وتلك الساعة لا صلاة فيها فقال ابن سلام الم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم من جلس مجلسا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي
وفيه ان في الصحيحين ان في يوم الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم وهو قائم يصلي فسال الله عز وجل شيئا الا اعطاه اياه ثم رايت عن سنن ابن ماجه ان جواب ابن سلام تلقاه عن النبي صلى الله عليه وسلم
ونص السنن المذكورة عن عبدالله بن سلام رضى الله تعالى عنه قال قلت ورسول الله صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم جالس إنا لنجد في كتابنا يعنى التوراة في الجمعة ساعة يوافقها عبدا مؤمن يسال الله عز وجل فيها شيئا الا قضى حاجته قال عبد الله ابن سلام فاشار الى رسول الله صلى الله عليه وسلم او بعض ساعة فقلت صدقت يا رسول الله او بعض ساعة قلت أي ساعة هي قال ى خر ساة من ساعات النهار قلت انها ليست ساعة صلاة قال بلى ان العبد المؤمن اذا صلى ثم جلس لا يحبسه الا الصلاة فهو في الصلاة أي ولعل لفظ قائم في رواية الصحيحين يراد به
مريد القيام الى الصلاة أي صلاة العصر وقد قيل ان تلك الساعة رفعت بعد موته صلى الله عليه وسلم وقيل هي باقية وهو الصحيح وعليه فقيل لا زمن لها معين وقيل هي في زمن معين وعليه ففي تعيينها احد عشر وقولا قيل اربعون قولا
وقد وقع لميمون بن يامين وكان راس اليهود مثل ما وقع لابن سلام مع اليهود فانه جاء الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ابعث اليهم واجعلني حكما فانهم يرجعون الي فادخله داخلا وارسل اليهم فجاءوه صلى الله عليه فقال لهم اختاروا رجلا حكما يكون بيني وبينكم قالوا قد رضينا ميمون بن يامين فقال اخرج اليهم فقال اشهد انه لرسول الله فابوا ان يصدقوه والله اعلم
وقد اشار الى انكارهم نبوته صلى الله عليه وسلم مع معرفتهم لها صاحب الهمزية بقوله ** عرفوه وانكروه فظلما ** كتمته الشهادة الشهداء ** ** او نور الاله تطفئه الاف ** واه وهو الذي به يستضاء ** ** كيف يهدي الاله منهم قلوبا ** ** حشوها من حبيبه البغضاء **
أي عرفوه انه النبي المنتظر وانكروه بظواهرهم ولاجل ظلمهم كتمت الشهادة به العارفون به او نور الاله الذي هو النبوة تذهبه الالسن لا يكون ذلك وكيف يكون ذلك وهو الذي يستضاء به في الظاهر والباطن كيف يوصل الاله قلوبا للحق وملؤها البغضاء لحبيبه صلى الله عليه
وسلم
اقول وقيل في سبب نزول سورة { قل هو الله أحد } ان وفد نجران لما نطقوا بالتثليث قال لهم المسلمون من خلقكم قالوا الله قالوا لهم فلم عبدتم غيره وجعلتم معه الهين فقالوا بل هو اله واحد لكنه حل في جسد المسيح اذ كان في بطن امه فقالوا لهم هل كان المسيح ياكل الطعام قالوا كان ياكل الطعام فانزل الله تعالى { قل هو الله أحد الله الصمد } تكذيبا لهم في انه ثالث ثلاثة والصمد هو الذي لا جوف له فهو غير محتاج الى الطعام
وقيل سبب نزولها ان قريشا هم الذين قالوا له انسب لنا ربك يا محمد وتقدم ما فيه والله اعلم
وقد جاء عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما في تفسير قوله تعالى { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم }
قال الله تعالى للاحبار من اليهود { وأوفوا بعهدي } الذي اخذته في اعناقكم للنبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءكم بتصديقه واتباعه { أوف بعهدكم } انجز لكم ما وعدتم عليه بوضع ما كان عليكم من الاصر والاغلال { ولا تكونوا أول كافر به } وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم { وتكتموا الحق وأنتم تعلمون } أي لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وبما جاء به وانتم تجدونه عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بايديكم
قا ل بعضهم ولم يسلم من رؤساء علماء اليهود الا عبدالله بن سلام وضم اليه السهيلي عبدالله بن صوريا قال الحافظ ابن حجر لم اقف لعبد الله بن صوريا على اسلام من طريق صحيح وانما نسب لتفسير النقاش أي ويضم لعبدالله بن سلام ميمون المتقدم ذكره
وروى في سبب اسلام عبدالله بن سلام أي اظهار اسلامه على ما تقدم انه لما بلغه مقدم النبي صلى الله عليه وسلم اتاه في قباء فعنه رضى الله تعالى عنه جاء رجل حتى اخبر بقدومه صلى الله عليه وسلم وانا في راس نخله اعمل فيها وعمتي تحتي جالسة فلما سمعت بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم كبرت فقالت لي عمتي لو كنت سمعت بموسى بن عمران ما زدت فقلت لها أي عمة فوالله هو اخو موسى بن عمران وعلى دينه بعث بما بعث به قالت يا ابن اخي اهو النبي الذي كنا نخبر انه يبعث مع بعث الساعة وفي لفظ مع نفس الساعة فقلت لها نعم
أي وقد جاء عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له وجعل رزقي تحت ظل رمحي وجعل الذل والصغار على من خالف امري وجاء انه صلى الله عليه وسلم قال بعثت انا والساعة كهاتين وقال باصبعيه هكذا يعني السبابه والوسطى أي جمع بينهما وفي رواية بعثت في نفس الساعة سبقتها كما سبقت هذه هذه وفي رواية سبقتها بما سبقت هذه هذه واشار باصبعيه الوسطى والسبابة قال الطبري الوسطى تزيد على السبابة بنصف سبع أصبع كما أن نصف يوم من سبعة ايام نصف سبع أي وقد تقدم عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما الدنيا سبعة ايام كل يوم الف سنة وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في اخر يوم منها وتقدم في حديث اخرجه ابو داود لن يعجز الله ان يؤخر هذه الامة نصف يوم يعني خمسمائة سنة
قال بعضهم فان قيل ما وجه الجمع بين هذا وبين قوله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الساعة ما المسئول عنها باعلم من السائل لدلالة الرواية الاولى على علمه بها
اجيب بان القران نطق بان علمها عند الله لا يعلمها الا هو ومعنى قوله بعثت انا والساعة كهاتين انه ليس بيني وبينها نبي آخر ياتي بشريعة لولا يتراخى الى ان تندرس شريعتي فهو صلى الله عليه وسلم الله عليه وسلم اول اشراطها لانه نبي اخر الزمان وهذا لا يقتضي ان يكون عالما بخصوص وقتها قال ابن سلام وكنت عرقت صفته واسمه أي في التوراة زاد في روايه فكنت مسرا لذلك ساكتا عليه حتى قدم المدينة فجئته صلى الله عليه وسلم فقلت يا محمد اني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن الا نبي ما اول اشراط الساعة وما اول طعام ياكله اهل الجنة وما بال الولد ينزع الى ابيه او الى امه فقال النبي صلى الله عليه وسلم أخبرني بهن جبريل انفا فقال ابن سلام ذلك يعني جبريل عدو اليهود من الملائكة
وقيل قائل ذلك عبدالله بن صوريا ولا مانع من ان يكون قال ذلك كل منهما أي وعن ابن صوريا انه قال له صلى الله عليه وسلم من ينزل عليك بالوحي قال جبريل قال ذلك عدونا لو كان غيره وفي لفظ لو كان ميكائيل لامنا بك لان جبريل ينزل بالخسف والحرب والهلاك وميكائيل ينزل بالخصب والسلم
وسبب العداوة انهم زعموا انه امر ان يجعل النبوة فيهم أي يجعل النبي المنتظر في بني اسرائيل الذين هم اولاد اسحاق فجعلها في غيرهم أي في ولد اسماعيل
وقيل سبب عداوتهم لجبريل انه انزل على نبيهم ان بيت المقدس سيخربه بختنصر فبعثوا من يقتله من اعظم بني اسرائيل قوة فاراد قتله فمنعه عنه جبريل وقال ان كان ربكم امره باهلاككم فانه لا يسلطكم عليه فصدقه ورجع عنه
أي فان بني اسرائيل لما اعتدوا وقتلوا شعياء جاء بختنصر ملك فارس وحاصر بيت المقدس وفتحها عنوة واحرق التوراة وخرب بيت المقدس
وقيل في سبب العداوة كونه يطلع النبي صلى الله عليه وسلم على سرهم ولا مانع من ان يكون كل ذلك سببا للعداوة
ثم قال صلى الله عليه وسلم اما اشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق الى المغرب
واما اول طعام ياكله اهل الجنة فزيادة كبد الحوت أي وهي القطعة المنفردة المعلقة بالكبد قال بعضهم وهي في الطعم في غاية اللذة ويقال انها اهنأ طعام وامرؤه
وروى ان الثور ينطح الحوت بقرنه فيموت فتاكل منه اهل الجنة ثم يحيا فينحر الثور بذنبه فتاكله اهل الجنة ثم يحيا قال واما الولد فاذا سبق ماء الرجل ماء المراة نزع الولد إليه واذا سبق ماء المراة ماء الرجل نزع الولد إليها أي لكن في فتح البارى عن عائشة رضى الله تعالى عنها اذا علا ماء الرجل ماء المراه اشبه اعمامه واذا علا ماء المراه ماء الرجل اشبه اخواله والمراد بالعلو السبق
وعن ثوبان اذ علا مني الرجل مني المراه جاء الولد ذكرا وان علا مني المراه مني الرجل جاء انثى العلو فيه على بابه هذا كلامه أي واذا استوى الماآن جاء خنثى وفي رواية قالوا له صلى الله عليه وسلم أين تكون الناس يوم تبدل الارض غير الارض والسموات ومن اول الناس اجازة وما تحفتهم أي الناس حين يدخلون الجنة وما غذاؤهم على اثره وما شرابهم عليه فاجابهم عليه الصلاة والسلام بانهم يكونون في ظلمة دون الجسر ولعل المراد بالجسر الصراط لكن في رواية مسلم اين الناس يومئذ قال على الصراط ثم رايت عن البيهقي ان قوله على الصراط مجاز لكونهم بمجاورته
ونقل القرطبي على صاحب الافصاح ان الارض والسماء يتبدلان مرتين
المرة الاولى تتبدل صفتهما فقط وذلك قبل نفخة الصعق فتتناثر كواكبها وتخسف الشمس والقمر وتتناثر السماء كالمهل وتنكشط الارض وتسير الجبال
والمرة الثانية تتبدل ذاتهما وذلك اذا وقفوا في المحشر فتتبدل الارض بارض من فضة لم يقع عليها معصية وهي الساهرة أي والسماء تكون من ذهب كما جاء عن علي رضى الله تعالى عنه
وفي الصحيحين عن ابي سعيد الخدري تكون الارض يوم القيامة خبزة واحدة يكفاها الخباز كما يكفا احدكم خبزته في السفر نزلا لاهل الجنة فياكل المؤمن من تحت رجليه ويشرب من الحوض
قال الحافظ ابن حجر ويستفاد منه ان المؤمنين لا يعذبون بالجوع في طول زمان الموقف بل يقلب الله بقدرته طبع الارض خبزا حتى ياكلون منها من تحت اقدامهم ما شاء الله من غير علاج ولا كلفة
قال ويؤيد ان هذا مراد الحديث ما جاء تبدل الارض بيضاء مثل الخبزة ياكل منها اهل الاسلام حتى يفرغوا من الحساب هذا كلامه فليتامل مع ما قبله من ان الارض تبدل بارض من فضة وان هذا يدل على ان تلك الارض التي تكون خبزة تكون في موقف الحساب وما جاء عن علي رضى الله تعالى عنه يدل على انها تكون بعد مجاوزتهم الصراط واول الناس اجازة فقراء المهاجرين وتحفة اهل الجنة حين يدخلونها زيادة كبد النون أي الحوت وغذاؤهم ينحر لهم ثور الجنة التي ياكل من اطرافها وشرابهم من عين تسمى سلسبيلا وسالوه صلى الله عليه وسلم فقالوا اخبرنا عن علامة النبي فقال عليه الصلاة والسلام تنام عيناه ولا ينام قلبه وسالوه أي طعام حرم اسرائيل على نفسه قبل ان تنزل التوراة قال انشدكم بالله الذي انزل التوراة على موسى هل تعلمون ان اسرائيل يعقوب مرض مرضا شديدا وطال سقمه فنذر لله لئن شفاه الله تعالى من سقمه ليحرمن احب الشراب إليه واحب الطعام اليه فكان احب الطعام اليه لحمان الابل واحب الشراب اليه البانها قالوا اللهم نعم أي حرمهما ردعا لنفسه ومنعا لها عن شهواتها وقيل لانه كان به عرق النسا وكان اذا طعم ذلك هاج به
وذكر ان سبب نزول قوله تعالى { كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه } قول اليهود له صلى الله عليه وسلم كيف تقول انك على ملة ابراهيم وانت تاكل لحوم الابل وتشرب البانها وكان ذلك محرما على نوح وابراهيم حتى انتهى الينا أي علمه في التوراه فنحن اولى الناس بابراهيم منك ومن غيرك فانزل الله تعالى الاية تكذيبا لهم أي بان هذا انما حرمه يعقوب على نفسه ومن ثم جاء فيها { فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين }
وكانت اليهود اذا حاضت المراه منهم اخرجوها من البيت ولم يؤاكلوها ولم يشاربوها أي وفي كلام الواحدى قال المفسرون كانت العرب في الجاهلية اذا حاضت المراه لم يؤاكلوها ولم يشاربوها ولم يساكنوها في بيت كفعل المجوس هذا كلامه فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك أي قال له بعض الاعراب يا رسول الله البرد شديد والثياب قليلة فان آثرناهن بالثياب هلك سائر اهل البيت وان استاثرنا بهاهلك الحيض فانزل الله تعالى { ويسألونك عن المحيض قل هو أذى } الاية فقال لهم رسول الله
صلى الله عليه وسلم اصنعوا كل شىء الا النكاح أي الوطء وما في معناه وهو مباشرة ما بين السرة والركبة أي فان الاية لم تنص الا على عدم قربانهن بالوطء في الحيض
ومن ثم جاء في رواية انما امرتم ان تعتزلوا مجامعتهن اذا حضن ولم يأمركم باخراجهن من البيوت فبلغ ذلك اليهود فقالو ا ما يريد هذا الرجل ان يدع من امرنا شيئا الا خالفنا فيه فجاء اسيد بن حضير وعباد بن بشر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالا ان اليهود قالت كذا فهلا نجامعهن أي نوافقهن فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم أي وعند ذلك قال بعض الصحابة فظننا انه قد وجد أي غضب عليهما فلما خرجا استقبلتهما هدية من لبن الى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فارسل في اثرهما فسقاهما فعرفنا انه لم يجد عليهما
وذكر المفسرون ان في منع الوطء للحائض اقتصادا من افراط اليهود وتفريط النصارى فانهم لا يمتنعون من وطء الحيص أي وذكر ان ابن سلام وغيره ممن اسلم من يهود استمروا على تعظيم السبت وكراهة اكل لحم الابل وشرب البانها فانكر ذلك عليهم المسلمون فقالوا ان التوراة كتاب الله فنعمل به ايضا فانزل الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة } أي وفي رواية قالوا له ما هذا السواد الذي في القمر فاجابهم صلى الله عليه وسلم عن ذلك بانهما كانا شمسين أي شمس في الليل وشمس في النهار قال الله تعالى { فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة } فالسواد الذي يرى هو المحو أي اثره قال بعضهم في قوله تعالى { وآية لهم الليل نسلخ منه النهار } ان الليل ذكر والنهار انثى فالليل كادم والنهار كحواء
وقد ذكر ان الليل من الجنة والنهار من النار ومن ثم كان الانس بالليل اكثر وجاء انه صلى الله عليه وسلم قال لرجل من علماء اليهود اتشهد اني رسول الله قال لا قال اتقرا التوراة قال نعم قال والانجيل قال نعم فناشده هل تجدني في التوراة والانجيل قال نجد مثلك ومثل مخرجك ومثل هيئتك فلما خرجت خفنا ان تكون انت فنظرنا فاذا انت لست هو قال ولم ذاك قال معه من امته سبعون الفا ليس عليهم حساب ولا عذاب وانما معك نفر يسير قال والذي نفسي بيده لانا هو وانهم لاكثر من سبعين الفا وسبعين الفا وقد ساله صلى الله عليه وسلم اليهود عن الرعد أي
والبرق فقال صوت ملك موكل بالسحاب يسوقه أي بمخراق من نار في يده يزجر به السحاب الى حيث امره الله تعالى
عن علي بن ابي طالب رضى الله تعالى عنه قال البرق مخاريق من نار بايدي ملائكة يزجرون به السحاب والمخراق المنديل يلف ليضرب به أي وحينئذ فالمراد بالملك الجنس وفي رواية ان الله ينشىء السحاب فينطق احسن النطق ويضحك احسن الضحك ومنطقها الرعد وضحكها البرق
وفي بعض الاثار لله ملائكة يقال لهم الحيات فاذا حركوا اجنحتهم فهو البرق أي وتحريكهم لاجنحتهم يكون غالبا عند الرعد لان الغالب وجود البرق عند الرعد
وعن بعضهم قال بلغني ان البرق ملك له اربعة وجوه وجه انسان ووجه ثور وجه نسر ووجه اسد فاذا مصع بذنبه أي حركه فذلك البرق أي وتحريكه غالبا يكون عند وجود الرعد
وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما البرق ملك يتراءى أي يظهر ويغيب وفي رواية الرعد ملك يزجر السحاب والبرق طرف ملك أي ينظر به عند وجود الرعد غالبا وفي رواية ان ملكا موكل بالسحاب في يده مخراق فاذا رفع برقت واذا زجر رعدت واذا ضربه صعقت
وعن مجاهد الرعد ملك والبرق اجنحته يسوق بها السحاب فيكون المسموع صوته او صوت سوقه فليتامل الجمع بين هذه الروايات
وذهب الفلاسفة الى ان الرعد صوت اصطكاك اجرام السحاب والبرق ما ينقدح من اصطكاكها فقد زعموا ان عند اصطكاك اجرام السحاب بعضها ببعض تخرج نار لطيفة حديدة لا تمر بشىء الا اتت عليه الا انها مع حدتها سريعة الخمود
وقيل في سبب نزول قوله تعالى { ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها } ان اليهود انكروا النسخ فقالوا الا ترون الى محمد يامر اصحابه بامر ثم ينهاهم عنه ويامرهم بخلافه ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا فنزلت
وسالوه صلى الله عليه وسلم مم يخلق الولد فقال يخلق من نطفة الرجل ومن نطفة المراه اما نطفة الرجل فنطفة غليظة أي بيضاء منها العظم والعصب واما نطفة المراه فنطفة رقيقة أي صفراء منها اللحم والدم فقالوا هكذا كان يقول من قبلك أي
من الانبياء وتقدم في ترجمة سطيح ايراد عيسى عليه الصلاة والسلام على ذلك أي وقالوا اغاظه له صلى الله عليه وسلم ما نرى لهذا الرجل همة الا النساء والنكاح ولو كان نبيا كما زعم لشغله امر النبوة عن النساء فانزل الله تعالى { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية }
فقد جاء انه كان لسليمان عليه الصلاة والسلام مائة امرأه وتسعمائة سرية وسالوه صلى الله عليه وسلم عن رجل زنى بامراه بعد احصانه أي كان شريفا من خيبر زنى بشريفة وهما محصنان فكرهوا رجمهما لشرفهما فبعثوا رهطا منهم الى بني قريظة ليسألوا رسول لله صلى الله عليه وسلم أي قالوا لهم ان هذا الرجل الذي بيثرب ليس في كتابه الرجم ولكنه الضرب فسالوه فاجابهم بالرجم فلم يفعلوا ذلك فقال لجمع من علمائهم انشدكم بالله الذي انزل التوراة على موسى اما تجدون في التوراة على من زنى بعد احصان الرجم فانكروا ذلك فقال عبدالله بن سلام كذبتم فان فيها اية الرجم فاتوا بالتوراة فوضع واحد منهم يده على تلك الاية فقال له ابن سلام ارفع يدك عنها فرفعها فاذا اية الرجم
اقول هذا كان في السسنة الرابعة وهو يخالف ما في بعض الروايات ان بعض احبار يهود أي وهم كعب بن الاشرف وسعيد بن عمرو ومالك بن الصيف وكنانه بن ابي الحقيق اجتمعوا في بيت المدراس حين قدم رسول لله صلى الله عليه وسلم المدينة وقد زنى رجل من يهود بعد احصانه بامراه محصنة من اليهود وقالوا ان افتانا بالجلد اخذنا به واحتججنا بفتواه عند الله وقلنا فتيا نبي من انبيائك وان افتانا بالرجم خالفناه لانا خالفنا التوراة فلا علينا من مخالفته
وفي رواية الصحيحين عن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما ان اليهود جاءوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له ان امراه منهم ورجلا زنيا أي بعد احصان فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تجدون في التوراة في شان الرجم قالوا نفضحهما أي بان نسود وجوههما ثم يحملان على حمارين وجوههما من قبل ادبار الحمار وفي لفظ يحملان على الحمار وتقابل اقفيتهما ويطاف بهما ويجلدان أي بحبل من ليف مطلي بقار فقال عبدالله بن سلام كذبتم ان فيها اية الرجم فاتوا بالتوراة فنشروها فوضع احدهم يده على اية الرجم فقرا ما قبلها وما بعدها فقال له عبدالله بن
سلام ارفع يدك فرفع يده فإذا فيها اية الرجم فقالوا صدقت يا محمد فيها اية الرجم
قد جاء ان موسى عليه الصلاة والسلام خطب بني اسرائيل فقال يا بني اسرائيل من سرق قطعنا يده ومن افترى جلدناه ثمانين جلدة ومن زنى وليست له امراه جلدناه مائة جلدة ومن زنى له امراه رجمناه حتى يموت والله اعلم
قال ولما جاءوا اليه صلى الله عليه وسلم قالوا يا ابا القاسم ما ترى في رجل وامراه زنيا أي بعد احصان فقال لهم ما تجدون في التوراة فقالوا دعنا من التوراة فقل لنا ما عندك فافتاهم بالرجم فانكروه فلم يكلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اتى بيت مدراسهم فقام على الباب فقال يا معشر يهود اخرجوا الى اعلمكم فاخرجوا اليه عبدالله بن صوريا وابا ياسر بن اخطب ووهب بن يهود فقالوا هؤلاء علماؤنا فقال انشدكم بالله الذي انزل التوراة على موسى ما تجدون في التوراة على من زنى بعد احصان قالوا يحم أي يعير ويجتنب فقال عبدالله بن سلام كذبتم فان فيها اية الرجم أي وفي رواية لما سالهم واجابوه الا شابا منهم فانه سكت فالح عليه صلى الله عليه وسلم في النشدة فقال اللهم اذ نشدتنا فانا نجد في التوراة الرجم ولكن راينا انه ان زنى الشريف جلدناه والوضيع رجمناه كان من الحيف فاتفقنا على ما نقيمه على الشريف والوضيع وهو ما علمت فعند ذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم انا احكم بما في التوراة ولعل هذا الشاب ابن صوريا ففي الكشاف انه لما امرهم عليه الصلاة والسلام بالرجم بأبوا ان ياخذوا به فقال له جبريل عليه السلام اجعل بينك وبينهم أين صوريا حكما أي ووصفه له جبريل فقال صلى الله عليه وسلم هل تعرفون شابا امرد ابيض اعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا قالوا نعم وهو اعلم يهودي على وجه الارض بما انزل الله على موسى في التورا ورضوا به حكما فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم انشدك الله الذي لا اله الا هو الذي انزل التوراة على موسى وفلق البحر ورفع فوقكم الطور وانجاكم واغرق فرعون وظلل عليكم الغمام انزل عليكم المن والسلوى والذي انزل عليكم كتابه وحلاله وحرامه هل تجدون فيه الرجم على من احصن قال نعم فوثب عليه سفلة اليهود فقال خفت ان كذبته ان ينزل علينا العذاب وفي رواية قال نعم والذي ذكرتني به لولا خشيت ان تحرقني التوراة ان كذبتك ما اعترفت لك ولكن كيف
هي في كتابك يا محمد قال اذا شهد اربعة رهط عدول انه قد ادخله فيها كما يدخل الميل في المكحلة وجب عليه الرجم فقال ابن صوريا والذي انزل التوراة على موسى هكذا انزل الله في التوراة على موسى فليتامل الجمع بين هذه الروايات على تقدير صحتها ثم ساله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اشياء يعرفها من اعلامه فقال اشهد ان لا اله الا الله وانك رسول الله النبي الامي وهذا مما يدل على اسلامه وتقدم انكار صحته عن الحافظ ابن حجر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ائتوا بالشهود فجاءوا باربعة فشهدوا انهم راوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة فامر بهما فرجما عند باب مسجده صلى الله عليه وسلم قال ابن عمر فرايت الرجل يحني على المراه يقيها الحجارة فكان ذلك سببا لنزول قوله تعالى { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور } ولنزول قوله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون } وفي اية اخرى { فأولئك هم الفاسقون } وفي اخرى { فأولئك هم الكافرون }
وعن عمرو بن ميمون قال رايت الرجم في الجاهلية في غير بني آدم كنت في اليمن في غنم لاهلي فجاء قرد ومعه قردة فتوسد يدها ونام فجاء قرد اصغر منه فغمزها فسلت يدها من تحت راس القرد برفق وذهبت معه ثم جاءت فاستيقظ القرد فزعا فشمها فصاح فاجتمعت القردة فجعل يصيح ويومي اليها بيده فذهبت القردة يمنة ويسرة فجاءوا بذلك القرد فحفروا لهما حفرة فرجموهما وفي لفظ رايت في الجاهلية قردة زنت فرجموها يعني القردة ورجمتها معهم
قال في الاستيعاب وهذا عند جماعة من اهل العلم منكر لاضافة الزنا الى غير المكلف واقامة الحدود في البهائم ولو صح هذا لكانوا من الجن لان العبادات في الانس والجن دون غيرهما هذا كلامه فليتامل والله اعلم
وقد ذكر غير واحد ان احبار يهود غيروا صفته صلى الله عليه وسلم التي في التوراة خوفا على انقطاع نفقتهم فانهم كانت على عوامهم لقيامهم بالتوراة فخافوا ان تؤمن عوامهم فتنقطع عنهم النفقة أي وكانوا يقولون لمن اسلم لا تنفقوا مالكم على هؤلاء يعني المهاجرين فانا نخشى عليكم الفقر فانزل الله تعالى { الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله } أي من صفة النبي صلى الله عليه وسلم التي يجدونها في كتابهم فقد كان فيه اكحل عين ربعة جعد الشعر حسن الوجه فمحوه وقالوا
تجده طويلا ازرق العين سبط الشعر واخرجوا ذلك الى اتباعهم وقالوا هذا نعت النبي الذي يخرج اخرالزمان وعند ذلك انزل الله تعالى { إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب } الآية
وكان اليهود اذا كلموا النبي صلى الله عليه وسلم قالوا راعنا سمعك واسمع غير مسمع ويضحكون فيما بينهم أي لان ذلك بما قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما بلسان اليهود السب القبيح فلما سمع المسلمون منهم ذلك ظنوا ان ذلك شيء كان اهل الكتاب يعظمون به انبياءهم فصاروا يقولون ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ففطن سعد بن معاذ لليهود يوما وهم يضحكون فقال لهم يا اعداء الله لئن سمعنا من رجل منكم هذا بعد هذا المجلس لاضربن عنقه فانزل الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا }
وفي رواية ان اليهود لما سمعوا الصحابة رضي الله تعالى عنهم تقول له صلى الله عليه وسلم اذا القى عليهم شيئا يا رسول الله راعنا أي انتظرنا وتان علينا حتى نفهم وكانت هذه الكلمة عبرانية تتسابب بها اليهود فلما سمعوا المسلمين يقولون له صلى الله عليه وسلم راعنا خاطبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم براعنا يعنون بها تلك السبة ومن ثم لما سمع سعد بن معاذ ذلك من اليهود قال لهم يا اعداء الله عليكم لعنة الله والذي نفسي بيده ان سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لاضربن عنقه فقالوا الستم تقولونها فنزلت وجاءه صلى الله عليه وسلم جماعة من اليهود باطفالهم فقالوا له يا محمد هل على اولادنا هؤلاء من ذنب قال لا فقالوا والذي يحلف به ما نحن الا كهيئتهم ما من ذنب نعمله بالليل الا كفر عنا بالنهار وما من ذنب نعمله بالنهار الا كفر عنا بالليل فانزل الله تعالى { ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم } ) الاية
وجاء ان احبار يهود منهم ابن صوريا أي قبل ان يسلم على ما تقدم وشاس بن قيس وكعب بن اسيد اجتمعوا وقالوا نبعث الى محمد لعلنا نفتنه في دينه فجاءوا اليه صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد قد عرفت انا احبار يهود واشرافهم وان اتبعناك اتبعك كل اليهود وبيننا وبين قوم خصومة فنحاكمهم اليك فتقضي لنا عليهم فنؤمن بك فابى ذلك عليهم فنزل قوله تعالى { وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم } الاية
ومن اليهود من دخل في الاسلام تقيه من القتل لما قهرهم الاسلام بظهوره واجتماع قومهم عليه فكان هواهم مع يهود في السر أي وهم المنافقون
وقد ذكر بعضهم ان المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلثمائة منهم الجلاس بجيم مضمومة فلام مخففة فالف فسين مهملة ابن سويد بن الصامت قال يوما ان كان هذا الرجل صادقا لنحن شر من الحمير فسمعها عمير بن سعد رضى الله تعالى عنه وهو ابن زوجة جلاس أي فان الجلاس كان زوجا لام عمير وكان عمير يتيما في حجره ولا مال له وكان يكفله ويحسن اليه فجاء الجلاس ليلة فاستلقى على فراشه فقال لئن كان ما يقوله محمد حقا فلنحن شر من الحمير فقال له عمير يا جلاس انك لاحب الناس واحسنهم عندي يدا ولقد قلت مقالة لئن رفعتها عليك لافضحنك ولئن صمت عليها أي سكت عنها ليهلكن على ديني ولاحداهما ايسر على من الاخرى فمشى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له مقالة جلاس فارسل رسول الله صلى الله عليه وسلم الى جلاس فحلف بالله لقد كذب على عمير وما قلت ما قال عمير فقال عمير بلى والله لقد قلته فتب الى الله ولولا ان ينزل القران فيجعلني معك ما قلته
وجاء انه صلى الله عليه وسلم الله استحلف الجلاس عند المنبر فحلف انه ما قال واستحلف الراوي عنه فحلف لقد قال وقال اللهم انزل على نبيك تكذيب الكاذب وتصديق الصادق فقال النبي صلى الله عليه وسلم امين فنزل قوله تعالى { يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم } الى قوله { فإن يتوبوا يك خيرا لهم } فاعترف الجلاس وتاب وقبل منه صلى الله عليه وسلم توبته وحسنت توبته ولم ينزع عن خير كان يصنعه مع عمير فكان ذلك مما عرف به حسن توبته فقال صلى الله عليه وسلم لعمير وقيت اذنك
ومنهم نبتل بنون مفتوحة فموحدة ساكنة فمثناة فوقية مفتوحة فلاح ابن الحارث قال النبي صلى الله عليه وسلم من احب ان ينظر الى الشيطان فلينظر الى نبتل بن الحارث كان يجلس اليه صلى الله عليه وسلم ثم ينقل حديثه للمنافقين وهو الذي قال لهم انما محمد اذن من حدثه بشيء صدقه فانزل الله تعالى فيه { ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن } الاية
وجاء جبريل الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له يجلس اليك رجل معك صفته كذا نقال أي للحديث الذي تحدث به كبده اغلظ من كبد الحمار ينقل حديثك الى المنافقين فاحذره
ومنهم عبدالله بن ابي ابن سلول وهو راس المنافقين ولاشتهاره بالنفاق لم يعد في الصحابة وكان من اعظم اشرا ف اهل المدينة وكانوا قبل مجيئه صلى الله عليه وسلم قد نظموا له الخرز ليتوجوه ثم يملكوه عليهم أي كما تقدم لان الانصار من ال قحطان ولم يتوج من العرب الا قحطان ولم يبق من الخرز الا خرزه واحدة كانت عن شمعون اليهودي فلما جاءهم الله تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم انصرف عنه قومه الى الاسلام فضغن أي اضمر العداوة لانه راى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سلبه ملكا عظيما فلما راى قومه قد ابوا الاسلام دخل فيه كارها مصرا على النفاق أي وكان له اماء يكرههن على الزنا لياخذ اجورهن فانزل الله تعالى { ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء } الاية
وقد قيل في سبب نزول قوله تعالى { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا } أي عبدالله بن ابي واصحابه خرجوا ذات يوم فاستقبلهم قوم من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم ابو بكر وعمر وعلي رضى الله تعالى عنهم فقال عبدالله بن ابي انظروا كيف ارد هؤلاء السفهاء عنكم فاخذ بيد ابي بكر فقال مرحبا بالصديق سيد بني تيم وشيخ الاسلام وثاني رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم اخذ بيد عمر فقال مرحبا بسيد بني عدى الفاروق القوى في دين الله الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم اخذ بيد علي فقال مرحبا بابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه سيد بني هاشم ما خلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم افترقوا فقال له علي اتق الله يا عبد الله ولا تنافق فان المنافقين شر خليقة الله تعالى فقال له عبدالله مهلا يا ابا الحسن الى تقول هذا والله ان ايماننا كايمانكم وتصديقنا كتصديقكم فقال لاصحابه كيف رأيتموني فعلت فأثنوا عليه خيرا فنزلت
وقد وقد قال صلى الله عليه وسلم مثل المنافق مثل الشاة العابرة بين الغنمين أي المترددة بينهما تعبر الى هذه مرة والى هذه مرة
وفي السنة الاولى من الهجرة اعرس صلى الله عليه وسلم بعائشة رضى الله تعالى عنها كذا في الأصل وفي المواهب ان ذلك كان في السنة الثانية من الهجرة في شوال على راس ثمانية عشر شهرا وقيل بعد سبعة اشهر وقيل بعد ثمانية اشهر من مقدمه صلى الله عليه وسلم
قالت عائشة رضى الله تعالى عنها تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى بي في شوال فاى نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت احظى عنده مني أي فما توهمه بعض الناس من التشاؤم بذلك لكونه بين العيدين فتحصل المفارقة بين الزوجين لا عبرة به ولا التفات اليه
وعن عائشة رضى الله تعالى عنها جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل بيتنا واجتمع اليه رجال ونساء من الانصار فجاءتني امي واني لفي ارجوحة بين عذقين أي نخلتين فانزلتني من الارجوحة ولي جميمة أي شعر لاني وعكت أي مرضت لما قدمنا المدينة أي اصابتها الحمى
فعن البراء رضى الله تعالى عنه قال دخلت مع ابي بكر الصديق على اهله فاذا عائشة ابنته مضطجعة قد اصابتها الحمى فرايت اباها يقبل خدها ويقول كيف انت يا بنية قالت عائشة رضى الله تعالى عنها فتمزق شعرى ففرقتها ومسحت وجهي بشيء من ماء ثم اقبلت تقودني حتى وقفت بي عند الباب واني لانهج حتى سكن نفسي ثم دخلت بي فاذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس على سرير في بيتنا وعنده رجال ونساء من الانصار فاجلستني في حجره ثم قالت هؤلاء اهلك بارك الله لك فيهم وبارك لهم فيك فوثب الرجال والنساء فخرجوا وبنى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتنا أي فقد بنى بها نهارا
وفي الصحاح العامة تقول بنى باهله وهو خطا وانما يقال بنى على اهله قال الحافظ ابن حجر ولا يغنى عن الخطا كثرة استعمال الفصحاء له أي كاستعمال عائشة له هنا وفي الاستيعاب واقره عن عائشة رضى الله تعالى عنها ان ابا بكر رضى الله تعالى عنه قال يا رسول الله ما يمنعك ان تبنى باهلك قال الصداق فاعطاه ابو بكر اثنتي عشرة اوقية ونشا فبعث بها الينا وبنى بي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي هذا الذي انا فيه وهو الذي توفى به ودفن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه ان سياق ما تقدم وما ياتي يدل على انه انما دخل بها في بيت ابيها بالسنح
ثم رايت بعضهم صرح بذلك فقال كان دخوله بها عليه الصلاة والسلام بالسنح نهارا وهذا خلاف ما يعتاده الناس اليوم هذا كلامه وفي رواية عنها اتتني امي واني لفى ارجوحة مع صواحب لي فصرخت بي فاتيتها ما ادرى ما تريد مني فاخذت بيدي
حتى وقفت بي على باب الدار وانا انهج حتى سكن بعض نفسي ثم اخذت شيئا من ماء فمسحت به وجهي وراسي ثم ادخلتني الدار فاذا نسوة من الأنصار في البيت فقلن على الخير والبركة وعلى خير طائر فاسلمتني اليهن وأصلحهن من شأني فلم يرعني إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى فأسلمتني إليه وأنا يومئذ بنت تسع سنين قال بعضهم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة ولعبتها معها
اي وعنها رضى الله تعالى عنها انها كانت تلعب بالبنات أي اللعب عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت تاتيها جويريات يلعبن معها بذلك وربما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسيرهن اليها أي يطلبهن لها ليلعبن معها قالت وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك او حنين فهبت ريح فكشفت ناحية من ستر على صفة في البيت عن بنات لي فقال ما هذا يا عائشة قلت بناتي وراى بينهن فرسا لها جناحان من رقاع قال وما هذا الذي ارى وسطهن قلت فرس قال وما هذا الذي عليه قلت جناحان قال جناحان قلت اما سمعت ان لسليمان خيلا لها اجنحة فضحك صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه وفيه هلا امرها بتغيير ذلك
واجيب بان هذا مستثنى من عدم جواز تصوير ذى الروح وقولها اما سمعت ان لسليمان خيلا لها اجنحة واقراره صلى الله عليه وسلم لها على ذلك يدل على صحته
ثم رايت بعضهم اورد انه كان لسليمان خيل لها اجنحة وقد ذكرت ذلك عند الكلام على اسمعيل صلوات الله وسلامه عليه في اوائل هذه السيرة
وعنها رضى الله تعالى عنها ايضا انها قالت وما نحرت على جزور ولا ذبحت على شاة أي عند بنائه بها صلى الله عليه وسلم حتى ارسل الينا سعد بن عبادة بجفنته التي كان يرسلها وارسل بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أي وفي كلام بعضهم وروى انه صلى الله عليه وسلم ما اولم على عائشة رضى الله تعالى عنها بشيء غير ان قدحا من لبن اهدى من بيت سعد بن عبادة فشرب النبي صلى الله عليه وسلم بعضه وشربت عائشة رضى الله تعالى عنها باقيه
اقول يجوز ان يكون سعد رضى الله تعالى عنه ارسل بالقدح من اللبن وبالجفنه وان بعض الرواه اقتصر على احدهما
ثم لا يخفى انه يجوز ان تكون الرواية الاولى واقعة بعد هذه الرواية الثانية وانها
ذهبت الى الارجوحة ثانيا بعد ان اصلح النساء من شانها وفعلت بها امها ما ذكر وانه وقع الاقتصار في الرواية الاولى والله سبحانه وتعالى اعلم & باب ذكر مغازيه صلى الله عليه وسلم
ذكر ان مغازيه أي وهي التي غزا فيها بنفسه كانت سبعا و عشرين أي وهي غزوة بواط ثم غزوة العشيرة ثم غزوة سفوان ثم غزوة بدر الكبرى ثم غزوة بني سليم ثم غزوة بني قينقاع ثم غزوة السويق ثم غزوة قريرة الكدر ثم غزوة غظفان وهي غزوة ذي امر ثم غزوة نجران بالحجاز ثم غزوة احد ثم غزوة حمراء الاسد ثم غزوة بني النضير ثم غزوة ذات الرقاع وهي غزوة محارب وبني تغلبه ثم غزوة بدر الاخرة وهي غزوة بدر الموعد ثم غزوة دومة الجندل ثم غزوة بني المصطلق ويقال لها المريسيع ثم غزوة الخندق ثم غزوة بني قريظة ثم غزوة بني لحيان ثم غزوة الحديبية ثم غزوة ذى قرد ويقال لها قرد بضمتين وهو في اللغة الصوف الردىء ثم غزوة حنين ثم غزوة وادى القرى ثم غزوة عمرة القضاء ثم غزوة فتح مكة ثم غزوة حنين والطائف ثم غزوة تبوك
والتي وقع فيها القتال من تلك الغزوات أي وقع القتال فيها من ا صحابه وهو المراد يقول بعضهم كالاصل التي قاتل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع وهي غزوة بدر الكبرى واحد والمريسيع اعني بني المصطلق والخندق وقريظة وخيبر وفتح مكة وحنين والطائف أي وبعضهم اسقط فتح مكة قال النووي رحمه الله ولعل مذهبه انها فتحت صلحا كما قال امامنا الشافعي وموافقوه أي فيصح بيع دورها واجارتها واستدل لذلك بانها لو كانت فتحت عنوة لقسمها بين الغانمين وسياتي الجمع بأن اسفلها فتح عنوة أي لوقوع القتال فيه من خالد بن الوليد مع المشركين واعلاها فتح صلحا لعدم وجود القتال فيه
وفي الهدى من تامل الاحاديث الصحيحة وجدها كلها دالة على قول الجمهور انها فتحت عنوة أي لوقوع القتال بها
وما يدل على ذلك انه صلى الله عليه وسلم لم يصالح اهلها عليها والا لم يحتج الى
قوله من دخل دار ابي سفيان فهو امن الى الخ وانما لم يقسمها لانها دار المناسك فكل مسلم له فيها حق
اقول هذا واضح في غير دورها وسياتي الجواب عن ذلك وبما قررناه يعلم ان قول المواهب قاتل صلى الله عليه وسلم في تسع بنفسه فيه نظر ظاهر لانه صلى الله عليه وسلم لم يقاتل بنفسه في شيء من تلك الغزوات الا في احد كما سياتي وكانه اغتر في ذلك بقول بعضهم المتقدم قاتل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد علمت المراد منه والله اعلم
ولا يخفى انه صلى الله عليه وسلم مكث بضع عشرة سنة ينذر بالدعوة بغير قتال صابرا على شدة اذية العرب بمكة واليهود بالمدينة له صلى الله عليه وسلم ولاصحابه لامر الله تعالى له بذلك أي بالانذار والصبر على الاذى والكف بقوله { فأعرض عنهم } وبقوله { واصبر } ووعده بالفتح أي فكان ياتيه اصحابه بمكة ما بين مضروب ومشجوج فيقول صلى الله عليه وسلم لهم اصبروا فاني لم اؤمر بالقتال لانهم كانوا بمكة شرذمة قليلة ثم لما استقر امره صلى الله عليه وسلم أي بعد الهجرة وكثرت اتباعه وشانه ان يقدموا محبته على محبة ابائهم وابنائهم وازواجهم واصر المشركون على الكفر والتكذيب اذن الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أي ولأصحابه في القتال أي وذلك في صفر من السنة الثانية من الهجرة لكن لمن قاتلهم وابتداهم به بقوله { فإن قاتلوكم فاقتلوهم } قال بعضهم ولم يوجبه بقوله تعالى { أذن للذين يقاتلون } أي للمؤمنين ان يقاتلوا { بأنهم ظلموا } أي بسبب انهم ظلموا { وإن الله على نصرهم لقدير } أي فكان ذلك القتال عوضا من العذاب الذي عوملت به الأمم السالفة لما كذبت رسلهم
وذكر في سبب نزول قوله تعالى { ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم } الاية ان جماعة منهم عبدالرحمن بن عوف والمقداد بن الاسود وقدامة بن مظعون وسعد بن ابى وقاص وكانوا يلقون من المشركين اذى كثيرا بمكة فقالوا يا رسول الله كنا في عز ونحن مشركون فلما امنا صرنا اذلة فاذن لنا في قتال هؤلاء فيقول لهم كفوا ايديكم عنهم فاني لم اومر بقتالهم فلما هاجر صلى الله عليه وسلم الى المدينة وامر بالقتال للمشركين كرهه بعضهم وشق عليه ذلك فانزل الله تعالى الاية
لا يقال يدل لما تقدم من انه قاتل صلى الله عليه وسلم بنفسه في تلك الغزوات ما جاء
عن بعض الصحابة كنا ا ذا لقينا كتيبة او جئنا اول من يضرب النبي صلى الله عليه وسلم لاني اقول لا يبعد ان يكون المراد بالضرب السير في الارض أي اول من يسير الى تلقاء العدو ويؤيده ما جاء عن علي رضى الله تعالى عنه لما كان يوم بدر اتقينا المشركين برسول الله صلى الله عليه وسلم وكان اشد الناس باسا وما كان احد اقرب الى المشركين منه صلى الله تعالى عليه وسلم
وفي رواية كنا اذا حمى الباس والتقى القوم بالقوم اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم أي كان وقاية لنا من العدو
وقد نقل اجماع المسلمين على انه لم يرو احد قط انه صلى الله عليه وسلم انهزم بنفسه في موطن من المواطن بل ثبتت الاحاديث الصحيحة باقدامه صلى الله عليه وسلم وثباته في جميع المواطن
لا يقال سياتي في غزوة بدر عن السيرة الهشامية غير معزو لاحد انه قاتل بنفسه قتالا شديدا وكذلك ابو بكر رضى الله عنه وكانا في العريش يجاهدان بالدعاء فقاتلا بابدانهما جمعا بين المقامين وايضا سياتي في خيبر ما قجد يدل على انه صلى الله عليه وسلم قاتل بنفسه
لانا نقول سياتي مافي ذلك مما يدل على انه صلى الله عليه وسلم لم يباشر القتال الا في احد كما سياتي ولم تقاتل معه الملائكة الا في بدر والا في حنين قيل واحد وسياتي مافي ذلك ولم يرم صلى الله عليه وسلم بالحصباء في وجوه العدو في شىء من الغزوات الا في هذه الثلاثة على خلاف في الثلاثة أي ولم يجرح أي لم يصبه جراحة في غزوة من الغزوات الا في احد ولم ينصب المنجنيق في غزوة من الغزوات الا في غزوة الطائف وفيه انه نصبه عى بعض حصون خيبر وسيأتي الجمع بينهما ولم يتحصن بالخندق في غزوة الا في غزوة الاحزاب
ثم لا يخفى ان الاية المذكورة أي التي هي { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير } قال بعضهم هي اول اية نزلت في شان القتال ولما نزلت اخبر صلى الله عليه وسلم بقوله امرت ان اقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله أي وفي لفظ حتى يشهدوا ان لا اله الا الله واني محمد رسول الله فاذا قالوها عصموا مني
دماءهم واموالهم الا بحقها وحسابهم على الله تعالى قيل وما حقها قال زنا بعد احصان وكفر بعد اسلام او قتل نفس
اقول وظاهر هذا الساق يقتضي ان لاية فيها الامر له صلى الله عليه وسلم بالقتال المذكور وقد يتوقف في ذلك ولعله امر بذلك بغير الاية المذكورة لان الاية انما هي ظاهرة في الاباحة المباح ليس مامورا به وحينئذ يكون قوله في الاية الاخرى وهي { فإن قاتلوكم فاقتلوهم } للاباحة لان صيغة افعل تاتي لها وان كان الاصل فيها الوجوب
وعلى ان قوله صلى الله تعالى عليه وسلم امرت وان امره كان بغير هذه الاية يحمل على ان المراد الندب لان الامر مشترك بين الوجوب والندب فلا ينافى ما تقدم من انه لم يكن وجب عليهم القتال حينئذ والله اعلم
ثم لما رمتهم العرب قاطبة عن قوس وتعرضوا لقتالهم من كل جانب كانوا لا يبيتون الا في السلاح ولا يصبحون الا فيه ويقولون ترى نعيش حتى نبيت مطمئنين لا نخاف الا الله عز وجل انزل الله عز وجل { وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا } ثم اذن في القتال أي ابيح الابتداء به حتى لمن لم يقاتل أي لكن في غير الاشهر الحرم أي التي هي رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم أي بقوله { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين } الاية ثم امر به وجوبا أي بعد فتح مكة في السنة الثانية مطلقا أي من غير تقييد بشرط ولا زمان بقوله { وقاتلوا المشركين كافة } أي جميعا في أي زمن
فعلم ان القتال كان قبل الهجرة وبعدها الى صفر من السنة الثانية محرما أي لانه كان في ذلك مامورا بالتبليغ وكان انذار بلا قتال لا نه نهى عنه في نيف وسبعين اية ثم صار ماذونا له فيه أي ابيح قتال من قاتل ثم ابيح قتال من لم يبدا به في غير الاشهر الحرم ثم امر به مطلقا أي لمن قاتل ومن لم يقاتل في كل زمن أي في الاشهر الحرم وغيرها
وظاهر كلام الامام الاسنوى ان القتال في الحالة الثانية كان مامورا به لا مباحا كالحالة الاولى وعبارته لما بعث صلى الله عليه وسلم امر بالتبليغ والانذار بلا قتال فقال واعرض عنهم وقال واصبر ثم ا ذن له بعد الهجرة في القتال ان ابتدءوا به فقال { فإن قاتلوكم فاقتلوهم } ثم أمر بذلك ابتداء ولكن في غير الأشهر الحرم فقال { فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين }
ثم امر به مطلقا فقال وقاتلوا المشركين كافة هذا كلامه
ولا يخفى ان الاستوى ممن يرى ان امر للوجوب وهو يقتضي ان يكون الامر به في الحالة الثانية للوجوب والراجح ما علمت ان امر مشترك بين الوجوب والندب وانه في الحالة الثانية مباح لا مامور به
ثم استقر امر الكفار معه صلى الله عليه وسلم بعد نزول براءة على ثلاثة اقسام القسم الاول محاربون له صلى الله عليه وسلم وهؤلاء المحاربون اذا كانوا ببلادهم يجب قتالهم على الكفاية في كل عام مرة أي يكفي ذلك في اسقاط الحرج كاحياء الكعبة وستدل لذلك بقوله تعالى { فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة } أي فهلا نفر وقيل كان فرض عين لقصة الثلاثة الذين تخلفوا عن الجهاد في غزوة تبوك ويحتاج الى الجواب عن ذلك
وقيل كان فرض كفاية في حق الانصار وفرض عين في حق المهاجرين والقسم الثاني اهل عهدوهم المؤمنون من غير عقد الجزية أي صالحهم ووادعهم على ان لا يحاربوه ولا يظاهروا عليه عدوهم وهم على كفرهم امنون على دمائهم واموالهم
والقسم الثالث اهل ذمة أي وهم من عقدت لهم الجزية وهناك قسم اخر وهو من دخل في الاسلام تقيه من القتل وهم المنافقون كما تقدم وامر صلى الله عليه وسلم ان يقبل منهم علانيتهم ويكل سرائرهم الى الله تعالى فكان معرضا عنهم الا فيما يتعلق بشعائر الاسلام الظاهرة كالصلاة فلا يخالف ما رواه الشيخان لقد هممت ان امر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب الى قوم لا يشهدون الصلاة فاحرق عليهم بيوتهم بالنار فقد ذكر ائمتنا ان ذلك ورد في قوم منافقين يتخلفون عن الجماعة ولا يصلون أي اصلا بدليل السياق أي لان صدر الحديث اثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر أي جماعتهما ولو يعلمون ما فيهما لاتوهما ولو حبوا ولقد هممت الخ
وفي الخصائص الصغرى وكان الجهاد في عهده صلى الله عليه وسلم فرض عين في احد الوجهين عندنا وكان اذا غزا بنفسه صلى الله عليه وسلم يجب على كل احد الخروج معه لقوله تعالى { ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله } ومن ثم وقع لمن تخلف عنه في غزوة تبوك ما وقع
واما بعده صلى الله عليه وسلم فللكفار حالان مذكوران في كتب الفقه وعند الاذن له صلى الله عليه وسلم في القتال خرج لاثنتي عشرة ليلة مضت من شهر صفر من السنة الثانية من الهجرة اي مكث بالمدينة باقي الشهر الذي قدم فيه وهو شهر ربيع الاول وباقي ذلك العام كله الى صفر من السنة الثانية من الهجرة
فخرج صلى الله عليه وسلم غازيا حتى بلغ ودان بفتح الواو وتشديد الدال المهملة اخره نون وهي قرية كبيرة بينه وبين الابواء ستة اميال او ثمانية والابواء بالمد قرية كبيرة بين مكة والمدينة كما تقدم سميت بذلك لتبوىء السيول بها وقيل لما كان فيها من الوباء فيكون على القلب والا لقيل الاوباء وحينئد لا تخالف بين تسمية ابن الخفاف لها بغزوة ودان وبين تسمية البخارى لها بغزوة الابواء لتقارب المكانين اي وفي الامتاع ودان جبل بين مكة والمدينة
واقول قد يقال لا منافاة لانه يجوز ان تكون تلك القرية كانت عند الجبل المذكور فسميت باسمه والله اعلم
وكان خروجه صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين ليس فيهم انصارى يعترض عيرا لقريش ولبنى ضمرة أي وخرج صلى الله عليه وسلم لبني ضمرة فكان خروجه للشيئين كما يفهم من الاصل
ويوافقه قول بعضهم وخرج صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلا من اصحابه يريد قريشا وبني ضمرة والمفهوم من سيرة الشامى ان خروجه صلى الله عليه وسلم الله انما كان لاعتراضه العير وانه اتفق له موادعة بني ضمرة ويوافقه قول الحافظ الدمياطي خرج يعترض عيرا لقريش فلم يلق كيدا وفي هذه الغزوة وادع بني ضمرة هذا كلامه أي صالح سيدهم حينئذ وهو مجدي بن عمر
وعبارة بعضهم فلما بلغ الابواء لقى سيد بني ضمرة مجدي بن عمر الضمري فصالحه ثم رجع الى المدينة والمصالحة على ان لا يغزوهم ولا يغزوه ولا يكثروا عليه صلى الله عليه وسلم جمعا و لا يعينوا عليه عدوا قال وكتب بينه وبينهم كتابا نسخته بسم الله الرحمن الرحيم هذا الكتاب من محمد رسول الله لبني ضمرة بانهم امنون على اموالهم وانفسهم وان لهم النصرة على من رامهم أي قصدهم الا ان يحاربوا في دين الله مابل بحرصوفة أي ما بقي فيه ما يبل الصوفة وان النبي صلى الله عليه وسلم اذا دعاهم لنصره اجابوه عليهم بذلك ذمة الله وذمة رسوله أي أمانهما انتهى
وكان لواؤه صلى الله عليه وسلم ابيض وكان مع عمه حمزة واستعمل على المدينة سعد بن عبادة وانصرف الى المدينة راجعا فهي اول غزواته صلى الله عليه وسلم أي وكانت غيبته خمس عشرة ليلة والله اعلم
عزوة بواط
ثم ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر ربيع الاول أي وقيل الاخر أي من السنة المذكورة يريد عيرا لقريش فيها امية بن خلف ومائة رجل من قريش والفان وخمسمائة بعير خرج في مائتين من اصحابه أي من ا المهاجرين خاصة وحمل اللواء وكان ابيض سعد بن ابي وقاص واللواء هو العلم الذي يحمل في الحرب يعرف به موضع امير الجيش وقد يحمله امير الجيش وقد يجعل في مقدم الجيش
واول من عقد الالوية ابراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم بلغه ان قوما غاروا على لوط عليه السلام فعقد لواء وسار اليهم بعبيده ومواليه قال بعضهم صرح جماعة من اهل اللغة بترادف اللواء والراية أي فيطلق على كل اسم الاخر
وعن ابن اسحاق وابن سعد ان اسم الراية انما حدث بعد خيبر واستعمل صلى الله عليه وسلم على المدينة سعد بن معاذ وقيل السائب بن مظعون أي اخا عثمان بن مظعون وقيل السائب بن عثمان حتى بلغ بواط بضم الموحدة وفتحها وتخفيف الواو والطاء المهملة أي وهو جبل الينبع أي ومن ثم قيل لها غزوة بواط
قال بعضهم ومن هذا الجبل تقلع أحجار المسان وهذا الجبل لجهينة من ناحية رضوى وهو أحد الأجبل التي بنى منها أساس الكعبة
وفيه انه لم يذكر رضوى في تلك الاجبل الخمس التي كان منها اساس الكعبة المتقدم ذكرها على المشهور
وقد جاء في الحديث رضوى رضى الله تعالى عنه وتزعم الكيسانية وهم اصحاب كيسان مولى على رضى الله تعالى عنه ان محمد بن الحنفية مقيم برضى حي يرزق وهو الامام المنتظر عندهم
اي وفي كلام بعضهم ان المنتظر هو محمد القاسم بن الحسن العسكري الذي تزعم الشيعة انه المنتظر وهو صاحب السرداب يزعمون انه دخل السرداب في دار ابيه وامه
تنظر اليه فلم يخرج اليها وكان عمره تسع سنين وانه يعمر الى اخر الزمان كعيسى وسيظهر فيملا الدنيا عدلا كما ملئت جورا واختفاؤه الان خوفا فا من ا عدائه قال وهو زعم باطل لا اصل له ثم رجع صلى الله عليه وسلم الى المدينة ولم يلق كيدا أي حربا واصل الكيد الاحتيال والاجتهاد ومن ثم يسمى الحرب كيدا والله اعلم
غزوة العشيرة
اي وبها بدا البخاري المغازي ويدل له ما جاء عن زيد بن اسلم وقد قيل له ما اول غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ذات العشيرة واجيب عنه بان المراد ما اول غزوة غزاها وانت معه
ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر جمادى الاولى و في سيرة الدمياطي الاخرة من تلك السنة
اي وفي الامتاع في جمادى الاخرة ويقال جمادى الاولى يريد عيرا لقريش متوجهة للشام يقال ان قريشا جمعت جميع اموالها في تلك العير لم يبق بمكة لا قرشى ولا قرشية له مثقال فصاعدا الا بعث به في تلك العير الا حويطب بن عبد العزى يقال ان في تلك العير خمسين الف دينار أي والف بعير وكان فيها ابو سفيان أي قائدها وكان معه سبعة وعشرون قيل تسعة وثلاثون رجلا منهم مخرمة بن نوفل وعمرو بن العاص وهي العير التي خرج اليها حين رجعت من الشام وكان سببا لوقعة بدر الكبرى كما سياتي خرج في خمسين ومائة ويقال في مائتين من المهاجرين خاصة حتى بلغ العشيرة بالمعجمة والتصغير اخره هاء أي ولم يختلف فيه اهل المغازى كما قال الحافظ ابن حجر وفي البخارى اخرها همزة وفيه ايضا العسيرة بالسين المهملة اخره هاء أي بالتصغير واما التي بغير تصغير فهي غزوة تبوك كما سياتي والتي بالتصغير فقال ايضا لموضع ببطن الينبع أي وهو منزل الحاج المصري وهي لبني مدلج واستخلف على المدينة ابا سلمة بن عبد الاسد وحمل اللواء وكان ابيض عمه حمزة بن عبد المطلب خرجوا على ثلاثين بعيرا يعتقبونها فوجدوا العير قد مضت قبل ذلك بايام ورجع ولم يلق حربا ووادع صلى الله عليه وسلم فيها بني مدلج قال في الاصل وحلفاءهم من بني ضمرة
وذكر في المواهب هنا صورة الكتاب الذي كتبه صلى الله عليه وسلم لبني ضمرة في
غزوة ودان الذي قدمناه ثم فليتامل ذلك وكنى صلى الله عليه وسلم فيها عليا بابي تراب حين وجده نائما هو وعمار بن ياسر وقد علق به ال التراب فايقظه عليه الصلاة والسلام برجله وقال له قم ابا تراب لما يرى عليه من التراب أي الذي سفته عليه الريح ولما قام قال له صلى الله عليه وسلم الا اخبرك باشقى الناس اجمعين عاقر الناقة والذي يضر بك على هذا ووضع يده على قرن راسه فيخضب هذه ووضع يده على لحيته وفي رواية اشقى الاولين عاقر ناقة صالح واشقى الاخرين قاتلك وفي رواية انه صلى الله عليه وسلم قال يوما لعلي كرم الله وجهه من اشقى من الاولين فقال علي الذي عقر الناقة يا رسول الله قال فمن اشقى الاخرين قال علي لا علم لي يا رسول الله قال الذي يضربك على هذه واشار الى يافوخه وكان كما اخبر صلى الله عليه وسلم فهو من اعلام نبوته
فانه لما كان شهر رمضان سنة اربعين صار يفطر ليلة عند الحسن وليلة عند الحسين وليلة عند عبدالله بن جعفر لا يزيد في اكله على ثلاث لقم ويقول احب ان القى الله وانا خميص فلما كانت الليلة التي ضرب صبيحتها اكثر الخروج والنظر الى السماء وجعل يقول والله انها الليلة التي و عدت فلما كان وقت السحر واذن المؤذن بالصلاة خرج الى المسجد فاقبل الاوز الذي في داره يصحن في وجهه فمنعهن بعض نساء اهل بيته فقال دعوهن فأنهن نوائح فلما دخل المسجد اقبل ينادي الصلاة الصلاة فشد عليه عبدالرحمن بن ملحم المرادى لعنه الله من طائفة الخوارج فض فضربه الضربة التي اخبر بها صلى الله عليه وسلم وعند ذلك شد عليه الناس من كل جانب فطرح عليه رجل قطيقة ثم طنبوه واخذ السيف منه وقالوا له يا امير المؤمنين خل بيننا وبين مراد يعنون قبيلة الرجل الذي ضربه فقال لا ولكن احبسوا الرجل فان انا مت فاقتلوه وان اعش فالجروح قصاص فحبس
فلما مات رضى الله تعالى عنه غسله الحسن والحسين و عبدالله بن جعفر ومحمد بن الحنفية يصب الماء وكفن في ثلاثة اثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة وصلى عليه الحسن وكبر عليه سبعا ودفن ليلا قيل بدار الامارة بالكوفة وقيل بغير ذلك واخفى قبره لئلا تنبشه الخوارج وقيل حملوه على بعير ليدفنوه مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم فبينا هم في مسيرهم ليلا اذ ند البعير الذي عليه فلم يدر اين ذهب ومن الناس من يزعم انه انتقل الى السماء وانه الان في السحاب
ولما اصيب كرم الله وجهه دعا الحسن والحسين رضى الله تعالى عنهما فقال لهما اوصيكما بتقوى الله ولا تبغيا الدنيا ولا تبكيا على شي زوى منها عنكما وقولا الحق فلا تاخذكما في الله لومة لائم ثم نظر الى ولده محمد ابن الحنفية فقال هل حفظت ما اوصيت به اخويك فقال نعم فقال اوصيك بمثله واوصيك بتوقير اخويك لعظم حقهما عليك ولا ترين امرا دونهما ثم قال اوصيكما به فإنه اخوكما وابن ابيكما وقد علمتما ان اباكما كان يحبه ثم لم ينطق إلا بلا اله الا الله الى ان قبض فلما قبض اخرج الحسن رضى الله تعالى عنه ابن ملجم من الحبس وقتله
أقول ذكر بعضهم عن المبرد قال ابن ملجم لعلي كرم الله تعالى وجهه اني اشتريت سيفي هذا بألف وسمته بألف وسألت الله تعالى ان يقتل به شر خلقه فقال علي قد اجاب الله دعوتك يا حسن اذا انامت فاقتله بسيفه ففعل به الحسن ذلك ثم احرقت جثته وقد ذكر انه قطعت اطرافه وجعل في قوصرة واحرقوه بالنار
وقد ذكر ان عليا قال يوما وهو مشير لابن ملجم هذا والله قاتلي فقيل له الا نقتله فقال من يقتلني وتبع الاصل في كون تكنية على بابي تراب في هذه الغزوة شيخه الدمياطى
واعترضه في الهدى بانه صلى الله عليه وسلم انما كناه بذلك بعد نكاحه فاطمة رضى الله تعالى عنها فانه صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوما وقال اين ابن عمك قالت خرج مغاضبا فجاء الى المسجد فوجده مضطجعا فيه وقد لصق به التراب فجعل ينفضه عنه ويقول اجلس ابا تراب وقيل انما كناه ابا تراب لانه كان اذا غضب على فاطمه في شىء لم يكلمها ولم يقل لها شيئا تكرهه الا انه ياخذ ترابا فيضعه على راسه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا رأى التراب على رأسه عرف انه عاتب على فاطمه
قال في النور يجوز ان يكون صلى الله عليه وسلم خاطبه بهذه الكنية مرتين اي ويكون س سبب الكنية علوق التراب به وكونه يضعه على راسه والله اعلم
غزوة سفوان ويقال لها غزوة بدر الاولى
وحين قدم صلى الله عليه وسلم من غزوة العشيرة لم يقم بالمدينة الا ليالى لم تبلغ العشرة حتى غزا وخرج خلف كرز بن جابر الفهرى وقد اغار قبل ان يسلم على سرح المدينة اي النعم والمواشي التي تسرح للمرعى بالغداة خرج في طلبه حتى بلغ واديا يقال له سفوان بالمهملة والفاء ساكنة وقيل مفتوحة من ناحية بدر اي ولذا قيل لها غزوة بدر الاولى وفاته صلى الله عليه وسلم كرز ولم يدركه وكان قد استعمل على المدينة زيد بن حارثة وحمل اللواء وكان ابيض على بن ابي طالب رضى الله تعالى عنه وقد تبعت الاصل في تقديم غزوة العشيرة على غزوة سفوان لما تقدم وهو عكس ما في سيرة الشامى الموافق لسيرة الدمياطى ولما في الامتاع والله اعلم & باب تحويل القبلة
وحولت القبلة في شهر رجب من السنة المذكورة التي هي الثانية في نصفه وقيل في نصف شعبان قال بعضهم وعليه الجمهور الاعظم وقيل كان في جمادى الاخرة اي فقد قيل انه صلى الله عليه وسلم صلى في المدينة الى بيت المقدس ستة عشر شهرا وقيل سبعة عشر شهرا وقيل أربعة عشر شهرا وقيل غير ذلك وتقدم أنه صلى الله عليه وسلم صلى في مسجده بعد تمامه الى بيت المقدس خمسة اشهر
والاكثرون على أن تحويلها كان في صلاة الظهر وقيل العصر اي ففي الصحيحين عن البراء ان اول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم اي للكعبة صلاة العصر
وقد يقال لا منافاة لجواز ان يكون المراد اول صلاة صلاها كلها للكعبة صلاة العصر لان الظهر صلى نصفها الاول لبيت المقدس ونصفها الثاني للكعبة ثم رايت الحافظ ابن حجر فعل كذلك حيث قال التحقيق ان اول صلاة صلاها بالمسجد النبوى صلاة العصر او ان التحويل في العصر كان في محل اخر للانصار اي وهم بنو حارثة
وقيل حولت في صلاة الصبح وهو محمول على ان ذلك كان في قباء لان الخبر لم يبلغهم
الا حينئذ كما سياتي وانما حولت لانه صلى الله عليه وسلم كان يعجبه ان تكون قبلته الكعبة سيما لما بلغه ان اليهود قالوا يخالفنا محمد ويتبع قبلتنا اي وفي لفظ قالوا للمسلمين لو لم نكن على هدى ما صليتم لقبلتنا فاقتديتم بنا فيها
وفي لفظ كان يحب ان يستقبل الكعبة محبة لموافقة ابراهيم واسمعيل عليهما الصلاة والسلام وكراهة لموافقة اليهود ولقول كفار قريش للمسلمين لم تقولون نحن على ملة ابراهيم وانتم تتركون قبلته وتصلون الى قبلة اليهود اي ولانه لما هاجر صار اذا استقبل صخرة بيت المقدس يستدبر الكعبة فشق ذلك عليه صلى الله عليه وسلم فقال لجبريل وددت ان الله سبحانه وتعالى صرفنى عن قبلة اليهود فقال جبريل انما انا عبد لا املك لك شيئا الا ما امرت به فادع الله تعالى فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الله تعالى يكثر اذا صلى الى بيت المقدس من النظر الى السماء ينتظر امر الله تعالى اي لان السماء قبلة الدعاء وفي رواية ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل وددت انك سالت الله تعالى ان يصرفني الى الكعبة فقال جبريل لست استطيع ان ابتدىء الله جل وعز بالمسالة ولكن ان سالني اخبرته وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زائر ام بشر بن البراء بن معرور في بني سلمة فصنعت له طعاما وحانت صلاة الظهر فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم باصحابه في مسجد هناك فلما صلى ركعتين نزل جبريل فاشار اليه ان صل الى الكعبة واستقبل الميزاب فاستدار رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الكعبة اي فاستدار النساء مكان الرجال والرجال مكان النساء اي فقد تحول من مقدم المسجد الى مؤخره لان من استقبل الكعبة في المدينة يلزم ان يستدبر بيت المقدس اي كما ان من يستقبل بيت المقدس يستدبر الكعبة وهو صلى الله عليه وسلم لو دار كما هو مكانه لم يكن خلفه مكان يسع الصفوف قيل وكان ذلك وهم راكعون وفيه أن هذا يستدعى عملا كثيرا في الصلاة وهو مفسد لها عندنا اذا توالى
وقد يقال لا مانع لجواز أن يكون ذلك قبل تحريم العمل الكثير في الصلاة أو أن هذا العمل لم يكن على التوالي
أقول وبدخوله اي على ام بشر صلى الله عليه وسلم وعلى الربيع بنت معوذ ابن عفراء وعلى ام حرام بنت ملحان وعلى اختها ام سليم والخلوة بكل منهن فقد كانت
ام حرام بنت ملحان تفلى راسه الشريفه وينام عندها استدل ان من خصائصه صلى الله عليه وسلم جواز النظر الى الاجنبية والخلوة بها لامنه الفتنة كماا سياتي والله اعلم
وسمى ذلك المسجد مسجد القبلتين وقيل كانت تلك الصلاة التي هي صلاة الظهر التي وقع التحول فيها في مسجده صلى الله عليه وسلم فخرج عباد بن بشر وكان صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومر على قوم من الانصار يصلون العصر وهم راكعون فقال اشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل البيت يعني الكعبة ثم بلغ اهل قباء ذلك وهم في صلاة الصبح في اليوم الثاني اي وهم ركوع وقد ركعوا ركعة فنادى مناد الا ان القبلة قد حولت الى الكعبة فتحولوا اليها
اي وفي البخاري بينا الناس بقباء في صلاة الصبح اذ جاءهم ات فقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد انزل عليه الليلة قران وقد امر ان يستقبل الكعبة فاستقبلوها فاستداروا الى الكعبة وفي مسلم بدل صلاة الصبح الغداة قال الحافظ ابن حجر وهو احد اسمائها
وقد نقل بعضهم كراهة تسميتها بذلك ولم ينقل انهم امروا بقضاء العصر والمغرب والعشاء ولا اعادة الركعة التي صلوها من الصبح وهو دليل على ان الناسخ لا يلزم حكمه الا بعد العلم به وان تقدم نزوله وعلى انه يجوز ترك الامر المقطوع به وهو استقبال بيت المقدس الى امر مظنون وهو خبر الواحد
واجيب عن هذا الثاني بان الخبر المذكور احتفت به قرائن افادت القطع عندهم بصدق المخبر فلم يتركوا الامر المعلوم الا لامر معلوم ايضا على انه يجوز نسخ المتواتر بالاحاد لان محل النسخ الحكم ودلالة المتواتر عليه ظنية كما تقرر في محله ويقال ان المبلغ لهم عباد ابن بشر ايضا فيكون عباد اتى بني حارثة اولا في صلاة العصر ثم توجه الى اهل قباء فاعلمهم بذلك في وقت الصبح والقران الذي نزل قوله تعالى { قد نرى تقلب وجهك في السماء } الايات أي والى هذا يشير بعضهم بقوله ** كم للنبي المصطفى من اية ** ** غراء حار الفكر في معناها ** ** لما راى البارى تقلب وجهه ** ** ولاه ايمن قبلة يرضاها **
وعن عمارة بن اوس الانصارى قال صلينا احدى صلاتي العشى أي وهما الظهر والعصر فقام الرجل على باب المسجد ونحن في الصلاة فنادى ان الصلاة قد وجهت
نحو الكعبة فتحول امامنا نحو الكعبة وقوله تعالى { قد نرى تقلب وجهك في السماء } أي متطلعا نحو الوحى ومتشوقا للامر باستقبال الكعبة { فلنولينك } أي نحولنك { قبلة ترضاها } أي تحبها { فول وجهك شطر المسجد الحرام } اي نحوه والمراد بالمسجد الحرام الكعبة { وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره وإن الذين أوتوا الكتاب ليعلمون أنه الحق } أي الرجوع الى الكعبة { من ربهم } أي لما في كتبهم من نعته صلى الله عليه وسلم بأنه يتحول الى الكعبة
اقول ولعل هذه القصة التي رواها عمارة هي التي رويت عن رافع بن خديج قال اتانا ات ونحن نصلي في بني عبد الاشهل فقال ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد امر ان يتوجه الى الكعبة فدار امامنا الى الكعبة ودرنا معه والله اعلم
واجتمع قوم من كبار اليهود وجاءوا اليه صلى الله عليه وسلم وقالوا له يا محمد ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها وانت تزعم انك على ملة ابراهيم ودينه أي وما كنت عليه قبلة ابراهيم وهذا بناء على دعواهم ان بيت المقدس كان قبلة الانبياء عليهم الصلاة والسلام كما سياتي عنهم وسياتي ما فيه ثم قالوا ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتبعك ونصدقك وانما يريدون بذلك فتنته ليعلم الناس انه صلى الله عليه وسلم في حيرة من امره أي واختبارا لما يجدونه في نعته صلى الله عليه وسلم من انه يرجع عن استقبال بيت المقدس الى استقبال الكعبة وانه لا يرجع عن تلك القبلة وفي رواية انهم قالوا للمسلمين ما صرفكم عن قبلة موسى ويعقوب وقبلة الانبياء أي ويوافقه قول الزهرى لم يبعث الله منذ هبط آدم عليه الصلاة والسلام الى الارض نبيا الا جعل قبلته صخرة بيت المقدس ويوافق هذا ظاهر قول الامام السبكى رحمه الله تعالى في تائيته ** وصليت نحو القبلتين تفردا ** وكل نبي ماله غير قبلة **
قال شارحها يشير الى ان كل نبي كانت قبلته بيت المقدس وهو صلى الله عليه وسلم قد شاركهم فيها أي واختص بالكعبة
ومن ثم جاء في التوراة في وصفه صلى الله عليه وسلم صاحب القبلتين وفيه ان قبلة الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم انما هي الكعبة فعن ابي العالية كانت الكعبة قبلة الانبياء وكان موسى يصلي الى صخرة بيت المقدس وهي بينه وبين الكعبة ومثل هذا لا يقال الا عن توقيف أي ويقال بمثل هذا فيما تقدم عن اليهود وعن الزهري على
تسليم صحته ان صخرة بيت المقدس كانت قبلة لجميع الانبياء انهم كانوا يصلون اليها ويجعلونها بينهم وبين الكعبة فلا مخالفة
لا يقال هذا ليس اولى من العكس أي ان استقبال الانبياء للكعبة انما كانوا يجعلونها بينهم وبين صخرة بيت المقدس لانا نقول قد ذكر في الاصل في تفسير قوله تعالى { ليكتمون الحق وهم يعلمون الحق من ربك } أي يكتمون ما علموا من ان الكعبة هي قبلة الانبياء أي المقصودة بالاستقبال لا انهم يستقبلونها لاجل صخرة بيت المقدس
وذكر عن بعضهم ان اليهود لم تجد كون الصخرة قبلة في التوراة وانما كان تابوت السكينة على الصخرة فلما غضب الله على بني اسرائيل رفعه فصلوا الى الصخرة بمشاورة منهم أي وادعوا انها قبلة الانبياء وما تقدم عن الزهرى تقدم الجواب عنه ثم قالوا والله ان انتم الا قوم تفتنون فانزل الله تعالى { سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب } أي الجهات كلها فليامر بالتوجه الى أي جهة شاء لا اعتراض عليه { يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } أي فكان اول ما نسخ امر القبلة
فعن ابن عباس اول ما نسخ من القران فيما يذكر لنا والله اعلم شان القبلة فاستقبل صلى الله عليه وسلم بيت المقدس أي بمكة والمدينة ثم صرفه الله تعالى الى الكعبة
أي واما قوله تعالى { فأينما تولوا فثم وجه الله } فمحمول على النفل في السفر اذا صلى حيث توجه
وما قيل ان سبب نزولها ما ذكره بعض الصحابة قال كنا في سفر في ليلة مظلمة فلم ندر اين القبلة فصلى كل منا على حياله فلما اصبحنا ذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت ففيه نظر لضعف الحديث او هو محمول على ما اذا صلوا باجتهاد
أي ولما توجه صلى الله عليه وسلم الى الكعبة قال المشركون من اهل مكة توجه محمد بقبلته اليكم وعلم انكم كنتم اهدى منه ويوشك أي يقرب ان يدخل في دينكم ومن ثم ارتد جماعة وقالوا مرة هاهنا ومرة هاهنا
ولما حولت القبلة الى الكعبة اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجد قباء فقدم جدار المسجد موضعه الان وقالت الصحابة له يا رسول الله لقد ذهب منا قوم قبل التحول فهل يقبل منا ومنهم فانزل الله تعالى قوله { وما كان الله ليضيع إيمانكم } أي
صلاتكم الى بيت المقدس وذكر في الاصل ان الصحابة قالوا مات قبل ان تحول قبل البيت رجال وقتلوا أي وهم عشرون ثمانية عشر من اهل مكة واثنان من الانصار وهما البراء بن معرور واسعد بن زرارة فلم ندر ما نقول فيهم فانزل الله تعالى { وما كان الله ليضيع إيمانكم } الاية ولفظة القتل وقعت في البخارى
وانكرها الحافظ ابن حجر فقال ذكر القتل لم اره الا في رواية زهير وباقي الروايات انما فيها ذكر الموت فقط ولم اجد في شىء من الاخبار ان احدا من المسلمين قتل قبل تحويل القبلة لكن لا يلزم من عدم الذكر عدم الوقوع فان كانت هذه اللفظة محفوظة فتحمل على ان بعض المسلمين ممن لم يشتهر قتل في تلك المدة في غير الجهاد
ثم قال وذكر لي بعض الفضلاء انه يجوز ان يراد من قتل بمكة من المستضعفين كابوي عمار فقلت يحتاج الى ثبوت ان قتلهما كان بعد الاسراء هذا كلام الحافظ وفيه ان الركعتين اللتين كان يصليهما هو والمسلمون بالغداة وبالعشى قبل فرض الصلوات الخمس كانتا لبيت المقدس فقد تقدم انه كان يصلي هو واصحابه الى الكعبة ووجوههم الى بيت المقدس فكانوا يصلون بين الركنين اليماني والذي عليه الحجر الاسود لاجل استقبال بيت المقدس وتقدم انه صلى الله عليه وسلم لم يلتزم ذلك بل كان في بعض الاوقات يصلى الى الكعبة في أي جهة اراد
ثم لما قدم المدينة صار يستقبل بيت المقدس ويستدبر الكعبة الى وقت التحويل ومن ثم قال في الاصل ولما كان صلى الله عليه وسلم يتحرى القبلتين جميعا أي يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس لم يتبين توجهه الى بيت المقدس للناس حتى خرج من مكه أي فانه استدبر الكعبة واستقبل بيت المقدس
فقول ابن عباس لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة واليهود يستقبلون بيت المقدس امره الله تعالى ان يستقبل بيت لامقدس معناه امره الله تعالى ان يستمر على استقبال بيت المقدس وهذا هو المراد بقوله الذي نقله بعضهم عنه وهو انه صلى الله عليه وسلم واصحابه كانوا يصلون بمكة الى الكعبة فلما هاجروا امره الله تعالى ان يصلي نحو صخرة بيت المقدس أي يستمر على ذلك ويستدبر الكعبة ثم امره الله باستقبال الكعبة واستدبار بيت المقدس فلم يقع النسخ مرتين كما قد يفهم من ظاهر السياق ومن
قول ابن جرير رسول الله صلى الله عليه وسلم اول ما صلى الى الكعبة ثم صرف الى بيت المقدس وهو بمكة فصلى صلاة ثلاث حجج ثم هاجر فصلى اليه ثم وجهه الله تعالى إلى الكعبة هذا كلامه ومن ثم قال الحافظ ابن حجر هذا ضعيف ويلزم منه دعوى النسخ مرتين قيل وكان امره بمداومة استقبال بيت المقدس ليتالف اهل الكتاب لانه كان ابتداء الأمر يحب ان يتألف اهل الكتاب فيما لم ينه عنه فلا يخالف ماسبق من انه كان يحب ان يستقبل الكعبة كراهة لموافقة اليهود في استقبال بيت المقدس ولا يخالف هذا قول بعضهم كان صلى الله عليه وسلم قبل فتح مكة يحب موافقة اهل الكتاب فيما لم ينه عنه وبعد الفتح يحب مخالفتهم لجواز ان يكون ذلك اغلب احواله وقد يؤخذ من ان استدامة استقباله لبيت المقدس كان لتالف اهل الكتاب جواب عما يقال اذا كانت الكعبة قبلة الانبياء كلهم فلم وفق الى استقبال بيت المقدس هو بمكة بناء على ان صلاته لبيت المقدس وهو بمكة كانت باجتهاد
وحاصل الجواب انه امر بذلك او وفق اليه لانه سيصير الى قوم قبلتهم بيت المقدس ففيه تاليف لهم وقد يوافقه مافي الاصل عن محمد بن كعب القرظى قال ما خالف نبي نبيا قط في قبلة الا ان رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل بيت المقدس أي فهو مخالف لغيره من الانبياء في ذلك وهذا موافق لما تقدم عن ابي العالية كانت الكعبة قبلة الانبياء أي ثم في السنة المذكورة التي هي الثانية فرض صوم رمضان وفرضت زكاة الفطر وطلبت الاضحية أي استحبابا
وعن ابي سعيد الخدري رضى الله تعالى عنه فرض شهر رمضان بعد ما صرفت القبلة إلى الكعبة بشهر في شعبان أي على ما تقدم وكان صلى الله عليه وسلم يصوم هو واصحابه قبل فرض رمضان ثلاثة ايام من كل شهر أي وهي الايام البيض وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر قيل وجوبا
فعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفطر الايام البيض في حضر ولا سفر وكان يحث على صيامها
وقيل كان الواجب عليه صلى الله عليه وسلم قبل فرض رمضان صوم عاشوراء ثم نسخ ذلك بوجوب رمضان
وعاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم ففي البخارى ثم عن ابن عمر رضى
الله عنهما صام النبي صلى الله عليه وسلم عاشوراء فلما فرض رمضان ترك صوم عاشوراء هذا والمشهور من مذهبنا معاشر الشافعية انه لم يجب على هذه الامة صوم قبل رمضان
وحديث ابن عباس رضى الله تعالى عنهما لا دلالة فيه على الوجوب لجواز ان يكون شانه صلى الله عليه وسلم صيام تلك الايام على الوجه المذكور حتى بعد فرض رمضان وحديث البخارى ايضا لا دلالة فيه لجواز ان يكون تركه لصوم يوم عاشوراء في بعض الاحايين بعد فرض رمضان خشية اعتقاد وجوب صومه كرمضان
ويجاب بمثل ذلك عما في الترمذى عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت كان عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه موافقة لهم اي ولم يامر احدا من اصحابه بصيامه فلما قدم المدينة صامه وامر بصيامه فلما فرض رمضان كان رمضان هو الفريضة وترك عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء تركه أي ترك صلى الله عليه وسلم صومه خوفا من توهم انه فرض كرمضان وقولها رضى الله تعالى عنها فلما قدم المدينة صامه وامر بصيامه أي لانه صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة أي في ايام قدومه للمدينة وذلك في شهر ربيع الاول وجد اليهود تصومه وتعظمه فسالهم عن ذلك فقالوا يوم عظيم انجى الله فيه موسى وقومه واغرق فرعون وقومه فصامه موسى شكرا فنحن نصومه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن احق بموسى منكم فصامه وامر بصيامه كما جاء ذلك عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما
وفي كلام الحافظ ناصر الدين عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة يوم عاشوراء فاذا اليهود صيام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما هذا قالوا هذا يوم اغرق الله تعالى فيه فرعون وانجى فيه موسى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انا اولى بموسى فامر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصومه هذا حديث صحيح اخرجه البخارى ومسلم
والمدينة يحتمل ان المراد بها قباء ويحتمل ان المراد بها باطنها قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما فلما فرض رمضان قال صلى الله عليه وسلم أي لاصحابه من شاء صامه ومن شاء تركه أي قال ذلك لهم خشية اعتقادهم وجوب صومه كوجوب صوم رمضان
وفي كونه صلى الله عليه وسلم وجدهم صائمين لذلك اليوم اشكال لان يوم عاشوراء
هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم كما تقدم او هو اليوم التاسع منه كما يقول ابن عباس رضى الله تعالى عنهما فكيف يكون في ربيع الاول
واجيب بان السنة عند اليهود شمسية لا قمرية فيوم عاشوراء الذي كان عاشر المحرم واتفق فيه غرق فرعون لا يتقيد بكونه عاشر المحرم بل اتفق في ذلك الزمن أي زمن قدومه صلى الله عليه وسلم وجود ذلك اليوم بدليل سؤاله صلى الله عليه وسلم اذ لو كان ذلك اليوم يوم عاشوراء ما سال
ومما يدل على ذلك ما في المعجم الكبير للطبراني عن خارجه بن زيد قال ليس يوم عاشوراء اليوم الذي تقوله الناس انما كان يوم تستر في الكعبة وتلعب فيه الحبشة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يدور في السنة وكان الناس ياتون فلانا اليهودي فيسالونه فلما مات اليهود اتو زيد بن ثابت فسالوه فصام صلى الله عليه وسلم ذلك اليوم وامر بصيامه حتى انه ارسل في ذلك اليوم اسلم بن حارثة إلى قومه وهم اسلم وقال مر قومك بصيام عاشوراء فقال ارايت ان وجدتهم قد طعموا قال فليتموا أي يمسكوا تعظيما لذلك اليوم
وفي دلائل النبوة للبيهقي عن بعض الصحابيات قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعظم يوم عاشوراء ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو يوم عاشوراء بالرضعاء فيتفل في افواههم ويقول للامهات لا ترضعنهم الى الليل
والظاهر ان المراد بيوم عاشوراء هذا اليوم الذي هو عاشر المحرم الهلالى لا الشمسي وكذا يقال في قوله وقيل سمى الخ فليتامل
وقيل سمى يوم عاشوراء لان عشرة من الانبياء اكرمهم الله تعالى فيه بعشر كرامات تاب الله فيه على آدم واستوت فيه سفينة نوح على الجودى أي فصامه نوح ومن معه حتى الوحش شكرا لله ورفع الله فيه ادريس ونصر الله فيه موسى ونجى فيه ابراهيم من النار وفيه اخرج يوسف من السجن أي وفيه ولد وردفيه على والده يعقوب واخرج فيه يونس من بطن الحوت أي وتاب الله على اهل مدينته وتاب الله فيه على داود وعوفى فيه ايوب
وفي كلام الحافظ ابن ناصر الدين عن ابي هريرة رضى الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان الله عز وجل افترض على بني اسرائيل صوم يوم في السنة وهو
يوم عاشوراء وهو اليوم العاشر من المحرم فصوموه ووسعوا على اهاليكم فيه فانه من وسع على اهله من ماله يوم عاشوراء وسع الله عليه سائر سنته فصوموه وهو اليوم الذي تاب الله فيه على آدم وذكر ما تقدم وزاد عليه وانه اليوم الذي انزل الله فيه التوراة على موسى وفيه فدى الله اسمعيل من الذبح وهو اليوم الذي رد الله فيه على يعقوب بصره وهو اليوم الذي رد الله فيه على سليمان ملكه وهو اليوم الذي غفر الله فيه لمحمد صلى الله عليه وسلم ذنبه ما تقدم وما تاخر واول يوم خلق من الدنيا يوم عاشوراء واول مطر نزل من السماء يوم عاشوراء واول رحمة نزلت من السماء يوم عاشوراء فمن صام يوم عاشوراء فكانما صام الدهر كله وهو صوم الانبياء الحديث بطوله ثم قال هذا حديث حسن ورجاله ثقات
وذكر الحافظ المذكور عن بعضهم قال كنت افت للنمل خبزا في كل يوم فلما كان يوم عاشوراء لم تاكل وتقدم ان الصرد اول طير صام عاشوراء
وفي كلام بعضهم ما قيل في يوم عاشوراء كانت توبة آدم الى اخر ما تقدم من الاحاديث الموضوعة وفي كلام بعض اخر ما يفعل فيه من اظهار الزينة بالخصاب والاكتحال ولبس الجديد وطبخ الحبوب والاطعمة والإغتسال والتطيب من وضع الكذابين
والحاصل ان الرافضة اتخذوا ذلك ماتما يندبون وينوحون ويحزنون فيه والجهال اتخذوا ذلك موسما وكلاهما مخطىء مخالف للسنة واما التوسعة فيه على العيال فحديثها وان لم يكن صحيحا فهو حسن خلافا لقول ابن تيمية ان التوسعة على العيال لم يرد فيها شىء عنه صلى الله عليه وسلم وكان صلى الله عليه وسلم يصوم عاشوراء كما تصومه اليهود أي ويوم عاشوراء مختلف لانه عند اليهود من السنة الشمسية وعند اهل الاسلام من السنة الهلالية
وفي مسلم عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صام يوم عاشورا وامر بصيامه قال له بعض الصحابة يا رسول الله انه يوم تعظمه اليهود فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا كان العام المقبل صمنا اليوم التاسع قبله أي مخالفة لليهود فلم يات العام المقبل حتى توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم
2 وفي هذا الحديث اشكال فان سياقه يدل على انه صلى الله عليه وسلم ما صام يوم عاشوراء ولا امر بصيامه الا في السنة التي توفى فيها وهو مخالف لما سبق
ويجاب عن هذا الاشكال بان المراد بقوله حين صام أي حين واظب على صومه اتفق ان قول بعض الصحابة ذلك كان في السنة التي توفى فيها وهو صلى الله عليه وسلم كان شانه موافقة اهل الكتاب قبل فتح مكة ومخالفتهم بعده كما تقدم وبعض متاخرى فقهائنا ظن ان قوله صلى الله عليه وسلم اذا كان العام المقبل ان شاء الله تعالى صمنا اليوم التاسع من تتمة حديث ولما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة وجد اليهود تصومه فصامه وامر بصيامه فاستشكل
واجاب بان المراد لما قدم من سفرة سافرها من المدينة بعدالهجرة أي وكان قدومه من تلك السفرة في السنة التي توفى فيها وقد علمت انهم حديثان قد علمت معنى الحديث الذي تتمته اذا كان العام المقبل وفي كون اغراق فرعون ونجاة موسى كان يوم قدومه صلى الله عليه وسلم يلزم عليه ان ذلك اليوم انتقل من ذلك الشهر الى اليوم العاشر من المحرم الذي هو الشهر الهلالي من السنة الثانية واستمر كذلك كما هو ظاهر سياق الاحاديث ان الذي واظب على صيامه انما هو ذلك اليوم كونه وافق اليهود على صوم ذلك اليوم ثم خالفهم في السنة الثانية وما بعدها من ابعد البعيد
ثم رايت ابا الريحان البيروتي نازع في ذلك في كتابة الاثار الباقية عن القرون الخالية حيث قال رواية ان الله اغرق فرعون ونجى موسى وقومه يوم قدومه صلى الله عليه وسلم المدينة الامتحان يشهد عليها بالبطلان وبين ذلك بما يطول وحينئذ يكون من جملة ما يحكم عليها بالبطلان اقرارهم على ذلك وكونه صلى الله عليه وسلم صامه وامر بصيامه وفرض الله عز وجل عليه صلى الله عليه وسلم وعلى امته صيام شهر رمضان او الاطعام عن كل يوم مسكينا بقوله تعالى { وعلى الذين يطيقونه } من الاصحاء المقيمين { فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا } أي زاد على اطعام المسكين { فهو خير له وأن تصوموا خير لكم } أي من الفطر والاطعام فكان من شاء صام ومن شاء اطعم عن كل يوم مدا
ثم ان الله تعالى نسخ هذا التخيير بايجاب صوم رمضان عينا بقوله { فمن شهد منكم الشهر } أي علمه { فليصمه } الا في حق من لا يستطيع صومه لكبر او لمرض لا يرجى زواله فيجزيه الاطعام ورخص فيه للمريض أي اذا كان بحيث تحصل له مشقة تبيح التيمم
============ج88888888888.
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب:السيرة الحلبية في سيرة الأمين المأمون
المؤلف:علي بن برهان الدين الحلبي
وللمسافر أي الذي يباح له قصر الصلاة وان لم يحصل له مشقة بالكلية مع وجوب القضاء اذا زال المرض والسفر بقوله تعالى { ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } أي فافطر فعليه صيام عدة ما افطر من ايام اخر وكانوا ياكلون ويشربون وياتون النساء مالم يناموا بعد الغروب او يدخل وقت العشاء الاخرة فاذا ناموا او دخل وقت العشاء الاخرة امتنع عليهم ذلك الى اللية القابلة ثم نسخ الله ذلك واحل الاكل والشرب واتيان النساء الى طلوع الفجر ولو بعد النوم ودخول وقت العشاء بقوله تعالى { أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم } ثم قال تعالى { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود } ولما فهم بعض الصحابة ان المراد الخيط حقيقة حتى صار يجعل عند وسادته حبلا ابيض وحبلا اسود انزل الله تعالى من الفجر اشارة الى ان المراد بياض النهار وسواد الليل
وذكر في التفسير في سبب نزول هذه الاية ان عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه واقع اهله بعد ما صلى العشاء فلما اغتسل اخذ يبكي ويلوم نفسه فاتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله اعتذر الى الله واليك من نفسي هذه الخاطئة اني رجعت الى اهلي فوجدت رائحة طيبة فسولت لي نفسي فجامعت اهلي فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما كنت جديرا بذلك يا عمر فقام رجال فاعترفوا بمثله فنزلت وذكر له صلى الله عليه وسلم ان بعض اصحابه سقط مغشيا عليه بسبب الصوم فساله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فاخبر انه اهل حرث وانه جاء لينظر ما تعمله له زوجته ليتعشى به فغلبته عينه فنام فلم يستيقظ الا بعد الغروب فلم يتناول شيئا فانزل الله تعالى { وكلوا واشربوا } الاية وقوله تعالى { كما كتب على الذين من قبلكم } جاء في بعض الروايات ان المراد بهم اهل الكتاب أي اليهود والنصارى وجاء في بعضها ان المراد بهم النصارى خاصة وجاء في بعض الروايات ان المراد بهم جميع الامم السابقة فقد جاء ما من امة الا وجب عليها صوم رمضان الا انهم اخطئوه ولم يهتدوا له وهذه الرواية تدل على انه لم يصمه احد من الامم السابقة فصومه من خصوصيات هذه الامة
وفي الانساب لابن قتيبة اول من صام رمضان نوح عليه الصلاة والسلام هذا كلامه وفي بعض الروايات ما يفيد ان النصارى صامته واتفق انه وقع في بعض السنين في شدة الحر فاقتضى رايهم تاخيره بين الصيف والشتاء وان يزيدوا في مقابلة تاخيره
عشرين يوما وعلى هذا فصومه ليس من خصائص هذه الامة وقيل التشبيه انما هو في مطلق الصوم لافي خصوص صوم رمضان لانه كان الواجب على جميع ما تقدم من الامم صوم ثلاثة ايام من كل شهر صام ذلك نوح فمن دونه حتى صامه النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم وتقدم ان تلك الايام التي صامها صلى الله عليه وسلم كانت البيض التي هي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر وتقدم انه قيل ان صوم ذلك كان واجبا عليه صلى الله عليه وسلم وعلى امته
وقيل كان الواجب عليه وعلى اصحابه قبل صوم رمضان عاشوراء وتقدم رده وكان فرض زكاة الفطر قبل العيد بيومين وكان صلى الله عليه وسلم يخطب قبل العيد بيومين يعلم الناس زكاة الفطر فيامر باخراج تلك الزكاة قبل الخروج إلى صلاة العيد أي بعد ان شرعت لان مشروعيتها تاخرت عن مشروعية صلاة عيد الاضحى وكان فرض زكاة الفطر قبل فرض زكاة الاموال وكان فرض زكاة الاموال في تلك السنة التي هي الثانية ولم اقف على خصوص الشهر الذي وجبت فيه قال بعضهم ولعل هذا محمل قول بعض المتاخرين المطلعين على الفقه والحديث لم يتحرر لي وقت فرض الزكاة أي زكاة المال ولعله عنى ببعض المتاخرين الامام سراج الدين البلقيني رحمه الله لان الامام سراج الدين البلقيني سئل هل علمت السنة التي فرضت فيها زكاة المال فاجاب بقوله لم يتعرض الحفاظ ولا اصحاب السير للسنة التي فرض فيها زكاة المال ووقع لي حديثان ظهر منهما تقريب ذلك ولم اسبق اليه ثم قال فقد ظهر ان زكاة المال بعد زكاة الفطر وقيل قدوم ضمام بن ثعلبة وقدومه كان في السنة الخامسة هذا كلامه
وقيل فرضت زكاة الفطر قبل الهجرة وعليه يحمل ظاهر مافي سفر السعادة كان صلى الله عليه وسلم يرسل مناديا ينادي في الاسواق والمحلات والازقة من مكة ألا ان صدقة الفطر واجبه على كل مسلم ومسلمة الحديث
ورد بانه لم يفرض قبل الهجرة بعد الايمان الا الصلوات الخمس وكل الفروض فرضت بعد الهجرة وفيه انه فرض قيام الليل كما تقدم وصلاة الركعتين بالغداة والركعتين بالعشى على ما تقدم الا ان يقال المراد الفروض الموجودة الان المستمر فرضها وما تقدم عن سفر السعادة يجوز ان يكون صلى الله عليه وسلم يرسل المنادي الذي ينادي في مكة بوجود زكاة الفطر وهو بالمدينة بعد وجوبها بالمدينة وامر صلى الله عليه وسلم ان
تخرج زكاة الفطر عن الصغير والكبير والحر والعبد والذكر والانثى صاع من تمر او صاع من شعير او صاع من زبيب او صاع من بر فكان يصلى العيدين قبل الخطبة بلا اذان ولا اقامه أي بل يقال الصلاة جامعة لكن في سفر السعادة وكان صلى الله عليه وسلم اذا بلغ المصلى شرع في الصلاة من وقته بلا اذان ولا اقامه ولا الصلاة جامعة والسنة ان لا يكون شىء من هذا كله هذا كلامه وكانت تحمل العنزة بين يديه فاذا وصل المصلى نصبت تجاهه وهي عصا قدر نصف الرمح في اسفلها زج من حديد وكانت تلك العنزة للزبير بن العوام قدم بها من ارض الحبشة فاخذها منه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يصلى اليها أي اخذها منه بعد وقعة بدر وقد قتل بها الزبير عبيدة بفتح العين المهملة وبضمها ابن سعيد بن العاص الذي كان يقال له ابو ذات الكرش قال الزبير لقيته لا يرى منه الا عيناه فقال لي انا ابو ذات الكرش فحملت عليه بالعنزة فطعنته في عينه فمات واردت اخراجها فوضعت رجلي عليه ثم تمطيت فكان الجهد ان نزعتها وقد انثنى طرفها ولما قبض صلى الله عليه وسلم اخذها الزبير ثم طلبها أبو بكر رضي الله تعالى عنه فأعطاه إياها فلما قبض أبو بكر رضي الله تعالى عنه أخذها الزبير ثم سألها عمر رضى الله تعالى عنه فاعطاه اياها فلما قبض عمر اخذها ثم طلبها عثمان فاعطاه اياها فلما قتل دفعت الى على ثم اخذها عبدالله بن الزبير فكانت عنده حتى قتل
وكان صلى الله عليه وسلم اذا رجع من صلاة عيد الفطر وخطبته يقسم زكاة الفطر بين المساكين ولعل المراد الزكاة المتعلقة به لانه تقدم انه صلى الله عليه وسلم كان يامر الناس باخراجها قبل الصلاة الا ان يقال المراد باخراجها جمعها له صلى الله عليه وسلم ليفرقها
واذا فرغ صلى الله عليه وسلم من صلاة الاضحى وخطبته يؤتى له بكبشين وهو قائم في مصلاه فيذبح احدهما بيده ويقول هذا عن امتي جميعا من شهد لك بالتوحيد وشهد لي بالبلاغ
وعند الحاكم عن ابي سعيد الخدري رضى الله تعالى عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح كبشا اقرن بالمصلى أي بعد ان قال بسم الله والله اكبر وقال اللهم هذا عني وعمن لم يضح من امتي
استدل بذلك على ان من خصائصه صلى الله عليه وسلم ان يضحى عن غيره بغير
اذنه ويذبح الاخر ويقول هذا عن محمد وال محمد فياكل هو واهله منهما ويطعم المساكين ولم يترك الاضحيه قط وهل كانت الانبياء من بعد ابراهيم تضحي هم وأممهم او هم خاصة وكان في مسجده صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة قبل ان يوضع له المنبر يخطب ويسند ظهره الى اسطوانة من جذوع النخل او من الدوم وهو شجر المقل
وعبارة بعضهم كان يخطب الناس وهو مستند الى جذع عند مصلاه في الحائط القبلي فلما كثر الناس أي وقالوا له صلى الله عليه وسلم لو اتخذت شيئا تقوم عليه اذا خطبت يراك الناس وتسمعهم خطبتك فقال ابنوا لي منبرا فلما بنى له المنبر عتبتين اى ومحل الجلوس فكان ثلاث درجات وقام عليه في يوم جمعة أي وخطب وفي لفظ لما عدل إلى المنبر ليخطب عليه وجاوز ذلك الجذع سمع لتلك الاسطوانة حنين كحنين الوالة بصوت هائل سمعه اهل المسجد حتى ارتج اى اضطرب المسجد وكثر بكاء الناس لذلك ولا زالت تحن حتى تصدعت وانشقت اى وفي رواية سمع له صوت كصوت العشار اى النوق التي اتى لحملها عشرة اشهر وقيل التي اخذ ولدها وفي بعض الروايات كحنين الناقة الحاوج وهي التي انتزع ولدها منها وفي رواية جأر بفتح الجيم وبعدها همزة مفتوحة اى صوت او بالحاء المعجمة بلا همزة وهو بمعناه كخوار الثور فنزل صلى الله عليه وسلم فالتزمها وحضنها أي فجعلت تئن انين الصبي الذي يسكت فيسكت
أي وفي كلام بعضهم وذكر الاسفراينى ان النبي صلى الله عليه وسلم دعاه الى نفسه فجاءه يخرق الارض فالتزمه فعاد الى مكانه وفى رواية ووضع يده عليها وقال لها اسكني واسكتي فسكتت وفي رواية ان هذا اى الجذع يبكي لما فقد من الذكر والذي نفسي بيده لو لم التزمه لم يزل هكذا أي يحن الى يوم القيامة زاد في رواية حزنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله لما فقد من الذكر هو واضح على الرواية الاولى واما على الثانية فالمراد لما يفقده من الذكر والى حنين الجذع اشار الامام السبكى رحمه الله تعالى في تائيته بقوله ** وحن اليك الجذع حين تركته ** حنين الثكالى عند فقد الاحبة **
وعن بعضهم قال قال لي الامام الشافعي رضى الله تعالى عنه ما اعطى الله نبيا ما اعطى محمدا صلى الله عليه وسلم فقلت اعطى عيسى احياء الموتى فقال اعطى
محمدا صلى الله عليه وسلم حنين الجذع فهذا اكبر من ذاك وفي رواية لا تلوموه أي الجذع على حنينه فان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفارق شيئا الا وجد عليه أي حزن وفي رواية انه قال له ان شئت اردك الى الحائط أي البستان الذي كنت فيه تنبت لك عروقك ويكمل خلقك ويجدد لك خوص وثمرة وان شئت اغرسك في الجنة فيأكل اولياء الله من ثمرك ثم اصغى له صلى الله عليه وسلم يسمع ما يقول فقال بصوت سمعه من يليه بل تغرسني في الجنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فعلت قد فعلت وفي رواية لما اصغى اليه رسول الله صلى الله عليه وسلم الله سئل فقال اختار ان اغرسه في الجنة أي وفي رواية اختار دار البقاء على دار الفناء ولا يخالف ما قبله لانه يجوز ان يكون السائل من غير من سمع جوابه وامر به فدفن تحت المنبر وقيل جعل في السقف واخذ عنده ابى رضى الله عنه بعد ان هدم المسجد وازيل سقفه فكان عنده الى ان اكلته الارضة وعاد رفاتا أي متكسرا من شدة اليبس
اقول في سيرة الحافظ الدمياطى قالوا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة يخطب الى جذع في المسجد قائما فقال ان القيام شق علي فقال له تميم الدارى الا اعمل لك منبرا كما رأيت يصنع بالشام أي تصنعه النصارى في كنائسهم لاساقفتهم تسمى المرقاة يصعدون اليها عند تذكيرهم فتشاور رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المسلمين في ذلك فراوا ان يتخذوه فقال العباس بن عبد المطلب رضى الله عنهما ان لي غلاما يقال له كلاب اعلم الناس أي بالنجارة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مره ن يعمله فارسله الى اثلة بالغابة فقطعها ثم عمل منها درجتين ومقعدا ثم جاء به فوضعه في موضعه اليوم فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام عليه أي وقال ان اتخذ منبرا فقد اتخده ابى ابراهيم أي ولعله صلى الله عليه وسلم عنى به المقام الذي كان يقوم عليه عند بناء البيت وهو الحجر الا ان ثبت ان ابراهيم كان له منبر يحدث عليه الناس
وعن ابن عمر رضى الله تعالى عنهما قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم وهو عند المنبر يقول ياخذ الجبار بسمواته وارضه بيده ثم يقول انا الجبار انا الجبار اين الجبارون اين المتكبرون ويميل يعني النبي صلى الله عليه وسلم عن يمينه وشماله حتى نظرت الى المنبر يتحرك حتى اني اقول اساقط هو برسول الله صلى الله عليه وسلم وفي
رواية عنه فقال المنبر هكذا وهكذا فجاء وذهب ثلاث مرات وفي رواية عن عائشة رضى الله تعالى عنها فرجف برسول الله صلى الله عليه وسلم منبره حتى قلن ليحزن وقال منبري هذا على ترعه بضم المثناة فوق واسكان الراء وبالعين المهملة من ترع الجنة أي افواه جداول الجنة وقوائم منبري رواتب أي ثوابت في الجنة وقال صلى الله عليه وسلم منبري على حوضي وقال ان حوضي كما بين عدن الى عمان اشد بياضا من اللبن واحلى من العسل واطيب رائحة من المسك اباريقه عدد نجوم السما من شرب منه شربة لم يظما بعدها ابدا واكثر الناس ورودا عليه يوم القيامة فقراء المهاجرين قلنا من هم يا رسول الله قال الشعثة رؤسهم الدنسة ثيابهم الذين لا ينكحون المنعمات ولا تفتح لهم السدد أي الابواب الذين يعطون الذي عليهم ولا ياخذون الذي لهم وقال صلى الله عليه وسلم مابين قبري ومنبري وفي رواية يدل قبري بيتي وفي لفظ حجرتي والمراد قبره الشريف فانه في حجرته وحجرته هي بيته صلى الله عليه وسلم روضة من رياض الجنة أي يكون بعينه في الجنة بقعة من بقاعها أي ينقلها الله تعالى فتكون في الجنة بعينها
وقيل ان الصلاة والدعاء فيها يستحق بذلك من الثواب ما يكون موجبا لدخول الجنة كما قيل بذلك في قوله صلى الله عليه وسلم الجنة تحت ظلال السيوف مع ان تلك السيوف كانت بارض الكفر وقيل انها لبركتها اضيفت الى الجنة كما قيل في الضان انها من دواب الجنة
وقال ابن حزم ليس على ما يظنه اهل الجهل من ان تلك الروضة قطعة مقتطعة من الجنة وقال صلى الله عليه وسلم من حلف على منبري كاذبا ولو على سواك اراك فيتبوأ مقعده من النار وفي رواية الا وجبت له النار
اقول وجاء انه صلى الله عليه وسلم كان على المنبر يعتمد على عصا من شوحط وفي الهدى لم يعتمد صلى الله عليه وسلم في خطبته على سيف ابدا وقبل ان يتخذ له المنبر كان يعتمد على قوس او عصا أي وقيل كان يعتمد على قوس ان خطب في الحرب على عصا ان خطب في غيره
واختلف فيها يعني تلك العصا هل هي العنزة لتي كان يصلي اليها او غيرها وما يظنه بعض الناس من انه كان يعتمد على سيف وان ذلك اشارة الى ان الدين قام
بالسيف فمن فرط جهله هذا كلامه وفيه ان بعض فقهائنا ذكر ان اعتماده في خطبته كان على سيف روى ولم يثبت
وذكر فقهاؤنا تلك الحكمة حيث قالوا وحكمة اعتماده على العصا او القوس او السيف الاشارة إلى ان هذا الدين قام بالسلاح وقول صاحب الهدى وكان قبل ان يتخذ المنبر يعتمد على قوس او عصا يقتضى ان بعد اتخاذ المنبر لم يعتمد على شىء من ذلك أي وصرح به صاحب القاموس في سفر السعادة حيث قال لم يكن ياخذ السيف والحربة بيده بل كان يعتمد على القوس او العصا وذا قبل اتخاذ المنبر واما بعد اتخاذ المنبر فلم يحفظ انه اعتمد على العصا ولا على القوس ولا على غير ذلك هذا كلامه فيكون الاعتماد على ذلك فوق المنبر بدعة وهو خلاف ما عليه ائمتنا من انه يسن ان يشغل يمناه بحرف المنبر ويسراه بما يعتمد عليه من نحو العصا لكن قالوا كعادة من يريد الضرب بالسيف والرمي بالقوس وهو لا ياتي في العصا ولا ياتي في السيف اذا كان في غمده
ووجود المرقى الذى يقرأ الاية والخبر المشهور بدعة لانه حدث بعد الصدر الاول ولم اقف على اول زمان فعل فيه ذلك لكن ذكر بعضهم انه صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع امر من يستنصت له الناس عند ارادة خطبته وعليه ان كان استنصتهم بالحديث فذكر المرقى للخبر ليس من البدعة الا ان يقال هو بالنسبة لخطبة الجمعة بدعة لانه صلى الله عليه وسلم كان يذكر الحديث على المنبر فالسنة ان يذكره الخطيب كذلك
ففي سفر السعادة وكان صلى الله عليه وسلم في اثناء الخطبة يامر الناس بالانصات ويقول ان الرجل اذا قال لصاحبه انصت فقد لغا ومن لغا فلا جمعة له وكان صلى الله عليه وسلم يقول من تكلم يوم الجمعة والامام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل اسفارا والذي يقول انصت ليس له جمعة
وقول الحافظ الدمياطي كان صلى الله عليه وسلم يخطب على جذع قائما وانه قال ان القيام شق على يقتضى ان حنين الجذع كان عند قيامه على ذلك المنبر من الخشب وانه لم يتخذ قبل ذلك المنبر من الطين الذي قدمناه وفيه نظر وكذا في قوله وقال له تميم الدارى الى اخره لان تميما الدارى انما اسلم في السنة التاسعة وهذا المنبر الذي من الخشب انما فعل في السابعة او الثامنة وعلى هذا اقتصر الاصل حيث قال في الحوادث
وفيها أي السنة الثامنة اتخاذ المنبر والخطبة عليه وحنين الجذع وهو اول منبر عمل في الاسلام وهو في ذلك موافق لما قدمه هو أي الاصل من اتخاذ المنبر له من الطين قبل ذلك وانه كان عنده حنين الجذع
وعلى كون المنبر عمل في الثامنة لا يشكل كون العباس رضى الله تعالى عنه امر غلامه بعمله لان العباس رضى الله عنه قدم المدينة في السنة الثامنة لكن في بعض الروايات انه صلى الله عليه وسلم دعا رجلا فقال اتصنع لي المنبر قال نعم قال ما اسمك قال فلان قال لست بصاحبه ثم دعا اخر فقال له مثل ذلك ثم دعا الثالث فقال له ما اسمك قال ابراهيم قال خذ في صنعته فصنعه وفي رواية عمله رجل رومى اسمه باقوم غلام سعيد بن العاص أي ولعله هو الذي تقدم ذكره عند بناء قريش للكعبة
وفي رواية انه صلى الله عليه وسلم ارسل الى امراه فقال لها مرى غلامك يعمل لي اعوادا اكلم الناس عليها فعمل له صلى الله عليه وسلم درجات من طرفاء الغابة ويجوز ان يكون غلام العباس رضى الله تعالى عنه انتقل الى ملك تلك المرأه وانه كان غلاما لسعيد بن العاص وانه اشترك في عمله مع ابراهيم المتقدم ذكره فنسب لكل منهما
فعلم من كلام الاصل في غير الحوادث انه كان صلى الله عليه وسلم يخطب اولا على الجذع ثم على المنبر من الطين وان حنين الجذع كان عند قيامه صلى الله عليه وسلم على ذلك المنبر من الطين وهو مخالف لكلامه في الحوادث ان حنين الجذع كان عند اتخاذه صلى الله عليه وسلم المنبر من الخشب ويكون ذكر حنين الجذع عند القيام عليه من تصرف بعض الرواة لان حنين الجذع لم يتكرر حتى يقال جاز ان يكون كان عند قيامه صلى الله عليه وسلم على المنبر من الطين ثم عند قيامه على المنبر من الخشب
ثم رأيته في النور رجع كلام الاصل في غير الحوادث الى كلام الاصل في الحوادث من انه صلى الله عليه وسلم لم يكن له منبر من طين حيث قال قوله أي الاصل فبنوا له منبرا وهذا الكلام فيه تجوز يعنى اتخذوا له منبرا وذلك لان المنبر كان من طرفاء الغابة وهو شجر معروف هذا كلامه وليته عكس لان هذا منه يقتضى حينئذ ان يكون صلى الله عليه وسلم استمر من حين خطب في المسجد الى السنة الثامنة يخطب الى الجذع لان المنبر من الخشب اتخذ في السنة الثامنة كما تقدم عن الاصل
ويشكل عليه قول عائشة رضى الله تعالى عنها في قصة الافك فثار الحيان الاوس والخزرج حتى كادوا ان يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر لان قصة الافك كانت في سنة خمس
ثم رايت في كتاب الشريعة للاجرى عن انس بن مالك رضى الله تعالى عنه كان صلى الله عليه وسلم يخطب مسندا ظهره الى خشبة فلما كثر الناس قال ابنوا لي منبرا فبنوا له عتبتين أي غير المستراح فلما قام على المنبر يخطب حنت الخشبة الحديث
وعن سهل بن سعد رضى الله تعالى عنه لما كثر الناس وصار يجىء القوم ولا يكادون يسمعون رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخطبة قال الناس يا رسول الله قد كثر الناس وكثير منهم لا يكاد يسمع كلامك فلو انك اتخذت شيئا تخطب عليه مرتفعا من الارض ويسمع الناس كلامك فارسل صلى الله عليه وسلم الى غلام نجار لامرأة من الانصار فاتخذ له مرقاتين من طرفاء الغابة فلما قام حنت الخشبة التي كان يخطب اليها هذا كلامه وهو موافق لما تقدم عن الاصل في الحوادث
والذي ينبغي الجمع بين الروايتين لان ما علم من ان اتخاذ المنبر من طرفاء الغابة كان بعد اتخاذه من الطين لانه اقوى في الارتفاع من منبر الطين وكون حنين الجذع عند اتخاذ المنبر من الطرفاء من تصرف بعض الرواة لان حنينه انما كان عند اتخاذ المنبر من الطين ولم يتكرر حنينه كما تقدم
ولما ولى معاوية الخلافة كسا ذلك المنبر قبطية ثم كتب الى عاملة بالمدينة وهو مروان ابن الحكم ان يرفع ذلك المنبر عن الارض فدعا بالنجارين وفعل ست درج ورفع ذلك المنبر عليها فصارت تسع درجات وهذا يدل على ان قوله فاتخذ له مرقاتين أي غير المستراح ومن ثم تقدم فعمل له درجات
وقيل امره بحمله الى الشام فلما ارادوا قلعة اظلمت المدينة وكسفت الشمس حتى بدت النجوم وثارت ريح شديدة فخرج مروان الى الناس فخطبهم وقال يا اهل المدينة انكم تزعمون ان امير المؤمينن بعث الى ان ابعث اليه بمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وامير المؤمنين اعلم بالله من ان يغير منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم انما امرني ان اكرمه وارفعه ففعل ما تقدم
وقيل ان معاوية لما حج اراد ان ينقل المنبر الى الشام فحصل ما تقدم من كسوف
الشمس الخ فاعتذر معاوية للناس وقال اردت ان انظر الى ما تحته وخشيت عليه من الارضة وكساه يومئذ قبطية
ولا مانع من تعدد الواقعة وان واقعة معاوية سابقة على واقعة مروان لقوله لانظر ما تحته والا فمروان رفعه عن الارض
ثم ان هذا المنبر احرق بسبب الحريق الواقع في المسجد اول مرة فارسل صاحب اليمن منبرا فوضع موضعه مكث عشر سنين
وفي الامتاع ثم تهافت المنبر النبوى على طول الزمان فعمل بعض خلفاء بني العباس منبرا واتخذ من اعواد المنبر النبوى امشاطا يتبرك بها فاحترق هذا المنبر المجدد في حريق المسجد فبعث المظفر ملك اليمن منبر هذا كلامه ثم ارسل الملك الظاهر بيبرس من مصر منبرا فرفع منبر صاحب اليمن ووضع منبر الملك الظاهر فمكث مائة سنة واثنتين وثلاثين سنة فبدأفيه اكل الارضة فارسل الظاهر برقوق منبرا فرفع منبر الملك الظاهر بيبرس ووضع منبر الملك الظاهر برقوق ومكث ثلاثا أو اربعا وعشرين سنة
ثم ان السلطان المؤيد شيخ لما بنى مدرسته بالقاهرة التي يقال لها المؤيدية عمل اهل الشام له منبرا وارسلوا به اليه ليجعله في مدرسته فوجد اهل مصر قد صنعوا لها منبرا فسير المؤيد منبر اهل الشام إلى المدينة فمكث سبعا وستين سنة ثم احرق في الحريق الواقع في المسجد ثاني مرة ثم جعل موضعه منبر مبنى بالاجر مطلى بالنورة فمكث احدى وعشرين سنة ثم جعل موضعة المنبر الرخام الموجود الان
قيل واعجب منبر في الدنيا منبر جامع قرطبة قاعدة بلاد الاندلس بالمغرب ذكر ان خشبه من ساج وابنوس وعود قاقلى احكم عمله ونقشه في سبع سنين وكان يعمل فيه سبع صناع لكل صانع في كل يوم نصف مثقال ذهب فكان جملة ما صرف على اجرته عشرة الاف مثقال وخمسين مثقالا وبالجامع المذكور مصحف فيه اربع ورقات من مصحف عثمان بن عفان رضى الله تعالى عنه بخط يده وفيه نقط من دمه وفي هذا المسجد ثلاثة اعمدة حمر مكتوب على احدها اسم محمد صلى الله عليه وسلم وعلى الثاني صفة عيسى وموسى عليهما الصلاة والسلام واهل الكهف وعلى الثالث صورة غراب نوح الجميع خلقة ربانية ولا بدع
فقد ذكر بعضهم رايت بحمام القاهرة رخامة عليها مكتوب بسم الله الرحمن الرحيم مفسرا يقرؤه كل احد خلقه
وعن سهل قال رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم اول يوم جلس على المنبر أي من الخشب كبر فكبر الناس خلفه ثم ركع وهو على المنبر ثم رجع فنزل القهقرى ثم سجد في اصل المنبر ثم عاد حتى اذا فرغ من الصلاة يصنع فيها كما يصنع في الركعة الاولى فلما فرغ اقبل على الناس وقال ايها الناس انما صنعت هذا لتأتموا بي ولتعلموا صلاتي وقوله لتأتموا بي أي تقتدوا بي في مثل هذا الفعل من الاحرام والركوع على المحل المرتفع ثم النزول عنه والسجود تحته ثم الصعود اليه وهكذا الى ان تتم الصلا وهذا عند أئمتنا مخصوص جوازه بما اذا لم يلزم عليه استدبار القبلة او توالى حركات ثلاث وقوله ولتعلموا صلاتي هو واضح لو كان ذلك اول صلاة الا ان يقال المراد ولتعلموا جواز صلاتي هذه
وفي كلام فقهائنا انه صلى الله عليه وسلم كان ينزل من المنبر ويسجد للتلاوة اسفل المنبر واخر الأمرين ترك ذلك فعلم ان منبره صلى الله عليه وسلم كان ثلاث درجات بالمستراح وحينئذ يشكل ان صح ما روى ان ابا بكرنزل درجة عن موقفه صلى الله عليه وسلم وعمر نزل درجة اخرى وعثمان درجة اخرى ومن ثم قال في النور وهذا يدل على انه كان اكثر من ثلاث درجات أي اربعة غير المستراح والا يلزم ان يكون عمر وعثمان كانا يخطبان على الارض
قال ويمكن تأويله هذا كلامه ولينظر ما تأويله فانه يلزم على كونه درجتين غير المستراح ان يكون الصديق كان يخطب على الدرجة الثانية وعمر يخطب على الارض وان عثمان فعل كفعل عمر وحينئذ لا يحسن قولهم وعثمان نزل درجة اخرى اذ لا درجة بعد الدرجة الثانية ينزل عنها وحينئذ يشكل مافي الامتاع وهو كان منبره صلى الله عليه وسلم درجتين ومجلسا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس على المجلس ويضع رجليه اذا قعد على الدرجة الثانية فلما ولى ابو بكر رضى الله تعالى عنه قام على الدرجة الثانية ووضع رجليه على الدرجة السفلى فلما ولى عمر رضى الله تعالى عنه قام على الدرجة السفلى ووضع رجليه على الارض اذا قعد فلما ولى عثمان رضى الله تعالى عنه فعل كذلك أي كفعل عمر ست سنين من خلافته ثم علا الى موضع وقوفه صلى الله عليه وسلم هذا كلامه
وكان ينبغي ان يقول بدل قوله فلما ولى ابو بكر قام على الدرجة الثانية جلس على الدرجة الثانية وكذا قوله فلما ولى عمر قام على الدرجة السفلى جلس على الدرجة السفلى أي فقد خطب على الارض وكذا عثمان
وذكر فقهاؤنا أن منبره صلى الله عليه وسلم كان ثلاث درج غير الدرجة التي تسمى المستراح وتسمى بالمقعد والمجلس فكان صلى الله عليه وسلم يقف على الثالثة أي بالنسبة للسفلى وإذا جلس يجلس على المستراح ويجعل رجليه محل وقوفه إذا قام للخطبة وكذا الخلفاء الثلاثة كل يجعل رجليه محل وقوفه
ويذكر أن المتوكل قال يوما لجلسائه وفيهم عبادة أتدرون ما الذي نقم على عثمان نقم عليه أشياء منها أنه قام أبو بكر رضي الله تعالى عنه دون مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمرقاة ثم قام عمر رضي الله تعالى عنه عنه دونه بمرقاة فصعد عثمان رضي الله تعالى عنه ذروة المنبر فقال له عبادة ما أحد أعظم منه عليك يا أمير المؤمنين من عثمان قال وكيف ذاك قال لأنه صعد ذروة المنبر وإنه لو كان كلما قام خليفة نزل عمن تقدمه كنت أنت تخطبنا في بئر عميق فضحك المتوكل ومن حوله وكون عثمان صعد ذروة المنبر إنما هو في آخر الأمر كما علمت
وفي كلام بعضهم أول من اتخذ المنبر خمس عشرة درجة معاوية رضي الله تعالى عنه وأنه أول من اتخذ الخصيان في الإسلام وأول من قيدت بين يديه الجنائب وعثمان أول من كسا المنبر قبطية
وعن الواقدي أن امرأة سرقت كسوة عثمان للمنبر فأتى بها إليه فقال لها عثمان هل سرقت قولي لا فاعترفت فقطعها ثم كساه معاوية كما تقدم ثم كساه عبد الله ابن الزبير فسرقتها امرأة فقطعها كما قطع عثمان ثم كساه الخلفاء من بعده & باب غزوة بدر الكبرى
ويقال لها بدر العظمى ويقال لها بدر القتال ويقال بدر الفرقان أي لأن الله تعالى فرق فيها بين الحق والباطل
ثم إن العير التي خرج صلى الله عليه وسلم في طلبها حتى بلغ العشيرة ووجدها سبقته بأيام لم يزل مترقبا قفولها أي رجوعها من الشأم فلما سمع بقفولها من الشأم ندب المسلمين
أي دعاهم وقال هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا اليها لعل الله أن ينفلكموها فانتدب ناس أي أجابوا وثقل آخرون أي لم يجيبوا لظنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يلق حربا ولم يحتفل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أي لم يهتم بها بل قال من كان ظهره أي ما يركبه حاضرا فليركب معنا ولم ينتظر من كان ظهره غائبا عنه
ولما خرج صلى الله عليه وسلم إلى بدر قالت له أم ورقة بنت نوفل يا رسول الله ائذن لي في الغزو معك أمرض مرضاكم لعل الله يرزقني الشهادة فقال لها قرى في بيتك فإن الله يرزقك الشهادة وكانت قد قرأت القرآن فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزورها ويسميها الشهيدة فكان الناس يقولون لها الشهيدة فلما كان زمن خلافة سيدنا عمر عدا عليها غلام وجارية كان دبرتهما فغمياها بقطيفة إلى أن ماتت فجيء بهما إلى سيدنا عمر فأمر بصلبهما فكانا أول مصلوب بالمدينة وقال صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول انطلقوا بنا نزور الشهيدة
فكان أبو سفيان حين دنا بالعير من أرض الحجاز يتجسس الأخبار أي يبحث عنها ويسأل من لقي من الركبان تخوفا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فبلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استنفر أصحابه للعير أي ويقال إنه لقي رجلا فأخبره أنه صلى الله عليه وسلم قد كان عرض لغيره في بدايته وأنه تركه مقيما ينتظر رجوع العير فخاف خوفا شديدا فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري أي استأجره بعشرين مثقالا ولا يعرف له إسلام والذي من الصحابة ضمضم بن عمر الخزاعي ليأتي مكة أي وأن يجدع بعيره وأن يحول رحله ويشق قميصه من قبله ومن دبره إذا دخل مكة ويستنقر قريشا ويخبرهم أن محمدا قد عرض لعيرهم هو وأصحابه فخرج ضمضم سريعا إلى مكة وقبل أن يقدم بثلاث ليال رأت عاتكة بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم اختلف في إسلامه رؤيا أفزعتها فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب فقالت له يا أخي والله لقد رأيت الليلة رؤيا أفظعتني أي اشتدت على وتخوفت أن يدخل على قومك منها شر ومصيبة فاكتم عني ما أحدثك
قال وفي رواية أنها قالت له لن أحدثك حنى تعاهدني أن لا تذكرها فإنهم إن
سمعوها تعني كفار قريش آذونا واسمعونا ما لا نحب فعاهدها العباس اه فقال لها ما رأيت قالت رأيت راكبا أقبل على بعير له حتى وقف بالأبطح أي وهو ما بين المحصب ومكة ثم صرخ بأعلى صوته ألا فانفروا يا آل غدر أي يا أصحاب الغدر وعدم الوفاء إلى مصارعكم في ثلاث أي بعد ثلاثة أيام
وفي كلام السهيلي يا آل غدر بضم الغين والدال جمع غدور أي إن تخلفتم فأنتم غدر لقومكم قالت فأرى الناس اجتمعوا إليه ثم دخل المسجد والناس يتبعونه فبينما هم حوله مثل به بعيره أي انتصب به على ظهر الكعبة ثم صرخ بمثلها ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيس فصرخ بمثلها ثم أخذ صخرة فأرسلها فأقبلت تهوى حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضت أي تكسرت فما بقي بيت من بيوت مكة ولا دار إلا دخلها منه فلقة فقال لها العباس والله إن هذه لرؤيا وأنت فاكتميها ولا تذكريها لأحد ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة أي وكان صديقا له فذكرها له أي واستكتمه فذكرها الوليد لأبيه عتبة فتحدث بها ففشا الحديث قال العباس فغدوت لأطوف بالبيت وأبو جهل بن هشام في رهط من قريش قعود يتحدثون برؤيا عاتكة فلما رآني أبو جهل قال يا أبا الفضل إذا فرغت من طوافك فأقبل إلينا فلما فرغت أقبلت حتى جلست معهم فقال أبو جهل لعنه الله يا بني عبد المطلب متى حدثت فيكم هذه النبية قال قلت وما ذاك قال ذاك الرؤيا التي رأت عاتكة فقلت وما رأت قال يا بني عبد المطلب أما رضيتم أن تستنبأ رجالكم حتى تستنبأ نساؤكم
وفي رواية ما رضيتم يا بني هاشم بكذب الرجال حتى جئتمونا بكذب النساء اه قال أبو جهل قد زعمت عاتكة في رؤياها أنه قال انفروا في ثلاث فسنتربص بكم هذه الثلاث فإن يك حقا ما تقول فسيكون وإن تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيء نكتب عليكم كتابا أنكم أكذب أهل بيت في العرب قال العباس فوالله ما كان مني إليه كبير إلا أني جحدت ذلك وأنكرت أن تكون رأت شيئا وفي رواية أن العباس قال لأبي جهل هل أنت منته يا مصفر استه أي يا مابون أو يا جبان أو الذي يغير لون البرص الذي بمقعدته الزعفران فإن الكذب فيك وفي أهل بيتك فقال من حضرهما ما كنت يا أبا الفضل جهولا ولا خرقا ولقي العباس رضي الله تعالى عنه من أخته عاتكة أذى شديدا حين أفشى من حديثها قال العباس فلم أمسيت لم تبق امرأة من بني عبد المطلب
إلا أتتني أقررتم أي قائلة أقررتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم ثم قد تناول النساء وأنت تسمع ثم لم يكن عندك غيرة لشيء مما سمعت
ثم قلت لهن وايم الله لأتعرضن له وإن عاد قاتلته وغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة وأنا مغضب أرى أني قد فاتني منه أمر أحب أن أدركه منه فدخلت المسجد فرأيته فوالله إني لأمشي نحوه أتعرضه ليعود إلى بعض ما قال فأوقع به إذ هو قد خرج نحو باب المسجد يشتد أي يعدو فقلت في نفسي ماله لعنه الله أكل هذا فرق أي خوف مني فإذا هو يسمع ما لم أسمع سمع صوت ضمضم بن عمرو الغفاري وهو يصرخ ببطن الوادي واقفا على بعيره قد جدع بعيره أي قطع أنفسه وأذناه وحول رحله وشق قميصه وهو يقول يا معشر قريش اللطمة اللطيمة أي أدركوا اللطيمة وهي العير التي تحمل الطيب والبز أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها وفي لفظ إن أصابها محمد لم تفلحوا أبدا الغوث الغوث قال العباس فشغلني عنه وشغله عني ما جاء من الأمر فتجهز الناس سراعا أي وفزعوا أشد الفزع وأشفقوا أي خافوا من رؤيا عاتكة
ويروى أنه قالوا أيظن محمد واصحابه ان تكون كعير ابن الحضرمي والله ليعلمن غير ذلك فكانوا بين رجلين إما خارج وإما باعث مكانه رجلا أي وأعان قويهم ضعيفهم وقام أشراف قريش يحضون الناس على الخروج وقال سهيل بن عمرو يا آل غالب أتاركون أنتم محمدا والصباة من أهل يثرب يأخذون أموالكم من أراد مالا فهذا مالي ومن أراد قوتا فهذا قوتي ولم يتخلف من أشراف قريش إلا أبو لهب أي خوفا من رؤيا عاتكة فإنه كان يقول رؤيا عاتكة كأخذ بيد أي صادقة لا تتخلف وبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة أي استأجره بأربعة آلاف درهم كانت له عليه دينا أفلس بها أي قال له أخرج وديني لك أي ويقال إن ذلك الدين كان ربا ومن ثم جاء في لفظ وكان لاطه بأربعة آلاف درهم قال أبو عبيد وسمى الربا لياطا لأنه ملصق بالبيع وليس ببيع
وفي كلام البلاذري أنه قامر أبا لهب على أن يطيعه فيما أراد فقمره أبو لهب فأسلمه إلى ضيق أي ضيق عليه بالطلب ثم قامره فقمره أبو لهب أيضا فأرسله مكانه إلى بدر
وهشام هذا قتله عمر بن الخطاب في هذه الغزوة حتى إن أمية بن خلف أراد القعود وكان شيخا جسيما ثقيلا فجاء إليه وهو جالس مع قومه عقبة بن أبي معيط بمجمرة فيها مجمر أي بخور يحملها حتى وضعها بين يديه ثم قال يا أبا علي استجمر فإنما أنت من النساء فقال له قبحك الله وقبح ما جئت به أي وكان عقبة كما في فتح الباري سفيها وكان أبو جهل سلط عقبة على ذلك وفي لفظ أتاه أبو جهل فقال له يا ابا صفوان إنك متى يراك الناس قد تخلفت وأنت سيد أهل الوادي وفي لفظ وأنت من أشراف الوادي تخلفوا معك فسر يوما أو يومين أي ولا مانع من وجود ذلك كله فتجهز مع الناس
أي وسبب تخلفه أن سعد بن معاذ قدم مكة معتمرا فنزل عليه لأن أمية كان ينزل على سعد بالمدينة إذا ذهب إلى الشام في تجارته فقال سعد لأمية أنظر لي ساعة خلوة لعلي أن أطوف بالبيت فقال أمية لسعد انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفلت الناس انطلقت فطفت وفي لفظ فخرج أمية به قريبا من نصف النهار فبينما سعد يطوف إذ أتاه أبو جهل فقال من هذا الذي يطوف فقال له سعد أنا سعد بن معاذ فقال له أبو جهل أتطوف بالكعبة آمنا وقد آويتم محمدا واصحابه وفي لفظ آويتم الصباة وزعمتم أنكم تنصرونهم وتعينونهم أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالما فتلاحيا أي تخاصم وسعد يرفع صوته بقوله أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه طريقك على المدينة فصار أمية يقول لسعد لا ترفع صوتك على أبي الحكم فإنه سيد أهل الوادي وجعل يسكت سعدا فقال سعد لأمية إليك عني فإني سمعت محمدا صلى الله عليه وسلم يزعم أنه قاتلك قال إياي قال نعم قال بمكة قال لا أدري قال والله ما كذب محمد فكاد يحدث أي يبول في ثيابه فزعا فرجع إلى امرأته فقال ما تعلمين ما قال أخي اليثربي يعني سعد بن معاذ قالت وما ذاك قال زعم أنه سمع محمدا يزعم أنه قاتلي قالت فوالله ما يكذب محمد قال فلما جاء الصريخ واراد الخروج قالت له امرأته أما علمت ما قال لك أخوك اليثربي قال فإني إذن لا أخرج فلما صمم على عدم الخروج بل أقسم بالله لا يخرج من مكة قيل له ما تقدم فخرج ناويا أن يرجع عنهم
أي ومعنى كونه صلى الله عليه وسلم قاتله أنه كان سببا في قتله وإلا فهو صلى الله عليه
وسلم لم يباشر إلا قتل أخيه وهو أبي بن خلف في أحد كما سيأتي ومن ثم جاء في رواية قال لأمية إن أصحابه يعني النبي صلى الله عليه وسلم يقتلونك
ويحتمل أن سعد بن معاذ رضي الله عنه سمعه صلى الله عليه وسلم يقول أنا اقتل أبي ابن خلف ففهم رضي الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم يريد أمية لا أبيا
أي وفي الإمتاع أن أمية بن خلف وعتبة وشيبة ابني ربيعة وزمعة بن الأسود وحكيم ابن حزام استقسموا بالأزلام فخرج لهم القدح الناهي أي المكتوب عليه لا تفعل فأجمعوا على المقام فجاءهم أبو جهل لعنه الله وأزعجهم وأعانه على ذلك عقبة ابن أبي معيط والنضر بن الحارث
ويقال إن عداسا قال لسيده عتبة وشيبة ابني ربيعة بأبي وأمي أنتما والله ما تساقان إلا لمصارعكما فأراد عدم الخروج فلم يزل بهما أبو جهل حتى خرجا عازمين على العود عن الجيش
ولما فرغوا من جهازهم أي وكان ذلك في ثلاثة أيام وقيل في يومين وأجمعوا السير أي عزموا عليه وكانوا خمسين وتسعمائة وقيل كانوا ألفا وقادوا مائة فرس أي عليها مائة درع سوى دروع المشاة قال ابن إسحاق وخرجوا على الصعب والذلول أي لشدة إسراعهم والصعب الذي لا ينقاد والذلول الذي ينقاد معهم القيان أي بفتح القاف وتخفيف المثناة تحت وفي آخره نون جمع قينة وهي الأمة مطلقا وقيل المغنية والمراد هنا الثاني لقوله في الإمتاع ومعهم القينات يضربن بالدفوف يغنين أي بهجاء المسلمين
وسيأتي في أحد خروج جماعة من نساء قريش معهن الدفوف وعند خروجهم ذكروا ما بينهم وبين كنانة من الحرب أي والدماء وقالوا نخشى أن يأتونا من خلفنا أي لأن قريشا كان قتلت شخصا من كنانة وأن شخصا من قريش كان شابا وضيئا له ذؤابة وعليه حلة خرج في طلب ضالة له فمر ببني كنانة وفيهم سيدهم وهو عامر بن الخلوج فرآه فأعجبه فقال له من أنت يا غلام فذكر أنه من قريش فلما ولى الغلام قال عامر لقومه أمالكم في قريش من آدم قالوا بلى فأغراهم به فقتلوه ثم قال بنو كنانة لقريش رجل برجل فقالت قريش نعم رجل برجل ثم إن أخا المقتول ظفر بعامر بمر الظهران فعلاه بالسيف حتى قتله ثم خاط بطنه بسيفه ثم جاء وعلقه بأستار الكعبة من الليل
فلما أصبحت قريش رأوا سيف عامر عرفوه وعرفوا قاتله أي وكاد ذلك يثنيهم أي يصرفهم عن الخروج فتبدى لهم إبليس في صورة سراقة بن مالك المدلجي وكان من أشراف بني كنانة وقال لهم أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه فخرجوا سراعا وخرج معهم إبليس بعدهم أن بني كنانة وراءهم قد اقبلوا لنصرهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم
ولما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم عسكره ببئر أبي عتبة أي وأمر أصحابه أن يستقوا منها وشرب من مائها
وفي الإمتاع عسكر ببيوت السقيا وهي عين بينها وبين المدينة يومان كان يستقى له صلى الله عليه وسلم الماء منها وقد جاء أن عبده صلى الله عليه وسلم رباحا كان يستقي له من بئر غرس مرة ومن بيوت السقيا مرة وقال صلى الله عليه وسلم بئر غرس من عيون الجنة ومن ثم غسل منها صلى الله عليه وسلم كما سيأتي وغرس اسم عبد كان يقوم عليها وقيل غير ذلك
وأمر صلى الله عليه وسلم حين فصل من بيوت السقيا أن تعد المسلمون فوقف لهم عند بئر ابي عتبة فعدوا وهي على ميل من المدينة فعرض اصحابه ورد من استصغر أي وكان ممن رده أسامة بن زيد ورافع بن خديج والبراء بن عازب وأسيد بن ظهير وزيد بن أرقم وزيد بن ثابت رضي الله عنهم ورد عمير بن أبي وقاص فبكى فأجازه وقتل وعمره ستة عشر عاما وحينئذ يتوقف في رده لأن الخمسة عشر بلوغ بالسن على ما عليه أئمتنا
وخرج صلى الله عليه وسلم في خمسة وثلثمائة رجل من المهاجرين أربعة وستون وباقيهم من الأنصار وقيل كان المهاجرون نيفا وثمانين وكانت الأنصار نيفا وأربعين ومائتين
وذكر الإمام الدواني أنه سمع من مشايخ الحديث أن الدعاء عند ذكرهم يعني أصحاب بدر مستجاب وقد جرب ذلك وخلف عثمان على ابنته صلى الله عليه وسلم رقية وكانت مريضة أ ي وقيل لأنه كان مريضا بالجدري أي ولا مانع من وجود الأمرين وقد قال صلى الله عليه وسلم إن لك لأجر رجل وسهمه أي وكان أبو أمامة بن ثعلبة الأنصاري
أجمع الخروج إلى بدر وكانت أمه مريضة فأمره صلى الله عليه وسلم بالمقام على أمه فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر وقد توفيت فصلى على قبرها
واستعمل صلى الله عليه وسلم أبا لبابة رضي الله عنه واليا على المدينة ة ورده من المحل المذكور أي من بئر أبي عتبة كذا في الأصل وقيل رده من الروحاء وهو المشهور وهي قرية على ليلتين من المدينة كما تقدم
واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بالناس في المدينة وخلف عاصم بن عدي على أهل قباء وأهل العالية أي لشيء بلغه عن أهل مسجد الضرار لينظر في ذلك وكسر بالروحاء خوات بن جبير أي وفي كلام ابن عبد البر وقال موسى بن عقبة خرج خوات بن جبير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما بلغ الصفراء أصاب ساقه حجر ودميت رجله واعتلت فرجع وضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأهل الأخبار يقولون إنه شهد بدرا
وله في الجاهلية قصة مشهورة مع ذات النحيين التي تضرب العرب بها المثل فتقول أشغل من ذات النحيين وهي خولة يروي أنه صلى الله عليه وسلم سأله عنها وتبسم فقال يا رسول الله قد رزقني الله خيرا منها وأعوذ بالله من الحور بعد الكور وروى أنه صلى الله عليه وسلم قال له ما فعل بعيرك الشارد يعرض بهذه القصة فقال قيده الإسلام يا رسول الله وقيل لم يعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا القول لتلك القضية وإنما هو لقضية أخرى هي أن خواتا مر بنسوة في الجاهلية أعجبه حسنهن فسألهن أن يفتلن له قيدا لبعيره وزعم أنه شارد وجلس إليهن بهذه العلة فمر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتحدث إليهن فأعرض عنه وعنهن فلما أسلم سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك البعير وهو يتبسم وكسر أيضا الحارث بن الصمة
وبعث له صلى الله عليه وسلم طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد رضي الله عنهم يتحسسان خبر العير والتحسس للأخبار بالحاء المهملة أن يفحص الشخص عن الأخبار بنفسه وبالجيم أي يفحص عنها بغيره وجاء تحسسوا ولا تجسسوا ولم يحضرا لهذا القتال بل رجعا بخبر العير إلى المدينة على ظن أنه صلى الله عليه وسلم بالمدينة فلما علما أنه ببدر خرجا إليه فلقياه منصرفا من بدر واسهم لكل وصار كل من أسهم له يقول وأجري
يا رسول الله فيقول وأجرك ودفع صلى الله عليه وسلم اللواء وكان أبيض إلى مصعب ابن عمير وكان أمامه صلى الله عليه وسلم رايتان سوداوتان إحداهما مع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أي ويقال لها العقاب وكانت من مرط لعائشة
وفي كلام بعضهم كان أبو سفيان بن حرب من أشراف قريش وكانت إليه راية الرؤساء المعروفة بالعقاب وكان لا يحملها في الحرب إلا هو أو رئيس مثله وسيأتي أنه حملها في هذه الغزوة الأب الخامس لإمامنا الشافعي وهو السائب بن يزيد والأخرى مع بعض الأنصار وابن قتيبة اقتصر على الأولى وذكر بعضهم أن بعض الأنصار هذا قيل هو سعد بن معاذ وقيل الحباب بن المنذر وهذا يرد ما تقدم في غزوة بواط عن ابن إسحاق وما سيأتي في غزوة بني قينقاع عن ابن سعد أن الرايات لم تكن وجدت وإنما حدثت يوم خبير
ومما يؤيد الرد ما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم اعطى عليا كرم الله وجهه الراية يوم بدر وهو ابن عشرين سنة وفي الهدى أن لواء المهاجرين كان مع مصعب بن عمير ولواء الخزرج مع الحباب بن المنذر ولواء الأوس مع سعد بن معاذ ولم يذكر الرايتين
وفي الإمتاع أنه صلى الله عليه وسلم عقد الألوية وهي ثلاثة لواء يحمله مصعب ابن عمير ورايتان سوداوتان إحداهما مع علي والأخرى مع رجل من الأنصار وفيه إطلاق اللواء على الراية وقد تقدم أن جماعة من أهل اللغة صرحوا بترادف اللواء والراية
وكان صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة على غير لواء معقود وقال في الأصل والمعروف أن سعد بن معاذ كان على حرس رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش أي كما سيأتي قال أي جوابا عما تقدم عن الأصل العريش كان ببدر أي وهذا كان عند خروجهم وفي الطريق فلا منافاة أي لأنه يجوز أن يكون في بدر دفع الراية لغيره بإذنه صلى الله عليه وسلم ليكون معه في العريش ولبس صلى الله عليه وسلم درعه ذات الفضول وتقلد صلى الله عليه وسلم سيفه العضب
وحين فصل صلى الله عليه وسلم من بيوت السقيا قال اللهم إنهم حفاة فاحملهم وعراة فاكسهم وجياع فأشبعهم وعالة فأغنهم من فضلك فما رجع أحد منهم يريد
أن يركب إلا وجد ظهرا للرجل البعير والبعيران واكتسى من كان عاريا وأصابوا طعاما من أزوادهم وأصابوا فداء الأسارى فاغتنى به كل عائل
وكان حبيب بن يساف ذا بأس ونجدة ولم يكن اسلم ولكنه خرج نجدة لقومه من الخزرج طالبا للغنيمة ففرح المسلمون بخروجه معهم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصحبنا إلا من كان على ديننا أي وفي رواية ارجع فإنا لا نستعين بمشرك أي وسيأتي في أحداثه صلى الله عليه وسلم قال لا ننتصر بأهل الشرك على أهل الشرك لما رد حلفاء عبد الله بن أبي ابن سلول من يهود وتكررت من حبيب المراجعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الثالثة قال له تؤمن بالله ورسوله قال نعم فأسلم وقاتل قتالا شديد
وفي الإمتاع وقدم حبيب بن يساف بالروحاء مسلما ولا مخالفة لجواز أن يكون أسلم قبل الروحاء
ولما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم صام يوما أو يومين ثم نادى مناديه يا معشر العصاة إني مفطر فأفطروا
وذلك أنه صلى الله عليه وسلم كان قال لهم قبل ذلك أفطروا فلم يفطروا انتهى وسيأتي في فتح مكة أنه صلى الله عليه وسلم بالفطر فلم يفعل جماعة منهم ذلك فقال أولئك العصاة وكانت إبل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أي التي معهم يومئذ سبعين بعيرا فاعتقبوها كل ثلاثة يعتقبون بعيرا أي إلا ما كان من حمزة وزيد بن حارثة وأبي كبشة وأنيسة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن هؤلاء الأربعة كانوا يعتقبون بعيرا
أي وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالأجراس أن تقطع من أعناق الإبل يوم بدر
وفي الإمتاع فكانوا يتعاقبون الإبل الاثنين والثلاثة والأربعة هذا كلامه فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه ومرثد يعتقبون بعيرا وفي لفظ كان أبو لبابة وعلي والنبي صلى الله عليه وسلم يعتقبون بعيرا أي وذلك قبل أن يرد أبا لبابة للمدينة من الروحاء وبعد أن رده قام مقامه مرثد وقيل زيد بن حارثة وقيل زيد كان مع حمزة أي كما تقدم
ويجوز انه كان مع حمزة تارة ومع النبي صلى الله عليه وسلم اخرى فكان اذا كانت عقبة النبي صلى الله عليه وسلم قالا له أي رفيقاه اركب حتى نمشى معك فيقول ما انتما باقوى مني على المشي وما انا باغنى عن الاجر منكما
وكان ابو بكر وعمر وعبدالرحمن بن عوف رضى الله عنهم يعتقبون بعيرا أي ورفاعة وخلاد ابنا رافع وعبيد بن يزيد الانصارى يعتقبون بعيرا حتى اذا كانوا بالروحاء برك بعيرهم عيا فمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله برك علينا بكرنا فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء فتمضمض والقاه في اناء أي وفي الامتاع فتمضمض وتوضا في اناء ثم قال افتح فاه فصب منه في فيه ثم صب باقي ذلك عليه ثم قال اركبا ومضى فلحقاه وانه لينفر بهم أي وامر صلى الله عليه وسلم باحصاء من معه وهو محتمل لان يكون امر بذلك ثانيا بعد الروحاء بعد ان رد ابا لبابة وبعد عدهم في بئر ابي عتبة فاذا هم ثلثمائة وثلاثة عشر ففرح بذلك وقال عدة اصحاب طالوت الذين جازوا معه النهر وهذا قول عامة السلف كما قاله ابن جرير رحمه الله ومن زاد على ذلك عد منهم من رده صلى الله عليه وسلم من الروحاء ومن اسهم له ولم يحضر ومن نقص عن ذلك وعدهم ثلثمائة وخمس رجال أو ست رجال أو سبعة رجال فالجواب عنه لا يخفى
وكان في الجيش خمسة افراس فرسان له صلى الله عليه وسلم وفرس لمرثد ويقال له السيل وفرس للمقداد بن الاسود نسب اليه لانه تبناه في الجاهلية كما تقدم ويقال لها سبحة وفرس للزبير ويقال له اليعسوب وقيل لم يكن في الجيش الا فرسان فرس المقداد وفرس الزبير
وعن علي رضى الله تعالى عنه ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد اقول يجوز ان يكون المراد لم يقاتل يوم بدر فارسا الا المقداد وغيره ممن له فرس قاتل راجلا ويؤيده ما يأتي انه صلى الله عليه وسلم لما قسم الغنيمة لم يميز احدا عن احد الراجل مع الراجل والفارس مع الفارس لكن قد يخالفه قول الزمخشري في خصائص العشرة كان الزبير رضى الله عنه صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وليس على الميمنة يومئذ فارس غيره هذا كلامه الا ان يقال كون الزبير فارسا على الميمنة
لا يخالف كون المقداد فارسا في محل اخر مع الجماعة الذين فيهم سيدنا علي كرم الله وجهه فقول سيدنا علي لم يكن فينا أي في الجماعة الملازمين لنا تأمل والله اعلم
وفي اثناء الطريق بعرق الظبية لقوا رجلا من الاعراب فسالوه عن الناس فلم يجدوا عنده خبرا فقال له الناس سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال افيكم رسول الله قالوا نعم فسلم عليه ثم قال ان كنت رسول الله فاخبرني بما في بطن ناقتي هذه فقال له سلامه بن سلامة بن وقش لا تسل رسول الله صلى الله عليه وسلم اقبل علي انا اخبرك عن ذلك نزوت عليها ففي بطنها منك سخلة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم افحست على الرجل ثم اعرض عن سلامة فلما نزلوا بواد يقال له ذفران بكسر الفاء أي وهو واد قريب من الصفراء اتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم اصحابه واخبرهم الخبر أي قال لهم ان القوم قد خرجوا من مكة على كل صعب وذلول أي مسرعين فما تقولون العير احب اليكم من النفير فقالوا بلى أي قالت ذلك طائفة منهم العير احب الينا من لقاء العدو وفي رواية هلا ذكرت لنا القتال حتى نتأهب له انا خرجنا للعير وفي رواية يا رسول الله عليك بالعير ودع العدو فعند ذلك تغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد روى ذلك عن ابي ايوب رضى الله عنه في سبب نزول قوله تعالى { كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون } وعند ذلك قام ابو بكر فقال واحسن ثم قام عمر فقال واحسن ثم قام المقداد فقال يا رسول الله امض لما امرك الله فنحن معك والله لا نقول لك كما قالت بنو اسرائيل أي لموسى { فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون } اذهب انت وربك فقاتلا انا معكم مقاتلون ما دامت منا عين تطرف فوالله الذي بعثك بالحق نبيا لو سرت بنا الى برك الغماد وهي مدينة بالحبشة لجالدنا أي ضربنا بالسيوف معك من دونه حتى نبلغه وفي لفظ نقاتل عن يمينك وعن يسارك ومن بين يديك ومن خلفك قال ابن مسعود فرايت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرق لذلك وسر بذلك
وفي الكشاف فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ثم دعا له بخير
هذا وفي العرائس روى ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه يوم الحديبية
حين صد عن البيت اني ذاهب بالهدى فتأخر عند البيت واستشار اصحابه في ذلك فقال المقداد بن الاسود اما والله لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى فاذهب انت وربك فقاتلا انا ههنا قاعدون ولكنا نقول انا معكم مقاتلون والله لنقاتلن عن يمينك وشمالك ومن بين يديك ولو خضت بحرا لخضناه معك ولو علوت جبلا لعلوناه معك ولو ذهبت بنا برك الغماد لتابعناك فلما سمع اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك تابعوه فاشرق عند ذلك وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم والتعدد ممكن لكنه بعيد ثم قال اشيروا علي فقال عمر يا رسول الله انها قريش وعزها والله ما ذلت منذ عزت ولا امنت منذ كفرت والله لتقاتلنك فتاهب لذلك اهبته واعدد لذلك عدته أي ثم استشارهم ثالثا فقال اشيروا على ايها الناس ففهمت الانصار انه يعنيهم وذلك لانهم عدد الناس أي اكثرهم عددا ومن ثم قيل وانما كرر رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستشارة أي في ذلك المجلس ليعرف حال الانصار فانه تخوف ان لا تكون الانصار ترى عليها نصرته الا ممن دهمه أي جاءه على حين غفلة بالمدينة من عدوه وان ليس عليهم ان يسير بهم الى عدو من بلادهم عملا بظاهر قولهم له صلى الله عليه وسلم حين بايعوه عند العقبة يا رسول الله اناء براء من ذمامك حتى تصل الى دارنا فاذا وصلت اليها فانت في ذمتنا نمنعك بما نمنع به ابناءنا ونساءنا ومن ثم قال له سعد بن معاذ سيد الاوس وقيل سعد ابن عبادة سيد الخزرج وانما حكى بصيفة التمريض لانه قد اختلف في عده في البدريين والصحيح انه لم يشهد بدرا فانه كان تهيأ للخروج فنهش بالمهملة أي لدغته الحيه قبل ان يخرج فاقام أي وضرب له بسهم فقال لعلك تريدنا معاشر الانصار يا رسول الله فقا أجل قال قد امنا بك وصدقناك وشهدنا ان ما جئت به هو الحق واعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة زاد في رواية ولعلك يا رسول الله تخشى ان تكون الانصار ترى عليها ان لا ينصروك الا في ديارهم واني اقول عن الانصار واجيب عنهم فاظعن حيث شئت وصل حبل من شئت واقطع حبل من شئت وفي لفظ وصل حبال من شئت واقطع حبال من شئت وسالم من شئت وعاد من شئت وخذ من اموالنا ما شئت وما اخذت منا اكان احب الينا مما تركت وما امرت فيه من امر فامرنا تبع لامرك فامض يا رسول الله لما اردت فنحن معك والذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك ما تخلف منا رجل واحد وما نكره ان تلقى بنا عدونا
وانا لصبر في الحرب صدق اللقاء لعل الله يريك منا ما تقر به عينك وفي لفظ بعض ما تقر به عينك فسر بنا على بركة الله تعالى فنحن عن يمينك وشمالك وبين يديك ومن خلفك فسر النبي صلى الله عليه وسلم لذلك أي واشرق وجهه بقول سعد ونشطه ذلك ثم قال صلى الله عليه وسلم سيروا وابشروا فان الله تعالى قد وعدني احدى الطائفتين أي وهما عير قريش ومن خرج من مكة من قريش يريد حماية ذلك العير فوالله لكأني الان انظر الى مصارع القوم أي فقد اعلمه الله تعالى بعد وعده بذلك بالظفر بالطائفة الثانية واراه مصارعهم فعلم القوم انهم ملاقون القتال وان العير لا تحصل لهم
ثم ارتحل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذفران حتى نزل قريبا من بدر فركب صلى الله عليه وسلم هو وابو بكر رضى الله عنه أي وقيل بدل ابي بكر قتادة بن النعمان وقيل معاذ بن جبل حتى وقفا على شيخ من العرب أي يقال له سفيان قال في النور لا اعلم له اسلاما فساله صلى الله عليه وسلم عن قريش وعن محمد واصحابه وما بلغه عنهم فقا الشيخ لا اخبركما حتى تخبراني من انتما فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا اخبرتنا اخبرناك فقال الشيخ ذاك بذاك قال نعم قال فانه قد بلغني ان محمدا واصحابه خرجوا يوم كذا وكذا فان كان صدق الذي اخبرني به فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذي نزل به رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه وبلغني ان قريشا خرجوا يوم كذا وكذا فان كان الذي اخبرني به صدق فهم اليوم بمكان كذا وكذا للمكان الذي نزلت به قريش فلما فرغ من خبره قال من انتما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن من ماء أي من ماء دافق وهو المنى ثم انصرفا عنه فقال الشيخ من ماء من ماء العراق فهم ان المراد بالماء حقيقته
أي لكن في الامتاع فقال النبي صلى الله عليه وسلم نحن من ماء واشار بيده الى العراق فقال من ماء العراق أي واضيف الماء إلى العراق لكثرته به وفيه ان هذا من التورية وقد تقدم في اوائل الهجرة انه لا ينبغي لنبي ان يكذب ولو صورة ومنه التورية
لكن في كلام القاضي البيضاوى وما روى انه عليه الصلاة والسلام قال لابراهيم عليه الصلاة والسلام ثلاث كذبات تسمية للمعاريض كذبا لما شابهت صورتها صورته ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم الى اصحابه ودعا لهم فقال اللهم انهم حفاة فاحملهم
اللهم انهم عراة فاكسهم اللهم انهم جياع فاشبعهم ففتح الله لهم يوم بدر فانقلبوا حين انقلبوا وما منهم رجل الا وقد رجع بجمل او جملين واكتسوا وشبعوا اخرجه ابو داود عن عمرو ابن العاص رضى الله تعالى عنه أي شبعوا واكتسوا بما اصابوه من كسوة وأزواد قريش
وفي الامتاع ان دعاءه صلى الله عليه وسلم المذكور كان عند مفارقته محل معسكره بالمدينة وهو بيوت السقيا كما تقدم وتقدم فيه زيادة وعالة فأغنهم فأصابوا الاسرى فاغتنى بهم كل عائل ولا مانع ان يكون دعاؤه صلى الله عليه وسلم بذلك تكرر
فلما امسى صلى الله عليه وسلم بعث علي بن ابي طالب والزبير بن العوام وسعد بن ابي وقاص في نفر من اصحابه رضى الله تعالى عنهم إلى بدر يلتمسون الخبر فاصابوا راوية لقريش معها غلام لبني الحجاج وغلام لبني العاص فأتوا بهما ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي فقالوا لمن أنتما وظنوا انهما لابي سفيان فقالا نحن سقاة لقريش بعثونا نسقيهم من الماء فضربوهما فلما أوجعوهما ضربا قالا نحن لابي سفيان فتركوهما فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من صلاته قال إذا صدقاكم ضربتوهما واذا كذبا كم تركتموهما صدقا والله انهما لقريش اخبراني عن قريش قالا هم وراء هذا الكثيب أي التل من الرمل الذي يرى بالعدوة القصوى أي جانب الوادي المرتفع فقال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم كم القوم قالا كثير أي وفي لفظ هم والله كثير عددهم شديد بأسهم قال ما عدتهم قالا لا ندري أي وجهد النبي صلى الله عليه وسلم ان يخبراه كم هم فأبيا قال صلى الله عليه وسلم كم تنحرون أي من الجزر كل يوم قالا يوما تسعا ويوما عشرا فقال صلى الله عليه وسلم القوم ما بين التسعمائة والالف أي لكل جزور مائة ثم قال لهما فمن فيهم من اشراف قريش قالا عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وابو البحتري بن هشام وحكيم بن حزام ونوفل بن خويلد والحارث بن عامر بن نوفل وطعيمة بن عدي بن نوفل والنضر بن الحارث وزمعة بن الاسود وابو جهل بن هشام وامية بن خلف ونبيه ومنبه ابنا الحجاج وسهيل بن عمرو العامري أي رضى الله تعالى عنه فانه اسلم بعد ذلك يوم الفتح وهو من اشراف قريش وخطبائهم وسيأتي انه ممن اسر في هذه الغزاة وعمرو بن عبدود فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال هذه مكة قد ألقت اليكم افلاذ أي قطع كبدها أي اشرافها وعظماءها وذكر ان مسيرهم واقامتهم كانت عشر
ليال حتى بلغوا الجحفة أي وهي قرية بقرب رابغ كما تقدم نزلوا بها عشاء أي وفي الامتاع انهم ردوا القيان من الجحفة
اقول هذا والذي في مسلم وابي داود عن انس رضي الله تعالى عنه فاذا هم بروايا قريش فيها رجل اسود لبني الحجاج فجاءوا به فكانوا يسالونه عن ابي سفيان فيقول مالي بأبي سفيان علم فاذا قال ذلك ضربوه واذا قال هذا ابو سفيان تركوه الحديث
أي وفي الامتاع واخذ تلك الليلة يسار غلام عبيدة بن سعيد بن العاص واسلم علام منبه بن الحجاج وابو رافع غلام اميه بن خلف فاتى بهم النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي الحديث
وقد يقال لا منافاة لان بعض الرواة ذكر الثلاثة وبعضهم اقتصر على اثنين وبعضهم اقتصر على واحد والله اعلم
وكان مع قريش رجل من بني المطلب بن عبد مناف يقال له جهم بن الصلت رضي الله تعالى عنه فانه اسلم في عام خيبر واعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر ثلاثين وسقا وقيل اسلم بعد الفتح فوضع راسه فأغفى ثم قام فزعا فقال لاصحابه هل رأيتم الفارس الذي وقف على فقالوا لا قال قد وقف على فارس فقال قتل ابو جهل وعتبة وشيبة وزمعة وابو البحتري وامية بن خلف وفلان وفلان وعد رجالا من اشراف قريش ممن قتل يوم بدر أي وقال اسر سهيل بن عمرو وفلان وفلان وعد رجالا ممن اسر قال ثم رايت ذلك الفارس ضرب في لبه بعيره ثم ارسله في العسكر فما من خباء من أخيه العسكر إلا أصابه من دمه فقال له أصحابه إنه لعب بك الشيطان ولما شاعت هذه الرؤيا في العسكر وبلغت ابا جهل قال قد جئتم بكذب بني عبد المطلب مع كذب بني هاشم سيرون غدا من يقتل وفي لفظ قال ابو جهل هذا نبي آخر من بني المطلب سيعلم غدا من المقتول نحن أو محمد وأصحابه وأول من نحر لهم حين خرجوا من مكة ابو جهل بن هشام عشر جزائر أي بم الظهران وكانت جزور منها بعد ان نحرت بها حياة فجالت في العسكر فما بقي خباء من اخبية العسكر الا اصابه من دمها كذا في الامتاع
ومن هذا المحل رجع بنو عدي أي تفاؤلا بذلك ثم نحر لهم سفيان بن امية بعسفان تسع جزائر ونحر لهم سهيل بن عمرو بقديد عشر جزائر وساروا من قديد فضلوا بهائم
ثم اصبحوا بالجحفة فنحر لهم عتبة بن ربيعة عشر جزائر فلما اصبحوا بالابواء نحر لهم مقيس بن عمرو الجمحى تسع جزائر أي ويقال ان الذي نحر لهم بالابواء نبيه ومنبه ابنا الحجاج عشرا ونحر لهم العباس بن عبد المطلب عشر جزائر ونحر لهم الحارث بن عامر ابن نوفل تسعا ونحر لهم ابو البحترى على ماء بدر عشر جزائر ونحر لهم مقيس الجمحى على ماء بدر تسعا أي ثم شغلهم الحرب فأكلوا من ازوادهم ثم مضى رجلان من الصحابة أي قبل وصوله صلى الله عليه وسلم الى بدر وكذا قبل وصول قريش الى بدر كما يدل عليه الكلام الاتي خلاف ما يدل عليه هذا السياق الى ما ء بدر فنزلا قريبا منه عند تل هناك ثم اخذا شنا لهما يستقيان فيه وشخص على الماء واذا جاريتان يتلازمان أي يتخاصمان تمسك احداهما الاخرى على الماء والملزومة تقول لصاحبتها انما يأتي العير غدا او بعد غد فاعمل لهم واقضيك الذي لك فقال ذلك الرجل الذي على الماء صدقت ثم خلص بينهما وسمع ذلك الرجلان فجلسا على بعيرهما ثم انطلقا حتى اتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخبراه بما سمعا ثم ان ابا سفيان تقدم العير حذرا حتى ورد الماء فلقى ذلك الرجل فقال له هل احسست احدا قال ما رايت احدا انكره الا اني قد رايت راكبين قد اناخا الى هذا التل ثم استقيا في شن لهما ثم انطلقا
فأتى ابو سفيان مناخهما فاخذ من ابعار بعيرهما ففتته فاذا فيه النوى فقال والله علائف يثرب فرجع الى اصحابه سريعا فصوب عيره عن الطريق وترك بدرا بيسار وانطلق حتى اسرع فلما علم انه قد احرز عيره ارسل الى قريش أي وقد كان بلغه مجيئهم ليحرزوا العير وكانوا حينئذ بالجحفة انكم انما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم واموالكم وقد نجاها الله تعالى فارجعوا فقال ابو جهل والله لا نرجع حتى نحضر بدرا فنقيم عليه ثلاثة ايام فلا بد ان ننحر الجزر ونطعم الطعام ونسقي الخمر وتعزف علينا القيان أي تضرب بالمعازف أي الملاهي وقيل الدفوف وقيل ل الطنابير وقيل نوع منها يتخذه اهل اليمن وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا فلا يزالون يهابوننا ابدا بعدها وسيأتى في غزاة بدر الموعد ان موسم بدر يكون عند هلال ذى القعدة في كل عام يمكث ثمانية ايام ويبعد ارادة ذلك لابي جهل أي اقامتهم ببدر بقية رمضان وتمام شوال
قال ولما ارسل ابو سفيان يقول لقريش ما تقدم أي ورد عليه ابو جهل بما ذكر
قال هذا بغي والبغي منقصة وشؤم وعند ذلك رجع منهم بنو زهرة وكانوا نحو المائة انتهى أي وقيل ثلثمائة وقائدهم كان الأخنس بن شريق
وفي كلام ابن الاثير فلم يقتل منهم أي من بني زهرة أحدا ببدر وفي كلام غيره ولم يشهد بدرا احد من بني زهرة الا رجلان قتلا كافرين فان الاخنس قال لبني زهرة يا بني زهرة قد نجى الله اموالكم وخلص لكم صاحبكم مخرمة بن نوفل انما نفرتم لتمنعوه وماله واجعلوا بي حميتها وارجعوا فانه لا حاجة لكم بان تخرجوا في غير منفعة لاما يقول هذا يعني ابا جهل وقال لابي جهل أي وقد خلا به اترى محمدا يكذب فقال ما كذب قط كنا نسميه الامين لكن اذا كانت في بني عبد المطلب السقاية والرفادة والمشورة ثم تكون فيهم النبوة فاي شيء يكون لنا فانخنس الاخنس ورجع ببني زهرة أي واسمه ابي وانما لقب بالاخنس من حين رجع ببني زهرة فقيل خنس بهم فسمى الاخنس كان حليفا لبني زهرة مقدما فيهم رضى الله تعالى عنه فانه اسلم يوم الفتح واعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم مع المؤلفة قلوبهم
ورأيت عن السهيلي انه قتل يوم بدر كافرا وتبعه على ذلك التلمساني في حاشية الشفاء واستدل له بقول القاضي البيضاوي ان قوله تعالى { ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا } الاية نزلت في الاخنس بن شريق وفي الاصابة انه كان من المؤلفة ومات في خلافة عمر
وعن السدى ان الاخنس جاء الى النبي صلى الله عليه وسلم فاظهر اسلامه وقال الله يعلم اني لصادق ثم هرب بعد ذلك فمر بقوم مسلمين فحرق زرعهم فنزلت { ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا } الى قوله { وبئس المهاد }
قال ابن عطيه ما ثبت قط ان الاخنس اسلم قلت قد اثبته في الصحابة جماعة ولا مانع ان يكون اسلم ثم ارتد ثم رجع إلى الاسلام هذا كلام الاصابة
وفي كلام ابن قتيبة ولم يسلم الاخنس وفي كلام بعضهم ثلاثة ابن وابوه وجده شهدوا بدرا الاخنس وابنه يزيد وابنه معن فليتأمل ذلك
قال واراد بنو هاشم الرجوع فاشتد عليهم ابو جهل وقال لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع انتهى
ثم لم يزالوا سائرين حتى نزلوا بالعدوة القصوى قريبا من الماء ونزل رسول الله
صلى الله عليه وسلم والمسلمون بعيدا من الماء بينهم وبين الماء رحلة فظمىء المسلمون وأصابهم ضيق شديد واجنب غالبهم والقى الشيطان في قلوبهم الغيظ فوسوس إليهم تزعمون انكم اولياء الله تعالى وانكم على الحق وفيكم رسوله وقد غلبكم المشركون على الماء وانتم عطاش وتصلون مجنبين أي وما ينتظر اعداؤكم الا ان يقطع العطش رقابكم ويذهب قواكم فيحكموا فيكم كيف شاؤوا
وفي الكشاف فاذا قطع العطش اعناقكم مشوا اليكم فقتلوا من احبوا وساقوا بقيتكم الى مكة فحزنوا حزنا شديدا وأشفقوا وكان الوادي دهسا بالسين المهملة أي لينا كثير التراب تسيخ فيه الاقدام فبعث الله السماء أي المطر فأطفأت الغبار ولبدت الارض أي شدتها للنبي صلى الله عليه وسلم ولاصحابه أي وطهرهم به واذهب عنه رجز الشيطان أي وسوسته وشربوا منه وملئوا الاسقية وسقوا الركائب واغتسلوا من الجنابة أي وطابت نفوسهم فذلك قوله تعالى { وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به } أي من الاحداث { ويذهب عنكم رجز الشيطان } أي وسوسته { وليربط على قلوبكم } أي يشدها ويقويها { ويثبت به الأقدام } أي بتلبيد الارض حتى لا تسوخ في الرمل واصاب قريشا منها مالم يقدروا على ان يرتحلوا منه أي ويصلوا الى الماء أي فكان المطر نعمة وقوة للمؤمنين وبلاء ونقمة للمشركين
وعن علي رضى الله تعالى عنه اصابنا من الليل طس من مطر فانطلقنا تحت الشجر والحجف نستظل تحتها من المطر وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو ربه
وعن علي رضى الله تعالى عنه ما كان فينا أي تلك الليلة قائم الا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تحت شجرة ويكثر في سجوده أي يقول يا حي ياقيوم يكرر ذلك حتى اصبح أي لا ن المسلمين اصابهم تلك الليلة نعاس شديد يلقى الشخص على جنبه
أي وعن قتادة كان النعاس امنة من الله وكان النعاس نعاسين نعاس يوم بدر ونعاس يوم احد لان النعاس هنا كان ليلا قبل القتال وفي احد كان وقت القتال وكون النعاس امنة وقت القتال أو وقت التأهب له وهو وقت المصافة واضح لاقبله
هذا وذكر الشمس الشامى انه لما نزلت الملائكة والناس بعد على مصافهم لم يحملوا على عدوهم وبشرهم صلى الله عليه وسلم بنزول الملائكة حصل لهم الطمأنينة والسكينة وقد حصل لهم النعاس الذي هو دليل على الطمأنينة وربما يقتضي انه حصل لهم النعاس
عند المصافة والا فقد يقال ان قوله وقد حصل لهم النعاس جملة حالية أي والحال انه حصل لهم قبل ذلك في تلك الليلة لا في وقت المصافة
ولا يبعد ذلك قوله بعد ذلك ولهذا قال ابن مسعود رضى الله تعالى عنه النعاس في المصاف من الايمان والنعاس في الصلاة من النفاق أي لانه في الاول يدل على ثبات الجنان وفي الثاني يدل على عدم الاهتمام بامر الصلاة
فلما ان طلع الفجر نادى صلى الله عليه وسلم الصلاة عباد الله فجاء الناس من تحت الشجر الحجف فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وحرض على القتال أي في خطبة خطبها افقال بعد ان حمد الله واثنى عليه اما بعد فاني احثكم على ما حثكم الله عليه الى ان قال وان الصبر في مواطن الباس مما يفرج الله تعالى به الهم وينجى به من الغم الحديث
ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يبادرهم أي يسابق قريشا الى الماء فسبقهم عليه حتى جاء ادنى ماء من بدر أي اقرب ماء الى بدر من بقية مياهها فنزل به صلى الله عليه وسلم فقال له الحباب بن المنذر يا رسول الله ارأيت هذا المنزل امنزل انزلكه الله تعالى ليس لنا ان نتقدمه ولا نتأخر عنه ام هو الراي والحرب والمكيدة قال بل هو الرأي والحرب والمكيدة قال يا رسول الله ان هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتى تاتي ادنى ماء من القوم أي اذا نزل القوم يعني قريشا كان ذلك الماء اقرب المياه أي محله اقرب المياه إليهم قال الحباب فاني اعرف غزارة مائه وكثرته بحيث لا ينزح فننزله ثم نغور ما عداه من القلب أي وهي الابار غير المبنية ثم نبني عليه حوضا فتملآه ماء فنشرب ولا يشربون لان القلب كلها حينئذ تصير خلف ذلك القليب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد اشرت بالرأي ونزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال الرأي ما اشار اليه الحباب فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من الناس فسار حتى اتى ادنى ماء من القوم أي من المحل الذي ينزل به القوم فنزل عليه ثم امر بالقلب فغورت بسكون الواو
وقال السهيلي لما كانت القلب عينا جعلها كعين الانسان ويقال في عين الانسان غرتها فغارت ولا يقال غورتها أي بالتشديد وبنى صلى الله عليه وسلم حوضا على القليب
الذى نزل به فملاه ماء ثم قذفوا فيه الانية ومن يومئذ قيل للحباب ذو الرأي وظاهر كلام بعضهم انه كان معروفا بذلك قبل هذه الغزاة
وفيه ان ذلك القليب اذا كان خلف ظهورهم وسائر القلب خلفه ما المعنى في تغويرها لانها اذا لم تغورهم يشربون ولا يشرب القوم الا ان يقال المعنى لئلا ياتوا اليها من خلفهم فالغرض قطع اطماعهم من الماء فليتأمل واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم بل هو الرأي على جواز الاجتهاد له صلى الله عليه وسلم في الحرب نظرا لصورة السبب أو مطلقا لان صورة السبب لا تخصص وجواز الاجتهاد له مطلقا هو الراجح
ومما استدل به على وقوع الاجتهاد له صلى الله عليه وسلم في الاحكام قوله الا الاذخر عقب ما قيل له الا الاذخر قال السبكى وليس قاطعا لاحتمال ان يكون اوحى إليه في تلك اللحظة
هذا وفي كلام بعضهم انهم نزلوا على ذلك القليب نصف الليل فصنعوا الحوض وملئوه وقذفوا فيه الانية بعد ان استقوا منه وسيأتى ما يؤيده
وقال سعد بن معاذ يا نبي الله الا نبني عريشا أي وهو شيء كالخيمة من جريد يستظل به تكون فيه ونعد عندك ركائبك ثم نلقى عدونا فان اعزنا الله تعالى واظهرنا على عدونا كان ذلك ما احببنا وان كانت الاخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا فقد تخلف عنك اقوام يا نبي الله ما نحن باشد لك حبا منهم ولا اطوع لك منهم لهم رغبة في الجهاد ونية ولو ظنو انك تلقى حربا ما تخلفوا عنك انما ظنوا انها العير يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك فاثنى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرا ودعا له بخير أي وقال او يقضى الله خيرا من ذلك يا سعد أي وهو نصرهم وظهورهم على عدوهم ثم بنى أي ذلك العريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم أي فوق تل مشرف على المعركة كان فيه
أي وعن علي رضي الله تعالى عنه انه قال لجمع من الصحابه اخبروني عن اشجع الناس قالوا انت قال اشجع الناس ابو بكر لما كان يوم بدر جعلنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم عريشا فقلنا من مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أي من يكون معه لئلا يهوى اليه احد من المشركين فوالله مادنا منا احد الا ابو بكر شاهرا بالسيف على راس رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يهوى اليه احد الا اهوى اليه أي
ولذلك حكم علي انه اشجع الناس وبه يرد قول الشيعة والرافضة ان الخلافة لا يستحقها الا علي لانه اشجع الناس أي وهذا كان قبل ان يلتحم القتال والا فبعد التحامه كان علي على باب العريش الذي به صلى الله عليه وسلم وابو بكر وسعد بن معاذ قائمان على باب العريش في نفر من الانصار كما سيأتي
ومما استدل على ان ابا بكر اشجع من علي ان عليا اخبره النبي صلى الله عليه وسلم انه لا يقتله الا ابن ملجم فكان اذا دخل الحرب ولاقى الخصم علم انه لا قدرة له على قتله فهو معه كالنائم على فراشه واما ابو بكر فلم يخبر بقاتله فكان اذا دخل الحرب لا يدري هل يقتل اولا ومن هذه حاله يقاسي من التعب مالا يقاسيه غيره
ومم يدل على ذلك ما وقع له في قتال اهل الردة وتصميمه العزم على مقاتلة مانعي الزكاة مع تثبيط سيدنا عمر له عن ذلك
فلما كان الصباح اقبلت قريش من الكثيب هذا يؤيد القول بانه صلى الله عليه وسلم سار باصحابه ليلا يبادرهم الى الماء لان ذلك بعد طلوع الفجر وصلاة الصبح كما تقدم لان الظاهر من قول الراوي اقبلت أي عليهم هم ماكثون
ويؤيده ايضا ما في مسلم عن انس رضى الله تعالى عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال ليلة بدر أي بعد ان وصل الى محل الوقعة هذا مصرع فلان ان شاء الله غدا ووضع يده على الارض وهذا مصرع فلان ههنا وهذا مصرع فلان ههنا قال انس ما ماط احدهم عن موضع يده صلى الله عليه وسلم أي ما تنحى فليتأمل الجمع
ولما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا وقد اقبلت بالدروع الساترة والجموع الوافرة والاسلحة الشاكية أي التامة قال اللهم هذه قريش قد اقبلت بخيلائها أي كبرها وعجبها وفخرها تجادلك أي تعايك وتخالف امرك وتكذب رسولك فنصرك أي انجز نصرك الذي وعدتني أي وفي لفظ اللهم انك انزلت على الكتاب وامرتني بالثبات ووعدتني احدى الطائفتين أي وقد فاتت احداهما وهي العير وانك لا تخلف الميعاد اللهم احبهم أي اهلكهم الغداة وفي رواية اللهم لا تفلتن ابا جهل فرعون هذه الامة اللهم لا تفلتن زمعة بن الاسود اللهم واسحق عين ابي زمعة واعم بصر ابي زمعة اللهم لا تفلتن سهيلا الحديث
ولما اطمأنت قريش ارسلوا عمير بن وهب الجمحى أي رضى الله تعالى عنه
فانه اسلم بعد ذلك وحسن اسلامه وشهد احدا معه صلى الله عليه وسلم فقالوا احزر لنا اصحاب محمد أي انظر لنا عدتهم فاستجال بفرسه حول عسكر النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع اليهم فقال ثلثمائة رجل يزيدون قليلا او ينقصون قليلا ولكن امهلوني حتى انظر للقوم كمينا او مددا فذهب في الوادى حتى ابعد فلم ير شيئا ثم رجع إليهم وقال ما رأيت شيئا ولكني قد رايت يا معشر قريش البلايا أي وهي في الاصل النوق تبرك على قبر صاحبها فلا تعلف لا تسقى حتى تموت تحمل المنايا أي الموت أي نواضح يثرب تحمل الموت الناقع أي البالغ
زاد بعضهم الا ترونهم خرسا لا يتكلمون يتلمظون تلمظ الافاعى لا يريدون ان ينقلبوا الى اهلهم زرق العيون كأنهم الحصا تحت الحجف يعنى الانصار قوم ليس لهم منعة ولا ملجأ الا سيوفهم والله ما نرى ان نقتل منهم رجلا حتى يقتل رجل منكم فاذا اصابوا منكم اعدادهم فما خير العيش بعد ذلك فروا رأيكم فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس فاتى عتبة بن ربيعة فقال يا ابا الوليد انك كبير قريش وسيدها والمطاع فيها هل لك الى ان لا تزال تذكر فيها بخير الى اخر الدهر قال وما ذاك يا حكيم قال ترجع بالناس فقام عتبة خطيبا فقال يا معشر قريش انكم والله ما تصنعون بان تلقوا محمدا وأصحابه شيئا والله لئن اصبتموه لا يزال رجل ينظر في وجه رجل يكره النظر اليه قتل ابن عمه وابن خاله ورجلا من عشيرته فارجعوا وخلوا بين محمد وبين سائر العرب فان اصابوه فذاك الذي اردتم وان كان غير ذلك اكفاكم ولم تعرضوا منه ما تريدون أي يا قوم اعصبوها اليوم براسي أي اجعلوا عارها متعلقا بي وقولوا جبن عتبة وانتم تعلمون اني لست بأجبنكم
أي وفي لفظ اخر ان حكيم بن حزام قال لعتبة بن ربيعة تجير بين الناس وتحمل دم حليفك عمرو بن الحضرمى أي الذي قتله واقد بن عبدالله في سرية عبدالله ابن جحش الى نخلة وهو اول قتيل قتله المسلمون وتحمل ما اصاب محمد من تلك العير أي الذي غنمه عبدالله بن جحش كما سيأتى في السرايا فانهم لا يطلبون من محمد الا ذلك فقال عتبة نعم قد فعلت أي هو حليفى فعلى عقله وما اصيب من المال ونعم ما قلت ونعم مادعوت اليه وركب عتبة جملا له وصار يجيله في صفوف قريش
يقول يا قوم اطيعوني فانكم لا تطلبون غير دم ابن الحضرمي وما اخذ من العير وقد تحملت ذلك
زاد بعضهم انه قال يا معشر قريش انشدكم الله في هذه الوجوه التي تضىء ضياء المصابيح يعنى قريشا ان تجعلوها اندادا لهذه الوجوه التي كأنها عيون الحيات يعنى الانصار وهذا كما ترى وما يأتى ايضا يضعف قول من قال انه صلى الله عليه وسلم عقل ابن الحضرمى أي اعطى ديته
وقد كان صلى الله عليه وسلم لما رأى قريشا اقبلت من الكثيب وعتبة على جمل احمر قال ان يكن في احد من القوم خير فعند صاحب الجمل الاحمر
أي وفي رواية ان يكن احد يامر بخير فعسى ان يكون صاحب الجمل الاحمر ان يطيعوه يرشدوا ولما راى رسول الله صلى الله عليه وسلم راكب الجمل الاحمر يجيله في صفوف قريش قال يا علي ناد حمزه وكان اقربهم إلى المشركين فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم من صاحب الجمل الاحمر وماذا يقول لهم فقال هو عتبة بن ربيعة ينهى عن القتال وحينئذ يكون قوله صلى الله عليه وسلم ان يكن في احد من القوم خير الخ من اعلام نبوته صلى الله عليه وسلم
ثم قال عتبة لحكيم بن حزام انطلق لابن الحنظلية يعنى ابا جهل قال حكيم فانطلقت حتى جئت ابا جهل فوجدته قد سل درعا له من جرابها أي اخرجها منه فقلت له يا ابا الحكم ان عتبة ارسلني اليك بكذا وكذا للذي قال فقال انتفخ والله سحره أي رئته كلمه تقال للجبان
وفي لفظ انه قال لعتبة وقد جاء الله اليه انت تقول هذا والله لو غيرك يقول هذا لاعضضته أي قلت له اغضض على بظر امك ان قد ملأت رئتك جوفك رعبا كلا والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وبين محمد وقال لحكيم ما بعتبة ما قال ولكنه قد راى ان محمدا واصحابه اكلة جزور أي في قلة بحيث يكفيهم الجزور وفيهم ابنه أي وهو ابو حذيفة رضى الله تعالى عنه فانه كان ممن اسلم قديما فقد تخوفكم عليه
أي وفي رواية انه قال يا معشر قريش انما يشير عليكم عتبة بهذا لان ابنه مع محمد ومحمد ابن عمه فهو كره ان تقتلوا ابنه وابن عمه فغضب عتبة وسب ابا جهل وقال سيعلم اينا افسد لقومه
أي ومن غريب الاتفاق ان ام ابان بنت عتبة بن ربيعة المذكور كان لها اربعة اخوة وعمان كل منهم حضر بدرا اثنان من اخوتها مسلمان واثنان مشركان وواحد من عميها مسلم ولاخر كافر فالاخوان المسلمان ابو حذيفة ومصعب بن عمير ولعله كان اخاها لامها والكافران الوليد بن عتبة وابو عزيز العم المسلم معمر بن الحارث ولعله كان اخا لعتبة لأمه والعم الكافر شيبة بن ربيعة وكان من حكمة الله تعالى ان الله جعل المسلمين قبل ان يلتحم القتال في اعين المشركين قليلا استدراجا لهم ليقدموا ولما التحم القتال جعلهم الله في اعين المشركين كثيرا ليحصل لهم الرعب والوهن وجعل الله المشركين عند التحام القتال في اعين المسلمين قليلا ليقوى جأشهم على مقاتلتهم
ومن ثم جاء عن ابن مسعود رضى الله تعالى عنه انه قال لقد قللوا في اعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل اتراهم سبعين قال اراهم مائة وانزل الله تعالى { وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم } ومن ثم قال الله تعالى { قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم } أي يرى اولئك الكفار المؤمنين مثليهم راى العين
أي وقد ذكر ان قباث بن اشيم رضى الله تعالى عنه فانه اسلم بعد ذلك قال في نفسه يوم بدر لو خرجت نساء قريش باكمتها لردت محمدا واصحابه وعنه انه قال لما كان بعد الخندق قدمت المدينة سالت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا هو ذاك في محل المسجد مع ملأ من اصحابه فاتيته وانا لا اعرفه من بينهم فسلمت عليه فقال صلى الله عليه وسلم يا قباث انت القائل يوم بدر لو خرجت نساء قريش بأكمتها ردت محمدا واصحابه فقال قباث والذى بعثك بالحق ما تحدث به لساني ولا ترفرفت به شفتاى ولا سمعه مني احد وما هو الا شىء هجس في قلبي وحينئذ يكون معنى قوله صلى الله عليه وسلم له انت القائل أي في نفسك اشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له واشهد ان محمدا عبده ورسوله وان ما جئت به الحق
ولما بلغ عتبة ما قاله ابو جهل قال سيعلم مصفر استه من انتفخ سحره انا ام هو وقد تقدم معنى مصفر استه
وذكر السهيلى هنا ان هذه الكمة لم يخترعها عتبة ولا هو ابو عذرتها فقد قيلت لبعض الملوك وكان مترفها لا يغزو في الحروب يريدون صفرة الخلوق والطيب وسادة
العرب لا تستعمل الخلوق والطيب الا في الدعة وتعيبه في الحرب اشد العيب واظن ان ابا جهل لما علم بسلامة العير استعمل الطيب والخلوق فلذلك قال له عتبة هذه الكلمة وانما اراد مصفر بدنه ولكنه قصد المبالغة في الذم فخص منه بالذكر ما يسوؤه ان يذكر هذا كلامه
وذكر ان النبي صلى الله عليه وسلم بعث عمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه اليهم يقول ارجعوا فانه ان يل هذا الامر منى غيركم احب الي من ان تلوه مني فقال حكيم ابن حزام قد عرض نصفا فاقبلوه فوالله لا تنصرون عليه بعد ما عرض من النصف فقال ابو جهل والله لا نرجع بعد ان مكننا الله منهم ثم ان ابا جهل بعث الى عامر ابن الحضرمي أي اخو المقتول الذي هو عمرو وقال هذا حليفك يعني عتبة يريد ان يرجع بالناس وفي لفظ يخذل الناس عن القتال وقد تحمل دية اخيك من ماله يزعم انك قابلها الا تستحي ان تقبل الدية من مال عتبة وقد رايت ثأرك بعينك فقم فاذكر مقتل اخيك وكان عامر كأخيه المقتول من حلفاء عتبة وسياتي ذلك فقام عامر بن الحضرمى فاكتشف أي كشف استه أي وحثا عليه التراب ثم صرخ واعمراه واعمراه فثارت النفوس أي وعامر هذا لا يعرف له اسلام
أي وفي الاستيعاب عامر بن الحضرمى قبل يوم بدر كافرا واما اخوهما العلاء فمن فضلاء الصحابة رضى الله تعالى عنهم أي وقد كان يقال انه مجاب الدعوة وانه خاض البحر هو وسريته التي كان اميرا عليها وذلك في زمن خلافة عمر رضى الله تعالى عنه ويقال يبس حتى رىء الغبار من حوافر الخيل بكلمات قالها ودعا بها وهى يا علي يا حكيم يا علي يا عظيم انا عبيدك وفي سبيلك نقاتل عدوك اللهم فاجعل لنا اليهم سبيلا
وقد وقع نظير ذلك أي دخول البحر لأبي مسلم الخولاني التابعي فانه لما غزا الروم مع جيشه مروا بنهر عظيم بينهم وبين العدو فقال ابو مسلم اللهم اجزت بني اسرائيل البحر وانا عبادك وفي سبيلك فأجزنا هذا النهر اليوم ثم قال اعبروا بسم الله فعبروا فلم يبلغ الماء بطون الخيل
وكذا وقع نظير ذلك لابي عبيد الثقفي التابعى امير الجيوش في ايام سيدنا عمر رضى الله تعالى عنه فان دجلة حالت بينه وبين العدو فتلا قوله تعالى { وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا }
ثم سمى الله تعالى واقتحم بفرسه الماء واقتحم الجيش وراءه ولما نظر اليهم الاعاجم صاروا يقولون ديوانا ديوانا أي مجانين ثم ولوا مدبرين فقتلهم المسلمون وغنموا اموالهم وله اخ يقال له ميمون وهو الذي حفر البئر التي بأعلى مكة التي يقال لها بئر ميمون ولم اقف على اسلامه
واما اختهم التي هي الصعبة وهي ام طلحة بن عبيد الله فصحابية رضى الله تعالى عنها كانت اولا تحت ابي سفيان بن حرب فطلقها فخلف عليها عبيدالله فولدت له طلحة الذي قال في حقه صلى الله عليه وسلم من اراد ان ينظر الى شهيد يمشى على وجه الارض فلينظر الى طلحة بن عبيدالله
ثم ان الاسود بن عبد الاسد المخزومي وهو اخو ابي سلمة عبدالله بن عبد الاسد وكان رجلا شرسا سيء الخلق شديد العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وجاء انه اول من يعطى كتابه بشماله كما ان اخاه ابا سلمة اول من يعطى كتابه بيمينه كما تقدم قال اعاهد الله لاشربن من حوضهم او لاهدمنه او لاموتن دونه فلما خرج خرج اليه حمزة بن عبد المطلب فلما التقيا ضربه حمزة فأطل قدمه بنصف ساقه أي اسرع قطعها فطارت وهو دون الحوض فوقع على ظهره تشخب رجله دما ثم حبا الى الحوض حتى اقتحم فيه أي وشرب منه وهدمه برجله الصحيحه يريد ان تبر يمينه فاتبعه حمزة فضربه حتى قتله في الحوض واقبل نفر من قريش حتى وردوا ذلك الحوض منهم حكيم بن حزام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوهم فما شرب منه رجل يومئذ الا قتل كافرا الا ما كان من حكيم بن حزام فانه لم يقتل ثم اسلم بعد ذلك وحسن اسلامه فكان اذا اجتهد في يمينه قال لا والذي نجاني يوم بدر
وعلى ان هذا الحوض كان وراء ظهره صلى الله عليه وسلم يكون مجىء هؤلاء للحوض من خلفه صلى الله عليه وسلم فليتأمل
ثم ان عتبة بن ربيعة التمس بيضة أي خودة ليدخلها في رأسه فما وجد في الجيش بيضة تسع راسه لعظمها فاعتجر على راسه ببردله أي تعمم به ولم يجعل تحت لحيته من العمامة شيئا وخرج بين اخيه شيبة وابنه الوليد حتى فصل من الصف ودعا للمبارزة فخرج اليه فتية من الانصار ثلاثة اخوة اشقاء هم معوذ ومعاذ وعوف بنو عفراء وقيل بدل عوف عبدالله بن رواحة فقالوا من انتم قالوا رهط من الانصار
قالوا ما لنا بكم من حاجة وفي رواية اكفاء كرام انما نريد قومنا أي وفي لفظ ولكن اخرجوا الينا من بني عمنا أي وفي لفظ انه صلى الله عليه وسلم امرهم بالرجوع فرجعوا الى مصافهم وقال لهم خيرا لانه كره ان تكون الشوكة لغير بني عمه وقومه في اول قتال وعند ذلك نادى مناديهم يا محمد اخرج الينا اكفاءنا من قومنا فقال النبي صلى الله عليه وسلم قم يا عبيدة بن الحارث وقم يا حمزة وقم يا علي وفي لفظ قوموا يا بني هاشم فقاتلوا بحقكم الذي بعث به نبيكم اذ جاءوا ببطلانهم ليطفئوا نور الله قم يا عبيدة بن الحرث قم يا حمزة قم يا علي فلما قاموا ودنوا قالوا لهم من انتم أي لانهم كانوا ملبسين لا يعرفون من السلاح قال عبيدة عبيدة وقال حمزة حمزة وقال علي علي قالوا نعم اكفاء كرام فبارز عبيدة بن الحارث وكان اسن القوم كان اسن من النبي صلى الله عليه وسلم بعشر سنين عتبة بن ربيعة وبارز حمزة شيبة وبارز على الوليد فأما حمزة فلم يمهل ان قتل شيبة واما علي فلم يمهل ان قتل الوليد واختلف عبيدة وعتبة بينهما بضربتين كلاهما اثبت صاحبه وكر حمزة وعلي باسيافهما على عتبة فذفناه بالمهملة والمعجمة واحتملا صاحبهما فجراه الى اصحابه أي واضجعوه الى جانب موقفه صلى الله عليه وسلم فافرشه رسول الله صلى الله عليه وسلم قدمه الشريفه فوضع خده عليها وقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم اشهد انك شهيد أي بعد ان قال له عبيدة الست شهيدا يا رسول الله فتوفى في الصفراء ودفن بها عند مرجع المسلمين الى المدينة
وقيل برز حمزة لعتبة وعبيدة لشيبة وعلي للوليد واختلف عبيدة وشيبة بينهما بضربتين كلاهما اثبت صاحبه وقعت الضربة في ركبة عبيدة فاطاحت رجله وصار مخ ساقه يسيل ثم مال حمزة وعلي على شيبة فذففا عليه
أي ويقال ان شيبة لما صرع من ضربة عبيدة قام فقام إليه حمزة فاختلفا ضربتين فلم يصنع سيفهما شيئا فاعتنق كل واحد منهما صاحبه فاهوى عبيدة وهو صريع فضرب شيبة فقطع ساقه فذفف عليه حمزة
وقيل بارز علي شيبة وبارز عبيدة الوليد فقد روى الطبراني باسناد حسن عن علي انه قال اعنت انا وحمزة عبيدة بن الحارث على الوليد فلم يعب النبي صلى الله عليه وسلم علينا ذلك
وقال الحافظ ابن حجر وهذا اصح الروايات ولكن المشهور ان عليا كرم الله وجهه انما بارز الوليد وهذا هو اللائق بالمقام لان عتبة وشيبة كانا شيخين كعبيدة وحمزة بخلاف علي والوليد فكانا شابين وقتل حمزة طعيمة بن عدي اخا المطعم بن عدي وتقدم ان المطعم مات قبل هذه الغزاة بستة اشهر كافرا
قيل وهذه المبارزة اول مبارزة وقعت في الاسلام
وفي الصحيحين عن ابي ذر انه كان يقسم قسما ان هذه الاية { هذان خصمان اختصموا في ربهم } نزلت في حمزة وصاحبه وعتبة وصاحبه يوم بدر
وفي البخارى عن علي رضى الله تعالى عنه انه اول من يجثو بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة
وقيل اول من يقف بين يدي الله تعالى للخصومة علي ومعاوية ثم تزاحم الناس ودنا بعضهم من بعض وقد كان عدل رسول الله صلى الله عليه وسلم صفوف اصحابه بقدح في يده أي بسهم لا نصل له ولا ريش فمر بسواد بتخفيف الواو لا بتشديدها كما زعمه ابن هشام بن غزية بفتح الغين المعجمة وكسر الزاي وتشديد الياء أي حليف بني النجار وهو خارج من الصف فطعنه صلى الله عليه وسلم في بطنه بالقدح وقال استو يا سواد فقال يا رسول الله اوجعتني وقد بعثك الله بالحق والعدل فأقدني أي مكني من القود أي القصاص من نفسك فكشف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بطنه وقال استقد أي خذ القود أي القصاص فاعتنقه فقبل بطنه الشريف فقال ما حملك على هذا يا سواد فقال يا رسول الله حضر ما ترى فاردت ان يكون اخر العهدبك ان يمس جلدي جلدك فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير
وفيه ان هذا لا قود فيه ولا قصاص عندنا فليتأمل وسواد هذا جعله صلى الله عليه وسلم بعد فتح خيبر عاملا على خيبر كما سيأتي
أي وفي حديث حسن عن عبدالرحمن بن عوف قال صفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر فبدرت منا بادرة امام الصف فنظر اليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال معي معي
اقول وقع له صلى الله عليه وسلم بعض الانصار أي وهو سواد بن عمرو مثل هذا الذي وقع له مع سواد بن غزية
ففي ابي داود ان رجلا من الانصار كان فيه مزاح فبينما هو يحدث القوم يضحكهم اذ طعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في خاصرته بعود كان في يده وفي لفظ بعرجون وفي اخر بعصا فقال اصبرني يا رسول الله أي اقدني ومكني من نفسك لاقتص منك فقال اصبر أي اقتص قال ان عليك قميصا وليس على قميص فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم قميصه فاحتضنه وجعل يقبل كشحه
أي ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم انه ما التصق ببدنه مسلم وتمسه النار كذا في الخصائص الصغرى وفيها في محل اخر ولا تاكل النار شيئا مس جسده وكذلك الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم
ثم لما عدل الصفوف قال لهم ان دنا القوم منكم فانصحوهم أي ادفعوهم عنكم بالنبل واستبقوا نبلكم أي لا ترموهم على بعد فان الرمى مع البعد غالبا يخطىء فيضيع النبل بلا فائدة أي وقال لهم لا تسلوا السيوف حتى يغشوكم وخطبهم خطبة حثهم فيها على الجهاد وعلى المصابرة فيه منها وان الصبر في مواطن البأس مما يفرج الله عز وجل به الهم وينجى به من الغم وهذا السياق يدل على تكرر هذه الخطبة أي وقوعها قبل مجيئهم الى محل القتال وبعد مجيئهم اليه ولا مانع منه
ثم رجع صلى الله عليه وسلم الى العريش فدخله ومعه ابو بكر ليس معه فيه غيره وسعد بن معاذ قائم على باب العريش متوشح بسيفه مع نفر من الانصار يخافون على رسول الله صلى الله عليه وسلم كرة العدو أي والجنائب مهيأة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ان احتاج اليها ركبها ولما اصطف الناس للقتال رمى قطبه بن عامر حجرا بين الصفين وقال لا افر الا ان فر هذا الحجر وكان اول من خرج من المسلمين مهجع بكسر الميم واسكان الهاء فجيم مفتوحة فعين مهملة مولى عمر بن الخطاب فقتله عامر ابن الحضرمى بسهم ارسله اليه ونقل بعض المشايخ انه اول من يدعى من شهداء هذه الامة وانه صلى الله عليه وسلم قال يومئذ مهجع سيد الشهداء أي من هذه الامة فلا ينافى ما جاء ان سيد الشهداء يوم القيامة يحيى بن زكريا وقائدهم الى الجنة وذابح الموت يوم القيامة يضجعه ويذبحه بشفرة في يده والناس ينظرون إليه لكن جاء سيد الشهداء هابيل الا ان تجعل الاولية اضافية فيراد اول اولاد آدم لصلبه
قيل وكون مهجع اول قتيل من المسلمين لا ينافى كون اول قتيل من المسلمين عمير بن
الحمام لان ذاك اول قتيل من المهاجرين وعمير اول قتيل من الانصار ولا ينافى ذلك ان اول قتيل من الانصار حارثة بن قيس أي قتل بسهم لم يدر راميه
ففى البخارى عن حميد قال سمعت انسا يقول اصيب حارثة يوم بدر وهو غلام قتل بارسال سهم اليه أي فانه اصابه سهم غرب أي لا يعرف راميه وهو يشرب من الحوض
وفي كلام ابن اسحاق اول من قتل من المسلمين مهجع مولى عمر بن الخطاب ومن بعده حارثة بن سراقة وقد جاءت ام حارثة وهي عمة انس بن مالك الى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله حدثني عن حارثة فان يكن في الجنة لم ابك عليه ولكن احزن وان يكن في النار بكيت ما عشت في دار الدنيا وفي رواية ان يكن في الجنة صبرت وان يكن غير ذلك اجتهدت عليه في البكاء فقال يا ام حارثة انها ليست بجنة ولكنها جنات وحارثة في الفردوس الاعلى فرجعت وهي تضحك وتقول بخ بخ لك يا حارثة وهذا قد يخالف قول ابن القيم كالزمخشري ان الجنة التي هي دار الثواب واحدة بالذات كثيرة بالاسماء والصفات وهذا الاسم الذي هو الجنة يجمعها من اسمائها جنة عدن والفردوس والمأوى ودار السلام ودار الخلد ودار المقامة ودار النعيم ومقعد صدق وغير ذلك مما يزيد على عشرين اسما
أي وعن الواقدى انه بلغ امه واخته وهما بالمدينة مقتله فقالت امه والله لا ابكى عليه حتى يقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأساله فان كان في الجنة لم ابك عليه وفي رواية اصبر واحتسب وان كان ابني في النار بكيته
وفي رواية ترى ما اصنع فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من بدر جاءت امه فقالت يا رسول الله قد عرفت موقع حارثة من قلبي فأردت ان ابكي عليه ثم قلت لا افعل حتى اسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فان كان في الجنة لم ابك عليه وان كان في النار بكيته فقال النبي صلى الله عليه وسلم هبلت وفي رواية ويحك أو هبلت اجنة واحدة انها جنان كثيرة والذي نفسي بيده انه لفي الفردوس لاعلى ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بإناء من ماء فغمس يده فيه ومضمض فاه ثم ناوله ام حارثة فشربت ثم ناولت ابنتها فشربت ثم امرهما ينضحان في جيوبهما ففعلتا فرجعتا من عند النبي صلى الله عليه وسلم وما بالمدينة امرأتان اقر عينا منهما ولا اسر
وقد كان حارثة سال رسول الله صلى الله عليه وسلم ان يدعو له بالشهادة فقد جاء انه صلى الله عليه وسلم قال لحارثة يوما وقد استقبله كيف اصبحت يا حارثة قال اصبحت مؤمنا بالله حقا قال انظر ما تقول فان لكل قول حقيقة قال يا رسول الله عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلى وأظمأت نهاري فكأني بعرش ربى بارزا وكاني انظر الى اهل الجنة يتزاورون فيها وكاني انظر الى اهل النار يتعاوون فيها قال ابصرت فالزم عبد أي انت عبد بذر الله الايمان في قلبه قال فقلت ادع الله لي بالشهادة فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وقال ابو جهل واصحابه حين قتل عتبة وشيبة والوليد تصبرا لنا لعزى ولا عزى لكم ونادى منادى رسول الله صلى الله عليه وسلم الله مولانا ولا مولى لكم قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار
اقول سياتي وقوع مثل ما قال ابو جهل واصحابه من ابي سفيان وانه اجيب بمثل هذا الجواب في يوم وأحد والله اعلم
وصار رسول الله صلى الله عليه وسلم يناشد ربه ما وعده من النصر أي وهذا العريش هو المراد بالقبة في قول البخاري عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو في قبة يوم بدر اللهم انشدك عهدك الحديث ويقول اللهم ان تهلك هذه العصابة اليوم فلا تعبد أي وفي مسلم انه صلى الله عليه وسلم قال اللهم انك ان تشأ لا تعبد في الارض قال ذلك في هذا اليوم وفي يوم احد
قال العلماء فيه التسليم لقدر الله تعالى والرد على غلاة القدرية الذين يزعمون ان الشر غير مراد لله ولا مقدور له
وذكر الامام النوي ان كونه قال ما ذكر يوم بدر هو المشهور وفي كتب التفسير والمغازي انه يوم احد ولا معارضة بينهما فقاله في اليومين هذا كلامه
أي يجوز ان يكون قال ذلك في يوم بدر وفي يوم احد وفي رواية اللهم ان ظهروا على هذه العصابة ظهر الشرك ولا يقوم لك دين أي لانه صلى الله عليه وسلم علم انه اخر النبيين فاذا هلك هو ومن معه لا يبقى من يتعبد بهذه الشريعة وفي لفظ اخر اللهم لا تودع مني ولا تخذلني انشدك ما وعدتني لانه كان وعده النصر وفي رواية ما زال يدعو ربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبه فاخذ ابو بكر رداءه وألقاه على منكبه ثم التزمه من ورائه وقال يا نبي الله كفاك تناشدك ربك فانه سينجز
لك ما وعدك أي وفي رواية والله لينصرنك الله وليبيضن وجهك أي وفي لفظ قد الححت على ربك وكون وعد الله لا يتخلف لا ينافى الالحاح في الدعاء لان الله يحب الملحين في الدعاء وانما قال ابو بكر ما ذكر لانه شق عليه تعب النبي صلى الله عليه وسلم في الحاحه بالدعاء لانه رضى الله تعالى عنه رقيق القلب شديد الاشفاق على رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقيل لان الصديق كان في تلك الساعة في مقام الرجاء والنبي صلى الله عليه وسلم كان في مقام الخوف لان الله يفعل ما يشاء وكلا المقامين سواء في الفضل ذكره السهيلي
وحين راى المسلمون القتال قد نشب عجوا بالدعاء الى الله تعالى فانزل الله تعالى عند ذلك { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين } أي متتابعين وقيل ردفا لكم ومددا لكم وقيل وراء كل ملك ملك اخر
ويوافق ذلك ما جاء عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما امد الله نبيه يوم بدر بالف من الملائكة فكان جبريل في خمسمائة وميكائيل في خمسمائة فأمده الله تعالى بالملائكة الف مع جبريل والف مع ميكائيل وجاء امده الله بثلاثة الاف الف مع جبريل والف مع ميكائيل والف مع اسرافيل وهذا رواه البيهقي في الدلائل عن على باسناد فيه ضعف
وقيل وعدهم الله تعالى ان يمدهم بالف ثم زيدوا في الوعد بالفين ثم زيدوا في الوعد بالفين ايضا
وقيل امدهم الله تعالى بثلاثة الاف من الملائكة ثم اكملهم بخمسة الاف قال الله تعالى { إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين } أي الف مع جبريل والف مع ميكائيل والف مع اسرافيل { بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين } فان ذلك كان يوم بدر على ما عليه الاكثر وقيل يوم احد كان الامداد فيه بذلك أي بثلاثة الاف ثم وقع الوعد بإكمالهم خمسة الاف معلقا على شرط وهو التقوى والصبر عن حوز الغنائم فلم يصبروا ففات الامداد بما زاد على الثلاثة الاف
وهذا الثاني هو الذي في النهر لابي حيان كان المدد يوم بدر بالف من الملائكة ويوم احد بثلاثة الاف ثم بخمسة لو صبروا عن اخذ العنائم فلم يصبروا فلم تنزل هذا
كلامه وهو واضح لان عدم صبرهم عن اخذ الغنائم وعدم امتثال امره انما كان في احد لا في بدر
وروى البيهقى عن حكيم بن حزام رضى الله عنه ان يوم بدر وقع نمل من السماء قد سد الافق فاذا الوادي يسيل نملا أي نازلا من السماء فوقع في نفسي ان هذا شىء ايد به صلى الله عليه وسلم وهي الملائكة
أي وروى بسند حسن عن جبير بن مطعم قال رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد الاسود مبثوث حتى امتلآ الوادى فلم اشك انها الملائكة فلم يكن الا هزيمة القوم والبجاد كساء مخطط من اكسية الاعراب وسيأتي وقوع مثل ذلك في حنين
قال وانما كانت الملائكة شركاء لهم في بعض الفعل ليكون الفعل منسوبا للنبي صلى الله عليه وسلم ولاصحابه والا فجبريل قادر على ان يدفع الكفار بريشة من جناحه كما فعل بمدائن قوم لوط واهلك قوم صالح وثمود بصيحة واحدة وليهابهم العدو بعد ذلك حيث يعلمون ان الملائكة تقاتل معهم
وبهذا يرد ما قيل لم تقاتل الملائكة يوم بدر وانما كانوا يكثرون السواد والا فملك واحد كاف في اهلاك اهل الدنيا كلهم
وجاء لولا ان الله تعالى حال بيننا وبين الملائكة التي نزلت يوم بدر لمات اهل الارض خوفا من شدة صعقاتهم وارتفاع اصواتهم
وجاء في حديث مرسل ما رؤ ى الشيطان ا حقر ولا ادحر ولا اصغر من يوم عرفة الا ما رىء يوم بدر أي وكذا سائر مواسم المغفرة والعتق من النار كأيام رمضان سيما ليلة القدر
وجاء ان ابليس جاء في صورة سراقة بن مالك المدلجي الكناني في جند من الشياطين أي مشركي الجن في صور رجال من بني مدلج من بني كنانة معه رايته وقال للمشركين لا غالب لكم اليوم من الناس واني جار لكم اه أي كما قال لهم ذ لك عند ابتداء خروجهم وقد خافوا من بني كنانة قوم سراقة وقد تقدم انه كان وحده ولا منافاة لجواز ان يكون جنده لحقوا به بعد قال فلما رأى جبريل والملائكة وفي رواية اقبل جبريل الى ابليس فلما راه وكانت يده في يد رجل من المشركين أي وهو الحارث بن هشام اخو ابي جهل
انتزع يده من يد الرجل ثم نكص على عقبه وتبعه جنده فقال له الرجل يا سراقة اتزعم انك لنا جار فقال اني برىء منكم اني ارى ما لا ترون اني اخاف الله والله شديد العقاب وتشبث به الحارث بن هشام رضى الله تعالى عنه فانه اسلم بعد ذلك وقال له والله لا ارى الا خفافيش يثرب فضربه ابليس في صدره فسقط وعند ذلك قال ابو جهل يا معشر الناس لا يهمنكم خذلان سراقة فانه كان على ميعاد من محمد ولا يهمنكم قتل عتبة وشيبة أي والوليد فانهم قد عجلوا واللات والعزى لا نرجع حتى نقرن محمدا واصحابه بالجبال وصار يقول لا تقتلوهم خذوهم باليد
وذكر السهيلي انه يروى ان من بقى من قريش وهرب الى مكة وجد سراقة بمكة فقالوا له يا سراقة خرقت الصف واوقعت فينا الهزيمة فقال والله ما علمت بشىء من امركم وما شهدت وما علمت فما صدقوه حتى اسلموا وسمعوا ما انزل الله فعلموا انه ابليس هذا كلامه
قال قتادة صدق ابليس في قوله اني ارى مالا ترون وكذب في قوله اني اخاف الله والله ما به مخافة من الله
قال في ينبوع الحياة ولا يعجبني هذا فان ابليس عارف بالله ومن عرف الله خافه أي وان لم يكن ابليس خافه حق الخوف
قيل وانما خاف ان يكون هذا اليوم هو اليوم الموعود الذي قال فيه سبحانه وتعالى { يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين }
ورايت عن سيدي على الخواص انه لا يلزم من قول ابليس ذلك ان يكون معتقدا له بالباطن كما هو شان المنافقين
ورايت عن وهب ان اليوم المعلوم الذي انظر فيه ابليس هو يوم بدر قتلته الملائكة في ذلك اليوم والمشهور انه منظر الى يوم القيامة ويدل لذلك ما روى ان ابليس لما ضرب الحارث في صدره لم يزل ذاهبا حتى سقط في البحر ورفع يديه وقال يا رب موعدك الذي وعدتني اللهم اني اسألك نظرتك إياي وخاف ان يخلص اليه القتل
هذا وفي زوائد الجامع الصغير عن مسلم ان سيدنا عيسى عليه السلام يقتل ابليس بيده بعد نزوله وفراغه من صلاته ويرى المسلمين دمه في حربته
وفي كلام بعضهم ولعل المراد بيوم القيامة الذي انظر اليه ابليس ليس نفخة البعث
بل نفخة الصعق التي بها يكون موت من لم يمت من اهل السموات واهل الارض قيل الا حملة العرش وجبريل وميكائيل واسرافيل وملك الموت وهؤلاء ممن استثنى الله تعالى في قوله { ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله } ثم يموت جبريل وميكائيل ثم حملة العرش ثم اسرافيل ثم ملك الموت فهو اخر من يموت
وفي كلام بعضهم الصعق اعم من الموت أي فالمراد ما يشمل الغشى وذهاب الشعور أي فمن مات قبل ذلك وصار حيا في البرزخ كالأنبياء والشهداء لا يموت وانما يحصل له غشى وذهاب شعور ويكون المستثنى من القسم الاول من تقدم ذكره من الملائكة ومن القسم الثاني موسى صلوات الله وسلامه عليه فانه جوزى بذلك أي بعدم الغشى وذهاب الشعور بما حصل له من ذلك بسبب صعقة الطور
وفيه انه صلى الله عليه وسلم لم يجزم بذلك بل تردد في ذلك حيث قال فاكون اول من رفع راسه أي افاق من الغشى فاذ انا بموسى اخذ بقائمة من قوائم العرش فلا ادرى ارفع راسه أي افاق من الغشى قبلي او كان ممن استثنى الله فلم يصعق وفي رواية فاذا موسى متعلق بقائمة العرش فلا ادرى اكان فيمن صعق فأفاق قبلي ام كان ممن استثنى الله ولعل بعض الرواه ضم هذا الخبر لخبر الشيخين انا اول من تنشق عنه الارض يوم القيامة فاذا موسى الخ وفيه نظر لان المراد بيوم القيامة عند نفخة البعث ونفخة الصعق سابقة عليها كما علمت
ويلزم على هذا التردد مع كون الخبرين خبرا واحدا اشكال جزمه صلى الله عليه وسلم بانه اول من تنشق عنه الارض
واجاب شيخ الاسلام بما يفيد انهما خبران لاخبر واحد حيث قال التردد كان قبل ان يعلم انه اول من تنشق عنه الارض أي فهما حديثان لا حديث واحد
فان قيل قوله صلى الله عليه وسلم لا تخيروني على موسى فان الناس يصعقون يوم القيامة فأصعق معهم فأكون اول من يفيق فاذا موسى الحديث يقتضى انه صلى الله عليه وسلم ليس افضل من موسى
قلنا هو كقوله صلى الله عليه وسلم من قال انا خير من يونس بن متى فقد كذب وذلك منه صلى الله عليه وسلم تواضع او كان قبل ان يعلم انه افضل الخلق اجمعين وقيل الوقت المعلوم خروج الدابة واذا خرجت قتلته بوطئها
0 وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ان ابليس اذا مرت عليه الدهور وحصل له الهرم عاد ابن ثلاثين سنة وهذه النفخة التي هي نفخة الصعق مسبوقة بنفخة الفزع التي تفزع بها اهل السموات والأرض فتكون الارض كالسفينة في البحر تضر بها الامواج وتسير الجبال كسير السحاب وتنشق السماء وتكسف الشمس ويخسف القمر وهي المعنية بقوله تعالى { يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة } وبقوله تعالى { إن زلزلة الساعة شيء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها } الاية وقال تعالى { ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله } قيل وهم الشهداء
فقد جاء ان الاموات يومئذ لا يعلمون بشىء من ذلك قلنا يا رسول الله فمن استثنى الله تعالى في قوله { إلا من شاء الله } قال اولئك الشهداء وانما يصل الفزع الى الاحياء وهم احياء عند ربهم يرزقون وقاهم الله فزع ذلك اليوم وامنهم منه
واقتصاره صلى الله عليه وسلم على ذكر الشهداء وسكوته عن الانبياء لما هو معلوم من الاصل ان مقام الانبياء ارقى من مقام الشهداء وان كان قد يوجد في المفضول مالا يوجد في الفاضل ومن ثم قيل الرزق خاص بالشهداء ومن ثم اختصوا بحرمة الصلاة عليهم
ويقال انه كان مع المسلمين يوم بدر من مؤمني الجن سبعون أي لكن لم يثبت انهم قاتلوا فكانوا مجرد مدد
ثم ان رسول الله صلى الله عليه وسلم خفق خفقة أي مالت راسه من النعاس ثم انتبه فقال ابشر يا ابا بكر اتاك نصر الله هذا جبريل اخذ بعنا فرسه وفي لفظ اخذ براس فرسه يقوده على ثناياه النقع أي الغبار وهو يقول اتاك نصر الله اذ دعوته أي وفي رواية ان جبريل عليه الصلاة والسلام اتى النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما فرغ من بدر على فرس حمراء معقودة الناصية قد خضب الغبار ثنيته عليه درعه وقال يا محمد ان الله بعثنى إليك وامرني ان لا افارقك حتى ترضى ارضيت
أي ولا مانع من تعدد رؤيته صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه الصلاة والسلام وان هذه بعد تلك وان المرة الاولى مساقها يقتضى انها كانت مناما وان الغبار في المرة الثانية كان اكثر منه في المرة الاولى بحيث علا على ثناياه
ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من العريش الى الناس فحرضهم وقال والذي
نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر الا ادخله الله الجنة فقال عمير بن الحمام بضم الحاء المهملة وتخفيف الميم وبيده تمرات يأكلهن بخ بخ كلمة تقال لتعظيم الامر والتعجب منه ما بيني وبين ان ادخل الجنة الا ان يقتلني هؤلاء ثم قذف التمرات من يده واخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل أي وفى رواية انه صلى الله عليه وسلم قال قوموا الى جنة عرضها السموات والارض اعدت للمتقين فقال عمير ابن الحمام بخ بخ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تبخبخ أي م تتعجب فقال رجاء ان اكون من اهلها أي وفي رواية ما يحملك على قولك بخ بخ قال لا والله يا رسول الله الا رجاء ان اكون من اهلها فاخذ تمرات فجعل بلوكهن ثم قال والله ان بقيت حتى الوكهن وفي لفظ ان حييت حتى اكل تمراتي هذه انها لحياة طويلة فنبذهن وقاتل أي وهو يقول ** ركضنا الى الله بغير زاد ** الا التقى وعمل المعاد ** **
والصبر في الله على الجهاد وكل زاد عرضه النفاد
** ** غير التقى والبر والرشاد **
ولا زال يقاتل حتى قتل رضى الله تعالى عنه وسيأتى في غزاة احد مثل هذا لبعض الصحابة ابهمه جابر رضى الله تعالى عنه في القاء التمرات من يده ومقاتلته حتى قتل فعن جابر رضي الله تعالى عنه قال قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم يوم احد أرأيت إن قتلت فأين أنا قال
في الجنة قال فألقى تمرات في يده ثم قاتل حتى قتل اخرجه البخارى ومسلم والنسائي وسيأتي ما في ذلك
وقال عوف بن الحارث بن عفراء يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده أي ما يرضيه غاية الرضا قال غمسه يده في العدو حاسرا أي لا درع له ولا مغفر فنزع درعا كانت عليه فقذفها ثم اخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل رضى الله تعالى عنه فالضحك في حق الله كناية عن غاية رضاه
وقد جاء انه صلى الله عليه وسلم قال في طلحة بن الغمر اللهم الق طلحة يضحك اليك وتضحك اليه أي القه لقاء كلقاء المتحابين المظهرين لما في انفسهما من غاية الرضا والمحبة فهي كلمة وجيزة تتضمن الرضا مع المحبة واظهار البشر فهى من جوامع كلمه التي اوتيها صلى الله عليه وسلم
وقاتل في ذلك اليوم معبد بن وهب زوج هريرة بنت زمعة اخت سودة بنت زمعة ام المؤمنين رضى الله تعالى عنها بسيفين ثم اخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حفنة من الحصباء بالمد امره بذلك جبريل عليه الصلاة والسلام كما جاء في بعض الروايات أي قال خذ قبضة من تراب وارمهم بها فتناولها صلى الله عليه وسلم
وفي رواية انه قال لعلي كرم الله وجهه ناولني فاستقبل بها قريشا ثم قال شاهت الوجوه أي قبحت الوجوه أي وزاد بعضهم اللهم ارعب قلوبهم وزلزل اقدامهم ثم نفخهم أي ضربهم بها فلم يبق من المشركين رجل الا ملأت عينه وفي رواية وانفه وفمه لا يدري اين يتوجه يعالج التراب لينزعه من عينيه أي فانهزموا وردفهم المسلمون يقتلون ويأسرون
هذا والمحفوظ المشهور أن تلك إنما كان في حنين لكن يوافق الأول ما نقله بعضهم أن قوله تعالى { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى } نزل يوم بدر هكذا قال عروة وعكرمة ومجاهد وقتادة قال هذا البعض وقد فعل عليه الصلاة والسلام مثل ذلك في غزوة أحد هذا كلامه
وفي رواية انه صلى الله عليه وسلم اخذ ثلاث حصيات فرمى بحصاة في ميمنة القوم وحصاة في ميسرة القوم وحصاة بين ايديهم فقال شاهت الوجوه فانهزم القوم وهذه الحصيات الثلاث قال جابر بن عبدالله رضى الله تعالى عنهما وقعن من السماء يوم بدر كأنهن وقعن في طست فأخذهن رسول اله صلى الله عليه وسلم فرمى بهن في وجوه المشركين أي يمنة ويسرة وبين ايديهم وحين رمى صلى الله عليه وسلم بذلك قال لاصحابه شدوا فكانت الهزيمة وانزل الله تعالى { وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى }
وقد يقال لا مانع من اجتماع الامرين وكل منهما مراد من الاية قال وقاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بنفسه قتالا شديدا وكذلك ابو بكر رضى الله تعالى عنه كما كانا في العريش يجاهدان بالدعاء قاتلا بأبدانهما جمعا بين المقامين انتهى
اقول كذا نقل بعضهم عن الاموى ويتأمل ذلك فاني لم اقف عليه في كلام احد غيره وكان قائل ذلك فهم مباشرته صلى الله عليه وسلم للقتال مما تقدم عن على رضى الله تعالى عنه لما كان يوم بدر اتقينا المشركين برسول الله صلى الله عليه وسلم وكان اشد الناس بأسا ولا دلالة في ذلك والله اعلم
نعم ذكر ابن سعد انه لما انهزم المشركون رؤى رسول الله صلى الله عليه وسلم في اثرهم مصلتا السيف يتلو هذه الاية { سيهزم الجمع ويولون الدبر } وهذه الاية ذكر في الاتقان انها مما تأخر حكمه عن نزوله فانها نزلت بمكة وكان ذلك يوم بدر
فعن عمر رضى الله تعالى عنه قلت أي جمع فلما كان يوم بدر وانهزمت قريش نظرت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم في اثارهم مصلتا السيف يقول { سيهزم الجمع ويولون الدبر } فكانت ليوم بدر اخرجه الطبراني في الاوسط ولو قاتل صلى الله عليه وسلم لجرح او قتل من قاتله ولو وقع ذلك لنقل لانه مما تتوفر الدواعي على نقله
وسيأتي في احد عن النور انه صلى الله عليه وسلم لم يقتل بيده الشريفة قط احد الا ابي بن خلف لا قبله ولا بعده والى رميه بالحصا أشار صاحب الهمزية بقوله ** ورمى بالحصا فاقصد جيشا ** ما العصا عنده ما الالقاء **
ي ورمى صلى الله عليه وسلم بالحصا جيشا فأصابهم كلهم بها أي شىء القاء عصا موسى عليه الصلاة والسلام على حبال سحرة فرعون وعصيهم عند ذلك الحصى المرمى به لا يقاربه ذلك الالقاء ولا يدانيه لان ذاك وجد له نظير وهو القاء السحرة الحبال والعصى والرمى بالحصا لم
يوجد له نظير
أي وقال صلى الله عليه وسلم حينئذ من قتل قتيلا فله سلبه ومن اسر اسيرا فهو له كما في الامتاع فلما وضع القوم ايديهم يأسرون نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم الى سعد فوجد في وجهه الكراهية لما يصنع القوم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم قال اجل والله يا رسول الله كانت اول وقعة اوقعها الله بأهل الشرك فكان الاثخان في القتل أي الاكثار منه والمبالغة فيه احب الى من استبقاء الرجال
وذكر بعضهم ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه انكم قد عرفتم ان رجالا من بني هاشم وغيرهم قد اخرجوا اكراها لا حاجة لهم بقتالنا فمن لقى منكم احدا من بني هاشم فلا يقتله أي بل يأسره وذكر ابا البحتري بن هشام أي فقال من لقى ابا البحتري فلا يقتله أي لانه كان ممن قام في نقض الصحيفة ونص على العباس بن عبدالمطلب فقال ابو حذيفة رضى الله تعالى عنه ايقتل اباؤنا وابناؤنا واخواننا و عشيرتنا ويترك العباس أي لانه تقدم ان اباه عتبة وعمه شيبة واخاه الوليد اول من قتل من الكفار
مبارزة وعشيرته وهي بنو عبد شمس قدقتل منها جماعة لئن لقيته يعنى العباس لألجمنه السيف هو بالمهملة والمعجمة فبلغت أي تلك المقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر يا أبا حفص ايضرب وجه عم رسول الله السيف فقال عمر والله انه لاول يوم كناني فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بابي حفص يا رسول الله دعني اضرب عنقه يعني ابا حذيفة بالسيف فوالله لقد نافق فكان ابو حذيفة يقول ما انا بآمن من تلك الكلمة التي قلتها يومئذ ولا ازال منها خائفا الا ان تكفرها عني الشهادة فقتل يوم اليمامة شهيدا في جملة من قتل فيها من الصحابة هم اربعمائة وخمسون وقيل ستمائة رضى الله تعالى عنهم
ولقى المجذر رضى الله تعالى عنه ابا البحترى فقال له ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهانا عن قتلك فقال وزميلي أي ورفيقي وكان معه زميل له خرج معه من مكة أي يقال له جنادة بن مليحة فقال له المجذر لا والله ما نحن بتاركي زميلك ما امرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الا بك وحدك قال لا والله اذا لاموتن انا وهو جميعا لا تتحدث عني نساء مكة اني تركت زميلي أي يقتل حرصا على الحياة فقتله المجذر أي بعد ان قاتله ثم اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال والذي بعثك بالحق لقد جهدت عليه ان يستأسر فآتيك به فابى الا ان يقاتلني فقتلته
اقول لعل المجذر فهم ان ما عدا من نهى عن قتله يقتل وان استأسر حتى قال ما نحن بتاركى زميلك أي ولا بد من قتله وان استاسر فكان ذلك حاملا لأبي البحترى على ان لا يستأسر ويترك زميله فيقتل خوف السبه والله اعلم
أي وكان من جملة من خرج مع المشركين يوم بدر عبدالرحمن بن ابي بكر رضى الله تعالى عنهما وكان اسمه قبل الاسلام عبد الكعبة وقيل عبد العزى فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالرحمن وكان من اشجع قريش واشدهم رماية وكان اسن ولد ابيه وكان صالحا وفيه دعابة فلما اسلم قال لابيه لقد اهدفت لي أي ارتفعت لي يوم بدر مرارا فصدفت عنك أي اعرضت عنك فقال ابو بكر لو هدفت لي لم اصدف أي اعرض عنك فالمراد بكونه اهدف له ارتفع وهو لا يشعر بذلك فلا ينافى ماقيل ان عبدالرحمن ابن ابي بكر يوم بدر دعا الى البراز فقام اليه ابوه ابو بكر ليبارزه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم متعنا بنفسك يا ابا بكر اما علمت انك عندى بمنزلة سمعى وبصرى
5 أي وفي بعض السير ان الصديق قال لولده عبدالرحمن يوم بدر وهو مع المشركين لم يسلم أين مالي يا خبيث فقال له عبدالرحمن كلاما معناه لم يبق الا عدة الحرب التي هي السلاح وفرس سريعة الجرى وجنان يقاتل عليه شيوخ الضلال أي وهذا يدل على ان الصديق رضى الله تعالى عنه ترك مالا عند اهله لما هاجر وهو قد يخالف ماتقدم عن ابنته اسماء من قولها ان ابا بكر ارسل ابنه عبدالله فحمل ماله وكان خمسة الاف درهم الى الغار فدخل علينا جدي ابو قحافة الحديث ولعل ماله الذي عناه الصديق ما كان من نحو امتعة وبعض مواشي لا النقد فلا مخالفة
ويروى عن ابن مسعود ان الصديق رضى الله تعالى عنه دعا ابنه يعنى عبدالرحمن يوم احد الى البزار فقال له النبي صلى الله عليه وسلم متعنا بنفسك اما علمت انك مني بمنزلة سمعي وبصري فانزل الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } ولا مانع من التعدد حتى في نزول الاية لكن يبعد نزولها في احد ايضا كون ابي بكر يدعو للمبارزة بعد نزولها اولا في بدر
ثم رأيت ابن ظفر قال في الينبوع انه لم يثبت ان ابا بكر دعا ابنه للمبارزة وانما هو شىء ذكر في كتب التفسير فانزل الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } فالاية مدنية لا مكية وبه يرد ما ذكر ان سببها ان ابا بكر سمع والده ابا قحافة يذكر النبي صلى الله عليه وسلم بشر فلطمه لطمة سقط منها فأخبر ابو بكر النبي صلى الله عليه وسلم فقال له لا تعد لمثلها فقال والله لو حضرني السيف لقتلته به
وفي كلام الزمخشري ان عبدالرحمن اسلم في هدنة الحديبية وهاجر الى المدينة ومات سنة ثلاث وخمسين بمحل بينه وبين مكة ستة اميال وحمل على اعناق الرجال الى مكة وقدمت اخته عائشة رضى الله تعالى عنها من المدينة فأتت قبره فصلت عليه
أي وفي هذا اليوم الذي هو يوم بدر قتل ابو عبيدة بن الجراح اباه وكان مشركا فان اباه قصده ليقتله فولى عنه ابو عبيدة لينكف عنه فلم ينكف عنه فرجع عليه وقتله وانزل الله تعالى { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم } الاية
وعن عبدالرحمن بن عوف رضى الله تعالى عنه لقد لقيت اميه بن خلف وكان
صديقا لي في الجاهلية ومعه أي مع امية ابنه علي أي اخذ بيده وكان علي ممن اسلم والنبي صلى الله عليه وسلم بمكة قبل ان يهاجر رففتنهم اقاربهم عن الاسلام ورجعوا عنه وماتوا على كفرهم وانزل الله تعالى فيهم { إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم } الاية أي وهم الحرث بن ربيعة وابو قيس بن الفاكه وابو قيس بن الوليد والعاص ابن منبه وعلي بن اميه المذكور
وفي السيرة الهشامية وذلك انهم كانوا اسلموا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم الى المدينة حبستهم اباؤهم وعشيرتهم بمكة وفتنوهم فافتتنوا أي رجعوا عن الاسلام ثم ساروا مع قومهم الى بدر فأصيبوا جميعا وسياقه كما ترى يقتضى انهم لم يرجعوا الى الكفر الا بعد الهجرة وسياق ما قبله ربما يقتضى انهم رجعوا الى الكفر قبل ان يهاجر صلى الله عليه وسلم
قال عبدالرحمن بن عوف وكان معي ادراع استلبتها أي فانا احملها فلما رآني اميه ناداني باسمي الاول يا عبد عمرو فلم اجبه لانه كان قال لي لما سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالرحمن اترغب عن اسم سماك به ابوك فقلت نعم قال الرحمن لا اعرفه ولكني اسميك بعبد الاله كما تقدم فلما ناداني بعبدالاله قلت نعم
أي وظاهر السياق يقتضى انه عرف انه المراد بذلك وانه ترك اجابته قصدا حيث جعله عبدا للصنم ويحتمل وهو الاقرب أنه لم يجبه لعدم معرفته انه المراد بذلك الاسم لكونه هجر بالمرة فلما ناداه اميه بما ذكر عرفه وعرف انه المراد بذلك لما ذكر وعند ذلك قال له اميه هل لك في فأنا خير لك من هذه الادراع التي معك قلت نعم فطرحت الادراع من يدي واخذت بيده وبيد ابنه علي وهو يقول ما رأيت كاليوم قط ثم قال لي يا عبدالاله من الرجل منكم المعلم بريشة نعامة في صدره أي كانت في درعه بحيال صدره قلت ذاك حمزة بن عبد المطلب قال ذاك الذي فعل بنا الافاعيل وقيل قائل ذلك ابنه ثم خرجت امشي بهما فو الله اني لاقودهما اذ رآه بلال معي وكان هو الذي يعذب بلالا بمكة على ان يترك الاسلام أي كما تقدم فقال بلال راس الكفر اميه بن خلف لا نجوت ان نجا فقلت أي بلال أفبأسيرى أي تفعل ذلك بهما قال لا نجوت ان نجا وكررت وكر ذلك ثم صرخ بأعلى صوته يا أنصار الله راس الكفر اميه بن خلف لا نجوت ان نجا وكرر ذلك فأحاطوا بنا
فأصلت رجل السيف أي سله من غمده وذلك الرجل هو بلال فضرب رجل ابنه فوقع وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط فضربوهما بأسيافهم فهبروهما
اقول الذي في البخاري عن عبدالرحمن بن عوف ان بلالا لما استصرخ الانصار قال خشيت ان يلحقونا فخلفت لهم ابنه لاشغلهم به فقتلوه ثم اتونا حتى لحقوا بنا وكان امية رجلا ثقيلا أي كما تقدم فقلت ابرك فألقيت نفسي عليه لامنعه فتخللوه بالسيوف من تحتي حتى قتلوه فأصاب احدهم رجلي بسيفه أي ظهر قدمه
وفي كلام ابن عبد البر قال ابن هشام قتل امية بن خلف معاذ بن عفراء وخارجه ابن زيد وحبيب بن اساف اشتركوا فيه
قال ابن اسحاق وابنه على قتله عمار بن ياسر وحبيب بن اساف هذا شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتزوج بنت خارجة بد ان توفى عنها ابو بكر الصديق رضى الله تعالى عنه وهو جد حبيب شيخ مالك رضى الله تعالى عنه والله اعلم
وكان عبدالرحمن بن عوف يقول يرحم الله بلالا ذهبت ادراعى وفجعني بأسيرى أي وفي رواية لما كان يوم بدر خصل لي درعان ولقيني امية فقال خذني وابني فأنا خير لك من الدرعين فالقيت الدرعين فاخذتهما فلما قتلا صار يقول يرحم الله بلالا فلا درعي ولا اسيرى أي لانه صلى الله عليه وسلم جعل في هذه الغزاة ان كل من اسر اسيرا فهو له كما تقدم وسياتي أي فله فداؤه وهو يخالف ما عليه ائمتنا ان مال فداء الاسرى ورقابهم اذا استرقوا كسائر اموال الغنيمة الا ان يقال ذاك كان في صدر الاسلام ترغيبا في الجهاد ثم استقر الامر على ما قاله فقهاؤنا أي وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم من له علم بنوفل ابن خويلد فقال علي كرم الله وجهه انا قتلته فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الحمد لله الذي اجاب دعوتي فيه أي فانه لما التقى الصفان نادى نوفل بصوت رفيع يا معاشر قريش اليوم يوم الرفعة والعلاء فقال صلى الله عليه وسلم اللهم اكفني نوفل بن خويلد وفي كلام بعضهم ما يفيد ان قتل علي كرم الله وجهه له كان بعد ان اسره جبار بن صخر فقد جاء ان جبارا بينما هو يسوقه اذ رأى عليا فقال يا اخا الانصار من هذا واللات والعزى انه ليريدني فقال هذا علي بن ابي طالب فعمد له علي كرم الله وجهه فقتله ثم امر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي جهل ان يلتمس في القتلى وقال ان خفى عليكم أي بان قطع
رأسه وازيل عن جثته انظروا الى اثر جرح في ركبته فاني ازدحمت يوما انا وهو على مائدة لعبد الله بن جدعان ونحن غلامان وكنت اسن منه أي اكبر منه بيسير فدفعته فوقع على ركبتيه فجحش أي خدش على أحديهما جحشا لم يزل اثره به
أي ولعل هذا هو محمل قول بعضهم انه صلى الله عليه وسلم صارع ابا جهل فانه لم يصح انه صارعه ولعل هذا الاثر هو الذي عناه ابن مسعود رضى الله تعالى عنه بقوله لما قتلت ابا جهل لعنه الله وقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم قتلت ابا جهل فقال لي عقيل وهو اسير عند النبي صلى الله عليه وسلم كذبت ما قتلته فقلت له بل انت الكذاب الآثم يا عدو الله قد والله قتلته قال فما علامته قلت ان بفخذه حلقة كحلقة الجمل المحلق قال صدقت وكان ابو جهل قد استفتح أي طلب الحكم على نفسه لانه لما دنا القوم بعضهم من بعض قال اللهم اقطعنا للرحم اتيانا بما لا نعرف فأحنه أي اهلكه العداة أي زاد بعضهم اللهم من كان احب اليك وارضى عندك وفي لفظ اللهم اولانا بالحق فانصره اليوم فانزل الله تعالى { إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح }
اقول كون ابي جهل طلب الحكم على نفسه واضح لو سكت عن قوله واتيانا بما لا نعرف اذ هو نص فيه صلى الله عليه وسلم
وفي تفسير سهل ان ابا جهل قال يوم بدر اللهم انصر افضل الدينين عندك وارضاهما لك أي وفي رواية اللهم انصر خير الدينين اللهم ديننا القديم ودين محمد الحادث فنزل { إن تستفتحوا } يعنى تستنصروا { فقد جاءكم الفتح }
وفي اسباب النزول للواحدى ان المشركين حين ارادوا الخروج من مكة اخذوا بأستار الكعبة وقالوا اللهم انصر اعلى الجندين واهدى الفئتين واكرم الحزبين وافضل الدينين فانزل الله تعالى الاية
وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يستفتح بصعاليك المهاجرين والله اعلم
قال معاذ بن عمرو بن الجموح رأيت ابا جهل وقد احاطوا به وهم يقولون ابو الحكم لا يخلص اليه فلما سمعتها عمدت نحوه وحملت عليه فضربته ضربة اطنت قدمه بنصف ساقه أي اسرعت قطعه فو الله ما شبهتها حين طاحت الا بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى والمرضخة بالخاء المعجمة وبالمهملة وقيل الرضخ بالمعجمة كسر الرطب وبالمهملة كسر اليابس وضربني ابنه أي عكرمه رضى الله تعالى عنه فانه اسلم بعد ذلك على عاتقي فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جسمي واجهضني القتال أي
شغلني عنه فلقد قاتلت عامة يومي واني لاستحسها خلفي فلما آذتني وضعت عليها قدمى ثم تمطيت عليها حتى طرحتها في رواية انه جاء بها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبصق عليها أي ولصقها فلصقت والى ذلك يشير الامام السبكى في تائيته لكن قال ابن عفراء ولا منافاة لجواز ان يكون معاذ بن عمرو بن الجموح بن عفراء وسيأتي ما يدل على ذلك بقوله ** وبانت بهاكف بن عفرا فاشتكى ** اليك فعادت بعد احسن عودة **
الا ان قوله بها يرجع لغزاة احد وقد علمت ان ذلك انما هو ببدر واحتمال تكرر ذلك في احد وفي بدر لشخص واحد بعيد الا ان يثبت النقل بذلك ثم مر بابي جهل وهو عقير معوذ بضم الميم وتشديد الواو مفتوحة ومكسورة ابن عفراء فضربه حتى اثبته وتركه وبه رمق أي وما جاء في بعض الروايات ضربه حتى برد بفتح الموحدة والراء والدال المهملة أي مات لا ينافيه لانه يجو ان يكون المراد صار في حالة من مات بان صار الى حركة المذبوح ومن ثم جاء في بعض الروايات حتى برك بالكاف بدل الدال أي سقط الى الارض أي الى جنبه والا فقطع قدمه مع نصف ساقه لا يفضى غالبا ان يسقط الى جنبه ومعوذ هذا لا زال يقاتل حتى قتل قال عبدالله بن مسعود رضى الله عنه ورايت ابا جهل بآخر رمق فعرفته فوضعت رجلي على عنقه ثم قلت له هل اخزاك الله يا عدو الله قال وبم اخزاني اعار على رجل قتلتموه أي ليس بعار على رجل قتلتموه وفي رواية اعمدمن رجل قتلتموه أي انا سيد رجل قتلتموه لان عميد القوم سيدهم أي فلا عار على في قتلكم اياي
وجاء انه قال لو غير أكار قتلني والاكار الزراع يعني الانصار لانهم كانو اصحاب زرع أي لو كان الذي قتلني غير فلاح لكان احب الي واعظم لشاني لم يكن على في ذلك نقص لقد ارتقيت يا رويعي الغنم مرتقى صعبا اخبرني لمن الدبرة أي النصرة والظفر اليوم زاد في رواية لنا او علينا قلت لله ولرسول الله صلى الله عليه وسلم وفي الصحاح في دبر بالباء الموحدة والدبرة الهزيمة في القتال
ومما يدل للاول ما تقدم من قول ابي جهل اخبرني على من كانت الدبر لنا او علينا وفي مغازي ابن عقبة التي قال فيها مالك رضى الله تعالى عنه مغازي موسى بن عقبة اصح المغازي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على القتلى والتمس ابا جهل فلم يجده حتى عرف ذلك في وجهه ثم قال اللهم لا تعجزني فرعون هذه الامة فسعى له الرجال حتى
وجده ابن مسعود الحديث وفي الصحيحين عن انس رضى الله تعالى عنه لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ينظر لنا ما صنع ابو جهل فانطلق ابن مسعود رضى الله تعالى عنه فوجده قد ضربه ابن عفراء حتى برد ولمسلم برك أي وهو المراد من الاول كما تقدم فاخذ بلحيته فقال انت ابو جهل الحديث واخذه بلحيته لا ينافى وضع رجله على رقبته لجواز ان يكون جمع بينهما قال ابن مسعود ثم احتزرت راسه
وفي رواية رويت عن ابن مسعود رضى الله تعالى عنه قال لما ضربته بسيفى لم يغن شيئا فبصق في وجهى وقال خذ سيفي فاحتز به راسي من عرشي ليكون انهى للرقبة والعرش عرق في اصل الرقبة ففعلت كذلك ثم جئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله هذا رأس عدو الله ابي جهل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله الذي لا اله غيره أي ورددها ثلاثا وروى الطبراني آلله قتلت ابا جهل بنصب الجلالة وهو بهذا اللفظ عندنا كناية يمين ومثل النصب الرفع والجر قال قلت نعم والله الذي لا اله غيره ثم القيت راسه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله تعالى أي ويقال انه صلى الله عليه وسلم سجد خمس سجدات شكرا ويقال انه قال الله اكبر الحمد لله الذي صدق وعده ونصر عبده وهزم الاحزاب حده وكون ابي جهل بصق في وجه ابن مسعود رضى الله تعالى عنه وقال له خذ سيفي الخ ينافى كونه وصل الى حركة المذبوح الا ان يقال يجوز ان يكون في اول الامر كان كذلك ثم تراجعت اليه روحه حتى قدر على ماذكر فليتأمل مع ما ياتي
قيل وبهذا أي بحمل راس ابي جهل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرد على الزهى ي قوله لم يحمل الى النبي صلى الله عليه وسلم راس قط ولا يوم بدر وحمل راس لأبي بكر رضى الله عنه فانكره ويجاب بان البيهقي رحمه الله قال ما روى من حمل راس ابي جهل قد تكلم في ثبوته وبتقدير صحته فهو من محل الى محل لا من بلد الى بلد أي من بلد الكفر إلى دار الاسلام أي الذي انكره ابو بكر رضى الله عنه فانه انكر نقل الراس من بلد الكفر الى بلد الاسلام
وقد جوزه من ائمتنا الماوردى والغزالي اذا كان في ذلك مكايدة للكفار وفي النور تحصلنا على جماعة حملت رؤوسهم اليه صلى الله عليه وسلم ابو جهل وسفيان بن خالد وكعب بن الاشرف ومرحب اليهودي والاسود العنسى على ما روى و عصماء بنت
مروان ورفاعة بن قيس أو قيس بن رفاعة أي ورأس عتبة بن أبي وقاص الذي كسر رباعيته صلى الله عليه وسلم وشق شفته السفلى يوم أحد كما سيأتي
وفي وضع ابن مسعود رضي الله تعالى عنه رجله على عنق أبي جهل وقطع رأسه تصديق لتعبيره للرؤيا التي رآها لأبي جهل وقال له إن صدقت رؤياي لأطأن رقبتك ولأذبحنك ذبح الشاة
وفي رواية أن ابن مسعود رضي الله عنه وجده مقنعا في الحديد وهو منكب لا يتحرك فرفع سابغة البيضة أي الخودة عن قفاه لأن سابغة البيضة ما يغطى بها العنق ومن ثم يقال بيضة لها سابغ فضربه فوقع رأسه بين يديه
وعن ابن مسعود كما في المعجم الكبير للطبراني انتهيت إلى أبي جهل وهو صريع وعليه بيضة ومعه سيف جيد ومعي سيف ردىء فجعلت ألقف رأسه وأذكر نقفا كان ينقف رأسي بمكة فأخذت سيفه فرفع رأسه فقال على من كانت الدبرة ألست برويعينا بمكة فقتله ثم سلبه فلما نظر إليه إذ هو ليس به جراح وإنما هي أحدار أي أورام في عنقه ويديه وكتفيه كهيئة آثار السياط أي آثار سود كسمة النار أي ليس به جراح من جراح الآدميين داخل بدنه فلا ينافي ما تقدم من قطع ابن الجموح لرجله
ويجوز أن يكون ضرب ابن عفراء له حتى أثبته لم ينشأ عنه جراحة داخل بدنه فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره به فقال ذاك ضرب الملائكة أي فإن الملائكة عليهم السلام كانت لا تعلم كيف قتل الآدميين فعلمهم الله تعالى ذلك بقوله تعالى { فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان } أي مفصل فكانوا يعرفون قتلى الملائكة من قتلاهم بآثار سود كسمه النار ولا ينافي ذلك وصفه بالخضرة في بعض الروايات لأن الأخضر لشدة خضرته ربما قيل فيه أسود وتلك الآثار في الأعناق والبنان الظاهر أن ذلك يكون موجودا حتى بعد مفارقة الرأس أو اليد ليستدل به على أن مفارقة الرأس أو اليد من فعل الملائكة وينبغي أن يكون هذا أي ضربهم فوق الأعناق والبنان أكثر أحوالهم فلا ينافي وجود أثر ضربهم في الكتفين كما تقدم وفي الوجه والأنف
فعن بعض الصحابة رضي الله عنهم كنا ننظر إلى المشرك أمامنا مستلقيا فننظر إليه فإذا هو قد حطم أنفه وشق في وجهه كضربة السوط فاخضر ذلك الموضع وفسر بعضهم الأعناق بالرءوس وهو غير مناسب لما ذكر هنا
وروى عن سهل بن حنيف عن أبيه رضي الله عنه قال لقد رأيتنا يوم بدر وإن أحدنا
ليشير بسيفه إلى المشرك أي يرفعه عليه فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصل إليه السيف ويمكن الجمع بين هذا وما قبله بأن ضرب الملائكة في الأعناق تارة يفصلها وتارة لا وفي الحالتين يرى أثر ذلك أسود في العنق ليستدل به على أنه من فعل الملائكة كما تقدم
وفي رواية عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال انتهيت إلى أبي جهل يوم بدر وقد قطعت رجله وهو صريع وهو يذب الناس عنه بسيف له فقلت الحمد لله الذي أخزاك يا عدو الله قال هل هو إلا رجل قتله قومه قال فجعلت أتناوله بسيف لي غير طائل فأصبت يده فبدر أي سقط سيفه فأخذته فضربته حتى قتلته ثم خرجت حتى أتيت النبي صلى الله عليه وسلم كأنما أقل من الأرض أي أحمل من شدة الفرح فأخبرته فقال الله الذي لا إله إلا هو وفي لفظ تقدم لا إله غيره ردده ثلاثا وفي رواية عن ابن مسعود فاستحلفني صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات ثم قال الحمد لله الذي أعز الإسلام وأهله ثلاث مرات وخر ساجدا أي خمس سجدات شكرا كما تقدم
وفي رواية صلى ركعتين قال ابن مسعود رضي الله عنه ثم إنه صلى الله عليه وسلم خرج يمشي معي حتى قام عليه فقال الحمد لله الذي أخزاك يا عدو الله هذا كان فرعون هذه الأمة زاد في لفظ ورأس قاعدة الكفر ونفلني سيفه أي وكان قصيرا عريضا فيه قبائع فضة وحلق فضة ومع قصره كان أقصر من سيف ابن مسعود فلا منافاة
أقول يجوز أن يكون المضي إليه بعد إلقاء الرأس بين يديه صلى الله عليه وسلم استعظاما لقتله أي وأن ابن مسعود في هذه الرواية سكت عن قطع رأسه والمجيء بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا مخالفة وقد قال له النبي صلى الله عليه وسلم يوما وقد أخذ بمجامع ثوبه أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى أي وعيد على وعيد فقال ما تستطيع أنت ولا ربك بي شيئا وإني لأعز من مشى بين جبليها فأنزل الله تعالى { فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى ثم ذهب إلى أهله يتمطى } وقيل نزلت كالتي قبلها في عدي بين ربيعة لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر القيامة فأخبره به فقال لو عاينت هذا اليوم لم أصدقك أو يجمع الله هذه العظام فأنزل الله تعالى { أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه } الآيات والله أعلم
وعن قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن لكل أمة فرعونا وإن فرعون هذه الأمة أبو جهل قتله الله شر قتله بكسر القاف الهيئة قتلته الملائكة وفي لفظ قتله ابن عفراء وقتلته الملائكة وقد ذففه أي أجهز عليه ابن مسعود
وابن عفراء هذا يجوز أن يكون هو معاذ بن عمرو بن الجموح ويجوز أن يكون أخاه معاذ بن الحارث وكونه قتله لأنه أزال منعته كما تقدم
وفي مسلم عن عبدالرحمن بن عوف أنه قال إني لواقف يوم بدر في الصف نظرت عن يميني وعن شمالي فإذا أنا بين غلامين من الأنصار حديثة أسنانهما فغمزني أحدهما فقال يا عم هل تعرف أبا جهل بن هشام قلت نعم وما حاجتك به قال بلغني أنه كان يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لو رأيته لم يفارق سوادي سواده أي شخص شخصه حتى يموت الأعجل منا أي الأقرب أجلا فغمزني الآخر فقال مثلها فعجبت لذلك أي لحرص كل منهما على ذلك وإخفائه عن صاحبه ليكون المختص به فلم أنشب أي ألبث أن نظرت إلى أبي جهل يزول في الناس أي بالزاي يتحول من محل إلى محل آخر فقلت لهما ألا تريان هذا صاحبكما الذي تسألان عنه فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه أي أشرفا به على القتل فصيراه إلى حركة مذبوح ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبراه فقال أيكما قتله فقال كل واحد منهما أنا قتلته قال هل مسحتما سيفيكما قال لا فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم في السيفين فقال كلاكما قتله وقضى بسلبه أي ما عدا سيفه لهما فلا ينافي ما سبق من إعطائه لابن مسعود رضي الله عنه وهما معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء بن الحارث فهما أي معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن الحرث ابنا عفراء غاية الأمر أن الأول اشتهر بأبيه عمرو بن الجموح والثاني اشتهر بأمه التي هي عفراء
وقول الحافظ ابن حجر إن معاذ بن عمرو بن الجموح ليس اسم أمه عفراء يجوز أن يكون مستنده في ذلك مقابلة ابن الجموح بابن عفراء في كلامهم المقتضى ذلك لأن يكون ابن الجموح ليس ابن عفراء
ولا يشكل على ذلك ما في النور نقلا عن الإمام النووي أن عمرو بن الجموح وابني عفراء أي معاذ ومعوذ اشتركوا في قتل أبي جهل لأن معاذا الثاني ابن الحرث فكل من عمرو بن الجموح والحرث تزوج عفراء وكل سمى ولده منها بمعاذ ويدل لذلك ما يأتي عن الإمتاع أنه صلى الله عليه وسلم قال رحم الله ابني عفراء اشتركا في قتل فرعون هذه الأمة ولما قيل له يا رسول الله من قتله معهما قال الملائكة ولم يقل عمرو بن الجموح لكن رأيت بعضهم ذكر أن عفراء شهد لها بدرا سبع بنين ثلاثة من الحارث بن رفاعة
وهم معوذ ومعاذ وعامر وأربعة من بكر بن عبد ياليل وهم خالد وأساس وعاقل وعامر واستشهد منهم ببدر معاذ ومعوذ وعاقل هذا كلامه وذكر عامر في الأول تقدم بدله ذكر عوف وهو واضح فقد تقدم أن عوف بن الحارث بن عفراء قال يا رسول الله ما يضحك الرب الخ ولم يذكر هذا البعض أن من أولادها معاذ بن عمرو بن الجموح وهو يؤيد ما تقدم عن الحافظ وعن الإمام النووي فعليك بالتأمل وقيل قضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح
أقول أي لكونه هو الذي أزال منعته فاستحق سلبه ولا ينافي ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لهما كلاكما قتله لجواز أن يكون أتى بذلك ملاطفة للثاني وترغيبا له في الجهاد لأن له مشاركة ما في قتله لأنه زاد في إثخانه إلى أن صيره إلى آخر رمق
ويرده كونه صلى الله عليه وسلم أشركهما في سلبه ومن ثم قال فقهاؤنا يعطي السلب لمن أثخن دون من قتل أي بعد ذلك فقد أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم سلب أبي جهل لمثخنيه ابني عفراء دون قاتله ابن مسعود لكن هذا القيل قال به بعض آخر من فقهائنا وهو الموافق لما في البخاري في كتاب فرض الخمس معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء قتلا أبا جهل ثم تنازعا فيه وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى السيفين فرأى فيهما أثر الدم فقال كلاكما قتله وقضى بسلبه لمعاذ بن الجموح قال الأصحاب لأنه أثخنه والآخر جرحه بعده وقوله كلاكما قتله تطييب لقلب الآخر هذا كلامه فليتأمل فإن الذي أظنه أن كونه رأى أثر الدم في سيفيهما خلط من الراوي لأن ذلك كان في قتل بن الأشرف ويؤيد الخلط ما تقدم عن ابن مسعود أنه لم ير فيه أثر جراح داخل بدنه
وفي الإمتاع أنه صلى الله عليه وسلم قال يرحم الله ابني عفراء فإنهما قد اشتركا في قتل فرعون هذه الأمة ورأس أئمة الكفر فقيل يا رسول الله من قتله معهما قال الملائكة وذففه ابن مسعود وهذا السؤال يقتضي أن معنى قوله صلى الله عليه وسلم إنهما قد اشتركا في قتل فرعون هذه الأمة أن غيرهما شاركهما في ذلك فليتأمل
وفي شرح الروض وهو من أجل كتبنا أن عبدالله بن رواحة وابني عفراء تقاتلا مع أبي جهل مبارزة وأنه صلى الله عليه وسلم علم ذلك واقره وجعلوا ذلك دليلا على إباحة مبارزة القوي لكافر لم يطلب المبارزة
أي وأما ما تقدم من أمره صلى الله عليه وسلم لحمزة وعلي وعبيدة بن الحارث بمبارزة عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة فذاك لكافر طلب المبارزة فقد تقدم أن عتبة خرج بين أخيه شيبة وولده الوليد حتى فصل من الصف ودعا للمبارزة وأنه خرج إليه فتية من الأنصار ثلاثة إخوة أشقاء وهم معاذ ومعوذ وعوف بنو عفراء وقيل بدل عوف عبدالله بن رواحة فلم يرضوا بمبارزتهم فعند ذلك أمر صلى الله عليه وسلم من ذكر بمبارزتهم وعندي أن ما ذكره في شرح الروض من مبارزة عبدالله بن رواحة وابني عفراء لأبي جهل ذكر أبي جهل اشتباه وإنما هو لهؤلاء الثلاثة ولم تقع منهم مقاتلة وكيف يبارز ثلاثة واحدا فليتأمل
وجاء في الحديث إن الله قتل فرعون هذه الأمة أبا جهل فالحمد لله الذي صدق وعده ونصر دينه والله أعلم
وكان على الملائكة يوم بدر عمائم بيض قد أرسلوها إلى ظهورهم أي إلا جبريل فإنه كان عليه عمامة صفراء أي وقيل حمراء
قال بعضهم وكان بعضهم بعمائم خضر وبعضهم بعمائم صفر وبعضهم بعمائم حمر أي وبعضهم بعمائم بيض وبعضهم بعمائم سود فلا منافاة
وذكر أن عمامة جبريل عليه السلام يوم أغرق فرعون كانت سوداء قال وفي رواية سيماهم عمائم سود وعند ابن مسعود رضي الله عنه كان سيما الملائكة يوم بدر عمائم قد أرخوها بين أكتافهم خضر وصفر وحمر اه أي وبيض وسود
وفي كلام بعضهم نزلت الملائكة يوم بدر بعمائم صفر ورواية بيض وسود ضعيفة
وفي كلام ابن إسحاق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيض قد أرخوها على ظهورهم إلا جبريل فإنه كان عليه عمامة صفراء من نور أي وكانوا يوم أحد بعمائم حمر ويوم حنين كذلك
في الجامع الصغير كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم سود ويوم أحد عمائم حمر وما ذكر لا ينافي ما قيل سيماهم ببدر عمائم صفر قد أرخوها بين أكتافهم وما جاء كان على الزبير رضي الله عنه ببدر عمامة صفراء معتجرا بها فقال صلى الله عليه وسلم نزلت الملائكة علي بسيما أبي عبدالله يعني الزبير رضي الله عنه لجواز أن يكون أكثرهم كان بعمائم صفر
وقد ذكر أن الزبير رضي الله عنه قاتل يوم بدر قتالا شديدا حتى كان الرجل يدخل يده في الجراح في ظهره وعاتقه
وقد سئل الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى عن قوله تعالى { يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين } ما السمة التي كانت عليهم فأجاب بأن ابن أبي حاتم ذكر في تفسيره بأسانيد عن علي كرم الله وجهه أنها الصوف الأبيض في نواصي خيولهم وأذنابها
وعن مكحول وغيره أنها العمائم وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنها كانت عمائم بيض قد أرسلوها إلى ظهورهم وفي سنده رجل ضعيف وعنه أيضا عمائم سود وفي سنده متروك ثم قال ورواية البيض والسود ضعيفة هذا كلامه أي وعلى تقدير صحتها يجاب بما قدمنا وكان شعار الأنصار أي علامتهم التي يتعارفون بها في ذلك إذا جاء الليل أو وقع اختلاط أحد أحد أي وشعار المهاجرين يومئذ يا بني عبدالرحمن
أي وعن زيد بن علي قال كان شعار النبي صلى الله عليه وسلم أي المهاجرين أو هو حتى لا يشتبه بغيره يا منصور أمت ويقال أحد أحد وشعار الخزرج يا بني عبدالله وشعار الأوس يا بني عبيدالله
وعن ابن سعد يقال كان شعار الجميع يومئذ يا منصور أمت
أي وقد يقال لا منافاة بين هذه الرواية وما قبلها من الروايات لأن المراد بالجميع المجموع لكن يحتاج إلى الجمع بين تلك الروايات السابقة على تقدير صحتها وكانت خيل الملائكة بلقا
وعن علي رضي الله تعالى عنه قال كان سيما الملائكة أي سيما خيلهم يوم بدر الصوف الأبيض أي وفي لفظ بالعهن الأحمر في نواصي الخيل وأذنابها
أي ولا منافاة لجواز أن يكون بعضهم كذا وبعضهم كذا وعند ذلك قال صلى الله عليه وسلم سوموا خيلكم فإن الملائكة قد سومت فهو أول يوم وضع فيه الصوف أي في نواصي الخيل وأذنابها ولم أقف على لون الصوف الذي وضع في ذلك
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال حدثني رجل من بني غفار قال أقبلت أنا وابن عم لي حتى صعدنا في جبل يشرف بنا على بدر ونحن مشركان ننتظر الوقعة على من تكون الدبرة أي الغلبة فننهب مع من ينهب فبينا نحن في الجبل إذ دنت منا سحابة فسمعنا فيها حمحمة الخيل فسمعت قائلا يقول اقدم حيزوم فأما ابن عمي فانكشف قناع قلبه
أي غشاؤه فمات مكانه وأما أنا فكدت أهلك ثم تماسكت واقدم بضم الدال من التقدم كلمة يزجر بها الخيل وحيزوم بالميم وربما قيل بالنون اسم فرس جبريل ولعلها هي الحياة وأحدهما اسم لها والآخر لقب وقيل لها الحياة لأنها ما مسها شيء إلا صار حيا وهي التي قبض من أثرها أي من تراب حافرها السامري نسبة إلى سامر قرية أو طائفة ما ألقاه في العجل الذي صاغه من حلي القبط فكان له خوار أي صوت فكان إذا خرا سجدوا وإذا سكت رفعوا قال في النهر الظاهر أنه قامت به الحياة
وقيل لما صنعه السامري أجوف تحيل لتصويته بأن جعل في تجويفه أنابيب على شكل مخصوص وجعله في مهب الرياح فتدخل في تلك الأنابيب فيظهر له صوت يشبه الخوار وفي كلام بعضهم فرس جبريل التي هي حيزوم كان صهيله التسبيح والتقديس وإذا نزل عليها جبريل عليه السلام علمت الملائكة أن نزوله للرحمة وإذا نزل منشور الأجنحة علمت أن نزوله للعذاب أي وحينئذ فنزول جبريل عليه السلام عليها يوم بدر كان لرحمة المسلمين وإن كان عذابا على الكافرين ويكون نزوله لا عليها بل منشور الأجنحة إذا كان لمحض العذاب
ويحتمل أن يكون حيزوم غير فرس الحياة وإليه ذهب السهيلي رحمه الله فقال والحياة أيضا فرس لجبريل عليه السلام
قال الحافظ ابن حجر ومن الأخبار الواهية أن الموت كبش لا يجد ريحه شيء إلا مات والحياة فرس بلقاء أثنى أي خطوتها كما في العرائس مد البصر وهي التي كان جبريل عليه السلام والأنبياء عليهم السلام يركبونها أي كلهم كما في العرائس لا تمر بشيء ولا يجد ريحها شيء إلا حيى
هذا وفي أثر مرسل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل من القائل يوم بدر من الملائكة اقدم حيزوم فقال جبريل عليه السلام يا محمد ما كل أهل السماء أعرف
قال ابن كثير وهذا الأثر يرد قول من زعم أن حيزوم اسم فرس جبريل عليه السلام أي وفيه أنه لا يبعد أن يقول أحد من الملائكة لفرس جبريل اقدم حيزوم ولا يعرف ذلك القائل وكأن الحافظ ابن كثير رحمه الله فهم من قوله صلى الله عليه وسلم من القائل الخ أن ذلك الفرس لذلك القائل نعم إن كان هذا الأثر وقع بعد الرواية التي تلي هذه وهي جاءت سحابة الخ أو أن ذلك الأثر سقط منه لفظة لفرسه والأصل من
القائل يوم بدر من الملائكة لفرسه اتجه ما فهمه ابن كثير رحمه الله فليتأمل قال وفي رواية جاءت سحابة فسمعنا أصوات الرجال والسلاح وسمعنا رجلا يقول لفرسه اقدم حيزوم فنزلوا على ميمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاءت سحابة أخرى نزل منها رجال كانوا على ميسرته فإذا هم على الضعف من قريش فمات ابن عمي وأما أنا فتماسكت وأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم وأسلمت ومن ثم ذكر في الصحابة
وفي النور هذا الرجل مذكور في الصحابة وليس في الحديث أي الرواية الأولى ما يدل على إسلامه إلا أن تحديثه لابن عباس رضي الله تعالى عنهما بهذه المعجزة للنبي صلى الله عليه وسلم يشعر بإسلامه هذا كلامه
وفيه أن قوله ونحن مشركان يدل على أنه كان مسلما عند تحديثه لابن عباس رضي الله تعالى عنهما
وقد جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الغمام الذي ظلل بني إسرائيل في التيه هو الذي يأتي الله تعالى فيه يوم القيامة وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر
أي وعن علي رضي الله تعالى عنه هبت ريح شديدة ما رأيت مثلها قط ثم جاءت أخرى كذلك ثم جاءت أخرى كذلك ثم جاءت أخرى كذلك فكانت الأولى جبريل نزل في ألف من الملائكة أي لعلها أمامه أخذا من قوله وكانت الثانية ميكائيل نزل في ألف من الملائكة عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الثالثة إسرافيل نزل في ألف من الملائكة عن ميسرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي ذلك سكوت عن الرابعة أي زاد في الإمتاع وكان إسرافيل وسط الصف لا يقاتل كما يقاتل غيره من الملائكة
وظاهر هذا أن كلا من جبريل وميكائيل قاتل وتقدم أنهم في هذه الغزاة التي هي غزاة بدر قيل لم يمدوا إلا بألف من الملائكة ورواية ألفين ضعيفة جاءت عن علي رضي الله تعالى عنه فتكون هذه الرواية التي جاءت عن علي أيضا كذلك ولا نظر لما تقدم عن بعضهم أن إمدادهم يوم بدر بثلاثة آلاف أولا وأنهم وعدوا أن يمدوا بخمسة آلاف إن ثبتوا وصبروا وهو ما عليه الأكثر لما علمت أن ذلك إنما كان في أحد وسيأتي ذلك مع زيادة قال بعضهم ولم تقاتل الملائكة إلا في يوم بدر أي وفي غيره يكونون مددا من غير مقاتلة وسيأتي أنهم قاتلوا يوم أحد ويوم حنين
ففي مسلم عن سعد بن أبي وقاص أنه رأى عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن شماله يوم أحد رجلين عليهما ثياب بيض ما رأيتهما قبل ولا بعد يعني جبريل وميكائيل عليهما السلام يقاتلان كأشد القتال
قال الإمام النووي رحمه الله فيه أن قتال الملائكة لم يختص بيوم بدر وهذا هو الصواب خلافا لمن زعم اختصاصه فإن هذا صريح في الرد عليه
أقول يمكن الجمع بأن المختص ببدر قتال الملائكة عنه وعن أصحابه وفي غيره كان عنه صلى الله عليه وسلم خاصة فلا منافاة ثم رأيتني ذكرت هذا الجمع في غزوة أحد عن البيهقي وتعقبته بما جاء أن الملائكة قاتلت في ذلك اليوم عن عبدالرحمن بن عوف وعلى تسليم ورود ذلك فيه أنهم لو قاتلوا يوم أحد لظهر أثر قتلهم كما ظهر في يوم بدر
وقد يقال مرادهم بالمقاتلة يوم أحد المدافعة من غير أن يوقعوا فعلا وفي يوم بدر المراد بالمقاتلة إيقاع الفعل والله أعلم
وانكسر سيف عكاشة بتشديد الكاف أكثر من تخفيفها ابن محصن وهو يقاتل به فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم جذلا من حطب أي أصلا من أصول الحطب وقال له قاتل بهذا يا عكاشة فلما أخذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم هزه فعاد في يده سيفا طويل القامة شديد المتن أبيض الحديد فقاتل به رضي الله عنه حتى فتح الله تعالى على المسلمين وكان ذلك السيف يسمى العون
ثم لم يزل عند عكاشة وشهد به المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لم يزل متوارثا عند آل عكاشة وعكاشة مأخوذ من عكش على القوم إذا حمل عليهم والعكاشة العنكبوت وسيأتي مثل ذلك في أحد لعبدالله بن جحش
وانكسر سيف سلمة بن أسلم رضي الله عنه فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم قضيبا كان في يده أي عرجونا من عراجين النخل وقال اضرب به فإذا هو سيف جيد فلم يزل عنده
قال وعن خبيب بن عبدالرحمن قال ضرب خبيب جدي يوم بدر فمال شقه فتفل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأمه ورده فانطبق
وعن رفاعة بن مالك رضي الله عنه قال لما كان يوم بدر رميت بسهم ففقئت عيني فبصق عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا لي فما آذاني منها شيء اه
ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقتلى من المشركين أن ينقلوا من مصارعهم التي أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وجودها فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرينا مصارع أهل بدر يقول هذا مصرع عتبة بن ربيعة وهذا مصرع شيبة بن ربيعة وهذا مصرع أمية بن خلف وهذا مصرع أبي جهل بن هشام وهذا مصرع فلان غدا إن شاء الله تعالى أي ويضع صلى الله عليه وسلم يده الشريفة على الأرض فما تنحى أحدهم عن موضع يده كما تقدم عن أنس وتقدم عنه أن ذلك كان ليلة بدر بعد أن وصل إلى محل الواقعة إذ لا يتصور وضع يده على الأرض إلا إذا كان بمحل الوقعة
وبه يعلم ما ذكره بعضهم أن إخباره صلى الله عليه وسلم بمصارع القوم تكرر منه مرتين قبل الوقعة بيوم أو أكثر ويوم الوقعة هذا كلامه إلا أن يقال قوله يوم الوقعة هو بناء على أنه صلى الله عليه وسلم وصل بدرا في النهار والقول بأن ذلك كان ليلا بناء على أنه وصل بدرا ليلا ومعلوم أنه إنما وضع يده في محل الوقعة
ثم أمر صلى الله عليه وسلم أن يطرحوا فطرحوا في القليب إلا ما كان من أمية بن خلف فإنه انتفخ في درعه فملأه فذهبوا ليحركوه فتزايل أي تقطعت أوصاله فأقروه وألقوا عليه ما غيبه من التراب والحجارة
وهذا دليل على أن الحربي لا يجب دفنه وبه قال أئمتنا بل قالوا يجوز إغراء الكلاب على جيفته
وفي سنن الدارقطني كان من سنته صلى الله عليه وسلم في مغازيه إذا مر بجيفة إنسان أمر بدفنه لا يسأل عنه مؤمنا كان أو كافرا أي ولكثرة جيف الكفار كره صلى الله عليه وسلم أن يشق على أصحابه أن يأمرهم بدفنهم فكان جرهم إلى القليب أيسر وكان الحافر لهذا القليب رجل من بني النجار فكان فألا مقدما لهم ذكره السهيلي
ولما ألقى عتبة والد أبي حذيفة رضي الله عنه في القليب تغير وجه أبي حذيفة ففطن بفتح الطاء له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له لعلك دخلك من شأن أبيك شيء فقال لا والله ولكني كنت أعرف من أبي رأيا وحلما وفضلا فكنت أرجو أن يهديه الله للإسلام فلما رأيت ما مات عليه أحزنني ذلك فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير وقال له خيرا
أقول وذكر فقهاؤنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أبا حذيفة عن قتل أبيه في هذه الغزاة وقد أراد ذلك والله أعلم
ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وقف على شفير القليب أي قيل بعد ثلاثة أيام من إلقائهم في القليب وذلك ليلا أي وفي الصحيحين عن أنس رضي الله تعالى عنه كان صلى الله عليه وسلم إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال فلما كان اليوم الثالث أمر صلى الله عليه وسلم براحلته فشد عليها رحلها ثم مشى واتبعه أصحابه حتى قام على شفة الركى أي وهو القليب وجعل يقول يا فلان ابن فلان ويا فلان ابن فلان هل وجدتم ما وعد الله ورسوله حقا فإني وجدت ما وعدني الله حقا
وجاء في بعض الطرق نداؤهم بأسمائهم فقال يا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة ويا أمية بن خلف ويا أبا جهل بن هشام وهذا يقتضي أنه في تلك الرواية نطق بلفظ يا فلان ابن فلان ولا يخفى بعده فليتأمل
واعترض بأن أمية بن خلف لم يكن من أهل القليب لما علمته وأجيب بأنه كان قريبا من القليب بئس عشيرة النبي كنتم كذبتموني وصدقني الناس وأخرجتموني وآواني الناس وقاتلتموني ونصرني الناس فقال عمر رضي الله عنه يا رسول الله كيف تكلم أجسادا لا أرواح فيها وفي رواية أجسادا قد أجيفوا وفي لفظ قد جيفوا فقال صلى الله عليه وسلم ما أنتم بأسمع وفي رواية لأسمع لما أقول منهم وفي رواية لقد سمعوا ما قلت غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا شيئا
وعن قتادة رضي الله عنه أحياهم الله تعالى حتى سمعوا كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم توبيخا لهم وتصغيرا ونقمة وحسرة
أقول والمراد بإحيائهم شدة تعلق أرواحهم بأجسادهم حتى صاروا كالأحياء في الدنيا للغرض المذكور لأن الروح بعد مفارقة جسدها يصير لها تعلق به أو بما يبقى منه ولو عجب الذنب فإنه لا يفني وإن اضمحل الجسم بأكل التراب أو بأكل السباع أو الطير أو النار وبواسطة ذلك التعلق يعرف الميت من يزوره ويأنس به ويرد سلامه إذا سلم عليه كما ثبت في الأحاديث والغالب أن هذا التعلق لا يصير الميت به حيا كحياته في الدنيا بل يصير كالمتوسط بين الحي والميت الذي لا تعلق لروحه بجسده وقد يقوى حتى يصير كالحي في الدنيا ولعله مع ذلك لا يكون فيه القدرة على الأفعال الإختيارية فلا يخالف ما حكى
عن السعد اتفقوا على أنه تعالى لم يخلق في الميت القدرة والأفعال الإختيارية هذا كلامه والكلام في غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والشهداء رضي الله عنهم أي شهداء المعركة أما هما فتعلق أرواحهم بأجسادهم تصير به أجسادهم حية كحياتها في الدنيا ويكون لهم القدرة والأفعال الإختيارية
فقد روى البيهقي رحمه الله في الجزء الذي ألفه في حياة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قبورهم عن أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الأنبياء أحياء في قبورهم يصلون وجاء إن علمي بعد موتي كعلمي في الحياة
وروى أبو يعلى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه لينزلن عيسى بن مريم عليه السلام ثم إن قام على قبري وقال يا محمد لأجبته ومن ثم قال الإمام السبكي حياة الأنبياء والشهداء كحياتهم في الدنيا ويشهد له صلاة موسى عليه السلام في قبره فإن الصلاة تستدعي جسدا حيا وكذا الصفات المذكورة في الأنبياء ليلة الإسراء كلها صفات الأجسام
ولا يلزم من كونها حياة حقيقية أن تكون الأبدان معها كما كانت في الدنيا من الإحتياج إلى الطعام والشراب وأما الإدراكات كالعلم والسمع فلا شك أن ذلك ثابت لهم ولسائر الموتى هذا كلامه وسائر الموتى شامل للكفار أي وأكل الشهداء وشربهم في البرزخ لا عن احتياج بل لمجرد الإكرام وكون الشهداء اختصوا بذلك دون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا مانع منه لأن المفضول قد يخص بما لا يوجد في الفاضل ألا ترى أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام شرعت الصلاة عليهم وجوبا وحرمت على الشهداء وبهذا يرد قول بعضهم في الإستدلال على حياة الأنبياء بقوله تعالى { ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون } والأنبياء أولى بذلك لأنهم أجل وأعظم وما من نبي إلا وقد جمع بين النبوة ووصف الشهادة فيدخلون في عموم لفظ الآية ولأنه صلى الله عليه وسلم قال في مرض موته لم أزل أحد ألم الطعام الذي أكلته بخيبر فهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم فثبت كونه صلى الله عليه وسلم حيا في قبره بنص القرآن إما من عرف اللفظ أو من مفهوم الموافقة
ووجه رده أن الأولوية قد تمنع بل أصل القياس لما علمت أنه قد يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وإن جمعوا بين النبوة والشهادة
إلا أن المراد في الآية شهداء المعركة لا مطلق الشهادة إذ شهادة المعركة لم تحصل لأحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
ثم لا يخفى أن الذي ثبت حياة الأنبياء وصلاتهم في قبورهم وحجهم وأما صومهم وأكلهم وشربهم في ذلك فلم أقف على ما يدل على ذلك في شيء من الأحاديث والآثار وقياسهم في ذلك على الشهداء علمت أنه قد يمنع لما أنه قد يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل
والذي يدل على أنهم يحجون ما جاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما سرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة فمررنا بواد فقال أي واد هذا فقالوا وادي الأزرق فقال صلى الله عليه وسلم كأني أنظر إلى موسى عليه الصلاة والسلام واضعا أصبعيه في أذنيه له جؤار إلى الله تعالى بالتلبية مارا بهذا الوادي ثم سرنا حتى أتينا على ثنية فقال صلى الله عليه وسلم كأني أنظر إلى يونس عليه الصلاة والسلام على ناقة حمراء عليه جبة صوف مارا بهذا الوادي ملبيا وقد جاء في موسى عليه السلام أنه كان على بعير وفي رواية على ثور ولا منافاة لجواز أن يكون تكرر حجه أو ركب البعير مرة والثور أخرى ولا يخفى أن رزق الشهداء يصدق على الجماع لأنه مما يلتذذ به كالأكل والشرب
ثم رأيت سيدي أبا المواهب الشاذلي رحمه الله ونفعنا ببركاته قال في كتابه المسمى بعنوان أهل السر المصون في كشف عورات أهل المجون وأخبر سبحانه عن الشهداء أنهم أحياء عند ربهم يرزقون وحمله أهل العلم على الحقيقة وأنهم يأكلون ويشربون وينكحون حقيقة وقائل غير هذا أي أن الأكل والشرب عبارة عن لذة تحصل لهم كاللذة الناشئة عن الأكل والشرب والنكاح صرف هذه الآية عن ظاهرها من غير ضرورة تلجىء إلى ذلك ثم قاس الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على الشهداء في ذلك لما تقدم من أنهم أجل وأعظم وما من نبي إلا وقد جمع بين النبوة والشهادة وقد علمت جواب من منع القياس
ثم رأيت عن إفتاء شيخنا الشمس الرملي الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم والشهداء رضي الله عنهم يأكلون في قبورهم ويشربون ويصلون ويصومون ويحجون ووقع الخلاف هل ينكحون فقيل نعم وقيل لا وأنهم يثابون على صلاتهم وصومهم
وحجهم ولا تكليف عليهم في ذلك لانقطاع التكليف بالموت بل من قبيل التكرمة ووقع الدرجات هذا كلامه ولعل مستنده في إثبات ما عدا الصلاة والحج للأنبياء قياسهم على الشهداء وقد علمت ما فيه وإثبات الخلاف الذي ذكره شيخنا في نكاح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا أدري هل هو خلاف أهل عصره أو من تقدمهم
على أن إثبات النكاح للأنبياء عليهم الصلاة والسلام ربما يبعده ما ذكروه في حكمة قوله صلى الله عليه وسلم حبب إلي من دنياكم النساء والطيب حيث لم يقل من دنياي ولا من الدنيا فإنه أشار بهذه الإضافة إلى أن النساء والطيب من دنيا الناس لأنهم يقصدونهما للإستلذاذ وحظوظ النفس وهو عليه الصلاة والسلام منزه عن ذلك
وإنما حبب إليه النساء لينقلن عنه محاسنه ومعجزاته الباطنة والأحكام السرية التي لا يطلع عليها غالبا غيرهن وغير ذلك من الفوائد الدينية
وحبب إليه الطيب لملاقاته للملائكة لأنهم يحبونه ويكرهون الريح الخبيث لأن حقيقة الإكرام أن يحصل له في البرزخ ما كان يلتذ به في الدنيا ليكون حاله فيه كحاله في الدنيا
وفيه أن الحكمة المذكورة لا تناسب قوله صلى الله عليه وسلم فضلت على الناس بأربع وعد منها كثرة الجماع وهم كغيرهم في هذا التعلق متفاوتون بحسب مقاماتهم وإنه يعبر عن قوة هذا التعلق بعود الحياة ومنه ما ذكر عن قتادة وتعود الروح ومنه قول بعضهم أرواح الأنبياء والشهداء بعد خروجها من أجسادها تعود إلى تلك الأجسام في القبر وأذن لهم في الخروج من قبورهم والتصرف في الملكوت العلوي والسفلي
ومن ثم قال ابن العربي رحمه الله تعالى رؤية المصطفى عليه الصلاة والسلام بصفته العلوية إدراك له على الحقيقة وعلى غير صفته العلوية إدراك للمثال ويعبر عنه بردها
ومنه قوله صلى الله عليه وسلم ما من أحد يسلم علي إلا رد الله تعالى علي روحي حتى أرد عليه السلام أي إلا قوى تعلق روحي وذلك إكراما لهذا المسلم حيث لا يرد عليه سلامه إلا وقد قوى تعلق روحه الشريفة بجسده الشريف والروح بناء على أنها غير عرض مع كونها في مقاماتها لها تعلق بجسدها وبما يبقى منه كما تقدم كالشمس في السماء الرابعة ولها تعلق بالأرض وربما عبر عن ضعف هذا التعلق بصعودها وطلوعها وبناء على أنها عرض تزول ويعود مثلها وقد أوضحت ذلك في النفحة العلوية في الأجوبة
الحلبية عن الأسئلة القروية وهي أسئلة سئلت عنها من بعض أهل القرى المصرية وذكرت أن هذا أولى مما أطال به الجلال السيوطي من الأجوبة مع ما فيها مما لا يخفى ورأيت في حديث عن عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن لله ملكا أعطاه سمع العباد كلهم وإنه ما من أحد يصلي علي صلاة إلا بلغنيها وإني سألت ربي عز وجل أن لا يصلي علي أحد صلاة إلا صلى الله عليه بها عشرة أمثالها وذكر الحافظ الذهبي أن راوي هذا الحديث تفرد به متنا وإسنادا والله أعلم
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها أنكرت قوله صلى الله عليه وسلم لقد سمعوا ما قلت وقالت إنما قال لقد علموا أن الذي كنت أقول حق وقالت إنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أي بقوله في حق أهل القليب ما أنتم بأسمع منهم أنهم الآن ليعلمون أن الذي أقول لهم هو الحق أي لا أنهم يسمعون ما أقول بحاسة سمعهم التي كانت موجودة في الدنيا ثم قرأت أي محتجة على ذلك قوله تعالى { إنك لا تسمع الموتى } الآية وبقوله { وما أنت بمسمع من في القبور }
ويجاب بأنه لا مانع من إبقاء السمع هنا على حقيقته لأنه إذا قوى تعلق أرواح هؤلاء الكفار بأجسادهم بحيث صاروا أحياء كحياتهم في الدنيا للغرض المذكور لا مانع من سماعهم بحاسة سمعهم لبقاء محل تلك الحاسة منهم كما أن الجسد بذلك التعلق يقوى على الجلوس للسؤال في القبر والسماع المنفي في الآيتين بمعنى السماع النافع وقد أشار إلى ذلك الجلال السيوطي رحمه الله بقوله نظما ** سماع موتى كلام الخلق قاطبة ** جاءت عندنا الآثار في الكتب ** ** وآية النفي معناها سماع هدى ** لا يقبلون ولا يصغون للأدب **
لأنه تعالى شبه الكفار الأحياء بالأموات في القبور في أنهم لا ينتفعون بالدعاء إلى الإسلام النافع
ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالله بن رواحة رضي الله عنه بشيرا لأهل العالية أي وهي محل قريب من المدينة على عدة أميال وزيد بن حارثة بشيرا لأهل السافلة بها راكبا ناقته القصوى وقيل العضباء بما فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم والمسلمين فجعل عبدالله بن رواحة ينادي في أهل العالية يا معشر الأنصار أبشروا
بسلامة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل المشركين وأسرهم ونادى زيد بن حارثة في أهل السافلة بمثل ذلك أي ويقولان قتل فلان وفلان أي وأسر فلان وفلان من أشراف قريش وصار عدو الله كعب بن الأشرف يكذبهما ويقول إن كان محمد قتل هؤلاء القوم فبطن الأرض خير من ظهرها قال أسامة بن زيد رضي الله عنهما فأتانا الخبر حين سوينا التراب على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي ولما عزى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الحمد لله دفن البنات من المكرمات وفي رواية من المكرمات دفن البنات ويعجبني قول الباخرزي رحمه الله تعالى ** القبر أخفى سترة للبنات ** ودفنها يروى من المكرمات ** ** أما رأيت الله عز اسمه ** قد وضع النعش بجنب البنات **
وجاء عثمان رضي الله عنه من رقية هذه بولد يقال له عبدالله فاكتنى به وكان قبل ذلك يكنى أبا عمرو وتزوج بعدها أختها أم كلثوم بوحي
فقد روى أنه صلى الله عليه وسلم رأى عثمان بن عفان مهموما بعد موت رقية رضي الله عنها فقال له ما لي أراك لهفانا مهموما فقال له يا رسول الله وهل دخل على أحد ما دخل علي انقطع الصهر بيني وبينك فبينا هو يحاوره إذ قال صلى الله عليه وسلم هذا جبريل عليه السلام يأمرني عن الله عز وجل أن أزوجك أختها أم كلثوم على مثل صداقها وعلى مثل عشرتها فزوجه إياها ولما تزوجها دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا بنية أين أبو عمرو قالت خرج لبعض حاجاته قال كيف رأيت بعلك قالت يا أبت خير بعل وأفضله فقال يا بنية كيف لا يكون كذلك وهو أشبه الناس بجدك إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه وأبيك محمد وجاء عثمان من أشبه أصحابي بي خلقا وجاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي جبريل عليه السلام إن أردت أن تنظر من أهل الأرض شبيه يوسف الصديق فانظر إلى عثمان بن عفان ولتزوجه ببنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له ذو النورين ولم يجمع أحد منذ آدم إلى اليوم بين بنتي نبي غيره رضي الله عنه ومن ثم لما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا عنه قال ذاك امرؤ يدعى في الملأ الأعلى ذا النورين
ولما ماتت أم كلثوم تحته وذلك سنة تسع قال صلى الله عليه وسلم زوجوا عثمان لو كان لي ثالثة لزوجته إياها وما زوجته إلا بوحي من الله وجاء أنه صلى الله عليه وسلم
قال له لو أن لي أربعين بنتا زوجتك واحدة بعد واحدة حتى لا يبقى منهن واحدة وأم عثمان بنت عمته صلى الله عليه وسلم أروى بنت عبدالمطلب توأمة عبدالله أبي النبي صلى الله عليه وسلم
قال وقال رجل من المنافقين لأبي لبابة رضي الله عنه قد تفرق أصحابكم تفرقا لا يجتمعون بعده أبدا قد قتل محمد وغالب أصحابه وهذه ناقته عليها زيد بن حارثة لا يدرى ما يقول من الرعب قال أسامة فجئت حتى خلوت بأبي لبابة وسألته عما أسره له الرجل فأخبرني بما أخبره به فقلت أحق ما تقول قال أي والله حق ما أقول يا بني فقويت نفسي ورجعت إلى ذلك المنافق فقلت أنت المرجف برسول الله صلى الله عليه وسلم لنقدمنك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قدم فيضرب عنقك فقال إنما هو شيء سمعته من الناس يقولونه انتهى أي وهذا كان قبل أن يجتمع أسامة بأبيه زيد بن حارثة
ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة فلما خرج من مضيق الصفراء قسم النفل أي الغنيمة وكانت مائة وخمسين من الإبل وعشرة أفراس ومتاعا وسلاحا وأنطاعا وثيابا وأدما كثيرا حمله المشركون للتجارة ونادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم من قتل قتيلا فله سلبه ومن أسر أسيرا فهو له أي كما تقدم ولعله تكرر ذلك منه صلى الله عليه وسلم مرتين مرة للتحريض على القتال ومرة عند القسمة فالمقسوم ما بقي بعد إخراج السلب وإخراج الأسرى قسم على المسلمين بالسوية بعد الإختلاف فيه فادعى من قاتل العدو صده أنهم أحق به وادعى من جمعه أنهم أحق به وادعى من كان يحرس رسول الله صلى الله عليه وسلم في العريش أن غيرهم ليس بأحق به منهم أي لأن سسعد بن معاذ رضي الله عنه قام على باب العريش الذي به صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه في نفر من الأنصار وفي رواية عبادة بن الصامت أن جماعة خرجت في أثر العدو عند انهزامه وجماعة أكبوا على جمع الغنيمة فجمعوها وجماعة عند انهزام العدو أحدقوا به صلى الله عليه وسلم في العريش خوفا أن يصيب العدو منه غرة ولعل هؤلاء كانوا زيادة عمن كان مع سعد بن معاذ على باب العريش فادعى من أكب على جمعها أنهم أحق بها وادعى من عداهم أن أولئك ليسوا بأحق بها منهم
أي وكون جماعة أحدثوا به صلى الله عليه وسلم بعد انهزام العدو قد يقال لا ينافي
ذلك ما تقدم عن ابن سعد أنه لما انهزم المشركون دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثرهم بالسيف مصلتا يتلو هذه الآية { سيهزم الجمع ويولون الدبر } لجواز أن يكون صلى الله عليه وسلم خرج في أثرهم برهة من الزمان ثم عاد إلى العريش فأحدق به هؤلاء مع من تقدم فأنزل الله تعالى سورة الأنفال { يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول }
فالنفل قد يطلق على الغنيمة كما هنا كما أشرنا إليه وسماها الله تعالى أنفالا لأنها زيادة في أموال المسلمين وكذا الفيء المذكور في سورة الحشر التي نزلت في غزوة بني النضير يطلق على الغنيمة وسمى فيئا لأن الله تعالى أفاءه على المؤمنين أي رده عليهم من الكفار فإن الأصل أن الله تعالى إنما خلق الأموال إعانة على عبادته لأنه إنما خلق الخلق لعبادته فقد رد إليهم ما يستحقونه كما يعاد ويرد على الرجل ما غصب من ميراثه وإن لم يقبضه قبل ذلك ومنه قول بعضهم كان أهل الفيء بمعزل عن أهل الصدقة وأهل الصدقة بمعزل عن أهل الفيء كان يعطى من الصدقة اليتيم والمسكين والضعيف فإذا احتلم اليتيم نقل إلى الفيء أي إلى الغنيمة وأخرج من الصدقة فنزعه الله من أيديهم فجعله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أي يضعه حيث شاء فدلت الآية على أن الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة ليس لأحد من المقاتلة شيء منها ثم نسخت هذه الآية بقوله تعالى { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل } والأربعة أخماس الباقية للمقاتلة أي فكان ذلك الخمس يخمس خمسة أخماس واحد له صلى الله عليه وسلم يفعل فيه ما أحب والأربعة من ذلك الخمس لمن ذكر في الآية والأربعة الأخماس الباقية تكون للمقاتلة
وسيأتي في سرية عبدالله بن جحش لنخلة أنه صلى الله عليه وسلم خمس العير الذي جاء به عبدالله كذلك فجعل خمس ذلك لله وأربعة أخماسه للجيش وقيل عبدالله هو الذي خمسها كذلك وأقره صلى الله عليه وسلم على ذلك وهي أول غنيمة في الإسلام وأول غنيمة خمست فكان تخميسها قبل نزول الآية لما علمت أن نزول تلك الآية كان بعد بدر فهي من الآيات التي تأخرت تلاوتها عن حكمها قال بعضهم وكان ابتداء تحليل الغنائم لهذه الأمة في وقعة بدر كما ثبت في الصحيحين وذلك في قوله تعالى { فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا } فأحل الغنيمة لهم
أقول وفيه أن هذا قد يعين القول بأنه صلى الله عليه وسلم وقف غنائم نخلة حتى رجع من بدر ويضعف ما سبق من أنه صلى الله عليه وسلم خمسها أو أن عبدالله هو الذي خمسها قبل بدر وأقره صلى الله عليه وسلم على ذلك وقد علمت أن ما أصابه من بدر قسمه بين المسلمين سواء أي لم يتميز فيه أحد عن أحد الراجل مع الراجل والفارس مع الفارس سواء وفيه تفضيل الفارس على الراجل في ذلك اليوم وسيأتي التصريح بذلك وهذا يؤيد القول بأن الجيش كان فيه خمسة أفراس أو فرسان دون القول بأنه لم يكن فيه إلا فرس واحد على ما تقدم حتى هو صلى الله عليه وسلم كان سهمه كسهم واحد منهم أي كفارس منهم بناء على ما تقدم أنه صلى الله عليه وسلم كان له فرسان إلا ما اصطفاه وهو سيفه ذو الفقار كما سيأتي وحينئذ يكون قول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يا رسول الله أتعطي فارس القوم الذي يغيظهم مثل ما تعطي الضعيف أراد بالفارس فيه القوي
ففي مسند الإمام أحمد قال سعد بن أبي وقاص قلت يا رسول الله الرجل يكون حاجته للقوم يكون سهمه وسهم غيره سواء فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثكلتك أمك وهل تنصرون إلا بضعفائكم وما في مسند الإمام أحمد يدل على أن مراد سعد بالفارس القوي لمقابلته في هذه الرواية بالضعيف فلا ينافي أنه أعطى الفارس لفرسه سهمين وله سهم كالراجل
وقد أسهم لمن لم يحضر كمن أمره صلى الله عليه وسلم بالتخلف لعذر منعه من الحضور كعثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه فإنه صلى الله عليه وسلم خلفه لأجل مرض زوجته رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم أو لما كان به رضي الله تعالى عنه من الجدري على ما تقدم ولهذا عد من البدريين وأبي لبابة لأنه صلى الله عليه وسلم خلفه على أهل المدينة وعاصم بن عدي فإنه خلفه على أهل قباء والعالية ولمن أرسله لكشف أمر العدو يتجسس خبره فلم يجيء إلا وقد انقضى القتال وهما طلحة بن عبيدالله وسعيد بن زيد كما تقدم والحارث بن حاطب أمره بما مر في بني عمرو بن عوف وخوات ابن جبير والحارث بن الصمة لأن كلا منهما كسر بالروحاء كما تقدم
وبهذا يظهر التوقف في قول الجلال السيوطي في الخصائص الصغرى وضرب لعثمان رضي الله تعالى عنه يوم بدر بسهم ولم يضرب لأحد غاب غيره رواه أبو داود
عن ابن عمر قال الخطابي هذا خاص بعثمان لأنه كان يمرض ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا كلامه
وأسهم صلى الله عليه وسلم لأربعة عشر رجلا قتلوا ببدر ولعلهم ماتوا بعد انقضاء الحرب فلا يشكل على ما قاله فقهاؤنا أن من مات قبل انقضاء الحرب لاحق له
وتنفل صلى الله عليه وسلم زيادة على سهمه سيفه ذا الفقار أي وكان لمنبه بن الحجاج أي وقيل لابنه العاص قتل أيضا يوم بدر وقيل كان لعمه نبيه وفي كلام أبي العباس بن تيمية أنه كان لأبي جهل أي ويمكن أن يكون ذلك السيف كان في الأصل لأبي جهل ثم أعطاه لمنبه بن الحجاج أو لغيره ممن ذكر لا يقال أو بالعكس لأن سيف أبي جهل أخذه ابن مسعود كما تقدم فلا مخالفة
وتنفل أيضا صلى الله عليه وسلم جمل أبي جهل وكان مهريا ولم يزل يغزو عليه حتى ساقه في هدى الحديبية كما سيأتي وهذا الذي كان يأخذه زيادة على سهمه أي قبل قسمة الغنيمة إذا كان صلى الله عليه وسلم مع الجيش يقال له الصفي والصفية عبدا أو أمة أو دابة أو سيفا أو درعا لكن في الإمتاع عن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم صفى من المغنم حضر أو غاب قال بعضهم وهو محسوب من سهمه صلى الله عليه وسلم وقيل يكون زائدا عليه إلا أن يقال ذاك الذي وقع فيه الخلاف كان بعد نزوله آية التخميس وهذا كان قبل ذلك فلا يخالف ما سبق أن ما أخذه قبل القسمة كان زائدا على سهمه المساوي لسهام القوم أي وكان في الجاهلية يقال للذي يأخذه الرئيس إذا غزا بالجيش المرباع وهو ربع الغنيمة ولم يسمع مرباع إلا في الربع دون غيره من الخمس وما بعده والصفايا أشياء كان يصطفيها الرئيس لنفسه من خيار ما يغنم والنشيطة ما أصابه الجيش في طريقه قبل أن يصل إلى مقصده وكان للرئيس النقيعة أيضا وهو بعير ينحره قبل القسمة فيطعمه الناس كذا في شرح الحماسة للتبريزي
قال وقد سقط في الإسلام النقيعة والنشيطة وأمر صلى الله عليه وسلم عليا كرم الله وجهه فقتل النضر بن الحارث بالصفراء
أي وفي الإمتاع أنه صلى الله عليه وسلم نظر إلى النضر وهو أسير فقال النضر للأسير الذي بجانه محمد والله قاتلي فإنه نظر إلي بعينين فيهما الموت فقال له والله
ما هذا منك إلا رعب وقال النضر لمصعب بن عمير رضي الله تعالى عنه يا مصعب أنت أقرب من هذا إلي رحما فكلم صاحبك أن يجعلني كرجل من أصحابي يعني المأسورين هو والله قاتلي فقال مصعب إنك كنت تقول في كتاب الله كذا وكذا وتقول في نبيه صلى الله عليه وسلم كذا وكذا وكنت تعذب أصحابه
وفي أسباب النزول للسيوطي وأقره وكان المقداد رضي الله تعالى عنه أسر النضر فلما أمر صلى الله عليه وسلم بقتله قال المقداد يا رسول الله أسيري فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه كان يقول في كتاب الله ما يقول وقد رثته أخته وقيل بنته رضي الله تعالى عنها فإنها أسلمت بعد ذلك يوم الفتح فقالت من أبيات ** أمحمد يا خير ضنء كريمة **
والذي رأيته في الحماسة ** أمحمد ولأنت ضنء نجيبة ** في قومها والفحل فحل معرق **
أي له عرق في الكرم والضنء الولد ** ما كان ضرك لو مننت وربما ** من الفتى وهو المغيظ المحنق **
وحين سمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بكى حتى أخضل أي بل لحيته وقال لو بلغني هذا الشعر قبل قتله لمننت عليه أي لقبول شفاعتها عندي بهذا الشعر وليس معناه الندم لانه صلى الله عليه وسلم لا يفعل إلا حقا
أي وكان للنضر هذا أخ يقال له النضير بالتصغير وكان أسن المهاجرين وقيل كان من مسلمة الفتح وربما يدل له أنه صلى الله عليه وسلم أمر له بمائة بعير من غنائم حنين فجاءه شخص يبشره بذلك فقال لا آخذها فإني أحسب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعطني ذلك إلا تألفا على الإسلام وما أريد أن أرتشي على الإسلام فقيل له إنها عطية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبلها وأعطى المبشر منها عشرة أبعرة
ثم قتل صلى الله عليه وسلم عقبة بن أبي معيط بعرق الظبية بضم الظاء المعجمة وهي شجرة يستظل بها قال وحين قدم للقتل من للصبية يا محمد قال النار
وجاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن عقبة لما قدم للقتل نادى يا معشر قريش مالي أقتل من بينكم صبرا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم بكفرك وافترائك على رسول الله صلى الله عليه وسلم أي وفي لفظ ببزاقك في وجهي أي فإن عقبة كان يكثر مجالسته صلى الله عليه وسلم واتخذ ضيافة فدعا إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم
فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادتين ففعل وكان أبي بن خلف صديقه فعاتبه وقال صبأت يا عقبة قال لا ولكن أبى أن يأكل من طعامي وهو في بيتي فاستحييت منه فشهدت له الشهادة وليست في نفسي فقال وجهي من وجهك حرام إن لقيت محمدا فلم تطأ قفاه وتبزق في وجهه وتلطم عينه فوجده صلى الله عليه وسلم ساجدا في دار الندوة ففعل به ذلك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ألقاك خارج مكة إلا علوت رأسك بالسيف كذا في الكشاف وفي لفظ آخر بكفرك وفجورك وعتوك على الله ورسوله وأنزل الله فيه { ويوم يعض الظالم على يديه } الآية
وذكر ابن قتيبة أنه صلى الله عليه وسلم لما أمر بقتل عقبة أي وقد قال يا معشر قريش مالي أقتل من بينكم أي وأنا واحد منكم قال له يا محمد ناشدتك الله والرحم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم هل أنت إلا يهودي من أهل صفورية وفي رواية قال له إنما أنت يهودي من أهل صفورية أي فليس هو من قريش أي لا رحم بيني وبينك أي لأن أمية جد أبيه خرج إلى الشام لما نافر عمه هاشم كما تقدم فأقام بصفورية ووقع على أمة يهودية ولها زوج يهودي من أهل صفورية فولدت له أبا عمرو الذي هو والد أبى معيط على فراش اليهودي فاستلحقه بحكم الجاهلية ثم قدم به مكة وكناه بأبي عمرو وسماه ذكوان مع أن الولد للفراش وقيل كان عبدا لأمية فتبناه فلما مات أمية خلفه على زوجته
ويدل لهذا الثاني ما ذكره بعض المؤرخين أن معاوية رضي الله تعالى عنه سأل رجلا من علماء النسب وفد عليه كم عمرك قال أربعون ومائتا سنة قال كيف رأيت الزمان فقال سنيات بلاء وسنيات رخاء يهلك والد ويخلف مولود فلولا الهالك لامتلأت الدنيا ولولا المولود لم يبق أحد فقال له هل رأيت عبدالمطلب قال نعم أدركته شيخا وسيما منسما جسيما يحف به عشرة من بنيه كأنهم النجوم فقال له هل رأيت أمية بن عبد شمس يعني جده قال نعم رأيته أخفش أزرق ذميما يقوده عبده ذكوان فقال ويحك كف فقد جاء غير ما ذكرت ذاك ابنه فقال أنتم تقولون ذلك
والقاتل لعقبة عاصم بن ثابت وقيل علي رضي الله تعالى عنهما أي وقيل صلب على الشجرة
أقول قال محمد بن حبيب الهاشمي هو أول مصلوب في الإسلام ورده ابن ابن الجوري بأن أول من صلب في الإسلام خبيب بن عدي
وقد يقال لا مخالفة لأن المراد بالثاني أول مصلوب من المسلمين وبالأول أول مصلوب من الكفار
وذكر أن أول من استعمل الصلب فرعون ولعل المراد به فرعون موسى بن عمران لا فرعون إبراهيم الخليل وهو أول الفراعنة ولا فرعون يوسف بن يعقوب وهو ثاني الفراعنة وفي قول إن فرعون يوسف هذا هو فرعون موسى بمعنى أنه بقي إلى زمن موسى عليه السلام وكان هلاكه على يده
وفي كلام ابن قتيبة عن سعيد بن جبير ضم طعيمة بن عدي إلى عقبة بن أبي معيط والنضر بن الحارث أي لأنه ممن قتل معهما صبرا وفيه نظر فقد تقدم أن القاتل له حمزة رضي الله عنه في الحرب وسيأتي في أحد أن قتل حمزة كان بسبب قتله لطعيمة المذكور
ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدم المدينة قبل الأسارى بيوم أي وروى عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم قال لما قدمت إلى المدينة وكنت جائعا استقبلتني امرأة يهودية على رأسها جفنة فيها جدي مشوي فقالت الحمد لله يا محمد الذي سلمك الله كنت نذرت لله إن قدمت المدينة سالما لأذبحن هذا الجدي ولأشوينه ولأحملنه إليك لتأكل منه فأنطق الله الجدي فقال يا محمد لا تأكلني فإني مسموم أي بخلاف ما وقع له صلى الله عليه وسلم في خيبر فإنه لم يخبره الذراع بذلك إلا بعد أكله منه كما سيأتي وسيأتي أنه سأل المرأة عن سبب ذلك وهنا لم يسألها ولما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة أي قاربها خرج المسلمون للقائه وتهنئته بما فتح الله عليه فتلاقوا معه بالروحاء أي وقال لهم سلمة بن سلامة بن وقش ما الذي تهنونا به فوالله إن لقينا أي ما لقينا إلا عجائز صلعا كالبدن المعقولة فنحرناها فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال أولئك الملأ من قريش أي الأشراف والرؤساء وتلقته الولائد عند دخوله المدينة والولائد جمع وليدة وهي الصبية والأمة وتلك الولائد يقلن ** طلع البدر علينا ** من ثنيات الوداع ** ** وجب الشكر علينا ** ما دعا لله داع **
وتلقاه أسيد بن الحصير فقال الحمد لله الذي أظفرك وأقر عينك
ولما أقبلوا من بدر فقدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقفوا فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه علي فقالوا يا رسول الله فقدناك فقال إن أبا الحسن وجد مغصا في بطنه فتخلفت عليه ثم لما قدمت الأسارى فرقهم بين الصحابة وقال استوصوا بهم خيرا
وكان أول من قدم مكة بمصاب قريش ابن عبد عمرو رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك فقال قتل عتبة وشيبة وأبو الحكم وأمية وفلان وفلان من أشراف قريش أي وأسر فلان وفلان فقال صفوان بن أمية وكان يقال له سيد البطحاء وكان من أفصح قريش لسانا وكان جالسا في الحجر والله إن يعقل أي ما يعقل هذا سلوه عني فسألوه أي قالوا ما فعل صفوان فقال هو ذاك الجالس في الحجر وقد رأيت أباه وأخاه حين قتلا
وعن عكرمة مولى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال قال أبو رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت غلاما للعباس بن عبدالمطلب أي ثم وهبه العباس له صلى الله عليه وسلم وسيأتي الكلام عليه في السرايا وكان العباس رضي الله تعالى عنه أسلم وأسلمت زوجته أي أم الفضل قيل إنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة كما تقدم وهي أم أولاده وهم عبدالله وعبيدالله وعبدالرحمن والفضل وقثم ومعبد وأم حبيب
قيل رآها صلى الله عليه وسلم وهي تدب بين يديه فقال إن بلغت وأنا حي تزوجتها فقبض صلى الله عليه وسلم قبل أن تبلغ قال ابن الجوزي فليس في الصحابيات من كنيتها أم الفضل إلا زوج العباس قال أبو رافع وأسلمت أنا وكنا نكتم الإسلام أي لأن العباس كان يكره خلاف قومه لأنه كان ذا مال كثير وأكثره متفرق فيهم أي وسيأتي الجواب عن كونه أسر وأخذ منه الفداء مع كونه مسلما وسيأتي أنه لم يظهر إسلامه إلا يوم الفتح
فلما جاء الخبر عن مصاب قريش ببدر سرنا ذلك فوالله إني لجالس إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر حتى جلس عندنا فبينا هو جالس إذ قدم أبو سفيان بن الحارث وكان مع قريش في بدر فقال له أبو لهب هلم إلى عندك الخبر فقال والله ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاءوا ويأسروننا كيف شاءوا وايم الله ما لمت
الناس لقينا رجال بيض على خيل بلق بين السماء والأرض والله ما يقوم لها شيء قال أبو رافع فقلت والله تلك الملائكة فرفع أبو لهب يده فضرب وجهي ضربة شديدة وثاورته أي واثبته أي قام كل للآخر فاحتملني وضرب بي الأرض ثم برك علي يضربني فقامت أم الفضل إلى عمود وضربته به ضربة في رأسه أثرت شجة منكرة وقالت استضعفته أن غاب سيده تعني العباس فقام موليا ذليلا فوالله ما عاش إلا سبع ليال حتى رمى بالعدسة أي ما عاش صحيحا قبل أن يرمي بالعدسة إلا سبع ليال أي وهي بثرة تشبه العدسة من جنس الطاعون فقتلته فلم يحفروا له حفيرة ولكن أسندوه إلى الحائط وقذفوا عليه الحجارة خلف الحائط حتى واروه أي لأن العدسة قرحة كانت العرب تتشاءم بها ويرون أنها تعدى أشد العدوى فلما أصابت أبا لهب تباعد عنه بنوه وبقي بعد موته ثلاثة أيام لا تقرب جنازته ولا يحاول دفنه حتى أنتن فلما خافوا السبة أي سب الناس لهم في تركه فعلوا به ما ذكر
وفي رواية حفروا له ثم دفعوه بعود في حفيرته وقذفوه بالحجارة من بعيد حتى واروه وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت إذا مرت بموضعه ذلك غطت وجهها
أقول قال في النور وهذا القبر الذي يرجم خارج باب شبيكة أي الآن ليس بقبر أبي لهب وإنما هو قبر رجلين لطخا الكعبة بالعذرة وذلك في دولة بني العباس فإن الناس أصبحوا وجدوا الكعبة ملطخة بالعذرة فرصدوا للفاعل فمسكوهما بعد أيام فصلبا في ذلك الموضع فصارا يرجمان إلى الآن والله أعلم
فلما ظهر الخبر ناحت قريش على قتلاهم أي شهرا وجز النساء شعورهن وكن يأتين بفرس الرجل أو راحلته وتستر بالستور وينحن حولها ويخرجن إلى الأزقة ثم أشير عليهم أن لا تفعلوا فيبلغ محمد وأصحابه فيشمتوا بكم ولا نبكي قتلانا حتى نأخذ بثأرهم وتواصوا على ذلك وكان الأسود بن زمعة بن المطلب أصيب له في بدر ثلاثة ولداه وولده ولده وكان يحب أن يبكي عليهم وكان قد ذهب بصره أي بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم لانه كما تقدم كان من المستهزئين بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إذا رآهم يقول قد جاءكم ملوك الأرض ومن يغلب على ملك كسرى وقيصر ويكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يشق عليه فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمى وتقدم ذلك وتقدم سبب عماه
وفي كلام بعضهم كان صلى الله عليه وسلم دعا على الأسود هذا بأن يعمي الله تعالى بصره ويثكل ولده فاستجاب الله تعالى له سبق العمى إلى بصره أولا ثم أصيب يوم بدر بمن نعاه من ولده أي وهو زمعة وهو أحد الثلاثة الذين كان يقال لكل واحد منهم زاد الراكب كما تقدم وأخوه عقيل والحارث فإنهما قتلا كافرين ببدر فتمت إجابة الله تعالى لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا به قد سمع صوت باكية بالليل فقال لغلامه أنظر هل أحل النحب أي البكاء هل بكت قريش على قتلاهم لعلي أبكي فإن جوفي قد احترق فلما رجع الغلام قال إنما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلته فأنشد من أبيات ** أتبكي أن يضل لها بعير ** ويمنعها من النوم السهود ** ** فلا تبكي على بكر ولكن ** على بدر تقاصرت الجدود **
والسهود بضم السين المهملة عدم النوم والبكر الفتى من الإبل والجودود بضم الجيم جمع جد بفتحها وهو الحظ والسعد وبعد هذين البيتين بيت آخر وهو ** ألا قد ساد بعدهمو رجال ** ولولا يوم بدر لم يسودوا **
يعرض بأبي سفيان فإنه رأس قريش قال وقد جاء في بعض الروايات اختلاف الصحابة فيما يفعل بالأسرى لما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ترون في هؤلاء الأسرى إن الله قد مكنكم منهم أي وقد يخالف هذا ما سبق من قوله إن من أسر أسيرا فهو له
وقد يقال لا مخالفة لأن معنى كونه له أنه مخير فيه بين قتله وأخذ فدائه ولعله لا يخالف ما تقدم أنه صلى الله عليه وسلم لما أراد قتل النضر قال المقداد رضي الله تعالى عنه وكان أسره يا رسول الله أسيري فقال له إنه كان يقول في كتاب الله ما يقول وفي رواية استشار صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر وعليا أي وفي رواية أبا بكر وعمر وعبدالله بن جحش فيما هو الأصلح من الأمرين القتل وأخذ الفداء فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه يا رسول الله أهلك وقومك وفي رواية هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان قد أعطاك الله الظفر ونصرك عليهم أرى أن تستبقيهم وتأخذ الفداء منهم فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار وعسى الله أن يهديهم بك فيكونون لنا عضدا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تقول يا ابن الخطاب قال يا رسول الله قد كذبوك وأخرجوك وقاتلوك ما أرى ما رأى أبو بكر ولكن أرى أن تمكنني من فلان قريب
وفي لفظ نسيب لعمر فأضرب عنقه وتمكن عليا من أخيه عقيل فيضرب عنقه وتمكن حمزة من فلان أخيه أي العباس رضي الله تعالى عنه فيضرب عنقه حتى يعلم أنه ليست في قولبنا مودة للمشركين ما أرى أن تكون لك أسرى فاضرب أعناقهم هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم أي وقال ابن رواحة رضي الله تعالى عنه أنظروا واديا كثير الحطب فأضرمه عليهم نارا فقال العباس رضي الله تعالى عنه وهو يسمع ثكلتك رحمك فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت أي ولم يرد عليهم فقال بعض الناس يأخذ بقول أبي بكر وقال بعض الناس يأخذ بقول ابن رواحة ولم يقال قائل يأخذ بقول عمر ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن الله ليلين قلوب أقوام فيه حتى تكون ألين من اللين وإن الله ليشدن قلوب أقوام فيه حتى تكون أشد من الحجارة مثلك يا أبا بكر في الملائكة مثل ميكائيل ينزل بالرحمة لعله لا ينزل إلا بالرحمة فلا ينافي أن جبريل ينزل بالرحمة في بعض الأحايين كما تقدم قريبا ومن ثم جاء في الحديث أرأف أمتي بأمتي أبو بكر ومثلك في الأنبياء مثل إبراهيم حيث يقول { فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم } ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى بن مريم إذ قال { إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم }
قيل إنه قوله { فإنك أنت العزيز الحكيم } من مشكلات الفواصل إذ كان مقتضى الظاهر فإنك أنت الغفور الرحيم
ورد بأن العزيز الذي لا يغلبه أحد ولا يغفر لمن استحق العذاب إلا من ليس فوقه أحد يرد عليه حكمه والحكيم هو الذي يضع الشيء محله
ومثلك يا عمر في الملائكة مثل جبريل نزل بالشدة والبأس والنقمة على أعداء الله تعالى أي أغلب أحواله ذلك فلا ينافي أنه ينزل بالرحمة في بعض الأوقات كما تقدم ومثلك في الأنبياء مثل نوح عليه الصلاة والسلام إذ قال { رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا } ومثلك في الأنبياء مثل موسى عليه الصلاة والسلام إذ قال { ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم }
قال الجلال السيوطي رحمه الله تعالى في الخصائص الصغرى ومن خصائصه صلى الله عليه وسلم من أصحابه من يشبه بجبريل وبإبراهيم وبنوح وبموسى وبعيسى وبيوسف وبلقمان الحكيم وبصاحب يس هذا كلامه
وقد علمت أن أبا بكر رضي الله عنه شبه بميكائيل ولم يذكر ميكائيل ولينظر من
شبه من أصحابه بيوسف ثم رأيتني ذكرت فيما تقدم قريبا أنه عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه ولينظر من شبه من أصحابه بلقمان الحكيم وبصاحب يس
ثم قال صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر ولو توافقتما ما خالفتكما فلا يفلتن منهم أحد إلا بفداء أو ضرب عنق
وقد وقع له صلى الله عليه وسلم أنه قال مثل ذلك لهما وقد اختلفا في تولية شخصين أراد صلى الله عليه وسلم تولية أحدهما على بني تميم فقال أبو بكر يا رسول الله استعمل فلانا وقال عمر يا رسول الله استعمل فلانا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما إنكما لو اجتمعتما لأخذت برأيكما ولكنكما اختلفتما علي أحيانا فأنزل الله تعالى { يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } الآية واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم مثلك يا أبا بكر الخ على جواز ضرب المثل من القرآن وهو جائز في غير المزح ولغو الحديث وإلا كره ونسبة الإختلاف في أسارى بدر لأبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما لا تخالف ما سبق من نسبته إلى الصحابة رضي الله تعالى عنهم لأنه يجوز أن يكونا هما المرادين بالصحابة وعدم ذكر علي رضي الله تعالى عنه مع إدخاله في الإستشارة وكذا عبدالله بن جحش على ما تقدم لأنه يجوز أن يكون وافق أحدهما أي فقد ذكر ابن رواحة مع عدم إدخاله في الإستشارة
وفي كلام الإمام أحمد رحمه الله استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس في الأسارى يوم بدر فقال إن الله قد مكنكم منهم قال فقام عمر رضي الله تعالى عنه فقال يا رسول الله إضرب أعناقهم فأعرض عنه النبي صلى الله عليه وسلم ثم عاد فقال يا أيها الناس إن الله قد مكنكم منهم وإنما هم إخوانكم بالأمس فقام عمر رضي الله تعالى عنه فقال يا رسول الله اضرب أعناقهم فأعرض عنه صلى الله عليه وسلم ثم عاد فقال للناس مثل ذلك فقام أبو بكر رضي الله تعالى عنه فقال يا رسول الله نرى أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء قال فذهب عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان فيه من الغم فعفا عنهم وقبل الفداء فلما كان الغد غدا عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو وأبو بكر يبكيان فقال يا رسول الله ما يبكيكما وفي لفظ ماذا يبكيك أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإلا تباكيت لبكائكما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كاد لمسنا في خلاف ابن الخطاب عذاب عظيم لو نزل عذاب ما أفلت منه إلا ابن الخطاب
وفي مسلم والترمذي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم أنه صلى الله عليه وسلم قال لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أبكي للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء أي للعذاب الذي كاد أن يقع على أصحابك لأجل أخذهم الفداء أي إرادة أخذه لقد عرض علي عقابهم أدنى أي أقرب من هذه الشجرة لشجرة قريبة منه صلى الله عليه وسلم وأنزل الله تعالى { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم } الآيات
أقول قال بعضهم في هذه الآيات دليل على أنه يجوز الإجتهاد للأنبياء لأن العتاب الذي في الآيات لا يكون فيما صدر عن وحي ولا يكون فيما كان صوابا وإذا أخطئوا لا يتركون عليه بل ينبهون على الصواب
وأجاب ابن السبكي رحمه الله بأن ذلك من خصائصه صلى الله عليه وسلم أي ما كان هذا لنبي غيرك ولا يخفى عليك ما فيه
وفي كلام بعضهم ما يقتضي أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام غير نبينا صلى الله عليه وسلم يجوز أن يقروا على الخطأ لأن من بعد من يخطىء منهم يبين خطأه بخلاف نبينا صلى الله عليه وسلم لا نبي بعده يبين خطأه فلا يقر على الخطأ وفيه أن بعد نبينا عليه الصلاة والسلام عيسى عليه الصلاة والسلام وأنه يوحي إليه
ونظر بعضهم في وقوع الخطأ من الأنبياء واستمرارهم عليه بأنه غير لائق بمنصب النبوة لأن وجود من يستدرك الخطأ لا يدفع مقتضيه
وفيه جواز وقوع الخطأ والعمل به قبل مجيء الإستدراك وتقدم جواز الإجتهاد له مطلقا لا في خصوص الحرب واستثناء عمر ربما يفيد أن جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم وافقوا أبا بكر على أخذ الفداء وخالفوا عمر مع أنه تقدم قريبا أن سعد بن معاذ كره ذلك قبل عمر فقد تقدم أن المسلمين لما وضعوا أيديهم يأسرون رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن معاذ فوجد في وجهه الكراهية لما يصنع القوم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لكأنك يا سعد تكره ما يصنع القوم قال أجل والله يا رسول الله كانت أول وقعة أوقعها الله تعالى بأهل الشرك فكان الإثخان في القتل أحب إلي من
استبقاء الرجال ومن ثم قال لو نزل عذاب لم يفلت منه إلا ابن الخطاب وسعد بن معاذ كما سيأتي وفيه أن ابن رواحة كرهه بل أشار بإحراقهم بالنار
وفي الأصل أن جبريل عليه الصلاة والسلام نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في أسارى بدر فقال إن شئتم أخذتم منهم الفداء ويستشهد منكم سبعون بعد ذلك فنادى منادي النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه فجاءوا أو من جاء منهم أي وهم المعظم فقال إن هذا جبريل يخبركم بين أن تقدموهم فتقتلوهم وبين أن تفادوهم ويستشهد قابلا منكم بعدتهم فقالوا بل نفاديهم فنتقوى به عليهم ويدخل قابلا منا الجنة سبعون وفي لفظ ويستشهد منا عدتهم فليس في ذلك ما نكره وهو كما ترى يدل على أن الصحابة وافقوا أبا بكر رضي الله عنهم على أخذ الفداء ولعل هذا الإخبار بالتخيير كان بعد الإستشارة التي تكلم فيها أبو بكر وعمر وأن بكاءه صلى الله عليه وسلم كان بعد هذه الإستشارة الثانية وقوله صاحب الهدى بكاؤه صلى الله عليه وسلم وبكاء الصديق رحمة وخشية أن العذاب يعم ولا يصيب من أراد ذلك خاصة يفيد أن الذي أشار بأخذ الفداء طائفة من الصحابة لا كلهم
أقول وفيه أن هذا يشكل عليه قوله لو نزل عذاب ما أفلت منه إلا ابن الخطاب أو إلا ابن الخطاب وسعد بن معاذ فإن فيه تصريحا بأن العذاب لو وقع لا يعم وأنه لا يصيب إلا من أشار بالفداء وفيه أن من أشار بالفداء غاية الأمر أنهم اختاروا غير الأصلح من الأمرين واختيار غير الأصلح لا يقتضي العذاب على أن حل أخذ الفداء علم من واقعة عبدالله بن جحش التي قتل فيها ابن الحضرمي فإنه أسر فيها عثمان بن المغيرة والحكم بن كيسان ولم ينكره الله تعالى وذلك قبل بدر بأزيد من عام إلا أن يقال أراد الله تعالى تعظيم أمر بدر لكثرة الأسارى فيها مع شدة تصلبهم في مقاتلته صلى الله عليه وسلم وفي المواهب كلام في الآية المذكورة يتأمل فيه
ورأيت فيها عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لولا أني لا أعذب من عصاني حتى أقدم إليه الحجة لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم
وعن الأعمش سبق منه أنه لا يعذب أحدا شهد بدرا ومن ثم جاء كما يأتي أن رجلا قال يا رسول الله إن ابن عمي نافق أي ائذن لي أن أضرب عنقه فقال له إنه شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم والله أعلم ولا ينافي
قتل سبعين منهم في قابل أي في أحد كون بعض الأسارى في بدر مات في الأسر ولم يؤخذ فداؤه وهو ومالك بن عبيد الله أخو طلحة بن عبيد الله وكون بعضهم أطلق من غير أخذ فداء لأن المنكر عدم قتل اولئك السبعين الذين أسروا
قال بعضهم اتفق أهل العلم بالسير على أن المخاطبين بقوله تعالى { أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها } هم أهل أحد أي قد أصبتم يوم بدر مثلي من استشهد منكم يوم أحد سبعين قتيلا وسبعين أسيرا والله أعلم
وتواصت قريش على أن لا يعجلوا في طلب فداء الأسرى لئلا يتخالى محمد وأصحابه في الفداء فلم يلتفت لذلك المطلب بن أبي وداعة السهمي بل خرج من الليل خفية وقدم المدينة فأخذ أباه بأربعة آلاف درهم وقد كان صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه رضي الله تعالى عنهم لما رأى أبا وداعة أسيرا إن له بمكة ابنا كيسا تاجر ذا مال وكأنكم به قد جاء في طلب فداء أبيه أي فكان أول أسير فدى واسم أبي وداعة الحارث وذكر في الصحابة قال الزبير بن بكار زعموا أنه كان شريكا للنبي صلى الله عليه وسلم بمكة
أي والمشهور أن شريكه صلى الله عليه وسلم إنما هو السائب بن أبي السائب الذي قال في حقه وقد أسلم يوم الفتح وقد جعل الناس يثنون عليه أنا أعلمكم به هذا شريكي نعم الشريك كان لا يداري ولا يماري وفي رواية أنه لما قال صلى الله عليه وسلم أنا أعلمكم به قال صدقت بأبي أنت وأمي كنت شريكك فنعم الشريك لا تداري ولا تماري وعند ذلك بعثت قريش في فداء الأسارى وكان الفداء فيهم على قدر أموالهم وكان من أربعة آلاف إلى ثلاثة آلاف درهم إلى ألفين إلى ألف ومن لم يكن معه فداء أي وهو يحسن الكتابة دفع إليه عشرة غلمان من غلمان المدينة يعلمهم الكتابة فإذا تعلموا كان ذلك فداءه
وجاء جبير بن مطعم وهو كافر أي إلى المدينة يسأل النبي صلى الله عليه وسلم في اسارى بدر فقال له صلى الله عليه وسلم لو كان شيخك أو الشيخ أبوك حيا فأتانا فيهم لشفعناه وفي رواية لو كان مطعم حيا وكلمني في هؤلاء النفر وفي رواية في هؤلاء النتنى لتركتهم له لان المطعم كان أجار النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم من الطائف وكان ممن سعى في نقض الصحيفة كما تقدم ذلك
وكان من جملة الأسارى عمرو بن أبي سفيان بن حرب أخو معاوية أي أسره علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه فقيل لأبي سفيان أفد عمرا ابنك قال أيجمع علي دمي
ومالي قتلوا حنظلة يعني ابنه وهو شقيق أم حبيبة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأفدى عمرا دعوه في أيديهم يمسكونه ما بدرا لهم فبينما أبو سفيان إذ وجد سعد بن النعمان أخا بني عمرو بن عوف أي قد وفد من المدينة معتمرا فعدا عليه أبو سفيان فحبسه بابنه عمرو فمضى بنو عمرو بن عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه خبر سعد بن النعمان وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبي سفيان فيفكون به صاحبهم ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعثوا به إلى أبي سفيان فخلى سبيل سعد أي ولم يذكر عمرو هذا فيمن أسلم من الأسارى والظاهر أنه مات على شركه
وكان في الاسارى زوج بنت النبي صلى الله عليه وسلم زينب رضي الله عنها وهو أبو العاص بن الربيع بكسر الموحدة وتشديد الياء مفتوحة قال في الأصل ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم أي بناء على ما تقوله العامة ان ختن الرجل زوج ابنته والمعروف لغة أن ختن الرجل أقارب زوجته مثل أبيها وأخيها ومع ذلك لا ينبغي أن يقال في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم ختن أبي العاص ولا ختن علي لإيهامه النقص
وفي حفظي أن عند المالكية من قال عنه صلى الله عليه وسلم يتيم أبي طالب وختن حيدرة كان مرتد وفي عبارة أو بدل الواو ورواية أو مبينة للمراد من رواية الواو وأن ما أفهمته من اعتبار الجمعية ليس مرادا وحيدرة اسم علي رضي الله تعالى عنه وأبو العاص اسلم بعد ذلك كما سيأتي وهو ابن خالتها هالة بنت خويلد أخت خديجة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأبو ولدها علي الذي أردفه صلى الله عليه وسلم خلفه يوم فتح مكة ومات مراهقا وأبو بنتها أمامة التي كان يحملها صلى الله عليه وسلم في الصلاة أي وكان يحبها حبا شديدا
فعن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهديت له هدية فيها قلادة من جذع فقال لأدفعنها إلى أحب أهلي إلى فقالت النساء ذهبت بها ابنة أبي قحافة فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أمامة بنت زينب فعلقها في عنقها وتزوجها علي بعد موت خالتها فاطمة رضي الله تعالى عنها بوصية من فاطمة زوجها له الزبير بن العوام وكان أبوها أوصى بها إلى الزبير ومات عنها فتزوجها المغيرة بن نوفل ابن الحارث بن عبد المطلب فماتت عنده وكان تزويجها للمغيرة بوصية من علي رضي الله وتعالى عنه فإنه لما حضرته الوفاة قال لها إني لا آمن أن يخطبك معاوية وفي لفظ هذا
الطاغية بعد موتي فإن كان لك في الرحال حاجة فقد رضيت لك المغيرة بن نوفل عشيرا فلما إنقضت عدتها أرسل معاوية إلى مروان أن يخطبها عليه ويبذل لها مائة ألف دينار فلما خطبها أرسلت إلى المغيرة بن نوفل إن هذا الرجل أرسل يخطبني فإن كان لك حاجة في فأقبل فجاء وخطبها من الحسن بن علي أي فزوجها منه
أي ولا يخالف ما تقدم أن المزوج لها الزبير بن العوام لأنه يجوز أن يكون الحسن كان هو السبب في تزويج الزبير لها فبعثت زينب رضي الله تعالى عنها في فداء زوجها أبي العاص قلادة لها كانت أمها خديجة رضي الله تعالى عنها أدخلتها بها عليه حين بنى بها أي والجائي بها أخوه عمرو بن الربيع ولا يعلم لعمرو هذا إسلام فلما رأى تلك القلادة رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة وقال للصحابة إن رايتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها قلادتها فافعلوا قالوا نعم يا رسول الله فأطلقوه وردوا عليها القلادة وشرط عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخلي سبيل زينب أي أن تهاجر إلى المدينة
أي وقد كان كفار قريش مشوا إليه أن يطلق زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما طلق ولدا أبي لهب بنتي النبي صلى الله عليه وسلم قبل الدخول بهما رقية وأم كلثوم كما تقدم وقالوا له نزوجك أي أمرأة من قريش شئت فأبى ذلك وقال والله لا أفارق صاحبتي وما أحب أن لي بها امرأة من قريش فشكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك واثنى عليه بذلك خيرا فلما وصل ابو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها فخرجت
وقد كان صلى الله عليه وسلم أرسل زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار قال لهما تكونان بمحل كذا لمحل قريب من مكة حتى تمر بكما زينب فتصحباها حتى تأتيا بها أي وذكر أن حماها كنانة بن الربيع خا زوجها قدم لها بعيرا فركبته واتخذ قوسه وكنانته ثم خرج بها نهارا يقودها في هودج لها وكانت حاملا فتحدث بذلك رجال من قريش فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طوى فكان أول من سبق إليها هبار ابن الأسود رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك ونخس البعير بالرمح فوقعت والقت حملها
وفي رواية أنه سبق إليها هبار ورجل آخر يقال له نافع وقيل خالد بن عبد قيس
ثم ان كنانة برك ونثر كنانته واخذ قوسه وقال والله لا يدنو مني رجل الا وضعت فيه سهما فجاء اليه أبو سفيان في رجال من قريش وقال له كف عنا نبلك حتي نكلمك فكف ثم قال له انك لم تصب في فعلك فانك خرجت بالمراة جهارا على رءوس الاشهاد وقد عرفت مصيبتنا التي كانت وما دخل علينا من محمد فيظن الناس اذا خرجت زينب علانية على رءوس الناس من بين أظهرنا أن ذلك من ذل أصابنا وأن ذلك منا من ضعف ووهن ولعمري مالنا بحبسها عن أبيها من حاجة ولكن أرجع بها حتى اذا هدات الاصوات وتحدث الناس أن قد رددناها فسر بها سرا فألحقها بأبيها ففعل وأقامت ليالى ثم خرج بها ليلا حتى أسلمها الى زيدابن حارثة وصاحبه
وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال لزيد بن حارثة ألاتنطلق فتجيئ بزينب قال بلى يا رسول لله قال فخذ خاتمي فأعطها فانطلق زيد فلم يزل يتلطف حتى لقي راعيا فقال لمن ترعى قال لابي العاص قال فلمن هذه الغنم قال لزينب بنت محمد فتكلم معه ثم قال له هل ان أعطيتك شيئا تعطهااياه ولا تذكره لأحد قال نعم فأعطاه الخاتم فانطلق الراعي الى زينب وأدخل غنمه وأعطاها الخاتم فعرفته فقالت من أعطاك هذا قال رجل قالت فأين تركته قال بمكان كذا وكذا فسكتت حتى اذا كان الليل خرجت اليه فلما جاءته قال لها زيد اركبي بين يدي على بعيري قالت لا ولكن اركب انت بين يدي فركب وركبت خلفه حتى أتت المدينة وذلك بعد شهرين من بدر وكان صلى الله عليه وسلم يقول زينب أفضل بناتي أصيبت بي اي بسببي ز
ومن العجب أن هذه العبارة ساقها الامام سراج الدين البلقيني في فتاويه في حق فاطمه رضي الله تعالى عنها حيث قال وقد روي البزار في مسنده من طريق عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة هي خير بناتي لانها أصيبت في هذا كلامه ولينظر ما الذي أصيبت فاطمة بسببه صلى الله عليه وسلم وقد يقال اصابتها بسبب موته صلى الله عليه وسلم في حياتها ز
ثم رايت الحافظ ابن حجر أجاب بذلك حيث قال لأنها رزئت بأبيها فكان في صحيفتها اى فهو من أعلام نبوته او ان قوله في زينب ما ذكر كان قبل ما وهب الله لفاطمة من الكمالات
وقد سئل الإمام البلقيني رحمه الله تعالى هل بقية بناته صلى الله عليه وسلم أي بعد فاطمة سواء في الفضل أو يفضل بعضهم على بعض ولم يجب عن ذلك ولا مخالفة بين خروج زينب إلى زيد وخروج حميها بها إلى زيد وبهذا أي بتأخر هجرة زينب يظهر التوقف في قول ابن اسحاق أما بناته صلى الله عليه وسلم فكلهن أدرن الإسلام واسلمن وهاجرنا معه إلا ان يقال المراد اشتركن معه في الهجرة وتقدم ما في قوله وأسلمن وكون الجائي في فداء أبي العاص أخوه عمرو يخالف ما جاء أن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله تعالى عنها أرسلت في فداء أبي العاص وأخيه عمرو بن الربيع بمال وبعثت فيه بقلادة الحديث ولعلها تصحيف وأن الأصل بعثت في فداء أبي العاص أخاه عمرو بن الربيع ويدل لذلك أنه صلى الله عليه وسلم قال في هذه الرواية إن رايتم أن تردوا لها أسيرها فأطلقوه ولم يقل أسيريها وكان في الأسارى سهيل بن عمرو العامري
وتقدم أنه كان من أشراف قريش وخطبائها فقد سئل سعد بن المسيب عن خطباء قريش في الجاهلية فقال الأسود بن المطلب وسهيل بن عمرو وسئل عن خطبائهم في الإسلام فقال معاوية بن أبي سفيان وابنه يعني يزيد وسعيد بن العاص وابنه يعني عمرو بن سعيد وعبد الله بن الزبير
ولعل هذا لا يخالف ما تقدم من قول الأصمعي الخطباء من بني مروان عتبة ابن ابي سفيان أخو معاوية وعبد الملك بن مروان ومما يؤثر عن عتبة ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم كما تقدم وقال عمر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم دعني أنزع ثنيتي سهيل بن عمرو ويدلع أي بالدال والعين المهملتين يخرج لسانه أي لأنه كان أعلم والأعلم إذا نزعت ثنيتاه لم يستطع الكلام فلا يقم عليك خطيبا في موطن أبدا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لا امثل بي فيمثل الله تعالى بي إن كنت نبيا وعسى أن يقوم مقاما لا تذمه فكان كذلك فإنه لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أكثر أهل مكة الرجوع عن الإسلام حتى خافهم أمير مكة عتاب بن أسيد رضي الله عنه وتوارى فقام سهيل بن عمرو رضي الله عنه خطيبا فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم ذكر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ايها الناس من كان يعبد محمد فإن محمد قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ألم تعلموا ان الله تعالى قال { إنك ميت وإنهم ميتون } وقال { وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل } الآيات وتلى آيات
آخر ثم قال والله إني أعلم أن هذا سيمتد امتداد الشمس في طلوعها وغروبها فلا يغرنكم هذا من أنفسكم يعني ابا سفيان فإنه ليعلم من هذا الأمر ما أعلم لكنه قد ختم على صدره حسد بني هاشم وتوكلوا على ربكم فإن دين الله قائم وكلمته تامة إن الله ناصر من نصره ومقو دينه وقد جمعكم الله على خيركم يعني أبا بكر رضي الله تعالى عنه وقال إن ذلك لم يزد الإسلام إلا قوة فمن رأيناه ارتد ضربنا عنقه فتراجع الناس وكفوا عما هموا به
وعند ذلك ظهر عتاب بن أسيد رضي الله عنه وقدم مكرز بن حفص في فداء سهيل فلما ذكر قدرا أرضاهم به قالوا له هات فقال اجعلوا رجلي مكان رجله وخلوا سبيله حتى يبعث إليكم بفدائه فخلوا سبيل سهيل وحبسوا مكرز وكان في الأسارى الوليد أخو خالد بن الوليد افتكه أخواه هشام وخالد فلما افتدى أسلم فعاتبوه في ذلك فقال كرهت أن يظن بي أني جزعت من الأسر ولما أسلم وأراد الهجرة حبسه أخواه وكان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو له في القنوت كما تقدم ثم أفلت ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم في عمرة القضاء كما سيأتي أي وكان في الأسارى السائب وهو الأب الخامس لإمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه وكان صاحب راية بني هاشم في ذلك اليوم أي التي يقال لها في الحرب العقاب ويقال لها راية الرؤساء ولا يحملها في الحرب إلا رئيس القوم وكانت لأبي سفيان أوة لرئيس مثله ولغيبة أبي سفيان في العير حملها السائب لشرفه وفدى نفسه
وأما أبوه الرابع الذي هو شافع الذي ينسب إليه أمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه الذي هو ولد السائب لقي النبي صلى الله عليه وسلم وهو مترعرع فأسلم وكان في الأسارى وهب بن عمير رضي الله تعالى عنه فإن أسلم بعد ذلك واسره رفاعة بن رافع وكان أبوه عمير شيطانا من شياطين قريش وكان ممن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم واصحابه بمكة رضي الله تعالى نه فإنه أسلم بعد ذلك فجلس يوما مع صفوان بن أمية رضي الله تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك وكان جلوسه معه في الحجر فتذاكرا أصحاب القليب ومصابهم فقال صفوان ما في العيش والله خير بعدهم فقال عمير والله صدقت أما والله لولا دين على ليس له عندي قضاء وعيال أخشى عليهم الضيع بعد كنت آتي محمد حتى أقتله فإنني فيهم علة ابن أسير في ايديهم فاغتنمها صفوان وقال له على دينك أنا أقضيه
عنك وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا قال عمير فاكتم عني شأني وشأنك قال افعل ثم ان عميرا أخذ سيفه وشحذه بالمعجمة أي سنه وسمه أي جعل فيه السم ثم أنطلق حتى قدم المدينه فبينا عمر بن الخطاب رضي الله تعال عنه في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر اذ نظر الى عمير حين أناخ راحلته على باب المسجد متوشحا السيف فقال هذا الكلب عدو الله عمير ما جاء الابشر فدخل عمر رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوشحا سيفه قال صلى الله عليه وسلم فأدخله علي فأقبل عمر رضي الله عنه حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه والحمالة بكسر الحاء المهملة العلاقة فمسكه بها وقال لرجال ممن كانو معه من الانصار أدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجلسوا عنده فان هذا الخبيث غير مأمون ثم دخل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر رضي الله عنه اخذ بحمالة سيفه في عنقه قال أرسله يا عمر ادن يا عمير فدنا ثم قال عمير أنعمو صباحا وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير بالسلام تحية أهل الجنه ما جاء بك يا عمير قال جئت لهذا الاسير الذي في أيديكم يعني ولده وهبا فأحسنوا فيه قال فما بال السيف قال قبحها الله من سيوف وهل أغنت عنا شيئا قال صلى الله عليه وسلم أصدقني مالذي جئت له قال ما جئت الا لذلك قال صلى الله عليه وسلم بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر فذكرتما أصحاب القليب من قريش ثم قلت لولا دين على وعيالي لخرجت حتى أقتل محمدا فتحمل لك صفوان بدينك وعيالك على ان تقتلني له والله حائل بينك وبين ذلك قال عمير أشهد أنك رسول الله قد كنا يا رسول الله نكذبك بما تأتي به من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي وهذا امر لم يحضر الا أنا وصفوان فوالله اني لا اعلم ما أتاك به الا الله تعالى فالحمد لله الذى هدانا للاسلام وساقني هذا المساق ثم شهد شهادة الحق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقهوا أخاكم في دينه وأقرئوه القرأن وأطلقوا أسيره ففعلوا ذلك ثم قال يا رسول الله اني كنت جاهدا على اطفاء نور الله شديد الأذى لمن كان على دين الله فأنا أحب أن تأذن لي فأقدم مكه فأدعوهم الى الله وإلى الإسلام لعل الله يهديهم وإلا أذيتهم
في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلحق بمكة وأسلم ولده وهب رضي الله عنه
وكان صفوان حين خرج عمير يقول أبشروا بوقعة تأتيكم الآن تنسيكم وقعة بدر وكان صفوان يسأل عن الركبان حتى قدم راكب فأخبره عن إسلامه فحلف أن لا يكلمه أبدا وأن لا ينفعه بنفع أبدا
أي ولما قدم عمير لم يبدا بصفوان بل بدا ببيته واظهر الإسلام ودعا إليه فبلغ ذلك صفوان فقال قد عرفت حيث لم يبدأ بي قبل منزله أنه قد نكس وصبأ ولا أكلمه ابدا ولا انفعه ولا عياله بنافعة
ثم إن عميرا وقف على صفوان وناداه أنت سيد من سادتنا رايت الذي كنا عليه من عبادة الحجر والذبح له أهذا دين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد عبده ورسوله فلم يجبه صفوان بكلمة وعند فتح مكة هو الذي استأمنه صلى الله عليه وسلم لصفوان كما سيأتي
وكان في الأسارى أبو عزيز بن عمير أخو مصعب بن عمير لأبيه وأمه قال أبو عزيز مر بي أخي مصعب فقال للذي أسرني شد يدك به فإن أمه ذات متاع لعلها تفديه منك فقلت له يا أخي هذه وصايتك بي فبعثت أمه في فدائه أربعة آلاف درهم ففدته بها
وكان في الأسارى العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم اي وقد شدوا وثاقه فأن فلم يأخذه صلى الله عليه وسلم نوم فقيل ما سهرك يا رسول الله قال لأنين العباس فقام رجل وأرخى وثاقه وفعل ذلك بالأسارى كلهم والذي أسره أبو اليسر كعب بن عمرو وكان ذميما أي بالمهملة صغير الجثة والعباس جسيما طويلا فقيل للعباس رضي الله تعالى عنه لو أخذته بكفك لوسعته كفك فقال ما هو إن لقيته فظهر في عيني كالخدمة أي وهو جبل من جبال مكة أي وأبو اليسر هذا هو الذي انتزع راية المشركين وكانت بيد أبي عزيز بن عمير قال وفي رواية أن البني صلى الله عليه وسلم سأل كعب وقال له كيف أسرت العباس قال يا رسول الله لقد أعانني عليه ملك كريم أي وفي رواية أن العباس رضي الله تعالى عنه لما قيل له ما تقدم قال والله إن هذا ما اسرني لقد أسرني رجل أبلج من أحسن الناس وجها على فرس أبلق فما أراه في القوم فقال الذي جاء به والله أنا الذي أسرته يا رسول الله فقال اسكت فقد أيدك الله بملك كريم
وفي الكشاف أن العباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أخذ أسيرا ببدر لم يجدوا له قميصا وكان رجلا طوالا فكساه عبد الله بن أبي ابن سلول قميصه وجعل صلى الله عليه وسلم فداء العباس أربعمائة أوقية وفي رواية مائة أوقية وفي رواية أربعين أوقية من ذهب وفي رواية جعل على العباس أيضا فداء عقيل ابن أخيه ثمانين أوقية أي وجعل عليه فداء ابن أخيه نوفل بن الحارث
وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال له افد نفسك يا عباس وابني أخيك عقيل ابن أبي طالب ونوفل بن الحارث ابني عبد المطلب وحليفك عتبة بن عمرو ففدى نفسه بمائة أوقية وكل واحد بأربعين أوقية وسيأتي ما يدل على أنه إنما فدى نفسه وابن أخيه عقيل فقط وقال للنبي صلى الله عليه وسلم تركتني فقير قريش ما بقيت وفي لفظ تركتني أسأل الناس في كفى فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم فأين المال الذي دفعته لأم الفضل يعني زوجته وقلت لها إن أصبت فهذا لبني الفضل وعبد الله وقثم وفي كلام ابن قتيبة فللفضل كذا ولعبد الله كذا وقثم كذا فقال والله إني لأعلم أنك رسول الله إن هذا شيئ ما علمه إلا انا وأم الفضل زاد في رواية وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله
وفي رواية أن العباس قال للنبي صلى الله عليه وسلم لقد تركتني فقير قريش ما بقيت فقال له كيف تكون فقير قريش وقد استودعت بنادق الذهب أم الفضل وقلت لها إن قتلت فقد تركتك غنية ما بقيت
وفي رواية أين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل فقال أشهد أن الذي تقوله قد كان وما اطلع عليه إلا الله وتقدم عن أبي رافع مولى العباس أن العباس رضي الله تعالى عنه وزوجته أم الفضل كانا مسلمين بل تقدم أنها أول امرأة أسلمت بعد خديجة رضي الله تعالى عنها وكانا يكتمان إسلامهما وأن أبا رافع كان كذلك
ومما يؤيد إسلام العباس رضي الله تعالى نه أنه جاء في بعض الروايات أن العباس رضي الله تعالى عنه قال علام يأخذ ما الفداء وكنا مسلمين أي وفي رواية كنت مسلما ولكن القوم استكرهوني فقال له النبي صلى الله عليه وسلم الله أعلم بما تقول إن يك حق فإن الله يجزيك ولكن ظاهر أمرك أنك كنت علينا وقد أنزل الله تعالى { يا أيها النبي قل لمن في أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم خيرا } أي إيمانا { يؤتكم خيرا مما أخذ منكم }
أي من الفداء الآيات فعند ذلك أي عند نزول الآيات قال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم لوددت أنك كنت أخذت مني أضعافا فقد آتاني الله خير منها مائة عبد وفي لفظ أربعين عبدا كل عبد في يده مال يضرب به أي يتجرفيه وإني لأرجو من الله المغفرة أي وهذا القول من العباس رضي الله تعالى عنه يدل على تأخر نزول هذه الآيات
وجاء أن العباس رضي الله تعالى عنه خرج لبدر ومعه عشرون أوقية من ذهب ليطعم بها المشركين فأخذت منه في الحرب فكلم النبي صلى الله عليه وسلم أن يحسب العشرين أوقية من فداءه فأبى وقال أما شيء خرجت تستعين به علينا فلا نتركه لك وجاء في بعض الروايات أن العباس رضي الله تعالى عنه لما أسر تواعدت طائفة من الأنصار على قتله فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال لعمر لم أنم الليلة من أجل عمي العباس زعمت الأنصار أنهم قاتلوه فأتى عمر الأنصار فقال لهم أرسلوا العباس فقالوا والله لا نرسله فقال لهم عمر فإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي فقالوا إن كان رضي فخذه فأخذه عمر فلما صار في يده قال له يا عباس أسلم فوالله لأن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب
أي وفي اسباب النزول للواحدي لما أسر العباس يوم بدر أقبل المسلمون عليه يعيرونه بكفره بالله وقطيعة الرحم وأغلظ علي له من القول فقال العباس ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا قال له علي ألكم محاسن قال نعم إنا لنعمر المسجد الحرام ونحيي الكعبة ونسقي الحاج ونفك العانى فأنزل الله تعالى { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله } الآية
وجاء انه قال للمسلمين لئن كنتم سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد لقد كنا نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج فأنزل الله تعالى { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله } الآية
وذكر بعضهم أن العباس رضي الله تعالى عنه كان رئيسا في قريش وإليه عمارة المسجد الحرام فكان لا يدع أحدا يتشبب فيه ولا يقول فيه هجرا والتشبيب ترقيق الشعر بذكر النساء والهجر الكلام الفاحش فكانت قريش اجتمعت وتعاقدت على تسليم ذلك للعباس وكانوا عونا له على ذلك
ومن ثم قيل في العباس هذاوالله هو الشرف يطعم الجائع ويؤدب السفيه فإن طعامه كان لفقراء بني هاشم وقيل وسوطه معد لسفهائهم وإذا كان ذلك لسفهاء بني هاشم فلسفهاء غيرهم بطريق الاولى
والظاهر أن ذلك لا يختص بسكونهم في المسجد كما قد يدل عليه الروايه الاولى ولاينافي هذا أي قول عمر له أسلم إلى أخره ما تقدم عن مولاه أبي رافع من أن العباس كان مسلما ومن قوله للنبي صلى الله عليه وسلم إنه كان مسلما ومن إتيانه بالشهادتين عنده صلى الله عليه وسلم لأن ذاك لم يظهره علانية بل أظهره له صلى الله عليه وسلم فقط ولم يعلم به عمر ولا غيره ولم يظهر النبي صلى الله عليه وسلم إسلام العباس رفقا به لما تقدم أن العباس كان له ديون متفرقة في قريش وكان يخشى إن أظهر إسلامه ضاعت عندهم
ومن ثم لما قهرهم الإسلام يوم فتح مكة أظهر إسلامه أي فلم يظهر إسلامه إلا يوم الفتح وكان كثيرا ما يطلب الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكتب له مقامك بمكة خير لك
أي وفي رواية استأذن العباس رضي الله تعالى عنه النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة فكتب إليه يا عم أقم مكانك الذي أنت فيه فإن الله عز وجل يختم بك الهجرة كما ختم بي النبوة فكان كذلك
وفي رواية أنه قال لابن عمه نوفل بن الحارث بن عبد المطلب أفد نفسك يا نوفل ما لي شيء أفدي به نفسي قال أفد نفسك من مالك الذي يجدة وفي لفظ بارماحك التي بجدة فقال أشهد أنك رسول الله والله ما أحد يعلم أن لي بجدة أرماحا غير الله أي وفدى نفسه ولم يفده العباس
ويدل لذلك ما رواه البخاري عن انس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بمال من البحرين أي من خراجهما فقال انثروه في المسجد فكان أكثر مال أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم أي كان مائة ألف وكان أول خراج حمل إليه صلى الله عليه وسلم وكان ياتي في كل سنة وحينئذ لا يعارض هذا قوله صلى الله عليه وسلم لجابر لو قد جاء مال البحرين أعطيتك فلم يقدم مال البحرين حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن المراد أنه لم يقدم
في تلك السنة ولما نثر ذلك المال في المسجد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة ولم يلتفت إليه فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه فكان لا يرى احدا إلا اعطاه فجاءه العباس فقال يا رسول الله أعطني إني فاديت نفسي وفاديت عقيلا أي ولم يقل نوفلا ولا حليفه عتبة بن عمرو فقال خذ فحثى في ثوبه ثم ذهب يقله فلم يستطع فقال مر بعضهم يرفعه إلي قال لا قال فارفعه أنت على قال لا فنثر منه ولا زال يفعل كذلك حتى بقى ما يقدر على رفعه على كاهله أى بين كتفيه ثم إنطلق وهو يقول إنما أخذت ما وعد الله فقد أنعلى قتال المسلمين أنجز فما زال صلى الله عليه وسلم يتبعه بصره عجبا من حرصه حتى خفى
ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفر من الاسارى بغير فداء منهم أبو عزه عمرو الجمحي الشاعر كان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين بشعره فقال يا رسول الله إني فقير وذو عيال وحاجه قد عرفتها فا منن علي فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أى وفي رواية قال له إن لي خمس بنات ليس لهن شيء فتصدق بي عليهن ففعل وأعتقه وأخذ عليه أن لا يظاهر عليه أحدا أي ولما وصل إلى مكة قال سحرت محمدا
ولما كان يوم أحد خرج مع المشركين يحرض على قتال المسلمين بشعره فأسر وقتل صبرا وحملت رأسه إلى المدينة كما سيأتي
أي فعلم أن أسرى بدر منهم من فدى ومنهم من خلى سبيله من غير فداء وهو أبو العاص أبوعزة ووهب بن عمير ومنهم من مات ومنهم من قتل وهو النضر ابن الحارث وعقبة بن أبي معيط كما تقدم
ولما بلغ النجاشي نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ببدر فرح فرحا شديدا فعن جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أن النجاشي أرسل إليه وإلى أصحابه الذين معه بالحبشة ذات يوم فدخلوا عليه فوجدوه جالسا على التراب لابسا أثوابا خلقة فقالوا له ما هذا أيها الملك فقال لهم إني أبشركم بما يسركم إنه قد جاءني من نحو أرضكم عين لي فأخبرني أن الله عز وجل قد نصر نبيه وأهلك عدوه فلانا وفلانا وعدد جمعا التقوا بمحل يقال له بدر كثير الأراك كنت أرعى فيه غنما لسيدي من بني ضمرة فقال له جعفر ما لك جالس على التراب عليك هذه الأخلاق قال إنا نجد فيما أنزل الله على عيسى أن حقا على عباد الله أن يحدثوا لله عز وجل تواضعا عندما أحدث لهم نعمة
وفي رواية كان عيسى صلوات الله وسلامه عليه إذا حدث له من الله نعمة ازداد تواضعا فلما أحدث الله تعالى نصرة نبيه صلى الله عليه وسلم أحدثت هذا التواضع
وفي رواية إنا نجد في الإنجيل أن الله سبحانه وتعالى إذا أحدث بعبده نعمة وجب على العبد أن يحدث لله تواضعا وإن الله قد أحدث إلينا وإليكم نعمة عظيمة الحديث
قال ولما أوقع الله تعالى بالمشركين يوم بدر واستاصل وجوههم قالوا إن ثأرنا بأرض الحبشة فلنرسل إلى ملكها ليدفع إلينا من عنده من أتباع محمد فنقتلهم بمن قتل منا فأرسلوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة رضي الله تعالى عنهما فإنهما أسلما بعد ذلك إلى النجاشي ليدفع إليهما من عنده من المسلمين فأرسلوا معهما هدايا وتحفا للنجاشي فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمرى بكتاب يوصيه فيه على المسلمين انتهى وفي الأصل هنا ما يوافقه
وفيه أن عمرو بن امية الضمر لم يكن أسلم بعد أي لأنه كما في الأصل شهد بدر وأحدا مع المشركين وأول مشهد شهده مع المسلمين بئر معونة واسر في ذلك وجزت ناصيته واعتق وكان ذلك في سنة أربع كما سيأتي قال فلما وصل عمرو وعبد الله إلى النجاشي ردهما خائبين
أي فعن عمرو بن العاص قال دخلت على النجاشي فسجدت له فقال مرحبا بصديقى أهديت لي من بلادك شيئا فقلت نعم أيها الملك أهديت لك أدما كثيرا ثم قربته إليه فأعجبه وفرق منه اشياء بين بطارقته وأمر بسائره فأدخل في موضع وامر ان يكتب ويتحفظ به قال عمرو فلما رأيت طيب نفسه قلت أيها الملك إني رأيت رجلا خرج من عندك يعني عمرو بن أمية الضمرى وهو رسول عدو لنا وترنا وقتل أشرافنا وخيارنا فأعطنيه فأقتله فغضب ثم رفع يده فضرب بها أنفى ضربة ظننت أنه قد كسره فجعلت أتقي الدم بثيابي وفي رواية ثم رفع يده فضرب بها أنف نفسه ظننت أنه قد كسر وقد يجمع بوقوع الأمرين منه وعند ذلك قال عمرو فأصابني من الذل ما لو إنشقت لي الأرض لدخلت فيها فرقا منه ثم قلت أيها الملك لو ظننت أنك تكره ما قلت ما سألتكه فقال يا عمرو تسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى والذي كان يأتي عيسى ابن مريم لتقتله قلت وتشهد أنت ايها الملك أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال نعم أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم
عليه وسلم أشهد بذلك عند الله يا عمرو فاطعني واتبعه فوالله إنه لعلى الحق قلت له افتبايعنى له على الإسلام قال نعم فمد يده فبايعته على الإسلام ثم خرجت إلى اصحابي وقد كساني فلما رأوا كسوة الملك سروا بذلك وقالوا هل من صاحبك قضاء لحاجتك يعنون قتل عمرو بن أمية الضمرى فقلت لهم كرهت أن أكلمه أول مرة وقلت أعود إليه قالوا الراي ما رايت وفارقتهم وهذا يدل على أنه كان معه ومع عبد الله جماعة آخرون من قريش ويحتمل أنه عنى بأصحابه عبد الله بن ربيعة ويؤيد الأول ما يأتي فاليتأمل
وكاني أعمد إلى حاجة فعمدت إلى موضع السفن فوجدت سفينة قد شحنت فركبت معهم ودفعوها من ساعتهم حتى إنتهوا إلى الشعبية وهو محل معروف كان مورد لجدة أي كان ترسى به السفن قبل وجود جدة كما تقدم فخرجت من السفينة فابتعت بعيرا وتوجهت إلى المدينة حتى إذا كنت بالهداة اسم محل إذا رجلان وهما خالد ابن الوليد وعثمان بن أبي طلحة فرحبا بي وإذا هما يريدان الذي اريد فتوجهنا إلى المدينة
فقد علمت ما في ارسال عمرو بن أمية الضمرى إلى النجاشي عقب وقعة بدر من أنه كان في ذلك الوقت كافرا لأنه شهد مع الكفار أحدا
ومن ثم قال في الأصل هنا فلما كان شهر ربيع الأول وقيل المحرم سنة سبع أي وقيل سنة ست حكاه ابن عبد البر عن الواقدي من هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام وبعث به عمرو بن أمية الضمرى فلما قرئ عليه الكتاب أسلم وكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجه أم حبيبة ففعل وكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث إليه من بقي عنده من أصحابه ويحملهم ففعل وقد تقدم القول عند ذكر الهجرة إلى أرض الحبشة أن توجه عمرو بكتابى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المحرم سنة سبع يدعوه في أحدهما إلى الإسلام والثاني في تزويجه عليه الصلاة والسلام أم حبيبة وقيل ارسال عمرو كان في شهر ربيع الأول منها وسيأتي ذكر كتابي النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي مع عمرو عند ذكر كتبه إلى الملوك هذا كله كلام الأصل فليتأمل ما فيه
ثم رأيت صاحب النور قال قد رأيت غير واحد صرح بأن النجاشي أسلم في السنة السابعة يعنون من الهجرة وهذا يعكر على تصديقه وإسلامه عند إرسال عمرو بن العاص وعبد الله بن ربيعة أي عقب بدر حيث قال أنا أشهد أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخر ما تقدم هذا كلامه
أي فكيف يكون إرسال عمرو بن أمية إلى النجاشي ليسلم وقد يجاب بأن المراد إظهار إسلامه اي بعث له عمرو بن أمية لأجل ان يظهر إسلامه ويعلن به بين قومه اي لأنه كان يخفي إسلامه عن قومه ولما بلغ قومه أنه اعترف بأن عيسى صلوات الله وسلامه عليه عبد الله ووافق جعفر بن أبي طالب على ذلك سخطوا وقالوا له أنت فارقت ديننا وأظهروا له المخاصمة فأرسل النجاشي إلى جعفر بن أبي طالب وأصحابه فهيأ لهم سفنا وقال اركبوا فيها وكونوا كما أنتم فإن هربت فاذهبوا حيث شئتم وإن ظفرت فأقيموا ثم عمد إلى كتاب فكتب وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ويشهد أن عيسى عبده ورسوله وروحه وكلمته القاها إلى مريم ثم جعله في ثيابه عند منكبه الأيمن وخرج إلى الحبشة وقد صفوا له فقال يا معشر الحبشة ألست أرفق الناس بكم قالوابلى قال فكيف رأيتم سيرتي فيكم قالوا خير سيرة قال فما لكم قالوا فارقت ديننا وزعمت أن عيسى عبد قال فماذا تقولون أنتم في عيسى قالوا نقول هو ابن الله فقال لهم النجاشي ووضع يده على صدره على قبائه وقال هو يشهد أن عيسى ابن مريم ولم يزد على هذا وإنما يعني ما كتب فرضوا منه ذلك
ويذكر أن عليا رضي الله عنه وجد ابن النجاشي عند تاجر بمكة فاشتراه منه وأعتقه مكافأة لما صنع أبوه مع المسلمين وكان يقال له نيزرمولى علي كرم الله وجهه
ويقال أن الحبشة لما بلغهم خبره أرسلوا وفدا منهم إليه ليملكوه ويتوجوه ولم يختلفوا عليه فأبى وقال ما كنت لأطلب الملك بعد أن من الله علي بالإسلام
على أن ابن الجوزي رحمه الله ذكر أن ذهاب عمرو بن العاص إلى النجاشي كان عند منصرفه مع قريش في غزوة الأحزاب أي لا عقب بدر
فعن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه لما انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق جمعت رجالا من قريش كانوا يرون مكاني ويسمعون مني فقلت لهم تعلمون والله أني لأرى أمر محمد يعلو لأمور علوا منكرا وإني قد رأيت رايا فما ترون فيه قالوا
وما رأيت قال أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي فإنا أن نكون تحت يديه أحب إلينا أن نكون تحت يدي محمدا وإن ظهر قومنا فنحن ممن قد عرفوا فلن يأتينا منهم إلا خير فقالوا إن هذا هو الرأي فقلت اجمعوا ما يهدي له وكان أحب ما يهدى إليه من أرضنا الأدم فجمعنا أدما كثيرا ثم خرجنا إليه فوالله إنا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية الضمرى بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن جعفر وأصحابه الحديث
وهذا لا يمنع أن يكون عمرو بن العاص وفد على النجاشي هو وعبد الله بن ربيعة عقب بدر فيكون وصول عمرو بن العاص على النجاشي كان ثلاث مرات مرة مع عمارة عقب مهاجرة من هاجر إلى الحبشة ومرة مع عبد الله بن ربيعة عقب بدر وهذه المرة الثالثة التي كانت عقب الأحزاب وإن إرسال عمرو بن أمية وإسلام عمرو بن العاص على يد النجاشي كان في هذه المرة الثالثة
وحينئذ لا يشكل ارسال عمرو بن أمية للنجاشي لأنه كان مسلما حينئذ فيكون ذكر مجىء عمرو بن أمية إلى النجاشي في المرة الثانية التي كانت عقب بدر اشتباه من بعض الرواة وكذا ذكر إسلام عمرو بن العاص على يد النجاشي في المرة الثانية من تخليط بعض الرواة
ثم رأيته في الامتاع قال وقد رويت قصة الهجرة إلى الحبشة وإسلام النجاشي من طرق عديدة مطولة ومختصرة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرسل عمرو بن أمية الضمرى في أموره لأنه كان من رجال النجدة أي ومعلوم أنه كان لا يرسله إلا بعد إسلامه وإسلامه قد علمت أنه كان سنة أربع وفي الأصل أنه صلى الله عليه وسلم أرسله إلى مكة بهدية لأبي سفيان بن حرب
أي ولعل المراد بذلك ما حكاه بعض الصحابة قال دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أراد أن يبعثني بمال إلى أبي سفيان يقسمه في قريش بمكة بعد الفتح وقال لي التمس صاحبا قال فجاءني عمرو بن أمية فقال بلغني أنك تريد الخروج إلى مكة وتلتمس صاحبا قلت أجل قال فأنا لك صاحب قال فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت وجدت صاحبا فقال من قلت عمرو بن أمية الضمرى فقال إذا هبط بلاد قومه فاحذروه فإنه قد قال القائل أخوك البكري ولا تأمنه
وقد أسلم عبد الله ولده قبل ابيه عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما روى أنه صلى الله عليه وسلم قال فيهما وفي أم عبد الله نعم البيت عبد الله وأبو عبد الله وأم عبد الله وكان صلى الله عليه وسلم يفضل عبد الله على أبيه لانه كان من عباد الصحابة وزهادهم وفضلائهم وعلمائهم ومن أكثرهم رواية
وذكر ابن مرزوق رحمه الله أن ابن عمرو رضي الله تعالى عنهما مر ببدر فإذا رجل يعذب ويئن فناداه يا عبد الله قال فالتفت إليه فقال اسقني فأردت أن أفعل فقال الأسود الموكل بتعذيبه لا تفعل يا عبد الله فإن هذا من المشركين الذين قتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه الطبراني في الأوسط زاد السيوطي في الخصائص فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته قال أوقد رأيته قلت نعم قال ذاك عدو الله أبو جهل وذاك عذابه إلى يوم القيامة
وأخرج ابن ابي الدنيا والبيهقي عن الشعبي أن رجلا قال لنبي صلى الله عليه وسلم إني مررت ببدر فرايت رجلا يخرج من الأرض فيضربه رجل بمقمعة حديد وفي لفظ بعمود حديد حتى يغيب في الأرض ثم يخرج فيفعل به مثل ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك أبو جهل يعذب إلى يوم القيامة
ومما جاء في فضل من شهد بدرا أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما تعدون أهل بدر فيكم قال من أفضل المسلمين أو كلمة نحوها قال جبريل عليه السلام وكذلك من شهد بدرا من الملائكة وفي رواية إن للملائكة الذين شهدوا بدرا في السماء لفضلا على من تخلف منهم وجاء بعض الصحابة رضي الله تعالى عنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن ابن عمي نافق أي وقد كان من أهل بدر أتأذن لي ان أضرب عنقه فقال صلى الله عليه وسلم إنه شهد بدرا وعسى أن يكفر عنه وفي رواية وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدرا وقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم
قال وفي الطبراني بسند جيد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلع الله على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم أو قال فقد وجبت لكم الجنة أي غفرت لكم ما مضى وما سيقع من الذنوب أي وهو يفيد أن ما يقع مهم من الكبائر لا يحتاجون إلى التوبة عنه لأنه إذا وقع يقع مغفورا
وعبر فيه بالماضي مبالغة في تحققه وهذا كما لا يخفى بالنسبة للآخرة لا بالنسبة لأحكام الدنيا ومن ثم لما شرب قدامة بن مظعون الخمرة في أيام عمر جلده وكان بدريا
أي وقد يقال هذا يقتضي وجوب التوبة في الدنيا فإذا لم تقع لا يؤاخذ بذلك في الآخرة لأن وجوب التوبة من أحكام الدنيا
لا يقال إذا سلم أن الذنب إذا وقع منهم يقع مغفورا لا معنى لوجوب التوبة وإنما حد عمر رضي الله تعالى عنه قدامة زجرا عن شرب الخمر لأنا نقول بل لوجوب التوبة في الدنيا معنى وإن كان الذنب إذا وقع يقع مغفورا لأن المراد بذلك عدم المؤاخذة في الآخرة وذلك لا ينافي وجوب التوبة عنه في الدنيا لأنه لا تلازم بين وجوب التوبة في الدنيا وبين غفران الذنب في الآخرة
هذا وفي الخصائص الصغرى نقلا عن شرح جمع الجوامع أن الصحابة كلهم لا يفسقون بارتكاب ما يفسق به غيرهم وقدامة هذا كان متزوجا أخت عمر رضي الله تعالى عنه وكان عمر متزوجا بأخت قدامة وهي أم حفصة رضي الله تعالى عنها فكان خالا لحفصة ولأخيها عبد الله وكان عاملا لعمر في بعض النواحي أي البحرين فقدم الجارود سعد بن عبد القيس على عمر من البحرين وكان قدامة واليا عليها فأخبر عمر أن قدامة سكر قال وإني رايت حدا من حدود الله حق على ان أرفعه إليك فقال له عمر من يشهد معك قال أبو هريرة فشهد أبو هريرة رضي الله عنه أنه رآه سكران أي قال لم أره يشرب ولكني رأيته سكران يقيء فأحضر قدامة فقال له الجارود أقم عليه الحد فقال له عمر رضي الله عنه أخصم أنت أم شاهد فصمت ثم عاوده فقال له عمر رضي الله عنه لتمسكن أو لأسوءنك فقال ليس في الحق وفي لفظ أما والله ما ذلك بالحق أن يشرب ابن عمك وتسوءني فأرسل عمر رضي الله عنه إلى زوجة قدامة أي بعد أن قال له ابو هريرة رضي الله عنه إن كنت تشك في شهادتنا فأرسل إلى ابنه الوليد يعني زوجته فجاءت فشهدت على زوجتها بأنه سكر فقال عمر لقدامة أريد أن أحدك فقال ليس لك ذلك لقول الله عز وجل { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا } فقال له عمر أخطأت التأويل فإن بقية الآية { إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات } فإنك إن اتقيت اجتنبت ما حرم الله تعالى عليك ثم أمر به فحد فغاضبه قدامة ثم حجا جميعا ففي يوم استيقظ عمر رضي الله تعالى عنه من نومه
فزعا فقال عجلوا بقدامة أتاني آت فقال صالح قدامة فإنه أخوك فاصطلحا
أي وقد احتح بهذه الآية ايضا جمع من الصاحبة شربوا الخمر وهم أبو جندل وضرار بن الخطاب وأبو الأزور فأراد أبو عبيدة رضي الله عنه وهو وال في الشام أن يحدهم فقال أبو جندل ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما أتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات فكتب أبو عبيدة إلى عمر بذلك وقال خصمني أبو جندل بهذه الآية فكتب عمر لأبي عبيدة إن الذي زين لأبي جندل الخطيئة زين له الخصومة فاحددهم فلما أراد أبو عبيدة أن يحدهم قال أبو الأزور في لأبي عبيدة دعنا نلقى العدو غدا فإن قتلنا فذاك وإن رجعنا إليكم فحدونا فلقوا العدو فاستشهد أبو الأزور وحد الآخران
وفي حواشي البخاري للحافظ الدمياطي أن نعيمان كان ممن شهد بدرا وسائر المشاهد وأتى في شربه الخمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحده أربعا أو خمسا أي من المرات فقال رجل من القوم اللهم العنه ما أكثر ما يشرب وأكثر ما يحد فقال عليه الصلاة والسلام لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله ولعل هذا التعليل لا ينظر لمفهومه
وعند الإمام أحمد رحمه الله عن حفصة رضي الله تعالى عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إني لأرجو أن لا يدخل النار احد إن شاء الله تعالى ش شهد بدرا والحديبية ولعل الواو بمعنى أو ويدل لذلك ما في بعض الروايات عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة
ولا ينافي ما في مسلم والترمذي عن جابر أن عبدا لحاطب جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يشكو حاطبا إليه فقال يا رسول الله ليدخلن حاطب النار فقال كذبت لا يدخلها فإنه شهد بدرا والحديبية لأنه يجوز أن يكون ذلك لكونه أي الجمع بين بدر والحديبية هو الواقع لحاطب
وفي الطبراني عن رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر والذي نفسي بيده لو ان مولودا ولد في فقه أربعين سنة من أهل الدين يعمل بطاعة الله تعالى كلها ويجتنب معاصي الله كلها إلى أن يرد إلى أرذل العمر أو يرد إلى أن لا يعلم بعد علم شيئا لم يبلغ أحدكم هذه الليلة
وكان صلى الله عليه وسلم يكرم أهل بدر ويقدمهم على غيرهم ومن ثم جاء جماعة من أهل بدر للنبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في صفة ضيقه ومعه جماعة من أصحابه فوقفوا بعد أن سلموا ليفسح لهم القوم فلم يفعلوا فشق قيامهم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال لمن لم يكن من أهل بدر من الجالسين قم يا فلان قم يا فلان بعدد الواقفين فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم الكراهة في وجه من أقامه فقال رحم الله رجلايفسح لأخيه فنزل قوله تعال { يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا } الأية فجعلوا يقومون لهم بعد ذلك أى ولعل المراد يجلسونهم مكانهم
وفي الخصائص الصغرى وخص أهل بدر من أصحابه صلى الله عليه وسلم بأن يزادوا في الجنازه على أربع تكبيرات تمييزا لهم لفضلهم
وقد ذكر أن عمر بن عبد العزيز بن مروان كان يختلف إلى عبيد الله بن عبد الله ليسمع منه فبلغ عبيد الله أن عمر ينتقص عليا رضي الله تعال عنه فأتاه عمر فأعرض عبيد الله عنه وقام ليصلى فجلس عمر ينتظره فلما سلم أقبل عليه وقال له متى بلغك أن الله سخط على أهل بدر بعد أن رضي عنهم ففهمها عمر وقال معذر إلى الله وإليك والله لا أعود فما سمع بعد ذلك يذكر عليا كرم الله وجهه إلا بخير
غزوة بني سليم
ولما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينه من بدر لم يقم إلا سبع ليال حتى غزا بنفسه يريد بني سليم واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري أو ابن أم مكتوم
أي وفي رواية أبي داود أن استخلاف ابن أم مكتوم إنما كان على الصلاة بالمدينة دون القضايا والاحكام فإن الضريرا لا يجوز له ان يحكم بين الناس لانه لا يدرك الاشخاص ولا يثبت الاعيان ولا يدري لمن يحكم ولا على من يحكم أى فأمر القضايا والاحكام يجوز أن يكون فرضه صلى الله عليه وسلم لسباع فلا مخالفة فلما بلغ ماء من مياههم يقال له الكدر أى وقيل لهذا الماء الكدر لان به طيرا في ألوانها كدرة فأقام صلى الله عليه وسلم على ذلك ثلاث ليال ثم رجع إلى المدينة ولم يلق حربا أي وكان لواؤه صلى الله عليه وسلم أبيض حمله علي بن أبي طالب كرم الله وجهه
وكان في تلك السنة تزويج علي بفاطمة رضي الله عنهما أي عقد عليها في رمضان وقيل في رجب ودخل بها في ذي الحجة وقيل بعد أن تزوجها بنى بها بعد سبعة أشهر ونصف أي فيكون عقد عليها في أول جمادى الأولى وكان عمرها خمس عشرة سنة وكان سن علي يومئذ إحدى وعشرين سنة وخمسة أشهر أي وأولم عليها بكبش من عند سعد وآصع من ذرة من عند جماعة من الأنصار ولما خطبها علي قال صلى الله عليه وسلم إن عليا يخطبك فسكتت أي وفي رواية قال لها أي بنيه إن ابن عمك عليا قد خطبك فماذا تقولين فبكت ثم قالت كأنك يا أبت إنما ادخرتني لفقير قريش فقال صلى الله عليه وسلم والذي بعثني بالحق ما تكلمت في هذا حتى اذن لي الله فيه من السماء فقالت فاطمة رضي الله عنها رضيت بما رضي الله ورسوله
وقد كان خطبها ابو بكر ثم عمر فسكت صلى الله عليه وسلم وفي رواية قال لكل انتظر بها القضاء فجاءا اي أبو بكر وعمر رضي الله عنهما إلى علي كرم الله وجهه يأمرانه أن يخطبها قال علي فنبهاني لأمر كنت عنه غافلا فجئته صلى الله عليه وسلم فقلت تزوجني فاطمة قال وعندك شيء قلت فرسي وبدني أي درعي قال أما فرسك فلا بد لك منها وأما بدنك فبعها فبعتها بأربعمائة وثمانين درهما فجئته صلى الله عليه وسلم بها فوضعها في حجره فقبض منها قبضة فقال أي بلال ابتع لنا بها طيبا
وفي رواية لما خطبها قال له صلى الله عليه وسلم ما تصدقها وفي لفظ هل عندك شيء تستحلها به قال ليس عندي شيء قال فاين درعك الحطمية التي أعطيتك يوم كذا وكذا قال عندي فباعها من عثمان بن عفان بأربعمائة مائة وثمانين درهما ثم أن عثمان رضي الله عنه رد الدرع إلى علي كرم الله وجهه فجاء علي بالدرع والدراهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا لعثمان بدعوات
وفي فتاوي الجلال السيوطي أنه سئل هل لصحة ما قيل إن عثمان بن عفان رأى درع علي رضي الله عنها يباع بأربع مائة درهم ليلة عرسه على فاطمة رضي الله عنها فقال عثمان هذا درع علي فارس الإسلام لا يباع أبدا فدفع لغلام على أربعمائة درهم وأقسم أن لا يخبره بذلك ورد الدرع معه فلما أصبح عثمان وجد في داره أربع مائة كيس في كل كيس أربع مائة درهم مكتوب على كل درهم هذا ضرب الرحمن لعثمان بن عفان فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال هنيئا لك يا عثمان
وفيها أيضا أن عليا خرج ليبيع إزار فاطمة ليأكل بثمنه فباعه بستة دراهم فسأله سائل فاعطاه إياه فجاء جبريل في صورة أعرابي ومعه ناقة فقال يا أبا الحسن اشتر هذه الناقة قال ما معي ثمنها قال إلى اجل فاشتراها بمائة ثم عرض له ميكائيل في صورة رجل في طريقه فقال أتبيع هذه الناقة قال نعم بكم اشتريتها قال بمائة قال آخذها بمائة ولك من الربح ستون فباعها له فعرض له جبريل فقال بعت الناقة قال نعم قا ل ادفع إلي ديني فدفع له مائة ورجع بستين فقالت له فاطمة من أين لك هذا قال ضاربت مع الله بستة فأعطاني ستين ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره ذلك فقال البائع جبريل والمشتري ميكائيل والناقة لفاطمة تركبها يوم القيامة له أصل أم لا
فأجاب عن ذلك كله بأنه لم يصح وهي تصدق بان ذلك لم يرد فهو من الكذب الموضوع ولما اراد صلى الله عليه وسلم أن يعقد خطب خطبة منها الحمد لله المحمود بنعمته المعبود بقدرته الذي خلق الخلق بقدرته وميزهم بحكمته ثم إن الله عز وجل جعل المصاهرة نسبا وصهر وكان ربك قديرا ثم أن الله أمرني أن أزوج فاطمة من علي على أربع مائة مثقال فضة أرضيت يا علي قال رضيت بعد أن خطب علي كرم الله وجهه ايضا خطبة منها الحمد لله شكرا لأنعمه وأياديه وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة تبلغه وترضيه اي وفي رواية أنه صلى الله عليه وسلم قال يا علي اخطب لنفسك فقال علي الحمد لله الذي لا يموت وهذا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجني ابنته فاطمة على صداق مبلغه أربع مائة درهم فاسمعوا ما يقول واشهدوا قالوا ما تقول يا رسول الله قال أشهدكم أني قد زوجته كذا رواه ابن عساكر قال الحافظ ابن كثير وهذا خبر منكر وقد ورد في هذا الفصل أحاديث كثيرة منكرة وموضوعة أضربنا عنها
ولما تم العقد دعا صلى الله عليه وسلم ب ط بطبق بسر فوضع بين يديه ثم قال للحاضرين انتبهوا وقول علي كرم الله وجهه نبهاني لأمر كنت عنه غافلا لا ينافي ما روي عن اسماء بنت عميس أنها قالت قيل لعلى ألا تتزوج بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما لي صفراء ولا بيضاء ولست بمأبور بالباء الموحدة يعني غير الصحيح الدين ولا المتهم في الإسلام أي لا اخشى الفاحشة إذا لم أتزوج وليلة بنى بها قال صلى الله عليه وسلم
لعلي لا تحدث شيئا حتى تلقانى فجاءت بها أم أيمن حتى قعدت في جانب البيت وعلي في جانب أخر وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لفاطمه ائتيني بماء فقامت تعثر في ثوبها وفي لفظ في مرطها من الحياء فأتته بقعب فيه ماء فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ومج فيه ثم قال لها تقدمي فتقدمت فنضح بين ثدييها وعلى رأسها وقال اللهم إني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم ثم قال ائتوني بماء فقال علي كرم الله وجهه فعلمت الذي يريد فقمت وملأت القعب فأتيته به فأخذه فمج فيه وصنع بي كما صنع بفاطمة ودعا لي بما دعا لها به ثم قال اللهم بارك فيهما وبارك عليهما وبارك لهما في شملهما أى الجماع وتلا قل هو الله احد والمعوذتين ثم قال أدخل بأهلك باسم الله والبركه وكان فراشها إهاب كبش أى جلده وكان لهما قطيفة إذا جعلاها بالطول انكشفت ظهورهما وإذا جعلاها بالعرض إنكشفت رؤوسهما
ثم مكث صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام لا يدخل على فاطمة وفي اليوم الرابع دخل عليهما في غداة باردة وهما في تلك القطيفة فقال لهما كما أنتما وجلس عند رأسهما ثم أدخل قدميه وساقيه بينهما فأخذ على كرم الله وجهه إحداهما فوضعها على صدره وبطنه ليدفئها وأخذت فاطمة رضي الله عنها الأخرى فوضعتها كذلك
وقالت له في بعض الأيام يا رسول الله ما لنا فراش إلا جلد كبش ننام عليه بالليل ونعلف عليه نا ضحنا بالنهار فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بنية اصبري فإن موسى بن عمران عليه الصلاة والسلام أقام مع إمرأته عشر سنين ليس لهم إلا عباءة قطوانية أى وهي نسبة إلى قطوان موضع بالكوفة أى ولعل العباءة التي كانت تجب من ذلك الموضع كانت صفيقة وعن علي رضي الله تعالى عنه لم يكن لي خادم غيرها
وعنه رضي الله تعالى عنه لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإني لأربط الحجر على بطني من الجوع وإن صدقتي اليوم لتبلغ أربعين ألف دينار ولعل المراد في السنة
قال الإمام أحمد بن حنبل ما ورد لأحد من الصحابة ما ورد لعلي رضي الله تعالى عنه أى من ثنائه صلى الله عليه وسلم
وسبب ذلك أنه كثرت أعداؤه والطاعون عليه من الخوارج وغيرهم فاضطر لذلك الصحابة أن يظهر كل منهم من فضله ما حفظه ردا على الخوارج وغيرهم
وعن إبن عباس رضي الله تعالى عنهما ما نزل في أحد من الصحابة من كتاب الله ما نزل في علي نزل في على ثلاثمائة آية
وعن ابن عباس رضي الله عنهما كل ما تكلمت به في التفسيرفإنما أخذته عن علي كرم الله وجهه
ومن كلماته البديعة الوجيزة لا يخافن أحد إلا ذنبه ولا يرجون إلا ربه ولا يستحي من لايعلم أن يتعلم ولا من يعلم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول الله اعلم ما أبردها على الكبد إذا سئلت عما لا أعلم أن اقول الله أعلم
ومن ذلك العالم من عمل بما علم ووافق علمه عمله وسيكون أقوام يحملون العلم لا يجاوز تراقيهم تخالف سريرتهم علانيتهم ويخالف علمهم عملهم يجلسون حلقا فيبا هي بعضهم بعضا حتى إن الرجل ليغضب على جليسه أن يجلس إلى غيره ويدعه أولئك لا تصعد أعمالهم من مجالسهم تلك إلى الله
وقال صلى الله عليه وسلم لعلي يهلك فيك رجلان محب مطر وكذاب مفتر مكره لك يأتي بالكذب المفترى وقال له يا علي ستفترق أمتي فيك كما افترقت في عيسى ابن مريم وجاء أنه صلى الله عليه وسلم قال إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا بنتهم علي بن أبي طالب فلا آذن ثم لا آذن إلا أن يريد ابن ابي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم فإنما هي بضعة مني يريبني ما ارابها ويؤذيني ما آذاها
غزوة بني قينقاع
بضم النون وقيل بكسرها أي وقيل بفتحها فهي مثلثة النون والضم أشهر قوم من اليهود وكانوا أشجع يهود وكانوا صاغة وكانوا حلفاء عبادة بن الصامت رضي الله عنه وعبدالله بن ابي ابن سلول فلما كانت وقعة بدر أظهروا البغي والحسد ونبذوا العهد أى لأنه صلى الله عليه وسلم كان عاهدهم وعاهد بني قريظة وبني النضير أن لا يحاربوه وأن لا يظاهروا عليه عدوه
وقيل على ان لا يكونوا معه ولا عليه وقيل على أن ينصروه صلى الله عليه وسلم على من
دهمه من عدوه أى كما تقدم فهم أول من غدر من يهود فإنه مع ما هم عليه من العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم قدمت إ مرأة من العرب بجلب لها أى وهو ما يجلب ليباع من إبل وغنم وغيرها فباعته بسوق بني قينقاع وجلست إلى صائغ منهم أى وفي الامتاع أن المرأة كانت زوجة لبعض الانصار أى ومعلوم أن الانصار كانوا بالمدينة أى وقد يقال لا مخالفة لجواز ان تكون زوجة بعض الانصار من الأعراب وأنها جاءت بجلب لها فجعلوا أى جماعة منهم يراودونها عن كشف وجهها فأبت فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها قال وفي رواية خله بشوكة وهي لا تشعر فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا منها فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله وشدت اليهود على المسلم فقتلوه فاستصرخ اهل المسلم المسلمين على اليهود فغضب المسلمون أى وتقدم وقوع مثل ذلك وأنه كان سببا لوقوع حرب الفجار الأول
ولما غضب المسلمون على بني قينقاع أى وقال لهم صلى الله عليه وسلم ما على هذا أقررناهم تبرأ عبادة بن الصامت رضي الله عنه من حلفهم أى قال يا رسول الله أتولى الله ورسوله والمؤمنين وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وتشبث به عبدالله بن أبي أبن سلول أى لم يتبرأمن حلفهم كما تبرأمنه عبادة الصامت أى وفيه نزلت { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض } إلى قوله تعالى { فإن حزب الله هم الغالبون } فجمعهم صلى الله عليه وسلم وقال لهم يا معشر يهود احذروا من الله مثل ما أنزل بقريش من النقمة اى ببدر واسلموا فإنكم قد عرفتم أني مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله تعالى إليكم قالوا يا محمد إنك ترى أنا قومك أى تظننا أنا قومك قومك ولا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت لهم فرصة إنا والله لو حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس وفي لفظ لتعلمن أنك لم تقاتل مثلنا أى لأنهم كانوا أشجع اليهود وأكثرهم أموالا وأشدهم بغيا فأنزل الله تعالى { قل للذين كفروا ستغلبون } الأية أى وأنزل الله { وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء } الآية فتحصنوا في حصونهم فسار إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولواؤه وكان ابيض بيد عمه حمزة بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه قال ابن سعد ولم تكن الرايات يومئذ يومئذ
وقد قدمنا أن هذا يرده ما تقدم في ضمن غزاة بدر من أنه كان أمامه رايتان سوداوان إحداهما مع علي ويقال لها العقاب ولعلها سميت بذلك في مقابلة الراية التي كانت في الجاهلية
تسمى بهذا الاسم ويقال لها راية الرؤساء لأنه كان لا يحملها في الحرب إلا رئيس وكانت في زمنه صلى الله عليه وسلم مختصة لأبي سفيان رضي الله عنه لا يحملها في الحرب إلا هو أو رئيس مثله إذا غاب كما في يوم بدر والأخرى مع بعض الأنصار وسيأتي في خيبر أن العقاب كان قطعة من برد لعائشة رضي الله عنها
واستخلف صلى الله عليه وسلم على المدينة أبا لبابة وحاصرهم خمس عشرة ليلة اشد الحصار لأن خروجه صلى الله عليه وسلم كان في نصف شوال واستمر إلى هلال ذي القعدة الحرام فقذف الله في قلوبهم الرعب وكانوا أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخلي سبيلهم وأن يجلو من المدينة اي يخرجوا منها وأن لهم نساءهم والذرية وله صلى الله عليه وسلم الأموال أي ومنها الحلقة التي هي السلاح والظاهر من كلامهم أنه لم يكن لهم نخيل ولا أرض تزرع وخمست أموالهم أي مع كونها فيئاله صلى الله عليه وسلم ولأنها لم تحصل بقتال ولا جلوا عنها قبل التقاء الصفين فكان له صلى الله عليه وسلم الخمس ولأصحابه الأربعة الأخماس
أقول ولا يخفى أن من جملة اموالهم دورهم ولم أقف على نقل صريح دال على ما فعل بها وعلم أنه صلى الله عليه وسلم جعل هذاالفيء كالغنيمة ومذهبنا معاشر الشافعية أن الفيء المقابل للغنيمة كالواقع في هذه الغزوة وغزوة بني النضير الآتية كان في زمنه صلى الله عليه وسلم يقسم خمسة اقسام له صلى الله عليه وسلم أربعة منها والقسم الخامس يقسم خمسة أقسام له صلى الله عليه وسلم منها قسم فيكون له أربعة اخماس وخمس الخمس والأربعة الأخماس الباقية من الخمس منها واحد لذوي القربى وآخر لليتامى وآخر للمساكين وآخر لابن السبيل فجميع ما مال الفيء مقسوم على خمسة وعشرين سهما منها أحد وعشرون سهما لرسول الله صلى الله عليه وسلم واربعة اسهم لأربعة اصناف هم ذو القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ولعل إمامنا الشافعي رضي الله عنه راى أن ذلك كان اكثر أحواله صلى الله عليه وسلم وإلا فهو هنا وفي بني النضير كما سيأتي لم يفعل ذلك بل خمسه هنا ثم استقل به أي لم يعط الجيش منه وقد جعل صلى الله عليه وسلم ذوي القربى بين بني هاشم أي وبنات هاشم وبني أي وبنات المطلب دون بني أخويهما عبد شمس ونوفل مع أن الأربعة أولاد عبد مناف كما تقدم
ولما فعل ذلك جاء إليه صلى الله عليه وسلم جبير بن مطعم من بني نوفل وعثمان بن عفان
من بني عبد شمس فقالا يا رسول الله هؤلاء إخواننا من بني هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله منهم أرأيت إخواننا من بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وفي لفظ ومنعتنا وإنما قرابتنا وقرابتهم واحدة وفي رواية أن بني هاشم شرفوا بمكانك منهم وبنوا المطلب ونحن ندلي إليك بنسب واحد ودرجة واحدة فبما فضلتهم علينا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد هكذا وشبك بين أصابعه زاد في رواية أنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا في إسلام أي لأن الصحيفة إنما كتبت على يد بني هاشم والمطلب لأنهم هم الذين قاموا دونه صلى الله عليه وسلم ودخلوا الشعب وبعده صلى الله عليه وسلم صار الفيء أربعة أخماس للمرتزقة المرصدة للجهاد وخمس الخمس الخامس لمصالح المسلمين والخمس الثاني منه لذوي القربى والخمس الثالث منه لليتامى والخمس الرابع منه للمساكين والخمس الباقي منه لابن السبيل
ثم لا يخفى أنه صلى الله عليه وسلم إذا كان مع الجيش وغنم شيء بقتال أو إيجاف خيل أو جلا عنه أهله بعد التقاء الصفين كان من خصائصه صلى الله عليه وسلم أن يختار من ذلك قبل قسمته ويقال لهذا الذي يختاره الصفي والصفية كما تقدم
أقول وتقدم عن الإمتاع عن محمد بن أبي بكر رضي الله عنهما خلافه وتقدم هل صفيه صلى الله عليه وسلم كان محسوبا عليه من سهمه أولا قيل نعم وقيل كان خارجا عنه وتقدم الجواب عن ذلك في غزاة بدر أن هذا الخلاف لا ينافي الجزم ثم بأنه كان زائدا على سهمه صلى الله عليه وسلم لان ذلك قبل نزول آية تخميس الغنيمة فكان سهمه صلى الله عليه وسلم كسهم واحد من الجيش فصفيه يكون زائدا على ذلك
وأما سهمه صلى الله عليه وسلم بعد نزول آية التخميس للغنيمة فهو خمس الغنيمة فيجري فيما يأخذه قبل القسمة الخلاف هل يكون زائدا على ذلك الخمس أو يكون محسوبا منه فلا مخالفة بين إجراء الخلاف والجزم والله أعلم
وقيل لما نزلت بنو قينقاع أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتفوا فكتفوا فاراد قتلهم فكلمه فيهم عبد الله بن أبي ابن سلول وألح عليه أي فقال يا محمد أحسن في موالي فأعرض عنه صلى الله عليه وسلم فأدخل يده في جيب درع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلفه أي وتلك الدرع هي ذات الفضول فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم
ويحك أرسلني وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأوا لوجهه سمرة لشدة غضبه ثم قال ويحك أرسلني فقال والله لا ارسلك حتى تحسن في موالي فإنهم عترتي وأنا امرؤ أخشى الدوائر فقال صلى الله عليه وسلم خلوهم لعنهم الله ولعنه معهم وتركهم من القتل أي وقال له خذهم لا بارك الله لك فيهم وأمر صلى الله عليه وسلم أن يجلوا من المدينة اي ووكل بإجلائهم عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه وأمهلهم ثلاثة ايام فجلو منها بعد ثلاث أي بعد أن سالوا عبادة بن الصامت أن يمهلهم فوق الثلاث فقال لا ولا ساعة واحدة وتولى إخراجهم وذهبوا إلى اذرعات بلدة بالشام أي ولم يدر الحول عليهم حتى هلكوا أجمعون بدعوته صلى الله عليه وسلم في قوله لابن أبي لا بارك الله لك فيهم
ويذكر أن ابن أبي قبل خروجهم جاء إلى منزله صلى الله عليه وسلم يسأله في إقرارهم فحجب عنه فأراد الدخول فدفعه بعض الصحابة فصدم وجهه الحائط فشجه فانصرف مغضبا فقال بنو قينقاع لا نمكث في بلد يفعل فيه بابي الحباب هذا ولا ننتصر له وتأهبوا للجلاء قال وقيل الذي تولى إخراجهم محمد بن مسلمة رضي الله عنه أي ولا مانع أن يكونا أي عبادة بن الصامت ومحمد بن مسلمة اشتركا في إخراجهم
ووجد صلى الله عليه وسلم في منازلهم سلاحا كثيرا أي لأنهم كما تقدم أكثر يهود اموالا واشدهم بأسا واخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلاحهم ثلاث قسى قوسا يدعى الكتوم أي لا يسمع له صوت إذا رمي به وهو الذي رمى به صلى الله عليه وسلم يوم أحد حتى تشظى بالظاء المشالة كما سيأتي ما فيه وقوسا يدعى الروحاء وقوسا يدعى البيضاء واخذ درعين درعا يقال له السغدية أي بسين مهملة وغين معجمة ويقال إنها درع داوود التي لبسها صلى الله عليه وسلم حين قتل جالوت والأخرى يقال لها فضة وثلاث أرماح وثلاثة اسياف سيف يقال له قلعى وسيف يقال له بتار والآخر لم يسم إنتهى أي وسماه بعضهم بالحيف ووهب صلى الله عليه وسلم درعا لمحمد بن مسلمة ودرعا لسعد بن معاذ رضي الله عنهما والله تعالى اعلم
غزوة السويق
لما أصاب قريشا في بدر ما أصابهم نذر أبو سفيان أن لا يمس رأسه ماء من جنابة أى لا يأتي النساء ولعل هذه العبارة وهي لا يمس رأسه من جنابة وقعت من بعض الصحابة مراده بها ما ذكر من انه لا ياتي النساء ويؤيده ما جاء في بعض الروايات لا يمس النساء والطيب حتى يغزو محمدا او أن ذلك قاله أبو سفيان بناء على أنهم كانوا يغتسلون من الجنابة
ومن ثم ذكر الدميري أن الحكمة في عدم بيان الغسل في آية الوضوء كون الغسل من الجنابة كان معلوما قبل الاسلام بقية من دين إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام فهو من الشرائع القديمة
وفي كلام بعضهم كانوا في الجاهلية يغتسلون من الجنابة ويغسلون موتاهم ويكفنونهم ويصلون عليهم وهو أن يقوم وليه بعد أن يوضع على سريره ويذكر محاسنه ويثني عليه ثم يقول عليك رحمة الله ثم يدفن
وما ذكره الدميري تبع فيه السهيلي حيث قال إن الغسل من الجنابة كان معمولا به في الجاهلية بقية من دين إبراهيم وإسماعيل كما بقي فيهم الحج والنكاح فكان الحدث الاكبر معروفا عندهم ولذلك قال تعال { وإن كنتم جنبا فاطهروا } فلم يحتاجوا إلى تفسيره وأما الحدث الاصغر فلما لم يكن معروفا عندهم قبل الاسلام لم يقل وإن كنتم محدثين فتوضئوا بل قال فاغسلوا الآية الاية
فخرج ابو سفيان في مائتي راكب من قريش ليبر بيمينه حتى نزل بمحل بينه وبين المدينة نحو بريد ثم اتى لبني النضير أى وهم حي من يهود خيبر ينسبون إلى هارون أخي موسى بن عمران عليهما الصلاة والسلام تحت الليل فأتى حيي بن أخطب أى وهومن رؤساء بني النضير وهو أبو صفية أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها فضرب عليه بابه فأبى أن يفتح له لأنه خافه فانصرف عنه وجاء إلى سلام بن مشكم سيد بني النضير أى وصاحب كنزهم أى المال الذى كانوا يجمعونه ويدخرونه لنوائبهم وما يعرض لهم أى وكان حليا يعيرونه لأهل مكة فاستأذن عليه فأذن له واجتمع به ثم خرج إلى أصحابه فبعث رجالا من قريش فأتوا ناحية من المدينة فحرقوا فخلا منها ووجدوا رجلا
من الانصار قال في الامتاع وهذا الانصاري هو معبد بن عمرو وحليفا لهم فقتلوهماثم انصرفوا راجعين فعلم بهم الناس فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فى طلبهم فى مائتين من المهاجرين والانصار أى واستعمل صلى الله عليه وسلم على المدينة بشير ابن عبد المنذر وكان خروجه لخمس خلون من ذى الحجه
وجعل أبو سفيان وأصحابه يخففون للهرب أى لاجله فجعلوايلقون جرب السويق أى وهو قمح وشعير يقلى ثم يطحن ليسف تارة بماء وتارة بسمن وتارة بعسل وسمن وهو عامه أزوادهم فيأخذه المسلمون ولم يلحقو بهم وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم راجعا إلى المدينة وكانت غيبته خمسة أيام
غزوة قرقرة الكدر
ويقال قرقرة الكدر ويقال قراقر فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن جمعا من بنى سليم وغطفان بقرقرة الكدر اى لعله بلغه أنهم يريدون الإغارة على المدينة بعد أن غزاهم صلى الله عليه وسلم كما تقدم وقرقرة الكدر ارض ملساء فيها طيور في ألوانها كدرة عرف بهاذلك الموضع كما تقدم ان الماء الذي بأرضهم الذى بلغه صلى الله عليه وسلم ولم يجد به أحدامنهم يسمى الكدر لوجود ذلك الطير به فسار إليهم في مائتين من أصحابه وحمل لواء علي بن أبي طالب واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم وتقدم فى تلك أنه استخلف على المدينة سباع بن عرفطة أو ابن أم مكتوم وتقدم ما فيه فلما سار إليه أى إلى ذلك الموضع لم يجد به أحدا وأرسل نفر من أصحابه إلى أعلى الوادي واستقبلهم فى بطن الوادي فوجد خمسمائة بعير مع رعاة منهم غلام يقال له يسار فحازوها وانحدروابها إلى المدينة فلما كانوا بمحل على ثلاثة أميال من المدينة خمسها صلى الله عليه وسلم فأخرج خمسة وقسم الاربعة الأخماس على أصحابه فخص كل رجل منهم بعيران ووقع يسار في سهمه صلى الله عليه وسلم فأعتقه صلى الله عليه وسلم لأنه رآه يصلى أى وقد أسلم وتعلم الصلاة من المسلمين بعد أسره أى وفى كون هذا غنيمة حيث قسمه كذلك وقفة
وكانت مدة غيبته صلى الله عليه وسلم خمس عشرة ليلة فعلم أنه صلى الله عليه وسلم
غزا بني سليم وأنه وصل الى ماء من مياههم يقال له الكدر لوجود ذلك الطير به وأنه استعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري أو ابن أم مكتوم وهنا وقع الجزم بالثاني وأن الأولى لم يذكر أنه وجد فيها شيئا من النعم
وظاهر هذا يدل على التعدد وجرى عليه الأصل أي وحينئذ تكون تلك الطيور توجد في ذلك الماء وفي تلك الأرض فعلى هذا يكون صلى الله عليه وسلم غزا بني سليم مرتين مرة وصل فيها لذلك الماء ولم يجد شيئا من النعم ومرة وصل فيها لتلك الأرض ووجد بها تلك النعم ولم أقف على أن محل ذلك الماء سابق على تلك الأرض أو أن تلك الأرض سابقة على محل ذلك الماء
وفي السيرة الشامية أن غزوة بني سليم هي غزوة قرقرة الكدر فعليه يكون إنما غزا بني سليم مرة واحدة أي وحينئذ يكون الماء الذي كان به ذلك الطير كان في تلك الأرض الملساء أو قريبا منها فليتأمل والحافظ الدمياطي جعل غزوة بني سليم هي غزوة بحران الآتية وسنذكرها
غزوة ذي أمر
بتشديد الراء اسم ماء أي وسماها الحاكم غزوة أنمار ويقال أنها غزوة غطفان
بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلا يقال له دعثور بضم الدال وإسكان العين المهملتين ثم مثلثة مضمومة ابن الحارث أي الغطفاني من بني محارب جمع جمعا من ثعلبة ومحارب بذى أمر أي وهو موضع من ديار غطفان أي ولعل به ذلك الماء المسمى بما ذكر كما تقدم يريدون أن يصيبوا من أطراف المدينة فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أربعمائة وخمسين رجلا لاثنتين عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول واستخلف على المدينة عثمان بن عفان وأصاب أصحابه رجلا منهم أي يقال له جبار وقيل حباب بكسر الحاء المهملة وبالباء الموحدة من بني ثعلبة فأدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره من خبرهم أي وقال له لن يلاقوك ولو سمعوا بمسيرك إليهم هربوا في رءوس الجبال وأنا سائر معك فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم للإسلام فأسلم وضمه صلى الله عليه وسلم إلى بلال أي وأخذ به ذلك الرجل طريقا وهبط به عليهم فسمعوا بمسير رسول الله صلى الله عليه وسلم فهربوا في رءوس الجبال أي فبلغوا ماء
يقال له ذو أمر فعسكر به صلى الله عليه وسلم وأصابهم مطر أي كثير بل ثياب رسول الله صلى الله عليه وسلم وثياب أصحابه فنزع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبيه ونشرهما على شجرة ليجفا واضطجع أي بمرأى من المشركين واشتغل المسلمون في شئونهم فبعث المشركون دعثورا الذي هو سيد القوم وأشجعهم المجمع لهم أي فقالوا له قد انفرد محمد فعليك به أي وفي لفظ أنه لما رآه قال قتلني الله ان لم أقتل محمدا فجاء دعثور ومعه سيفه حتى قام على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال من يمنعك مني اليوم وفي رواية الآن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله ودفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده أي بعد وقوعه على ظهره فأخذ السيف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له من يمنعك مني قال لا أحد أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله وفي رواية وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ثم أتى قومه أي بعد أن أعطاه صلى الله عليه وسلم سيفه فجعل يدعوهم الى الاسلام وأخبرهم أنه رأى رجلا طويلا دفع في صدره فوقع على ظهره فقال علمت أنه ملك فأسلمت ونزلت هذه الآية ( يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم ) الآية ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ولم يلق حربا وكانت مدة غيبته إحدى عشرة ليلة
غزوة بحران
بفتح الموحدة وتضم وسكون الحاء المهملة وعبر عنها الحافظ الدمياطي بغزوة بني سليم كما تقدم
لما بلغه صلى الله عليه وسلم أن ببحران موضع بالحجاز معروف بينه وبين المدينة ثمانية برد جمعا كثيرا من بني سليم خرج في ثلثمائة من أصحابه لست خلون من جمادى الأولى واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم أي ولم يظهر وجها للسير وأحث السير حتى بلغ بحران فوجدهم قد تفرقوا في مياههم أي وكان صلى الله عليه وسلم قبل أن يصل الى ذلك بليلة لقي رجلا من بني سليم فأخبره أن القوم تفرقوا فحبسه مع رجل وسار إلى أن وجدهم كذلك فأطلق الرجل وأقام بذلك المحل أياما ثم رجع ولم يلق حربا وكانت غيبته عشر ليال
وعلى مقتضى هذا السياق تبعا للأصل يكون غزا بني سليم ثلاث مرات مرة عقب بدر وهذه الغزوة وغزوة ذي أمر كانتا في السنة الثالثة من الهجرة
وفي تلك السنة التي هي الثالثة عقد عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه على أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موت أختها رقية وتقدم وقت موتها
وعقد صلى الله عليه وسلم على حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما وذلك في شعبان لما انقضت عدة وفاة زوجها خنيس بن حذيفة من شهداء بدر بعد أن عرضها عمر على أبي بكر فلم يجبه لشيء وعرضها على عثمان فلم يجبه لشيء فقال عمر يا رسول الله قد عرضت حفصة على عثمان فأعرض عني فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله قد زوج عثمان خيرا من ابنتك وزوج ابنتك خيرا من عثمان فتزوج عثمان أم كلثوم وتزوج صلى الله عليه وسلم حفصة
وتزوج أيضا صلى الله عليه وسلم زينب بنت خزيمة في رمضان وتزوج زينب بنت جحش بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب في تلك السنة
وقيل تزوجها في السنة الرابعة وصححها في الأصل وقيل في الخامسة وكان اسمها برة بفتح الموحدة واسم أمها برة بضمها فغير صلى الله عليه وسلم اسمها وسماها زينب وقال لها صلى الله عليه وسلم لو كان أبوك مسلما لسميناه باسم رجل منا ولكن قد سميته جحشا أي والجحش في اللغة السيد
وقد كان صلى الله عليه وسلم جاء إليها ليخطبها لمولاه زيد بن حارثة فقالت لست بناكحته قال بل فانكحيه قالت يا رسول الله أؤامر أي أشاور نفسي فإني خير منه حسبا فأنزل الله تعالى ( وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ) الآية فقالت عند ذلك رضيت
وفي رواية أنها وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم فزوجها من زيد فسخطت هي وأخوها وقالا إنما أردنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فزوجها عبده فنزلت الآية
أي وعن مقاتل أن زيد بن حارثة لما أراد أن يتزوج زينب جاء الى النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله أخطب على قال له من قال زينب بنت جحش فقال له لا أراها تفعل إنها أكرم من ذلك نسبا فقال يا رسول الله إذا كلمتها أنت وقلت زيد أكرم الناس على فعلت قال إنها امرأة لسناء أي فصيحة والمراد لسانها
طويل فذهب زيد إلى علي رضي الله تعالى عنه فحمله على أن يكلم له النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق معه علي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكلمه فقال إني فاعل ذلك ومرسلك يا علي إلى أهلها لتكلمهم ففعل ثم عاد فأخبره بكراهتها وكراهة أخيها لذلك فأرسل إليهم النبي صلى الله عليه وسلم يقول قد رضيته لكم وأقضي أن تنكحوه فانكحوه وساق إليهم عشرة دنانير وستين درهما ودرعا وخمارا وملحفة وإزارا وخمسين مدا من الطعام وعشرة أمداد من التمر أعطاه ذلك كله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بعد ذلك جاء صلى الله عليه وسلم بيت زيد يطلبه فلم يجده فتقدمت إليه زينب فأعرض عنها فقالت له ليس هو هنا يا رسول الله فادخل فأبى أن يدخل وأعجبت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي لأن الريح رفعت الستر فنظر إليها من غير قصد فوقعت في نفسه صلى الله عليه وسلم فرجع وهو يقول سبحان مصرف القلوب وفي رواية مقلب القلوب وسمعته زينب يقول ذلك فلما جاء زيد أخبرته الخبر فجاء إليه صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله لعل زينب أعجبتك فأفارقها لك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك عليك زوجك فما استطاع زيد إليها سبيلا بعد ذلك اليوم أي فلم يستطع أن يغشاها من حين رآها صلى الله عليه وسلم إلى أن طلقها
فعنها رضي الله تعالى عنها لما وقعت في قلب النبي صلى الله عليه وسلم لم يستطعني زيد وما امتنعت منه وصرف الله تعالى قلبه عني وجاءه يوما وقال له يا رسول الله إن زينب اشتد على لسانها وأنا أريد أن أطلقها فقال له اتق الله وامسك عليك زوجك فقال استطالت على فقال له إذن طلقها فطلقها فلما انقضت عدتها ارسل زيدا لها فقال له اذهب فاذكرها علي فانطلق قال فلما رأيتها عظمت في صدري فقلت يا زينب أبشري أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك قالت ما انا بصانعه شيئا حتى أؤامر ربي أى أستخيره فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس يتحدث مع عائشة إذ نزل عليه الوحي بأن الله زوجه زينب فسرى عنه وهو يبتسم وهو يقول من يذهب الى زينب فيبشرها أن الله زوجنيها من السماء وجاء إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بغير إذن قالت دخل علي وأنا مكشوفة الشعر فقلت يا رسول الله بلا خطبة ولا إشهاد قال الله المزوج وجبريل الشاهد أي وأنزل الله تعالى وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك الآية فهذه
الآية نزلت في زيد رضي الله عنه وقد قالها صلى الله عليه وسلم في حق ولده أسامه فقد جاء أحب أهلي إلى من أنعم الله وأنعمت عليه أسامه بن زيد وعلي بن أبي طالب فنعمة الله على زيد وعلى ولده أسامه الاسلام ونعمة النبي صلى الله عليه وسلم عليهما العتق لأن عتق أبيه عتق له تأمل
وإنما توجه هذا العتب أي لأن الله تعالى كان أعلم نبيه أن زينب ستكون من أزواجه صلى الله عليه وسلم فلما شكا إليه زيد قال له أمسك عليك زوجك واتق الله وأخفى منه في نفسه ما الله مبديه ومظهره وهو ما أعلمه الله به من أنك ستزوجها فالذي أخفاه ما كان الله أعلمه به ( وتخشى الناس ) أي اليهود والمنافقين أن يقولوا تزوج امرأة ابنه ( والله أحق أن تخشاه ) في إمضاء ما أحبه ورضيه لك وأعطاك إياه
وقد جعل الله تعالى طلاق زيد لها وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم إياها لإزالة حرمة التبني قال تعالى { لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم } وأولم صلى الله عليه وسلم عليها بما لم يولم به على نسائه وذبح شاه وأطعم فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم
ففي البخاري فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يخرج ثم يرجع وهم قعود يتحدثون وفي البخاري أيضا فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق الى حجرة عائشة فقال السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته فقالت وعليك السلام ورحمة الله وبركاته كيف وجدت أهلك بارك الله لك ثم دخل حجر نسائه كلهن يقول كما قال لعائشة ويقلن له كما قالت عائشة ثم رجع النبي صلى الله عليه وسلم فوجد القوم في البيت يتحدثون قال أنس رضي الله تعالى عنه وكان النبي صلى الله عليه وسلم شديد الحياء فخرج فطلبها الى حجرة عائشة فأخبر أن القوم خرجوا فرجع حتى وضع رجله في أسكفة البيت داخله وأخرى خارجه أرخى الستر بيني وبينه فنزلت آية الحجاب قال في الكشاف وهي أدب أدب الله تعالى به الثقلاء
وفي مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت خرجت سودة بعد ما ضرب علينا الحجاب تقضي حاجتها أي بالمناصع محل كان أزواجه صلى الله عليه وسلم يخرجن إليه بالليل للتبرز وكانت امرأة جسيمة فرآها عمر بن الخطاب فقال يا سودة والله ما تخفين علينا فانظري علينا كيف تخرجين فانكفأت راجعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم.
التالي بمشيئة الله ج9.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق